عندما تمشي في شوارع القاهرة، ستشدك تلك الفوضى التي تقترب من أن تكون مهرجانًا يوميًا. فضوضاء أصوات أداة تنبيه السيارات، التي تسمى في مصر "كلاكس"، تحاصرك من كل جانب. محاولة السير في الشارع تتحول إلى زيارة إجبارية للسيرك القومي. أما المباني، فتنظر إليك بغضب وهي تعكس عشوائية معمارية فجة.
لكن البعض ستزول دهشته إذا ما علم أن هذه الحالة القاهرية المرهقة للأعصاب المستنزفة للأرواح لها جذورها، الأمر الذي يمكن عند تتبعه فهم الظاهرة واقتراح أحسن الحلول لمواجهتها. فما يعتقد البعض أنه قدر القاهرة هو في الحقيقة ظاهرة تاريخية لها شروط تكونت فيها، كما لها شروط للحل وإن كانت غائبة.
العودة إلى التاريخ ضرورية هنا كما أظن، ففهم ما جرى مهم لنعرف كيف وصلنا إلى هذه العشوائية، وما العمل لنخرج بأكبر مدينة عربية، وإحدى أكبر الحواضر الثقافية في العالم، من وضعها بوصفها مدينة تستنزف البشر إلى مساحة تقرّبها أكثر من مفهوم أنسنة المدينة، وذلك في مواجهة ما يحدث الآن على الأرض من تحركات حكومية تهتم بالحجر دون البشر من ناحية. ومن ناحية أخرى، تعمل على تفكيك القيمة التاريخية للمدينة، وتحويلها إلى محض سلعة في لوحة عرض استهلاكية، بلا أي فهم حقيقي لخصوصية المدينة وتراثها وأهمية نسيجها العمراني.
جذور العشوائية في القاهرة قديمة، يمكن تتبعها بالعودة إلى مدينة الفسطاط، العاصمة الأولى للحكم العربي الإسلامي في مصر. فالمدينة التي تشكل حاليًا أحد أحياء القاهرة الفقيرة، كانت على درجة كبيرة من الازدهار في القرن العاشر الميلادي، لكنها عانت من العشوائية وضيق الشوارع وارتفاع معدلات التلوث، بحسب ما رصد الطبيب علي بن رضوان الذي عاش في القرن الحادي عشر، على عكس مدينة القاهرة التي بنيت على يد الفاطميين سنة 969 ميلاديًا، وامتازت بحسن تنظيمها واتساع شوارعها، لكن هذا لم يكن بدون ثمن، إذ تحولت المدينة إلى مجمع ملكي مُنع المصريون من الإقامة فيه لنحو قرنين.
انتقلت العشوائية من الفسطاط إلى القاهرة في العصر الأيوبي، في إطار هندسة سياسية لسكان المدينة الفاطمية. فالسلطة الأيوبية السنية أرادت إحداث تغيير في طبيعة السكان، من مناصري الفاطميين الشيعة الإسماعيلية إلى تركيبة جديدة من السكان بطابع سني. لذا، اتسمت أعمال الأيوبيين بالارتجال لأن هدفها الرئيسي كان طمس معالم الفاطميين الشيعة بشكل متعجل، فتم الدفع بالعسكر الكردي لاحتلال القصور الفاطمية وتقسيمها.

وصلت هذه السياسة إلى ذروتها في العام 1247م، عندما تقرر السماح للناس بتقسيم منطقة البستان الكافوري بالقاهرة، وبناء المباني السكنية فيه. هنا خسرت القاهرة أكبر متنزه أخضر داخلها، وتحولت هذه المساحة الشاسعة الواقعة حاليًا بين "بين القصرين" وشارع بورسعيد، إلى منطقة سكنية عالية الكثافة، وأحد مراكز العمران العشوائي في العاصمة.
بالتوازي مع انتشار عشوائية البناء في داخل المدينة، مع ترك السلطة الناس لمزاجها تبني كيفما شاءت وكيفما اتفق، قررت السلطة أن تختار لنفسها مساحة مفردة تبني فيها مدينتها السلطانية، وتترك المدينة بمشاكلها لأهلها.
