على شبكات التّواصل الاجتماعيّ اقتباسات لكُتّاب ومفكّرين أسالت مؤلّفاتهم الكثير من الحبر ولا تزال. لا شكّ في أنّ معظم الاقتباسات تهدف إلى شيء ما، كمحاولة التّأثير في الرّأي العامّ وتوجيهه إلى قضيّة ما وطريقة تعامل معها بعينها. ومن نافلة القول أنّ الكثير من تلك الاقتباسات لا يمتّ للواقع بصلة. ولعلّ المفكّر الفلسطينيّ، إدوارد سعيد، من أكثر من يُنسب إليه أقوال لم يُصرّح بها، رغم أنّه كتب وقال أفضل منها.
وأذكر أنّ أحد الصّحفيّين نقل بكلّ سذاجة منشورًا نسب إلى وليم شكسبير قولًا سخيفًا، مع الإشارة إلى أنّ الكاتب المسرحيّ الإنجليزيّ، الذّي رحل عن عالمنا سنة 1616، قال "كلمته" تلك في مؤتمر صحفيّ، في الوقت الّذي تُجمع فيه معظم المراجع التّاريخيّة على أنّ المؤتمر الصّحفيّ لم يُستخدم كأداة للتّواصل سوى بداية القرن التّاسع عشر.
ومن الكُتّاب الأحبّ إلى قلوب مستخدمي وسائل التّواصل الاجتماعيّ المفكّر والفيلسوف الإيطاليّ، نيكولو مكيافيلي، إذ ثمّة حالة من المازوشيّة في التّلذّذ بمزيد انحسار الهامش المتاح للخوض في الشّأن العامّ بتقديم اقتباسات من كتاب "الأمير" في شكل الحتميّة.
الكتاب، الّذي نُشر عقب وفاة مكيافيلي، جاء في صيغة نصائح يُقدّمها للحكّام لإحكام السّيطرة على السّلطة، فتُصبح مقولات من قبيل "من الأفضل أن يخشاك النّاس على أن يُحبّوك" أو "من أراد أن يُطاع فعليه أن يعرف كيف يأمر" بمثابة توجيهات استراتيجيّة لا يمكن أن تُقنع معظم المتلقّين بأنّ هناك بدائل لها تضمن للإنسان –بما في ذلك الحاكم نفسه- حقوقه وكرامته. بل أضحى مكيافيلي في مجتمعاتنا العربيّة مثالًا يُحتذى، حين يتلمّس المدوّن أو المغرّد تماهي حاكم يدعمه ويُسانده في تسلّطه واستبداده مع مقولات "الأمير"، حتّى باتت المكيافيليّة تعنى العبقريّة، بشكل جعل قطاعًا لا يُستهان به من الرّأي العام مستسلمًا لتمثّلات بغيضة للسّلطة، كالقول بأنّنا "غير جاهزين للتّغيير" أو أنّه "لا مفرّ من مستبدّ عادل".
طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد
ويبدو أنّ المسألة باتت جملة من البديهيّات التي تكاد تكون قد ترسّخت بشكل جمعيّ، مفادها أنّ للحاكم كلّ الحقّ فيما يذهب إليه من تسلّط، أمام عدم أحقّيّة المواطن بأيّ حقّ إلّا ما يمنّه عليه المتسلّط، بذريعة أنّه "يعرف مصلحته ومصلحة البلاد". ولهذا جاء مؤلّف عبد الرحمن الكواكبي ردًّا على "الأمير"، بعد قرون، مستندًا لمرجعيّة سياسيّة ودينيّة وثقافيّة واجتماعيّة متجذّرة في مجتمعاتنا، على اختلاف سياقاتها وسيرورة الأحداث فيها. فوضع الاستبداد والاستعباد في علاقة سببيّة، يتغذّى بها كلاهما على الآخر. يرسم الكواكبي صورة المتسلّط في سلوكه، فيقول إنّ "المستبدّ، في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه، يرى نفسه كان إنسانًا فصار إلهًا"، ويضيف: "الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: "أنا الشّرّ وأبي الظّلم وأمّي الإساءة، وأخي الغدر وأختي المسكنة، وعمّي الضّرّ وخالي الذّلّ، وابني الفقر وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب، أمّا ديني وشرفي وحياتي فالمال المال المال".
