ultracheck
تونس العاصمة.. من يمتلك الحق في المدينة؟ (ميغازين).

تونس العاصمة ومفهوم الحق في المدينة

9 سبتمبر 2025

تحتكر المدينة في عصرنا الراهن أغلبية الأنشطة التي يقوم بها الإنسان، سواء كانت عملًا أو ترفيهًا أو نشاطًا مجتمعيًّا أو سياسيًّا، وحتى الأنشطة التي تقع خارج المجال الحضري كالتخييم في الأرياف أو تسلّق المرتفعات صارت قطاعًا تنظمه جهات ذات مقرّات اجتماعية داخل المدن، تقدّم خدماتها للباحثين عن الترويح عن النفس واستكشاف أماكن جديدة، من أجل أن يعودوا لاحقًا إلى مواقعهم في المدينة بروح أشد إقبالًا على الإنتاج.

قليلٌ منا من تسنّت لهم الفرصة للوقوف لحظةَ تأمل حول ما يعني أن نعيش في مدينة، وما سبب عدم توقف المناطق الحضرية عن الاتساع؟ ومن يقرّر ما يجب أن تكون عليه مدننا، مساحةً وكيفًا؟

إن مجرد التأمل في الأبنية العصرية المحيطة بنا، تلك المخصصة للسكن أو التي تمثل مقرات لشركات ومكاتب مهن حرة ومساحات تسوّق، يُظهر لنا أن كل هذا المعمار إنّما صُمّم بدقة لهدف واحد وهو تصريف فوائض رأس المال الذي تنتجه الشركات، وإعادة ضخها في مشاريع عصرَنَة (Gentification)، أي إحلال طبقة الجنتلمانات مكان السّكان الأصليين، وتوسيع للمناطق العمرانية وإرساء مراكز ترفيه كبرى تصبّ جميعها في نفس الهدف، أي تكديس فائض الربح وإعادة ضخّه.

لكن ماذا عن الأحياء القديمة التي تحمل نفحة من هويّة الأمكنة وتاريخها، ماذا عن الساحات العامة التي مثّلت دائما قبلة للمحتجّين، ومسرح مدّ وجزر مع قوات السلطة. لماذا صارت المدن كلها متشابهة بطريقة حزينة، من نيويورك إلى بانكوك، ومن جوهانسبرغ إلى القاهرة؟

في كتابه "مدن متمرّدة" يحاجج المفكر الماركسي ديفيد هارفي، الذي يعتبر نفسه مطوّرًا لكتابات هنري لوفيفر حول الحق في المدينة، أن عملية الحضرنة التي لا تنتهي، هي في الوقت ذاته إعادة خلق واختراع للإنسان نفسه، متسائلًا عن أثر ذلك في تمثلنا للعالم:

"لقد كانت وتيرة التطور العمراني واتساع نطاقه المذهل خلال المئة سنة الماضية تعني على سبيل المثال أننا صُنعنا مرارًا دون أن ندرك لماذا وكيف حدث ذلك. لكن هل أسهم هذا التطور العمراني المذهل في تحسين رفاهة البشر؟ هل جعلنا أشخاصًا أفضل أم تركنا معلقين في عالم من عدم الاتساق والغضب والإحباط ؟ هل أصبحنا مجرّد بدو رحل أُلقِي بهم في بحر الحضر؟" (مدن متمرّدة: من الحق في المدينة إلى ثورة الحضر ص30)

اهتمت بمفهوم الحق في المدينة حركاتٌ اجتماعية ومنظمات عديدة، وناقشها مفكّرون كثر، توّجت جهودهم سنة 2003 في المنتدى الاجتماعي العالمي الثالث في بورتو أليغري بإقرار الميثاق العالمي للحق في المدينة، والذي عرّف هذا الحق بأنه:

"الحقوق الإنسانية المعترف بها دوليًّا للسكن، والأمن الاجتماعي، والعمل، ومستوى معيشة ملائم، والترفيه، والمعلومات، والتنظيم وحريّة التجمّع، والماء والغذاء، والتحرّر من نزع الملكية، والمشاركة والتعبير عن الذات، والصحة، والتعليم، والثقافة، والخصوصية والأمن، والبيئة الآمنة والصحّية، والتعويض والعلاج القانوني في حالة التعرّض للانتهاك، وإجمالي الحقوق الإنسانية المتفق عليها والمكفولة التي يتم ضمانها لكل البشر في كافة الظروف".

يرى هارفي أنه في عصرنا الحالي حيث تحتل حقوق الإنسان مكانة عالية في النقاش السياسي، يظل الحق في المدينة واحدًا من الحقوق القليلة ذات الُبعد الجماعاتي التي تحافظ على وجودها على طاولة النقاش ويزداد الوعي بها سريعًا، في خضم العدد الكبير من الحقوق الفردانية التي يسوَّق لها باستمرار، ذلك أنها لا تتعارض، بل يصبّ الكثير منها في صالح السعي المحموم للرأسماليين لإنتاج فوائض القيمة وإعادة استثمارها.

