لم تعد المدينة الذكية مجرد وعد بتقليل الازدحام أو تسريع الخدمات أو ترشيد الطاقة؛ فقد تحولت في نماذج كثيرة إلى بنية حضرية قائمة على جمع البيانات من الشارع والمرفق العام ووسائل النقل وأجهزة الاستشعار والكاميرات. وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن نجاح المدن الذكية يعتمد على توافر البيانات وحسن استخدامها في صنع القرار، لكنها تنبه في الوقت نفسه إلى أن هذه البيانات قد تمس الخصوصية والهوية والحركة والموقع والمعاملات اليومية للسكان. وهنا يظهر السؤال المركزي: هل تُدار البيانات باعتبارها أداة لتحسين حياة الناس، أم باعتبارها موردًا اقتصاديًا وإداريًا يمكن أن يعيد تشكيل علاقة السكان بالمدينة؟
تنبّه أدبيات المدن الذكية إلى أن الخطر لا يأتي من أداة واحدة، بل من تراكم أدوات كثيرة تعمل معًا: كاميرات، وحساسات، ومنصات دفع، وتطبيقات نقل، ولوحات قيادة حضرية، وسجلات دخول وخروج. ويرى روب كيتشن أن المدن الذكية تنتج "بيانات حضرية ضخمة" قادرة على تحسين الخدمات، لكنها تفتح أيضًا مشكلات تتعلق بالخصوصية والأمن والاختراق وإعادة استخدام البيانات في سياقات لم يوافق عليها الأفراد أصلًا. لذلك لا يكفي أن نقول إن المدينة صارت "أذكى"، بل يجب أن نسأل: من يعرّف الذكاء؟ ومن يملك آثاره الرقمية؟
أولاً: التحول من البانوبتيكون إلى رأسمالية المراقبة
يمكن فهم هذا التحول من خلال فكرة "البانوبتيكون" عند ميشيل فوكو، حيث لا تقوم المراقبة فقط على رؤية الفرد، بل على جعل الفرد يتصرف كما لو كان مرئيًا دائمًا. في المدينة الذكية لا يوجد برج مراقبة واحد، بل شبكة منتشرة في الطرق والمباني والمنصات تجعل الرؤية جزءًا من البنية التحتية نفسها. أما شوشانا زوبوف فتضيف بُعدًا اقتصاديًا حين ترى أن التجربة الإنسانية اليومية قد تتحول في الاقتصاد الرقمي إلى مادة خام تُستخرج منها بيانات للتنبؤ بالسلوك وتوجيهه وبيعه في أسواق جديدة للمعرفة والاحتمال. وبذلك تصبح المدينة الذكية ليست فقط مكانًا للسكن والتنقل، بل بيئة لإنتاج البيانات باستمرار.
"نيوم" و"ذا لاين": المدينة الإدراكية وسؤال القيمة
تطرح "ذا لاين" في "نيوم" نفسها بوصفها نموذجًا مختلفًا للعيش الحضري، إذ تقدمها "نيوم" كمدينة خطية بلا سيارات تقليدية، مصممة حول القرب من الخدمات، وتقليل الهدر، وإعادة تصور العلاقة بين الإنسان والبيئة المبنية. غير أن الجانب الأهم في سياق هذا المقال هو وصف نيوم لنموذج "المدن الإدراكية"، أي المدن التي تستخدم الذكاء الاصطناعي والاتصال فائق السرعة وتحليل البيانات لتوقع احتياجات السكان وإدارة الموارد بمرونة أعلى. هذا الوعد يبدو جذابًا من زاوية الخدمة والكفاءة، لكنه يجعل البيانات شرطًا أساسيًا لعمل المدينة.
تزداد المسألة وضوحًا في التصريحات التي نقلتها وكالة "رويترز" عن مسؤول في "نيوم"، حيث رُبطت الثقة بالبيانات، والبيانات بالقيمة، مع الإشارة إلى نموذج يمنح السكان دورًا في إدارة الموافقة على استخدام بياناتهم وربما الحصول على مقابل عند السماح باستخدامها. هذه الصيغة تفتح بابًا مهمًا للنقاش، هل يمكن تحويل بيانات السكن والحركة والاستهلاك إلى أصل اقتصادي يشارك فيه السكان، أم أن العلاقة ستظل غير متكافئة بين فرد يعيش داخل منظومة مغلقة، وشركة أو سلطة تملك البنية التقنية؟
دبي: الأمن الحضري والتوأم الرقمي
في دبي، تبدو المدينة الذكية مرتبطة أكثر بفكرة الإدارة الشاملة للمدينة والأمن الحضري. يبرز مشروع "عيون" بوصفه نظامًا يستخدم الذكاء الاصطناعي وكاميرات المراقبة وتحليل السلوك والتعرف على الوجوه ولوحات المركبات، وقد أُشير إلى أن كاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي ساعدت شرطة دبي عام 2018 في توقيف 319 مطلوبًا، مع أكثر من 5000 كاميرا تغطي مواقع سياحية ومواصلات وطرقًا عامة. هذا المثال يوضح كيف يمكن للتقنية أن ترفع كفاءة الاستجابة الأمنية، لكنه يضع في الوقت نفسه سؤالًا واضحًا حول حدود الرصد ومدة الاحتفاظ بالبيانات ومن يراجع دقة الخوارزميات.
