"لقد أنهيت سبع حروب، ولا أحد يُنهي الحروب مثلي"؛ هكذا اعتاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يُذكّر مؤيديه ومنافسيه على حدٍ سواء، كلما سُئِلَ عن ملف من ملفات الصراعات المفتوحة. يتفاخر دونالد ترامب كثيرًا بأن واشنطن لا تزال تُمسك بزمام النظام الدولي، وأن قدرتها على فرض شروط إنهاء الحروب على أطرافها هي الدليل القاطع على بقاء الهيمنة الأميركية كما عرفها العالم منذ 1991. لكن المُراقب لمـآلات هذه الحروب يُدرك أن الطريقة التي تنتهي بها الحرب أصبحت أهم بكثير من الطريقة التي تبدأ بها، وأن واشنطن باتت تخسر تدريجيًا قدرتها على تشكيل لحظة "ما بعد الحرب"؛ وهي اللحظة التي صنعت تاريخيًا هيمنتها لا مجرد قوتها العسكرية.
ومثلما كشف الصراع التجاري مع الصين أن العصا الاقتصادية الأميركية لم تَعُد تُنتج المفعول ذاته، تكشف الحرب على إيران برغم الهدنة الهشة أن العصا العسكرية لم تَعُد عاجزة فقط عن تحقيق حدّها الأدنى من الأهداف الاستراتيجية الصارمة، بل إنها تحوّلت إلى خطيئة استراتيجية كبرى وتشتيت هائل للمقدرات؛ فبينما تحشد واشنطن أساطيلها لاهثةً وراء تسوية رمادية تحفظ ماء الوجه في الشرق الأوسط، فإنها تمارس في واقع الأمر انتحارًا جيوسياسيًا بترك الساحة الآسيوية مكشوفة بالكامل أمام صعود صيني متسارع.
جذور الهيمنة وعلاقتها بنهايات الحروب
خلافًا لما يظنه الكثيرون، فإن الهيمنة الأميركية لم تتأسس على القوة العسكرية الخام، إنما تأسست تاريخيًا على القدرة على هندسة نهايات الحروب، وتحويل لحظة التسوية إلى ترتيب مؤسسي طويل الأمد. بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكتفِ الأميركيون بهزيمة ألمانيا واليابان عسكريًا، بل أعادوا بناء البلدين سياسيًا واقتصاديًا عبر مشروع مارشال وتأسيس مؤسسات "بريتون وودز"، ما حوّل النصر العسكري إلى بنية هيمنة دامت ثمانية عقود. لقد كان هذا هو النموذج المثالي الذي تأسست عليه فكرة الهيمنة الأميركية، إذ لم تكن الحرب غاية في ذاتها، إنما كانت مدخلًا لإعادة تشكيل العالم.
سار الأميركيون على الطريق نفسه بدرجات متفاوتة في كوريا 1953 وفي البلقان في تسعينيات القرن الماضي، حيث استطاعوا تجميد الصراعات وإدماج أطرافها في ترتيبات أمنية تقودها واشنطن. لكن منذ مطلع الألفية الجديدة، بدأت هذه القدرة في التآكل بشكل واضح، فالحرب الكارثية على العراق 2003 انتهت بعراق أقرب إلى إيران منه إلى الولايات المتحدة، والانسحاب من أفغانستان 2021 سلّم كابول لطالبان بعد عشرين عامًا من الاحتلال، فيما لم تُفضِ التدخلات في ليبيا وسوريا إلى أي ترتيب مستقر يحفظ المصالح الأميركية.
يُشاع في مصادر عدة أن الهدف المعلن من تلك الحروب نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب، لكن ثمّة هدف أعم وأشمل هو الحفاظ على القدرة الأميركية على إعادة تشكيل الأقاليم بعد الحرب؛ وهي القدرة التي تآكلت بشكل لافت حتى قبل أن يصل ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الأولى.
