في المجتمع الفلسطيني، لا يمكن التعامل مع الحكاية بوصفها نشاطًا ثقافيًا منفصلًا عن الحياة اليومية، ولا مع الحكواتي بوصفه فاعلًا فنيًا معزولًا، فالفلسطينيون، بحكم كثافة الحدث التاريخي وتراكم الصدمات وتعدّد الجغرافيات داخل مساحة ضيقة (قرية، مدينة، مخيم، لجوء، داخل محتَل)، يعيشون داخل فيض سردي دائم، وكل شخص يحمل قصة، وكل مكان يحمل روايته، وكل عائلة تمتلك أرشيفها الخاص من الحكايات، ما يجعل المجتمع الفلسطيني، في جوهره، مجتمعًا حكّاءً.
وبالمحصلة، فإن هذا الفيض السردي ليس نتيجة ميل ثقافي مجرد يختاره الفلسطيني بذاته، بل نتاج مباشر لواقع سياسي قسري، حيث يتحوّل السرد إلى وسيلة لفهم ما يجري، وتتحول الحكاية والمرويات إلى أدوات لتفسير الظلم، وربط الأحداث ببعضها البعض، وإنتاج معنى في سياق يسعى الاحتلال فيه إلى تفكيك الزمن الفلسطيني وتحويله إلى لحظات معزولة بلا تاريخ جامع.
كانت مرويات الحكواتي الفلسطيني الراحل حمزة العقرباوي (وقد دار بيني وبينه حوار مطوّل حول مهنة الحكواتي وتاريخها ووظيفتها، وحفظت هذه المحادثات بوصفها شهادة شفوية نادرة، تُقرأ اليوم ليس فقط كمادة تحليلية، بل كجزء من الذاكرة التي عمل العقرباوي نفسه على صونها) تجربةً نافذة في الفن الذي يخلط الترفيه بالحكاية بالسياسية بالاقتصاد بالاجتماع، في محاولة لحفظ أرشيف البلاد وأصحاب الأرض، وتخلد حكايات النضال و مقارعة الاستعمار والاحتلال ومحاولات التفتيت والتشريد.
من الحاج خضر إلى حمزة العقرباوي
ضمن هذا السياق، تبرز تجربة العقرباوي بوصفها امتدادًا طبيعيًا لهذا الإرث، إذ كان العقرباوي يعرف نفسه بأنه فلاح من قرية عقربا، قضاء نابلس، مواليد 1984، وهو تعريف ليس عرضيًا، بل كاشفًا عن علاقة عضوية بين الأرض والسرد والحكاية.
نشأ حمزة على حكايات جدّه الحاج خضر العقرباوي، الذي كان حكّاءً يروي للناس قصص الفلاحين، والإرث اللامادي المخزَّن في ذاكرته، من التفاعلات المجتمعية إلى تفاصيل المواسم، إلى النزاعات على الأرض، إلى أشكال القمع والعنف التي تعرض لها الفلسطينيون عمومًا. لا تنتقل هنا الحكاية بوصفها قصة، بل بوصفها طريقة في رؤية العالم، وفيها فهم الأرض بوصفها كيانًا حيًا، وفهم الظلم بوصفه تجربة معيشة لا مفهومًا مجردًا.
بين البيادر والمقاهي
تاريخيًا، لم تنتشر الحكاية الفلسطينية في فضاءات عشوائية، بل في أماكن ذات وظيفة اجتماعية واقتصادية دقيقة، شكّلت العمود الفقري للحياة اليومية قبل تفككها بفعل الاستعمار والاقتلاع. في الريف الفلسطيني مثلًا، كانت البيادر في مواسم الحصاد من أهم مسارح السرد الجماعي، إذ يلتقي الفلاحون بعد يوم عمل شاق في جمع الغلال، في لحظة تتقاطع فيها شروط الإنتاج الزراعي مع الاجتماع الإنساني، فتنبثق الحكايات بوصفها امتدادًا طبيعيًا للعمل، لا قطيعة معه.
