عندما تقف أمام جامع سيدي أبو الحجاج الأقصري، المُشاد فوق جزءٍ من معبد الأقصر، ستجدُ أنّ الجامع الذي يقام فيه المولد سنويًا مكرّسٌ لهذا الولي الصوفي، يطلّ على نهر النيل، في حين أن الجامع يستقبلُ الشارع الذي تطلّ من آخره محطة قطار مدينة الأقصر.
في هذا المشهد الثلاثي المميّز في مدينة الأقصر التي تبعد عن القاهرة 504 كيلومترات جنوبًا، نرى الثلاثية التي ساعدت في خلق حالة الصعيد المصري وعبرت عنه؛ النيل المتدفّق في فتوة شريان الحياة تلتفٌّ حوله مدنُ الصعيد وتتراصّ على ضفتيه، والسّكك الحديدية التي عزّزت حركة التنقل بين أبناء الصعيد وربطتْ بين مدنهم، والموالد البوتقة التي انصهرت فيها طبقات التدين الشعبي والتقاليد المتجذرة مع الحفاظ على التنوع الفريد في ثقافة الصعيد.
واقع معقّد
الجنوب المصري له نكهةٌ خاصّة، خصوصية لا تُخطئها العين، حكمت العلاقة بين الصعيد والمركز في القاهرة، فمدن الوادي تشرّبت المركزية فلم تعرف إلا الحكومة أمًا وأبًا. علاقة مركبةٌ ومعقدةٌ تربط القاهرة بالصعيد، لعبت فيها الجغرافيا المكشوفة دورًا مهمًا زادها التاريخ تعقيدًا، فالترتيبات الأمنية حاضرة بقوّة وسط تركيبة قبلية مدعومة بأنشطة اقتصادية بعضُها غير شرعي، وميراث صوفي شديد الوضوح والحضور، وعادات بعضها موغلٌ في القدم حتى كأنك ترى منحوتات المعابد تمرح في شوارع القرى، وتقاليد حملتها القبائل العربية التي استوطنت الصعيد منذ قرون بعيدة، لذا فالمشهدُ في الصعيد المصري شديد التعقيد بالتوازي مع التنوّع المدهش، هنا سنركز على ثلاثة مداخل تشكّل خلفية أساسية لفهم الصعيد وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية وعلاقته السياسية بالمركز.
البداية مع النهر الخالد. الحياة في الصعيد محكومة بالنيل، من ينظر إلى الوادي من الفضاء، سيرى تداعي الناس على ضفتيه، فالعلاقة معه تغلغلت في تفاصيل حياة المصري الصعيدي، فالطعامُ المميز في جنوب مصر ارتبط أساسًا بظاهرة تاريخية تتعلق بالفيضان، الأكل المجفف جاء استجابة لحقيقة شهور تُغمر فيها الأرض بمياه النهر الثائر، فيهرب الأهالي إلى المرتفعات، الحاجة إلى أطعمة تقبل التخزين أدّى إلى ميلاد أكلات مثل الملوخية المجففة والكعك والكشك والخبز الشمسي الشهير في الصعيد، أمر تم توثيقه في دراسة درويش الأسيوطي عن "طبيخ الصعايدة".
ربّما تكون أساس هذه الظاهرة قد نُسيت الآن مع إلغاء السدّ العالي للفيضان من قاموس المصريين منذ سبعينيات القرن العشرين، لكن العادات الراسخة لآلاف السنين لا تزال تعمل عملها في الصعيد وقاموسه الغذائي، الذي استقبل أكلاتٍ جديدةٍ تعبر عن روح استهلاكية عند جيل المراهقين.