خرافة فرض الشروط
كل الضجيج الذي أحدثه دونالد ترامب حول دوره في "إنهاء الحروب" لم يُثمر تقريبًا شيئًا ملموسًا على صعيد ترتيبات ما بعد الحرب، بالتالي لا تختلف تصريحاته كثيرًا عن الانتصارات الوهمية التي يرى أنه حققها في ملفي إيران والصين.
على صعيد الحرب في أوكرانيا، اضطرت واشنطن للتراجع عدة مرات أمام ثبات الموقف الروسي، وأقصى ما خرجت به حتى الآن هو تجميد ميداني هش، فيما تحتفظ موسكو بمكاسب إقليمية لم تستطع كل العقوبات الغربية، وهي أعنف عقوبات في التاريخ الحديث، أن تنتزعها منها. ولم يمنع الضغط الأميركي روسيا من أن تجد شركاء بديلين تُعمّق معهم اعتمادها الاقتصادي. وفي الشرق الأوسط، أتت العمليات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة بدعم أميركي غير مسبوق منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر بنتائج عكسية على صعيد الترتيب الإقليمي؛ إذ سمحت بتعميق نفور حلفاء واشنطن التقليديين.
أما الضربات المتبادلة مع إيران في حزيران/يونيو 2025، ومجددًا في شباط/فبراير حتى حزيران/يونيو 2026، فقد كشفت أن واشنطن قادرة على إلحاق الضرر، لكنها غير قادرة على إنتاج تسوية، إذ تمسك طهران بمضيق هرمز كورقة ضغط دائمة لا تستطيع البحرية الأميركية إبطالها بشكل تامٍ مهما حشدت من أساطيل. لقد تسببت أزمة المضيق المستعصية في حجز ثلاث مجموعات حاملات طائرات هجومية أميركية في مياه الشرق الأوسط، تاركةً الجبهة الوجودية والأكثر حيوية في شرق آسيا مكشوفة تمامًا بحاملة طائرات واحدة فقط. بالتوازي مع هذا الانكشاف، استهلك الجيش الأميركي مخزوناته الاستراتيجية من صواريخ "توماهوك" ومنظومات "باتريوت" بمعدلات استنزاف هائلة في الخليج.
هذا الانكشاف استغلته بكين وموسكو فورًا لإعادة ضبط موازين الردع؛ حيث شكّل الفيتو المشترك (الروسي–الصيني) في 7 نيسان/أبريل 2026 ضد قرار الملاحة صفعة قانونية للغطرسة الأميركية. والأخطر من ذلك، هو تجسيد الصين لاستراتيجية "تمرير الالتزام الأمني" (Buck-passing)؛ فخلال زيارة ترامب لبكين في 13–15 أيار/مايو 2026، رفضت الصين تمامًا الخضوع للضغوط الأميركية، واختارت أن تترك واشنطن تنزف عسكريًا وماليًا في حراسة الممرات المائية وتأمينها، بينما تكتفي بكين بحصاد الثمار الاقتصادية وتوسيع نفوذها عبر مشروع الحزام والطريق دون دفع سنت واحد من كُلفة الأمن العسكري.
وهم التكيّف والهيمنة التعطيلية
الإخفاق في هندسة نهايات الحروب وسط حالة من التيه الهيكلي لا يعني انهيارًا فوريًا في الهيمنة؛ فالهيمنة تتآكل قبل أن تسقط، وكثيرًا ما تُطيل عمرها بتغيير نمطها لا بمعالجة أسباب ضعفها. والسؤال الذي تطرحه الحرب على إيران ليس هل تتراجع الولايات المتحدة؟؛ فالإجابة باتت محلّ إجماع. أما السؤال فهو: هل ما يجري تكيّف استراتيجي أم تراجع يُعيد تسمية نفسه؟
للإجابة، من المهم التمييز بين مستويين. على الأول، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بقدرات لا يضاهيها فيها أحد؛ أي شبكة من 750 قاعدة عسكرية خارجية، وأسطول دولاري يُهيمن على احتياطيات العالم رغم تراجعه النسبي، ومنظومة تحالفات في الأطلسي والباسيفيك لا يملك خصومها نظيرها. على المستوى الثاني، تعمل هذه المنظومة عبر مؤسسات أمنية واقتصادية صُمّمت في لحظة 1945 وعُدّلت في لحظة 1991، وكلتاهما لحظتا انتصار لا أزمة. والأزمة تكشف ما يُخفيه الانتصار؛ هذا الإطار المؤسسي لم يُصمّم لإدارة تراجع، بل لإدارة توسع.