هنا، تُروى القصص عن الأرض وحدودها، عن المواسم الجيدة والسيئة، عن النزاعات على الماء والملكية، وعن البطولات الصغيرة والقدرات الفردية لفلاح يحمل عدة أكياس من القمح معًا، أو يحمل "غُمر" القمح بطريقة بهلوانية أمام نساء القرية ليغريهم بقوته مثلًا، والقصص التي لا تدخل كتب التاريخ، لكنها تؤسس لذاكرة القرية. لم تكن الحكاية في هذا السياق وسيلة تسلية، بل جزءًا من دورة الإنتاج الاجتماعي نفسها، تُعيد تثبيت العلاقة بين الإنسان والأرض، وتمنح العمل الزراعي معنىً يتجاوز الجهد الجسدي إلى الانتماء والحق والكرامة.
في المضافات لدى العائلات الكبيرة، ومجالس المخاتير وأعيان القرى، أدى الحكواتي وظيفة سياسية غير معلنة، لكنها شديدة الأهمية، إذ إن السرد هنا لم يكن بريئًا، بل أداة لتنظيم العلاقات الاجتماعية، وفضّ النزاعات بصورة رمزية، وإعادة ضبط التوازنات داخل المجتمع المحلي. عبر الحكاية، تُمرَّر القيم، وتُحدَّد المعايير، ويُعاد تعريف المقبول والمرفوض، دون اللجوء إلى سلطة قهرية مباشرة. كانت المضافة، بهذا المعنى، فضاء حكم غير رسمي، والحكاية إحدى أدواته الأساسية.
أما في المدن الفلسطينية الكبرى مثل القدس ويافا ونابلس، فقد انتقلت الحكاية إلى المقاهي العامة، حيث تحوّل الفضاء المدني إلى ساحة تداول سردي مفتوحة. كان الحكواتي يطوف بين المقاهي، يروي "التخاريف" والملاحم الشعبية، ويُدخل إلى المدينة إيقاع الريف والذاكرة الجمعية، كاسرًا الفاصل بين الطبقات، ومحوّلًا المقهى إلى مجال عام بديل، تُناقَش فيه القضايا الكبرى بلغة الحكاية لا السياسة المباشرة.
ضمن هذا الامتداد التاريخي الاجتماعي، يمكن فهم تجربة حمزة العقرباوي لا بوصفها إحياءً اصطناعيًا لفن منقرض، بل استمرارًا حيًا لوظيفة السرد في الفضاءات نفسها، وإن تغيّرت أشكالها، إذا قلنا إن العقرباوي، الآتي من بيئة فلاحية، لم يفصل يومًا بين الحكاية والأرض، ولا بين السرد والعمل الزراعي.
نشأ العقرباوي على مرويات البيادر، وعلى قصص الجدّ عن المواسم والنزاعات والملكية، ما جعله يدرك مبكرًا أن الحكاية ليست خطابًا فوقيًّا، بل نتاجًا مباشرًا لبنية اقتصادية واجتماعية. حين أعاد لاحقًا إحياء هذا الفن في القرى الفلسطينية، أو في جولات "تجوال سفر" وهو الفريق الذي اسسه عام 2012، ليستضيف شبانًا عربًا وأجانب و"يخرّفهم" حكايات البلاد، وكان يستعيد وظيفة البيادر والمضافات والمقاهي، لكن في سياق سياسي جديد، حيث أصبحت الحكاية أداة مقاومة ضد اقتلاع الأرض، وتفكيك المجتمع، ومحو الذاكرة.
بهذا المعنى، لا يقف العقرباوي خارج تاريخ الحكاية الفلسطينية، بل داخل قلبه، كحلقة تربط بين البيادر القديمة وجمهور الحاضر، وبين السرد الفلاحي بوصفه تعبيرًا عن الاقتصاد والحياة، والسرد المعاصر بوصفه أداة وعي وتعبئة وصمود.