ويستشهد في كتابه المذكور بأمثلة عديدة من التاريخ المعاصر، أُوكِلَ خلالها لكبار المخططين العمرانين مهمّة البحث عن سبل لإعادة استثمار فوائض رأس المال، وذلك عبر تغيير وجه المدينة بشكل كامل، بما يتضمنه ذلك من هدم للقديم وتوسيع للشوارع وإنشاء ضواحٍ جديدة وخلق أسلوب حياة مغاير يقوم على الاستهلاك المفرط، حيث يمثّل الديْن كلمته المفتاحية، ذلك أنه دائمًا ما ترافقت هذه المشاريع العمرانية الكبرى مع إطلاق طرق تدايُن ووسائل ائتمانية جديدة، سرعان ما يظهر قصورها الذي يؤدي إلى ركود حاد:

  • المثال الأول الذي يستعيده هارفي حدث بعد تنصيب نابليون الثالث نفسَهُ إمبراطورًا على فرنسا، حيث كان على وعي بضرورة البحث عن فرص جديدة لاستثمار فوائض الربح، فكلف معماريًّا شهيرًا يُدعى جورج أوسمان بإعادة تشكيل المدينة من خلال مد شبكة صرف صحي عصرية وبناء جسور ومشاريع عملاقة أخرى كلّها منجزة بالدَّيْن. لكن بعد فترة غير طويلة بدأت تداعيات الإفراط في التدايُن بالظهور وعم الاستياء الشعبي، لينتهي بخوض الإمبراطور حربًا خاسرة ضد بُروسيا أطاحت أخيرًا بحكمه.

يرى هارفي أن أول نموذج طليعي ساخط على الاغتراب والتهميش الذي أنتجته عملية الحضرنة القسرية كان كومونة باريس الشهيرة، وهي الجماعة اليسارية التي سيطرت على حكم بلدية باريس إثر الفراغ الذي تركته هزيمة فرنسا، مطالبةً بانفصال المدينة وحكمها نفسَها بطريق أكثر ديمقراطية وأقل تدخلًا من كبار الرأسماليين، لكنّ الكومونة كما يعلم الجميع لم تعمر سوى 72 يومًا.

  • يقفز بنا هارفي إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث قاد عمليةَ تحديث مدينة نيويورك والمنطقة الميتروبوليتانية برمّتها مهندس متأثر بأعمال أوسمان في الامبراطورية الثانية الفرنسية، هو روبرت موزيس الذي مد الطرقات السريعة ومترو الأنفاق وخلق نظامًا حضريًّا هائلًا قوامه الاستهلاك والترفيه والتعويل الجنوني على البترول، دائمًا بتمويل يعتمد أساسًا على التدايُن، إلى أن جاء عقد السبعينيات الأسود، الذي شهد الإفلاس المالي لمدينة نيويورك، متزامنًا مع احتجاجات العام 1968 الشهيرة والحركات الساخطة على نموذج موزيس الذي خلّف مدنًا فاقدة للروح، أشهرها الحركة التي ترأستها الناشطة والصحافية جين جاكوبز صاحبة الكتاب الحدث "حياة وموت مدن أمريكية عظيمة".
  • في القرن الحالي يبيّن هارفي أن عمليّة الحضرنة قد تم تحويلها إلى العالمية، حيث ظهرت مدن مستنسخة من نيويورك في بانكوك وأبو ظبي وجوهانسبرغ ومومباي وشنغهاي، مستفيدة من الابتكارات المالية الجديدة مثل التوريق و طرح حزم الرهون العقارية المحلية للبيع للمستثمرين على مستوى العالم، وهو ما أدّى في نهاية المطاف إلى الأزمة العقارية سنة 2008 والتي انطلقت من الولايات المتحدة وتفشت في حواضر العالم مسببةً شللًا كبيرًا في اقتصاد قارات بأكملها وتشريد ما لا يحصى من العائلات.

هذا الركود المتأتي أساسًا من الإسراف في سلوكيات الرهن المركّب الذي اعتُقد أنه يوزّع المخاطر، تبيّن أنه وإن كان يوزّعها، فإنه لا يقضي عليها، أدّى في الأخير، بين أسباب أخرى، إلى موجة الاحتجاجات التي شهدتها بداية العقد الثاني من القرن، أي انتفاضات الربيع العربي، وحركة احتلّوا وول ستريت، التي تمددت لتشمل عديدًا من المدن ومراكزها المالية المتسبّبة في هذا الخراب بسبب تهوّرها غير المسؤول.