وفي قلب هذا التيه الهيكلي، يطرح المفكر الأميركي ستيفن والت تشخيصًا أكثر راديكاليةً لحالة النظام الدولي؛ إذ يرى أن الولايات المتحدة لم تَعُد شريكًا موثوقًا بل تحوّلت إلى "دولة مارقة" (Rogue State) و"مهيمن مفترس" (Predatory Hegemon) يعتمد معادلات صفرية جافة لابتزاز الحلفاء والأعداء على حد سواء. ويوضح والت أن الحرب الارتجالية والمفتقرة للكفاءة ضد إيران كشفت عن مأزق أعمق يكمن في تفريغ القدرة المؤسسية (Hollowing out) لماكينة السياسة الخارجية الأميركية من كفاءاتها التاريخية واستبدالها بولاءات عشوائية ترتكب أخطاءً استراتيجية متتالية.
هذا السلوك الأميركي المتقلب يدفع بقية قوى العالم – وفقًا لوالت – إلى التكيف السريع عبر استراتيجيات "تقليل المخاطر" (De-risking) وتنويع الشراكات الاقتصادية بعيدًا عن واشنطن، أو حتى اللجوء إلى "الرفض الصامت" (Balking) والدبلوماسي، تمامًا كما فعل حلفاء الناتو حين رفضوا الانصياع للمطالب الأميركية بحشد القوات لفتح مضيق هرمز عسكريًا.
غير أن هذا التفريغ المؤسسي لا يُقيّد الهيمنة التعطيلية من خارجها فحسب، بل يُقيّد قبل ذلك قدرة صاحبها على تشخيص حاله. فالتكيّف الاستراتيجي الحقيقي كما يكشف النموذج البيزنطي الذي أطال عمر الإمبراطورية الرومانية الشرقية قرابة ألف عام بعد أن تهاوى شقّها الغربي لا يقوم على تغيير الأهداف، بل على امتلاك جهاز مؤسسي قادر على التمييز بين لحظة القوة ولحظة الدبلوماسية ولحظة الانسحاب، والأهم كونه قادرًا على إنتاج هذا التمييز في وقته لا بعده. وثمّة ما يُعزّز هذا التشخيص؛ إذ إن الوعي بالأفول يصل في الغالب متأخرًا بعد أن تكون بذور التحلل قد ترسّخت. والمؤسسات المُفرّغة لا تُنتج وعيًا مبكرًا، بل تُنتج ادعاءات متأخرة تُسمّي التراجع انتصارًا؛ وهو بالضبط ما يفعله ترامب حين يتحدث عن "إنهاء الحروب." أما واشنطن اليوم فلا تفتقر إلى الإرادة الاستراتيجية وحسب، بل تفتقر إلى الجهاز المؤسسي الذي يجعل هذه الإرادة ممكنة أصلًا. وهذا ليس تكيّفًا مُقنعًا، بل تراجع لا يعرف عن نفسه أنه تراجع.