ولئن بدا عبد الرّحمن الكواكبي مثاليًّا –وهذا هو المطلوب بالمناسبة- في تصويره للمستبدّ بشكل يتعارض في أحيان كثيرة مع الطّبيعة البشريّة لما فيها من ضعف أمام هوس السّلطة والسّعي الدّائم للنّفوذ، فإنّ تصويره للخاضع للاستبداد أضفى على المؤلَّف الجانبَ الآدميّ الّذي يصدم القارئ حدّ تحريضه على السّعي إلى الانتفاض من أجل التّغيير، فيُشدّد على خطورة الجهل كـ"أضرّ شيء على الإنسان"، ويطرح جملة من الحلول، كالمقاومة "باللّين والتّدرّج" وضرورة "تهيئة ماذا يسُتبدل به الاستبداد" قبل مقاومته والتّشديد على "الشّورى الدّستوريّة" كدواء.
وبالرّغم من عبقريّة ما جادت به قريحة الكواكبي في "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، فإنّ الكتاب ما يزال مغمورًا لدى الأجيال الجديدة، حتّى مقارنة ببداية القرن العشرين، وقد صدر عام 1902.
ويستحقّ الكواكبي أن يجد طريقه إلى مناهجنا التّعليميّة وبشكل تصاعديّ يأخذ بعين الاعتبار تطوّر قدرة الطّالب على الاستيعاب. بل إنّ سلاسة اللّغة وغزارة المحتوى وكثافته تُتيح فرصة تحويل الكتاب إلى مجموعة من التّسجيلات أو محتوى تفاعليّ بشكل يُيسّر على المتلقّي مهمّة الفّهم والإدراك. فالجيل الّذي ينشأ على أفكار الكواكبي سيكتسب، على الأقلّ، شيئًا من المناعة حيال السّقوط في استسهال الخضوع للاستبداد.
قتل الأب
وتتقاطع مقولات الكواكبي بشكل لافت مع ما ذهب إليه عبد الرّحمن ابن خلدون، كضرورة التّسليم بأنّ "العدل أساس العمران". ولئن كانت "مقدّمة" مؤسّس علم الاجتماع وواضع أصول فلسفة التّاريخ من أهمّ ما يُدرّس في مناهجنا التّعليميّة، فإنّ الأمر يتعلّق، في كثير من الأحيان، بالأجزاء الّتي لا تُزعج حاكمًا ولا تُنمّي وعيا بضرورة التّغيّير. فأبويّة التّعليم في مجتمعاتنا تمتدّ إلى اختيار ما يُريده النّظام ويأنس إليه، ناهيك عن عموديّة الخطاب التّعليميّ كشكل من أشكال الأبويّة بما فيه نسف النّقاش داخل الوسط المدرسيّ.
ولهشام شرابي مكان في مناهجنا التّعليميّة لتقويض كلّ ذلك، إذ تكشف التّطوّرات السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة في مجتمعاتنا أنّنا لم نقرأ "النّظام الأبويّ وإشكاليّة تخلّف المجتمع العربيّ" بما فيه الكفاية. فبعد أكثر من 30 عاما من صدور الكتاب، لا تزال مجتمعاتنا ترزح تحت أعباء البُنى الكبرى للأبويّة المُستحدثة، من دولة ومؤسّسات وأجهزة ومجموعات اقتصاديّة، والبُنى الفرعيّة لها، كالأسرة والقبيلة والطّائفة. وتمازجت البّنى المستحدثة بتلك الفرعيّة لتُنتج مجتمعات هجينة، تعجز عن مُسايرة الحداثة، من جهة، والتّخلّص من العصبيّات الموروثة، من جهة أخرى.