الحكواتي كجسر جغرافي
إلى جانب هذه الفضاءات الثابتة، يروي لنا العقرباوي كيف ظهر نمط الحكواتي المتنقّل في البلاد قبل حوالي مئة وثمانين عامًا، وفيه الحكواتي الذي كان يزور القرى الفلسطينية في مواسم الحصاد أو في ليالي رمضان بعد الإفطار، ناقلًا مرويات القرى الأخرى، ومُعيدًا ربط الجغرافيا الفلسطينية مع الشامية عبر الحكاية. هذا الدور كان بالغ الأهمية في مجتمع بدأ يتعرض مبكرًا للتفكيك المكاني، حيث تصبح الحكاية أداة مقاومة ضد العزلة الجغرافية، وضد تفتيت الوعي المحلي. في الواقع لم يكن الحكواتية فقط من فلسطين، بل زار البلاد حكواتية من سوريا ولبنان ومصر، وقدموا عروضًا ترفيهية من قيل قصص كركوز وعيواظ، وقصص وحكايات "صندوق عجايبك عجايب"، مع مرويات خيال الظل وغيرها من الأساليب المرتبطة بمهنة الحكواتي.
جاء الحكواتية والمخيّلون السوريون (الشوام) إلى فلسطين ومعهم كركوز وعيواظ، وقد كانوا يعرضونها خفية نتيجة القمع المشدد حينها، لا سيما أن بلغ الهجاء السياسي والانتقاد الاجتماعي لديهم حدًّا أثار استنكار السلطات الدينية والمدنية معًا، وصولًا إلى المنع والملاحقة. فقد شجب هؤلاء الحكواتية مرارًا الظلم والاستبداد، وعرّى آليات القمع والهيمنة، وصوّروا الشرائح الفقيرة من المجتمع تصويرًا واقعيًا خاليًا من التجميل، كاشفين التفاوت الاجتماعي بوصفه بنية قائمة لا حالة عابرة.
في كتب ومخطوطات نمر سرحان حول الحكاية الشعبية الفلسطينية، وأعمال شريف كناعنة وتودد عبد الهادي، إضافة إلى نحو 46 كتابًا ومرجعًا تناولت الحكايات الفلسطينية، وكذلك في مذكرات عزة دروزة عن تاريخ فلسطين والبلاد الشامية، يظهر أن الحكواتي المتنقّل لا ينقل القصص فقط، بل يرحّل معه خبرة اجتماعية وسياسية من مكان إلى آخر. وهذا ما يجعل من الحكاية وسيلة لبناء وعي فلسطيني مشترك يتجاوز حدود القرية والمنطقة.
القطيعة القسرية مع الحكاية
لم تكن نكبة عام 1948 مجرّد حدث عسكري أو تحوّل جغرافي، بل شكّلت قطيعة بنيوية مع أنماط الحياة الفلسطينية، ومن ضمنها منظومة الحكاية الشفوية التي كانت تؤدي وظائف اجتماعية وسياسية مركزية، إذ انه مع انهيار البنية القروية، وتفكك الفضاءات الجماعية التي احتضنت السرد من البيادر إلى المضافات والمقاهي، خفت حضور الحكواتية ليس نتيجة تطوّر طبيعي، بل بفعل سلسلة من القيود القسرية المتشابكة.
أولى هذه القيود تمثّلت في التضييق الأمني المباشر على الفلسطينيين داخل المناطق التي خضعت للسيطرة الصهيونية، حيث جرى منع التجمعات أو مراقبتها بوصفها تهديدًا أمنيًا محتملًا، وبما أن الحكاية الشفوية تقوم في جوهرها على الاجتماع والتفاعل، وتداول الذاكرة في فضاء عام أو شبه عام، فقد تحوّلت ممارستها إلى فعل محفوف بالمخاطر، يُخشى أن يُفسَّر بوصفه تنظيمًا سياسيًا مقنّعًا.
في الوقت نفسه، انشغل الفلسطينيون، خصوصًا في المناطق التي تعرّضت لهجمات مباشرة، بـتأمين المنازل وحمايتها من اعتداءات اللجان الصهيونية، ما أدّى إلى انكماش الحياة الاجتماعية لمصلحة أولويات البقاء المادي. وبالتالي، لم تعد الحكاية أولوية يومية، ليس لأنها فقدت قيمتها، بل لأن شروط ممارستها المتمثلة بوجود الأمان والاجتماع والاستقرار قد انهارت قسرًا.