ولا تقف دبي عند الرصد الأمني؛ فقد اتجهت أيضًا إلى تطوير التوأم الرقمي للمدينة، وهو نموذج افتراضي يعتمد على بيانات مكانية وزمنية تساعد على إدارة البنية التحتية والتخطيط واتخاذ القرار. وأعلنت دائرة الأراضي والأملاك في دبي وبلدية دبي شراكة رقمية لتعزيز إدارة المدينة الذكية من خلال تكامل البيانات والمعلومات العمرانية. في هذه الحالة لا تكون البيانات مرتبطة بشخص واحد فقط، بل تصبح خريطة تشغيلية للمدينة كلها، من العقار إلى الطريق، إلى المرفق العام.
ولتتضح الصورة أكثر، توضح تجربة مدينة سان دييغو بالولايات المتحدة أن أدوات المدينة الذكية قد تبدأ لخدمة الناس، ثم تثير أسئلة عن الخصوصية؛ فقد شمل مشروع تحديث الإنارة تركيب كاميرات وميكروفونات وحساسات على 3200 عمود إنارة. وهكذا لم يعد العمود مجرد مصدر للضوء، بل أصبح قادرًا على رصد الحركة وبعض الأصوات، كما تكشف سنغافورة عن كيف يمكن للأشياء اليومية في المدينة أن تتحول إلى أدوات لجمع البيانات؛ فقد اختبرت وضع كاميرات ذكية على أعمدة الإنارة، يمكنها التعرف على الوجوه، أي مقارنة صورة الشخص بقائمة أو قاعدة بيانات محددة. ورغم أن الهدف قد يكون تنظيم المرور أو سرعة التدخل وقت الحوادث، فإن السؤال يبقى قائمًا: ما البيانات التي تُجمع؟ ومن يطلع عليها؟ وكم تبقى محفوظة؟
مكة: إدارة الحشود بين السلامة والحوكمة
تقدم مكة نموذجًا مختلفًا، لأن استخدام البيانات والكاميرات يرتبط هنا بإدارة الحشود في موسم ديني شديد الكثافة، حيث تكون السلامة العامة أولوية عملية. ووفق وكالة الأنباء السعودية، دُمجت أكثر من 5000 كاميرا في نظام "سواهر" خلال حج 1446هـ/2025، لتغطية أكثر من 80 موقعًا دائمًا وموسميًا في المشاعر المقدسة ونقاط الدخول، مع توظيف التحليل الذكي لدعم إدارة الحشود والأمن. تكشف هذه الحالة أن المراقبة ليست دائمًا نتيجة رغبة في السيطرة، بل قد تنشأ من حاجة تنظيمية حقيقية؛ لكن شرعيتها ترتبط بوجود قواعد واضحة للاستخدام المحدد، وعدم توسيع الغرض بعد انتهاء الحاجة.
تورونتو ولندن: درس عالمي في الثقة
تجربة "Sidewalk Labs" في تورونتو تقدم درسًا مهمًا للمدن العربية، لأن المشروع لم يفشل بسبب ضعف التكنولوجيا فقط، بل بسبب أزمة ثقة حول من يحكم البيانات. فقد اقترحت الشركة، التابعة لألفابت/جوجل، إنشاء "صندوق بيانات حضري" لإدارة البيانات التي تُجمع في الأماكن العامة، لكن باحثين أوضحوا أن النموذج افتقر إلى الوضوح بشأن المشكلة التي يحلها، وآليات المساءلة، وعلاقته بالقانون القائم لحماية البيانات. انتهت التجربة إلى رسالة بسيطة: لا تكفي المدينة الذكية أن تكون مدهشة تقنيًا، يجب أن تكون مفهومة ومقبولة وقابلة للمحاسبة.
وفي لندن، أظهرت واقعة كينغز كروس، وهي منطقة خاصة مفتوحة للجمهور، أن الخصوصية قد تتأثر حتى في الأماكن العامة ظاهريًا. فقد راجع مكتب مفوض المعلومات البريطاني، وهو جهة رقابية لحماية البيانات، استخدام كاميرات للتعرف على الوجوه بين عامي 2016 و2018. وتعني هذه التقنية مقارنة وجوه المارة بقوائم محددة، لذلك كان الانتقاد الأساسي أن الناس لم يُبلغوا بوضوح بأن مرورهم العادي قد يتحول إلى بيانات حساسة.