بدأت هذه السياسة بوضوح مع الفاطميين، ثم تكررت مع الأيوبيين الذين هجروا المدينة واستقروا في قلعة الجبل، التي تحولت إلى مجمع ملكي ضخم ومحصن، أو مدينة ملكية مسورة بمفهوم تلك العصور، الأمر الذي استمر أيضًا في عصري المماليك والعثمانيين، مع إضافة بسيطة تتضمن نمو حي الأزبكية كمقر للنخبة العثمانية المملوكية الأرستقراطية، بينما تركت أحياء المدينة للبناء الارتجالي للأهالي، مع تدني مستوى الخدمات فيها.
استمرت هذه الروح في العصر الحديث مع أسرة محمد علي، فعندما أسس الخديوي إسماعيل الأحياء التي عرفت بعد ذلك بالقاهرة الخديوية، في المنطقة الواقعة بين القاهرة القديمة ونهر النيل، لم ينفذ رؤيته لتطوير الأحياء الغارقة في العشوائية وتردي الخدمات، خاصةً مع عدم مناسبة شوارعها الضيقة والمتعرجة لاستقبال التطورات الحديثة في وسائل النقل والاشتراطات الصحية، الأمر الذي استمر في القرن العشرين لكن لأسباب مختلفة، فأضيف إلى نمو العشوائية داخل المدينة القديمة أسباب جديدة.
نذكر هنا حقيقة تغيب عن المهتمين بتاريخ القاهرة، وهي أن معظم المساحات التي أحاطت بمدينة القاهرة كانت في الأصل قرى ريفية مثل شبرا وغمرة وإمبابة والجيزة والويلي ودار السلام (دير الطين). لذلك، عندما اشتدت الأزمة الاقتصادية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، بدأت هجرة من الريف إلى القاهرة، بحسب دراسة الدكتور علي شلبي "أزمة الكساد العالمي وانعكاسها على الريف المصري".
وبطبيعة الحال، تمركزت هذه الهجرة في الأماكن القريبة من نمط إنتاجها الريفي وثقافتها، أي القرى المحيطة بالقاهرة، والتي نمت سريعًا بفضل الهجرة الريفية وتحولت إلى أحياء في المدينة المتسعة، لكن أحياء عشوائية ذات طابع عمراني مرتجل.
لدينا شهادة معاصرة لنمو العشوائيات في القاهرة، كتبها محمد حسنين مكاوي، في كتابه "التقدم العمراني لمدينة القاهرة والمدن المصرية الأخرى"، الصادر سنة 1938م، الذي يضع فيه يديه على أسباب الارتجال العمراني الذي شهدته المدينة.
انتقد مكاوي بدايةً غياب مجلس بلدي للقاهرة يعمل على إخضاع تمددها للنظم الحديثة والتطور المدني العصري، كما انتقد غياب الحدائق العامة التي تتناسب مع الكثافة السكانية، وضيق الشوارع وعدم اتساعها لحركة المرور المتزايدة مع تطور وسائل المواصلات، بالإضافة إلى تدني مستوى النظافة، والأهم نمو العشوائيات على أطراف المدينة، وفي قلبها أيضًا، ضاربًا المثل بأحياء عشش الترجمان، وتل زينهم، وعرب اليسار.
تجمعت الجذور التاريخية مع المستجدات العصرية لتنفجر العشوائية في كل مكان في مدينة القاهرة التي تحولت إلى إقليم عمراني يضم محافظة الجيزة غرب النيل أيضًا، ويتمدد شمالًا في قلب ريف القليوبية، لنصل إلى هذه المرحلة التي تحولت العشوائية فيها من مجرد سوء تخطيط حكومي مزمن، وغياب قوانين واضحة إلى ثقافة شعب؛ يدمن العشوائية في كل أفعاله، ومن هنا نصل إلى الأزمة الحقيقية.