إلى جانب ذلك، أدّت هجرة الحكواتية أنفسهم إلى سوريا ولبنان والأردن، سواء فرارًا من العنف وجرائم عصابات الصهاينة، أو بحثًا عن سبل عيش جديدة، إلى تفكك الشبكات السردية التي كانت تربط القرى والمدن الفلسطينية ببعضها البعض. ومع تحوّل هؤلاء الحكواتية إلى لاجئين قسريين، تغيّرت أدوارهم الاجتماعية، واضطر كثيرون منهم إلى تغيير مهنهم وأنماط حياتهم بما يتلاءم مع واقع اللجوء القاسي، حيث لم يعد للسرد الشفوي مكان مركزي في اقتصاد الحياة اليومية.
غير أن العامل الأخطر تمثّل في قمع أي محاولة لإعادة إنتاج أرشيف فلسطيني جمعي، سواء عبر الحكاية أو التوثيق الشفهي، فهذا القمع لم يكن ثقافيًا فحسب، بل سياسيًا وأمنيًا بامتياز، نابعًا من إدراك مبكر بأن الحكاية أداة لبناء وعي تاريخي وجغرافي متماسك، وليست مجرد استذكار للماضي. الخشية الأساسية كانت ولا تزال من أن الشاب الفلسطيني الذي يسمع هذه الحكايات، ويتشرّب المرويات عن الأرض، والقرية، والاقتلاع، سيعيد وصل ما قُطع قسرًا، ويتحوّل لاحقًا إلى فاعل مقاوم يمتلك سرديته الخاصة، غير الخاضعة لرواية المستعمِر.
من الحكاية الشفوية إلى المشروع السردي المنهجي
تنبه الفلسطينيون إلى المسألة منذ مدة ليست ببعيدة، وبدأت المؤسسات باستعادة دور الحكواتي ليبدأ مشروع شبكة "حكايا" عام 1998، والمنتدى العربي للتعليم الذي أسس له المعلم والمفكر منير فاشة، ليكون من ضمن اهتماماته الحفاظ على إرث الحكاية الفلسطينية وتقديمها بأسلوبها المعتمد. تدرب العقرباوي في شبكة "حكايا" لعدة أشهر وجال بلدانًا عدة شملت تونس والأردن وفرنسا، ليحمل معه حكايا فلسطين وأناسها وكان آخر مهرجان له في فرنسا في أكتوبر 2023، ضمن بيئة حكاية فلسطينية كاملة.
بعد أن اطلع العقرباوي على هذه المذكرات والكتب واستفاض في قراءات واصف جوهرية حول التراث الفلسطيني، بزغت فكرة الحكواتية لديه منذ نحو عشرين عامًا، لكنها لم تتخذ شكل الأداء المباشر فقط، بل نضجت تدريجيًا لتصبح مشروع جمع وتوثيق وإعادة سرد. جلس مع الأجيال الأكبر سنًا، وجمع منهم القصص، والمرويات، والتفاصيل التي لم تدخل أي أرشيف مكتوب. أجرى عشرات المقابلات مع "الختيارية"، وصوّر عشرات المواقع، وجمع آلاف الوثائق، تجاوز عددها 100 ألف وثيقة، تعود أقدمها إلى عام 1844.
هذا الجهد لا يمكن فهمه خارج سياق سياسي أوسع، يشتمل على مواجهة محاولات سرقة الهوية الفلسطينية، وتفكيك الذاكرة الجمعية، وإعادة كتابة التاريخ، فالتوثيق هنا ليس نشاطًا أكاديميًا محايدًا، بل ممارسة مقاومة، تهدف إلى إنتاج أرشيف شعبي في مواجهة أرشيف المستعمِر.
الحكاية كميثاق عودة وأداة تعبئة
منذ عام 2012، لم يعد فن الحكاية لدى حمزة العقرباوي مجرّد ممارسة سردية أو عرض ثقافي، بل تحوّل إلى مشروع متكامل حمل اسم "تجوال سفر"، يقوم على ربط الحكاية بالجغرافيا الفلسطينية بوصفهما كيانًا واحدًا لا ينفصل. في هذا المشروع، لم تكن الحكاية مرافقة للمكان أو شرحًا له، بل مدخلًا أساسيًا لفهمه، حيث يُعاد تعريف فلسطين من داخلها، لا عبر الخطاب السياسي أو السرديات الجاهزة، بل عبر التاريخ الشفهي، والمرويات المحلية، وذاكرة الأرض وسكّانها.