لذلك، نجد، على سبيل الذّكر لا الحصر، أنّ دول المنطقة كافّة لها دساتير وقوانين ولوائح لا تختلف، من حيث المبدأ، عن نظيراتها الغربيّة في شيء. لكنّ تنفيذها على أرض الواقع يصطدم بعقليّة أبويّة بغيضة، فتُعدَّل تلك النّصوص لبقاء الحاكم في منصبه، بذريعة أنّه "الأقدر والمنقذ والأدرى بمصلحة الشّعب"، أو تُلغى آليات للاختيار الحرّ أو تُقلّص صلاحيات مؤسّسة ما، حتّى يبقى الحاكمُ الأبَ الأوحد.
وليس من قبيل الصّدفة أن يُحذّرنا هشام شرابي من أنّ "المجتمع الأبويّ لا يُنتج أفرادًا أحرارًا، بل يُعيد إنتاج الخضوع والجمود من جيل إلى آخر".
نسف الأساطير
وهو ما يتقاطع مع ضرورات أخرى، ليس أقلّها ضرورة الحدّ من إعادة إنتاج السّرديّات الرّسميّة المُضلّلة لتأريخ حِقب بعينها لتوجيه الرّأي العامّ، منذ نعومة أظافره. ولأنّ إعادة كتابة التّاريخ مسألة شديدة التّعقيد، فإنّ هناك بدائل متوفّرة. فللخروج من نظريّة المؤامرة الّتي بُنيت عليها قراءاتنا لاتّفاقيات سايكس بيكو، باعتبارها وثيقة فُرضت على الدّول العربيّة، والحال أنّ عددًا من قادة الكيانات الوليدة في المنطقة، أو الّتي سترى النّور لاحقًا، كانت تعلم بها وظنّت أنّها ستستفيد منها، بالإمكان اللّجوء إلى كتاب المؤرّخ البريطانيّ، جيمس بار، "خطّ في الرّمال"، وقد شرّح فيه المنافسة الشّرسة بين فرنسا وبريطانيا على منطقة الشّرق الأوسط، خلال النّصف الأوّل من القرن العشرين. سنجد في هذه الوثيقة الهامّة التّي استند فيها كاتبها إلى الأرشيف كيف نشأ الكيان الصّهيونيّ، انطلاقًا من مصالح متشابكة بين باريس ولندن، إذ ينقل عن وثيقة استخباراتيّة حيرة البريطانيّين من الجهة الّتي تقف وراء تمويل التّنظيمات الإرهابيّة الصّهيونيّة. "الضّابط الّذي كان عائدا من التّوّ من زيارة إلى الشّرق الأوسط يُقدّم الجواب المُذهل: الإرهابّيون على ما يبدو كانوا يتلقّون الدّعم من الفرنسيّين".
باتت "سايكس بيكو" شمّاعة لكلّ إخفاقاتنا وهزائمنا والحال أنّها بداية الخضوع المصلحيّ للهيمنة الغربيّة في المنطقة. لهذا، أعقب جيمس بار كتاب "خطّ في الرّمال" بثان هو "سادة الصّحراء" يُشرّح فيه، هذه المرّة، المنافسة الشّرسة بين الولايات المتّحدة وبريطانيا، مع تراجع قدرات فرنسا في لعب دور بالمنطقة، في أعقاب الحرب العالميّة الثّانية.
ومن الصّعب إحصاء مواطن التّضليل الّتي تتضمّنها كتب التّاريخ في مناهجنا التّعليميّة، ناهيك عن صناعة أساطير لقادة معاصرين، إمّا لإعلاء صيتهم تقديسهم أو للحطّ من شأنهم وتغييبهم من الذّاكرة. ولعلّ المثال الأبرز الّذي رافقنا لعقود هو شطب اسم محمّد نجيب من المراجع كأوّل رئيس لمصر، بعد الإطاحة بالّنظام الملكيّ، عام 1953.