برشلونة وأمستردام: بدائل أكثر قربًا من السكان
في المقابل، تقدم برشلونة تصورًا مختلفًا قائمًا على "سيادة البيانات" والبرمجيات الحرة والمعايير المفتوحة، بحيث لا تُترك البنية الرقمية للمدينة رهينة المزودين الكبار أو العقود المغلقة. وتوضح مبادرة مدن الحقوق الرقمية أن برشلونة سعت، عبر سياسات البيانات المفتوحة والمشاع الرقمي، إلى تعزيز الشفافية وقابلية التشغيل البيني وحماية حق السكان في التحكم بمعلوماتهم. لذلك تبرز أسماء مثل آدا كولاو وفرانشيسكا بريا في النقاش العالمي لا بوصفهما رمزين تقنيين، بل لأن تجربتهما نقلت السؤال من "كيف نجعل المدينة أكثر ذكاء؟" إلى "كيف نجعل الذكاء الحضري أكثر ديمقراطية؟".
أما أمستردام فتبنت مبادئ "Tada" التي تركز على الشمول، وتحكم الناس في البيانات، والشفافية، والشرعية، والرقابة الأخلاقية على استخدام التكنولوجيا في المجال العام. ويوضح دليل المدينة لجمع البيانات في الفضاء العام أن استخدام الحساسات والكاميرات يجب أن يمر عبر نقاش واضح حول الفائدة والضرورة والبدائل الأقل تدخلًا في الخصوصية. لا ترفض أمستردام البيانات، لكنها تحاول جعلها قابلة للفهم والمساءلة قبل أن تصبح أمرًا واقعًا.
ثانيًا: الحماية لا تبدأ بعد جمع البيانات
بدأت بعض الدول العربية تطوير أطر قانونية لحماية البيانات، وهو أمر ضروري لأن المدينة الذكية لا يمكن أن تُدار فقط بمنطق العقود التقنية. في الإمارات، ينص قانون حماية البيانات الشخصية على التزامات تتعلق بسجلات المعالجة، ومدد التخزين، والأشخاص المصرح لهم بالوصول، والتدابير التقنية والتنظيمية، كما يقرر دور مسؤول حماية البيانات في متابعة الامتثال وتلقي الشكاوى. هذا مهم لأن بيانات المدينة لا تُجمع مرة واحدة، بل تتدفق يوميًا من آلاف النقاط، ما يجعل الحوكمة المستمرة أهم من الموافقة الشكلية.
وفي السعودية، يعرض نظام حماية البيانات الشخصية بوصفه إطارًا يضمن حقوق الأفراد ويحدد التزامات جهات التحكم في معالجة البيانات الشخصية. لكن التحدي العملي في المدن الذكية لا يقتصر على وجود القانون، بل يمتد إلى ترجمته داخل تصميم المنصات نفسها: هل يستطيع الساكن معرفة ما جُمع عنه؟ هل يستطيع الاعتراض؟ هل توجد نسخة مبسطة من سياسة البيانات؟ وهل تُجرى مراجعة مستقلة للأنظمة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في التقييم أو التنبؤ أو التصنيف؟
ثالثًا: نحو مدينة ذكية لا مدينة مراقبة
وعلى الرغم من أن للمدن الذكية فوائد، إذ يمكن للبيانات أن تحسن الإسعاف والمرور والطاقة والصيانة وإدارة الحشود والخدمات البلدية، كما يمكن للتوائم الرقمية أن تساعد المخططين على اختبار القرارات قبل تنفيذها في الواقع. إلا أنه يوجد فرق بين المدينة الذكية والمدينة المراقِبة يكمن في التصميم المؤسسي: الأولى تجعل البيانات في خدمة السكان، والثانية تجعل السكان مصدرًا دائمًا للبيانات.
لذلك يحتاج أي نموذج عربي للمدن الذكية إلى خمسة مبادئ عملية: تقليل جمع البيانات إلى الحد الضروري، وتحديد الغرض قبل الجمع لا بعده، وتحديد مدة الاحتفاظ والحذف، ونشر سجلات مبسطة لما تجمعه المدينة من بيانات، وإنشاء جهة مستقلة لمراجعة الخوارزميات والعقود. كما يجب أن تكون "الموافقة" قابلة للفهم وليست مجرد شرط طويل داخل تطبيق؛ فالساكن لا يستطيع مغادرة الشارع أو المستشفى أو وسيلة النقل كما يحذف تطبيقًا من هاتفه.
في النهاية، يكشف النقاش أن مستقبل المدينة الذكية لن يُحسم بالكاميرات والحساسات والخوارزميات، بل بطريقة توزيع السلطة على البيانات. فإذا عوملت البيانات باعتبارها موردًا عامًا محكومًا بالشفافية والضرورة والمساءلة، يمكن للمدينة الذكية أن تصبح أداة لتحسين جودة الحياة. أما إذا جُمعت البيانات في صمت، وخُزنت طويلًا، وحُللت بعيدًا عن السكان، فإن المدينة قد تتحول إلى جهاز مراقبة واسع بواجهة مريحة. ومن هنا يبدأ الحق في المدينة الذكية من حق أبسط: أن يعرف السكان ما الذي يُجمع عنهم، ولماذا، ولصالح من، وإلى متى.