لم يكن هدف "تجوال سفر" أن يقدّم للزوّار قصصًا عن فلسطين، بل أن يُدخلهم في تجربة سردية مكانية تجعلهم يرون الأرض من خلال حكاياتها، ويقرأون الجغرافيا بوصفها نصًا حيًا، إذ إن آلاف الشباب العرب والأجانب الذين زاروا الأراضي الفلسطينية المحتلة ضمن هذا المشروع لم يتلقّوا خطابًا تعبويًا مباشرًا، ولم يُقدَّم لهم الاحتلال بوصفه مفهومًا سياسيًا مجرّدًا، بل بوصفه تجربة معيشة تُفهم عبر القصص من قبيل قصة أرض مُصادَرة، أو قرية مهجرة، أو قرية مُحاصَرة، أو فلاح أُجبر على تغيير نمط حياته بعد اقتلاع من أرضه، أو طريق قُطعت عن أهلها، و ذكر حكايا البيوت القديمة و كيف آلت الى المستوطنين.
بهذا المعنى، أعاد مشروع "تجوال سفر" تعريف العلاقة بين السرد والسياسة، فالحكاية لم تعد وسيلة شرح، بل أداة معرفة، ولم يعد المكان خلفية للحدث، بل عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى. ومن خلال هذا التداخل، تحوّلت الحكاية إلى وسيلة تعبئة وبناء تضامن، لا عبر استثارة العاطفة فقط، بل عبر إنتاج فهم عميق ومتدرّج للواقع الفلسطيني، يسمح للسامع أو الزائر أن يُكوّن موقفه الخاص، وأن يرى نفسه جزءًا من سردية أوسع.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى "تجوال سفر" بوصفه ميثاق عودة رمزيًا إلى الأرض. فحتى حين يتعذّر تحقيق العودة بوصفها فعلًا سياسيًا مباشرًا، تظل الحكاية قادرة على إعادة وصل ما قطعه الاستعمار، حيث تصل الاسم بالمكان، والذاكرة بالجغرافيا، والإنسان بأرضه، وهنا، تصبح العودة فعلًا معرفيًا وسرديًا، يُمارَس عبر الإصغاء، والمشي، واستعادة القصة من أفواه أهلها.
كل ذلك يجعل من هذا المشروع جبهة ثقافية متقدمة في مواجهة محاولات الاحتلال سرقة الهوية الفلسطينية، واختزالها في فولكلور منزوع التاريخ والمعنى. فالحكاية، في "تجوال سفر"، كما يذكر العقرباوي، لا تُعرض بوصفها تراثًا جامدًا، بل بوصفها ممارسة حيّة، مقاومة، تُعيد إنتاج الهوية الفلسطينية بوصفها تاريخًا مستمرًا لا ذكرى منتهية.
لم تكن القصص التي جمعها حمزة العقرباوي، ولا تلك التي أعاد روايتها في القرى الفلسطينية أو ضمن جولات "تجوال سفر"، قصصًا محايدة أو بريئة سياسيًا، حتى حين اتخذت شكل الحكاية الشعبية أو الخرافة أو المروية الغابرة، فقد انشغل سرده، بشكل منهجي، بتفكيك تجارب الاستبداد، والقمع، والاستعمار، وسرقة الأراضي الفلسطينية من أصحابها، ولا سيما في منطقة الأغوار، التي تمثّل نموذجًا مكثفًا لتداخل الاحتلال العسكري بالمنظومة الاقتصادية الاستيطانية. غير أن هذا الاشتغال لم يأتِ في صيغة خطاب سياسي مباشر أو لغة أيديولوجية صريحة، بل عبر الحكاية بوصفها وسيطًا قادرًا على تمرير المعنى دون الاصطدام الفوري مع المتلقي، ودون استدعاء آليات الرفض أو الدفاع التي يثيرها الخطاب المباشر.