السبب الرئيسي في الأزمة، كما هو واضح من الاستعراض التاريخي، أن المدينة في مراحل نموها شهدت اختفاء السلطة المدنية القادرة على تنظيم عمليات التوسع العمراني، أي السلطة الخارجة من الشعب والمعبرة عنه. فالسلطة السياسية لم تنظر يومًا أبعد من مصلحتها الخاصة وأماكن إقامتها بعقلية أمنية، وهي عادةً أماكن تخضع للتنظيم الجيد، ويختفي منها معلم العشوائية، مع ترك الحبل على غاربه لمزاج الناس في البناء كيفما اتفق، ودون اهتمام بتقديم الخدمات لهم.

وقد تبلورت لدى السلطة نظرية قوامها أن يترك للناس الحرية في البناء العشوائي، طالما لا يطالبون بالخدمات التي هي حق أصيل لهم، وتجلى مفعول هذه النظرية في عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك (حكم 1981 - 2011)، الذي شهد عصره تفجرًا في البناء العشوائي في محيط القاهرة الكبرى (بلغت أكثر من 1200 منطقة عشوائية في كل مصر)، بالتوازي مع تخلي الدولة عن مسؤوليتها في تقديم الخدمات للمواطنين.
وكما هو متوقع، فإن معظم العشوائيات تمركزت في أحزمة تطوق العاصمة، وهي في الأصل مناطق ريفية تحضرت بشكل عشوائي، فالدولة لم تهتم بوضع مخططات للتوسع العمراني في هذه المناطق، تتضمن اشتراطات موحدة لعرض الطريق وتحديد ارتفاع المباني مثلًا.
ورغم أن هناك محاولة للقضاء على العشوائيات منذ أن تولى عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم في حزيران/يونيو 2014، إلا أن الحكومة لم تستطع أن تتخلص من الميراث العشوائي. فمن ناحية، قررت أن تكتفي بنسف بعض المناطق العشوائية في القاهرة ونقل السكان إلى مناطق على أطراف المدينة، دون اهتمام بتجفيف منابع الثقافة العشوائية، فكانت النتيجة أن غرقت هذه الأماكن الجديدة في العشوائية. ومن ناحية أخرى، استمرت نفس ثقافة النخبة الحاكمة في البحث عن مكان بعيد عن عشوائية المواطنين، وهو ما نجده بوضوح في نموذج العاصمة الإدارية التي تعد ردة لمفهوم الحصن للطبقة الحاكمة والأثرياء المتحالفين معها.
الأزمة هنا أن مواجهة العشوائية تحتاج أساسًا إلى تجفيف المنابع في المجتمع، عبر التركيز على العنصر البشري، باستخدام آليات عمل تركز على البشر قبل الحجر، إذ إن القضاء على العشوائية في المجتمع المصري يعني ليس أقل من إعادة تأسيس لثقافة المجتمع، أي البدء في احترام القانون وتطبيقه على الجميع، ووضع ضوابط اجتماعية وكود أخلاقي محل توافق، وأن تسعى مؤسسات الدولة إلى خدمة المواطن لا التهرب منه وتركه على هواه، في إطار احترام حقوق المجتمع على حساب مزاج الفرد. كما أن يُسمح بحراك مجتمع مدني يدافع عن حق المواطن في المدينة، وأن تُقدَّم مصلحة المواطن فوق أي مصلحة، بما في ذلك مصلحة الطبقة الحاكمة.
هذا يفضي بنا إلى القول بإن العشوائية ليست قدر القاهرة الذي لا يمكن الفكاك منه، بل إن معرفتنا بأسباب هذه العشوائية مقدمة ضرورية للتخلص منها، لكن هذا يحتاج أكثر من بناء بنايات حديثة، بل يتلخص أساسًا في إعادة بناء الإنسان المصري وفلسفة الدولة المصرية معًا، أي ثورة في المفاهيم والفكر تحت ضغط مجتمعي، وهو التحدي الأساسي الذي يبدو أن لا أحد يريد أن يتصدى له.