فقدان السّيطرة على المصدر
ما سبق يفترض إرادة سياسيّة للسموّ بالمجتمع نحو المبادئ الكفيلة بجعل أيّ تغيير حقيقيّ لإرساء دولة علويّة القانون أمرًا مضمون العواقب. بيد أنّ الواقع مخالف تمامًا لذلك، لكنّه واقع يرفض المتمسّكون به التّسليم بأنّ كلّ الأنظمة الحاكمة في المنطقة فقدت فعليًّا السيّطرة على المصدر، مع تعاظم استخدام الانترنت وما يُتيحه من مراجع بديلة. هذا بالإضافة إلى تطوّر استخدامات تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ. بعبارة أخرى، لم يعد بالإمكان حجب المعلومة عن الطّالب أو تلقينه رسائل بعينها بالشّكل العموديّ الّذي كان عليه الحال في القرن الماضي، أي منطق "اسمع ولا تتكلّم" بات عبثيًّا. وهو ما يُفسّر، بالمناسبة، تشبّث أنظمة المنطقة بأرشيفها الرّسميّ، حتّى بعد الإطاحة بأنظمة ديكتاتوريّة، في أعقاب ثورات عام 2011. وليس من قبيل الصّدفة أن تكون تلك الدّول التّي شهدت حراكا شعبيًّا قد فشلت فشلًا ذريعًا في تقديم رواية رسميّة لتلك الأحداث الّتي لا تزال تداعياتها قائمة.
كما ظهر، خلال آخر عقدين، جيل جديد من المؤرّخين تحرّر من الأيديولوجيا وسعى إلى كسر الأصنام الّتي فُرضت في تأريخ منطقتنا. ولمع، في هذا السّياق، اسم المؤرّخ المصريّ، خالد فهمي، كمُفكّك لكبرى التحوّلات التّي شهدتها مصر خلال القرنين التّاسع عشر والعشرين. ففي معالجته لهزيمة 1967 ابتعد فهمي عن مجرّد التّحليل العسكريّ ليُخضع "النّكسة" لاختبار سياسيّ مرير، خلُص منه إلى أنّ أسباب الهزيمة كانت، في الأساس، غياب الحوكمة وتغييب أيّ قوّة سياسيّة مُضادّة لسلطة لم يكن يُسمَع أيّ صوت سوى صوتها، لـ"ضرورات المعركة"، كما كان يُقال آنذاك.
ولعلّ الخروج عن الدّولة نفسها في "التّأريخ" أمر مُتاح، باقتراح قراءات بديلة تتّسم بالصّرامة والجدّية العلميّتين، مهما كان الحامل، سواء كتابًا أو مادّة تسجيليّة أو موادّ تفاعليّة على مواقع انترنت.
ولا تُوجد دولة واحدة في المنطقة بمعزل عن انهيار القدرة على السّيطرة على المصدر. بيد أنّ حجم الأكاذيب والمزاعم في مراجعنا التّعليميّة أكبر بكثير من أن يُعدّل ويُنقّح بوقت وجيز. إلّا إنّ البدايات، كالمثال الّذي يُتيحه خالد فهمي، تبدو مطمئنة إلى حدّ كبير.
سيكون من المبالغة القول إنّ النّتيجة على مرمى حجر منّا. لكن، من الشّرعيّ التّشديد على آنّها آتية لا محالة. فالأمر خرج بالفعل من أيدي "حرّاس المعبد". وفي هذه الأثناء، تتواصل المعركة بين الكواكبي ومكيافيلي عن بُعد، لا تفصل بينهما سوى مقولة الفيلسوف الإيطاليّ، أنطونيو غرامشي: "القديم ينهار، والجديد لم يولد بعد، وفي هذه الأثناء تكثر الوحوش الضارية".