في هذا السياق، أدّت القصص على ألسنة الحيوان، والحكايات الخيالية، والمرويات القادمة من "زمن غابر"، وظيفة سياسية دقيقة. فهي لا تُقدّم الاتهام صراحة، بل تُعيد بناء علاقات القوة في صورة رمزية من قبيل حيوان يُسلب موطنه، قرية تُخدع ثم تُجرّد من أرضها، بطل بسيط يواجه سلطة متغطرسة. هذه البنى السردية تتيح للسامع أن يُسقِط المعنى على واقعه الخاص، وأن يربط بين الحكاية وتجربته اليومية مع الاحتلال والاستيطان، دون أن يُملى عليه هذا الربط بشكل فجّ.
تصبح الحكاية أداة تحريض وحشد وتعبئة ضد المستعمِر، وضد القوى الرأسمالية التي تدعم منظومة الاستيطان عبر تحويل الأرض إلى سلعة، والملكية إلى امتياز سياسي. فالتحريض هنا لا يعمل عبر الشعار، بل عبر إعادة تشكيل الخيال الجمعي، وتفكيك مسلّمات القوة، وإعادة تعريف مفاهيم الحق والعدالة والملكية من داخل التجربة الشعبية نفسها.
هذا النوع من التعبئة الناعمة يتميّز بكونه طويل النفس، إذ لا يهدف إلى إنتاج انفعال لحظي أو استجابة آنية، بل إلى بناء وعي تراكمي يستقر في الذاكرة، ويعاد استدعاؤه عند الحاجة. وهنا تكمن خطورته السياسية، فالحكاية لا تنتهي بانتهاء جلسة السرد، بل تظل تعمل في وعي السامع، وتُعيد إنتاج نفسها في أحاديثه اليومية، وفي قراءته للعالم من حوله، بما يجعلها أداة تعبئة أعمق وأكثر رسوخًا من الشعارات العابرة.
في ذكرى الحكواتي
برحيل حمزة العقرباوي، لا نفقد حكواتيًا أو فردًا مارس فنًا تراثيًا، بل نفقد حلقة حيّة في سلسلة سردية طويلة، حملت الذاكرة الفلسطينية من جيل إلى جيل، في مواجهة المحو والاقتلاع، ومحاولات تفكيك المعنى. لم يكن العقرباوي مجرّد راوٍ للحكايات، بل فاعلًا في إعادة إنتاجها، وتفكيكها، وربطها بالجغرافيا وبالاقتصاد، وبالعلاقات الاجتماعية، وببنية الاستعمار ذاتها. رحيله لا يُغلق سيرة شخصية، بل يفتح سؤالًا أوسع حول مصير هذا الفن، وحول من سيحمل الحكاية في زمن تتكثّف فيه أدوات الطمس، وتتبدّل فيه أشكال السيطرة.
ما تبقّى من تجربة العقرباوي، من حكايات جمعها، ومرويات وثّقها، ومحادثات أُجريت معه، ومسارات مشي فيها الناس على الأرض وهم يصغون إلى قصتها، ليس مجرّد أثر، بل مسؤولية معرفية وأخلاقية، فالحكواتي، كما أثبتت تجربته، لا يعمل على الماضي فقط، بل على المستقبل الممكن، مستقبل تُستعاد فيه العلاقة بين الإنسان وأرضه، بين الذاكرة والجغرافيا، وبين السرد والحق.
قد يرحل الحكواتي، لكن الحكاية التي أُودعت في الناس لا ترحل، لتظلّ تتناقلها الذاكرة، وتُعاد صياغتها، وتظهر بأشكال جديدة، تمامًا كما أراد لها حمزة العقرباوي حكاية حيّة، مفتوحة، مقاومة للنسيان. وفي زمنٍ يُراد فيه للهوية الفلسطينية أن تُختزل في صورة أو فلكلور بلا تاريخ، تبقى الحكاية، كما علّمنا، أحد أكثر أشكال البقاء عمقًا، وأطولها نفسًا.