لعب النيل دورًا أساسيًا في حياةِ أهالي الصعيد، إذ لا توجد مدينة كبيرة لا تطلُّ على مجراه، مصطلح البرّ الغربي والشرقي معروف جيدًا؛ فالنيل يُنصّف المدن، والمعدية - وهي مراكبٌ صغيرةٌ مزوّدةٌ بأماكن للجلوس - لها حضورها الأساسي كوسيلة انتقال بين طرفي المدن، لذا رسم النيل حركة التعمير السكاني حول ضفّتيه، زادت حميمية السُّكنى حول النهر بعد السيطرة على الفيضان في القرن العشرين، ولم يعدّ البناء بالطوب اللبن، وهي مادة رخيصة من قلب البيئة حيث الطمي الغني، مطلوبًا، ومع الاستقرار النهائي ارتفعت البنايات بالإسمنت المسلح، دلالة على تطويع الإنسان للبيئة، جرّ هذا تحولات كبرى في الاجتماع البشري، إذ لم تعد الأرض الزراعية مقدّسة لا تُباع باعتباره جزءًا من العرض، بل تحوّلت إلى سلعةٍ مرغوب فيها لتحويلها إلى أرض بناءٍ. فكرةُ بيع الأرض الزراعية الموروثة لم تكن مطروحة، أما الآن فقد أصبحت عمود الاستثمار العائلي ومراكمة رأس المال.
شرايين مصر
وفرةُ المياه مع المناخ الجاف ساعد في انتشار زراعات بعينها واستبعاد أخرى، حيث يُزرع الأرز يزرع في الدلتا حصرًا، في مقابل ذلك، تستأثر محافظات الصعيد بالنصيب الأكبر من زراعة قصب السكر، حيث ولّدت وفرته حياةً اجتماعيةً حوله، فيستخلصُ منه العسل الأسود في معاصر شعبية، أكل عيدان القصب عادّة يومية، ترى بقاياه منتشرةً على الطرقات الداخلية، فهنا يحقّ لأيّ شخص أن يأخذ ما يشاء من القصب سواءً من حقول الغير أو من السيارات والقطارات المتخصّصة في نقله، يقولون إن هذا من كرم الصعايدة وزكاة قصب السكر في ما بينهم.
إذا كان النيل هو في الحقيقة أطول شارع في مصر، فإن الحكومة المركزية في العصر الحديث احترمت هذه الحقيقة واستثمرت فيها، فجاءت خطط السّكك الحديدية كشريان موازي لنهر النيل، فخطُ السكّة الحديدية الذي يربط الصعيد كلّه بالقاهرة والوجه البحري يمشي بموازاة مجرى النهر وامتداداته، لأنّ الأخير صنع واقع تمركزت فيه الكثافة السكانية حول مجراه، فجاءت السكك الحديدية ترجمة لهذا الواقع وتماهيا معه، تحوّل خط السكك الحديدية إلى ما يشبه استخدام شبكة مترو الأنفاق في القاهرة الكبرى، فهو أداة انتقال أساسية بين مدن الصعيد، الكثيرون يفضلونه على وسائل المواصلات الأخرى، بسبب سوء شبكة الطرق الداخلية بين مراكز المحافظات وارتفاع معدل حوادث الطرق، وسط إهمال حكومي ممتد لعقود لهذا الملف.
المشهد المعبر عن الاعتماد الصعيدي على القطارات هو الازدحام الشديد الذي تشهده محطّة قطارات القطارات المركزية بالقاهرة والمعروفة باسم "محطة مصر"، هنا يصل الازدحام إلى ذروته في حجز مقعد في قطار، البعض يسافر وقوفا في أروقة القطار، تعكس هذه الحركة الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
قطاعٌ كبير من سكان القاهرة في الحقيقة مغتربون، هم أصلًا من سكان مدن الصعيد الأكثر فقرًا والأقل تنمية، حيث تقلّ فرص العمل في محافظات الجنوب، وتبرز مشاكل التنمية غير المتكافئة بين إقليم القاهرة الكبرى والصعيد الأضخم مساحة والأكثر تنوعًا في المواد الخام، لكنه أكثر فقرًا بشكلٍ صارخٍ حيث معدّلات الفقر تصل في بعض الأماكن إلى 66 % بحسب تقديرات رسمية، حركة قطارات الصعيد إذن في جزءٍ منها تعبير عن تهميش اقتصادي بين.