وبناءً على ذلك، لا يصح وصف ما تمارسه واشنطن اليوم بالتكيّف، لأن التكيّف يفترض وعيًا بما تغيّر وإرادة في إعادة بناء الأدوات. والأدق أن الهيمنة الأميركية تتحوّل من هيمنة بنّاءة أنتجت نظامًا دوليًا في لحظة 1945 إلى هيمنة تعطيلية تقوم لا على بناء نظام بديل، بل على منع أي نظام بديل من الاكتمال. وهذا التحوّل لا يعني انهيار الهيمنة، لكنه يعني تغيير وظيفتها جذريًا؛ فبدلًا من أن تكون واشنطن ضامنةَ الاستقرار الدولي، باتت أولى مصادر اللايقين فيه.
والفارق بين النمطين ليس تقنيًا. الهيمنة البنّاءة تستلزم فائضًا من القوة الناعمة والمصداقية المؤسسية يُمكّن صاحبها من إنتاج قواعد يقبلها الآخرون لأنها تخدم مصالحهم أيضًا ولو جزئيًا. أما الهيمنة التعطيلية فلا تحتاج إلى هذا الفائض، بل تعيش على استنزافه؛ وهي لذلك قادرة على الاستمرار حتى بعد أن يتبدد، لكنها تستمر على نحو مختلف نوعيًا؛ بالعصا المالية والعسكرية.
من هذا المنطلق، فإن السؤال الذي تتركه هذه المعطيات مفتوحًا ليس هل تتراجع الهيمنة الأميركية، بل لماذا لم يكن بمقدورها أن تسلك غير هذا المسار. والإجابة تستلزم العودة إلى الشرط الذي جعل الهيمنة البنّاءة ممكنةً أصلًا؛ فهي لم تقم على القوة العسكرية الخام، بل على فائض من المصداقية المؤسسية جعل القواعد التي تفرضها واشنطن مقبولة من الآخرين لأنها كانت تخدم مصالحهم ولو جزئيًا. لقد كان مشروع مارشال استثمارًا في إنتاج هذا الفائض لا هبةً مجانية، ومؤسسات "بريتون وودز" كانت منتجًا لأميركا فعلًا لأن الدولار ساد حين لم يكن ثمّة بديل، والتحالفات الأطلسية استمرت لأن الخطر السوفييتي كان حقيقيًا ومشتركًا وقتذاك.
أما حين انتفت هذه الشروط تدريجيًا؛ أي حين أصبحت الصين بديلًا اقتصاديًا حقيقيًا، وحين أصبح الدولار أداة عقوبات كأحد جنرالات أميركا وأشرسهم لا كنظام تبادل محايد، وحين أصبح الوجود العسكري الأميركي عبئًا على المضيف قبل أن يكون حمايةً له كما كشفته القواعد الخليجية التي تحوّلت إلى أهداف إيرانية، لم يَعُد ثمّة فائض يمكن توظيفه في هيمنة بنّاءة. ولذا، لا يصح وصف ما جرى بالخيار السياسي الخاطئ؛ إذ إن الهيمنة التعطيلية ليست انحرافًا عن مسار صحيح، بل هي الشكل الوحيد المتاح للهيمنة حين تنضب الشروط التي أنتجت سابقتها.
وفي حين يبدو تشخيص المشكلة بوصفها خطأً في القيادة يوحي بأن تغيير القائد يُصلحها، بينما تشخيصها بوصفها ضرورةً هيكلية يعني أن المطلوب ليس قائدًا أفضل بل بنية مختلفة؛ وهذه البنية لا تُنتَج بقرار، بل تنشأ من انهيار ما قبلها وإعادة بناء مؤلمة وطويلة لا تملك واشنطن اليوم لا الوقت ولا الإرادة المؤسسية لإنجازها. وفي المحصّلة، ينطبق على الجهود الأميركية الراهنة لإنهاء الحروب القول الإنجليزي الكلاسيكي: متأخر وغير كافٍ "Too little, Too late"، والسؤال الذي يتركه هذا التحوّل مفتوحًا ليس متى تسقط الهيمنة الأميركية، بل إلى متى تُطيل الهيمنة التعطيلية عمرها قبل أن تُعجِّل هي ذاتها بالانهيار الذي تسعى إلى تأجيله.