شكّلت الموالد المكوّن الثقافي الذي لحم ثقافة الصعيد المصري العريقة في سبيكة واحدة، فالحضور الصوفي في مدن الجنوب المصري مستقرّ ومؤثّر ومتفاعلٌ، والاحتفاظ بالعادات القبيلة أساسي، واحترام الأنساب خاصّة أنساب الأشراف أمرٌ يمكن ملاحظته بسهولة، ومحبة آل البيت حاضرةٌ بقوة ساحقة، والتراث الممتدّة جذوره إلى عهود مصر القديمة يواصل حياته في تفاصيل جديدة، وكأن مشاهد المعابد المصرية تقفز وهي ممتلئة بالحياة إلى شوارع مدن الصعيد، كل هذه التفاصيل اندمجت في مشهد الموالد المصرية، التي صنعت لحمة فريدة لثقافة الصعيد، التي جعلت التغلغل السلفي أقل حدة لكنه أكثر شراسة.
الموالد أساسية في تجربة التدّين الصعيدي، وقد نجحت في التحوّل إلى مظلة حمت العديد من الفنون التراثية التي تعود في جذورها إلى طبقات تاريخية مختلفة، نحن أمام تجربةٍ اجتماعيةٍ متكاملةٍ؛ فالأهالي يتفاخرون بأعداد "الخدمة"، وهو مكان تستغله عائلة أو طريقة بالقرب من مكان المولد، وتوفّر الطعام والشراب لكل وافدٍ وزائرٍ، المشهد اللافت هو الإصرار على إشراك الأطفال الصغار في خدمة الضيوف "تحصينًا لهم من الأفكار الغريبة، وتعويدهم على محبة آل البيت والأولياء وتحمل المسؤولية والكرم"، هكذا قال أحد مسؤولي إحدى الخدمات في مولد سيدي عبد الرحيم القناوي.
تشكل الموالد فرصة ثمينة لاكتشاف أشكال التضامن الاجتماعي الفريدة في مصر، إذ توفر "الخدمة" الطعام والغذاء لآلاف الأشخاص، ومع استمرار دائرة الموالد لفترة تمتدّ لعدة أشهر وفي مختلف محافظات الصعيد تقريبًا، نجد أنفسنا أمام نظام رعاية اجتماعية يتحدى الظروف الصعبة.
الطابع الاجتماعي للموالد
وسط ظروف اقتصادية صعبة ومعدلات فقرٍ مرعبةٍ، لم يجد أهالي الصعيد الحماية إلا في دولة الأولياء، في قلب الصعيد عاش الناس في حماية الولي، لذا لا غرابة أن تجد دولة الأولياء حاضرة في الصعيد بقوة، سيدي عبد الرحيم القناوي في قنا، والسلطان الفرغل في أسيوط، وأبو الحجاج الأقصري في الأقصر، والستّ حورية في بني سويف كأشهر مقامات أولياء الصعيد.
لكن الاحتفاء والاحتفال بموالد الأولياء، لا يقف عند المظهر الديني أو التدين الشعبي، بل يعكس حوارًا عابرًا للحضارات والثقافات، وهو ما يتجلّى عند استعراض التفاصيل في جامع (أبو الحجاج) الأقصري، والتي تجبرك على التوقف مشدوها أمام هذه التركيبة الحضارية التي تلخص الكثير من فصول التاريخ المصري، فالجامع يقف على قمّة تراكم حضاريٍّ، ففي الأسفل يوجد معبد الأقصر والذي طُمس تحت طبقات من الرمال، ثم بُني فوقه معبدٌ روماني وفوقه كنيسة قبطية، ثم تأتي الطبقة الحضارية الأخيرة في صورة جامع (أبو الحجاج).
يحكي جامعُ أبو الحجاجِ قصّة مصر من الحضارة القديمة مرورًا بالعصر اليوناني الروماني ثم المرحلة القبطية وصولا إلى المرحلة الإسلامية، هذا التمازُج الحضاري البديع تجده في تفاصيل الجامع الفريد من نوعه، فالتداخُل بين ما هو إسلامي وبين ما هو مصري قديمٌ حاضر في كل ركن، العمدان الضخمة للمعبد القديم تتداخل مع أساسات الجامع بشكل مبهر، المنبر المنحوت في أحد أعمدة المعبد. والغريب أنك لا تشعر بالتنافر، هناك تناغم ساحر يسكن المكان وكأن كل طبقات مصر الحضارية تسكنك وتمدك بسحرها فتسكر بلا خمر، وتخشع بلا جبر، وتحلق روحك في آلاف السنين.