كخلاصة، فأنه ليس أمرًا صعبًا أن نربط بين أزمات الرأسمالية المتتالية وبين قضيّة الحَضْرَنة القسرية، والتي نتج عنها دائمًا نوع من الردّ الجماهيري المناهض لتحويل المدن إلى آلات متشابهة تبتلع فوائض القيمة وتعيد إنتاجها، والمطالب بإشراك المواطنين في ابتكار مقاربات جديدة لما يجب أن تكون عليه الحياة في الحضر. فالمطالبة بالحق في المدينة تبرز كتجلّ للحق الأسمى في تقرير المصير، الذي وقع مصادرته مقابل تعميم ما يسميه الاقتصادي الأمريكي توماس ديلورنزو "أمراض التمدّن"، وهي "أمراض الإنسان المقهور في المدينة الحديثة، الذي تحولت حياته إلى مجال واسع للاستغلال والاستثمار من رأس المال المتوحّش الذي يبيع ويشتري في كل شيء، فأمراضه هي بالتحديد أمراض التلوّث بجميع أنواعه السمعي والبصري، وأمراض السياسة والاقتصاد التي تباشر قضاء/ أو القضاء على مصالحه".

تونس العاصمة: ليست الرأسمالية وحدها من تفتَكُّ المدن

في الوقت الذي نكتب فيه هذا النص يدور جدل حاد حول منح السلطات أحد المستثمرين رخصةً لهدم نزل البحيرة في قلب العاصمة. المبنى ذو التصميم الهرمي المقلوب يجثم في وسط المدينة منذ سنوات طويلة مهجورًا من أي نشاط اقتصادي. وفي حين يعتبره المعارضون لهدمه معلمًا تاريخيًّا أو رمزًا من الرموز المعمارية للعاصمة داعين إلى ترميمه بدلًا من إزالته، يرى آخرون أن الحديث عن تاريخية النزل مبالغ فيه بالنسبة لمكان لم يتجاوز من العمر خمسين عامًا.

ويدعو هؤلاء إلى الالتفات للمعالم الحقيقية للمدينة، التي يطالها الطمس كل سنة من خلال قرارات الهدم وعمليات الترميم الهجينة التي شوهت الكثير من الأبنية العتيقة وإرث المعمار الفرنسي، من خلال إضافة عناصر عصرية لا تتلاءم وهويتها البصرية.

اللافت في الجدالات التي تدور في الفضاء العربي والتي لا تشذ تونس عليها، قصور الوعي المجتمعي و ضعف القدرة على التنظم بطريقة فعالة من شأنها الدفع نحو تغيير السياسات العمرانية. فالنقاش حول إزالة نزل البحيرة مثلا عند تشريحه نجد أنه لا يخرج عن نطاق التجاذب السياسي القائم منذ عقد ونص من الثورة، والذي يقتضي شجب أي إجراء يقوم به من نعارضه سياسيًّا والإعلاء من شأن أي سياسة ينتهجها من نسانده.

سنحاول الآن التثبّت مما إذا كان لأفكار هنري لوفيفر و ديفيد هارفي حول الحق في المدينة، من مكان في المدينة الكبرى من حيث عدد السكان في الجمهورية التونسية، وهي العاصمة تونس التي يقطنها (إلى جانب ولايتي نابل وزغوان، بما يمثّل التقسيم الإقليمي الجديد) حوالي أربعة ملايين نسمة، أي ثلث سكان البلاد.

من خلال بسط خريطة للمناطق العمرانية بالعاصمة تونس، نجد أن مساحات شاسعة لا تزال غير مستغلّة حضريًّا. إذ تتركز الأحياء السكنية العصرية والمركبات التجارية والأحياء الإدارية متطاولة البنيان على أطراف المدينة، مثل أحياء النصر والواحات والسّلامة السكنية، والمركز العمراني الشمالي وضفاف البحيرة وحي الغزالة كأقطاب خدماتية وتكنولوجية يتركّز فيها جزء كبير من المقرّات الاجتماعية لرأس المال الوطني والشركات متعددة الجنسيات.

أما عن مدينة تونس النواة، فقد حافظت إلى حد كبير على شكلها الذي دخلت به النصف الثاني من القرن العشرين، أي منذ الاستقلال. ما نعنيه بشكلها هنا هو عدم قيام مجمعات سكنية ومبانٍ لشركات عملاقة مكان الأبنية متوسطة الحجم التي اختلط فيها معمار المستعمر الفرنسي بالبناء الحديث للمواطنين، كما لم يشهد وسط المدينة عمليات توسيع ضخمة للطرقات، غير أعمال التهيئة العادية التي تتكفّل بها البلديات بصفة روتينية.

وبتعبير روبرت موزيس، لا أحد "هوى بساطور على المدينة"(مدن متمردة ص47) كما وصف مشروعه في منطقة برونكس الإدارية في نيويورك. ويتندّر التونسيون دائمًا بأن عاصمتهم هي الوحيدة في هذا العصر التي لا تحتوي سوى برج واحد، وهو نُزل إفريقيا الواقع في شارع بورقيبة. فما الذي يفسر غياب المشاريع الكبرى في وسط العاصمة تونس، وظهورها في الأحياء السكنية والخدماتية على أطرافها؟

بالرغم من تركز نسبة هامة من عدد السكان الإجمالي في العاصمة، فإن معدّل الكثافة السّكانية (عدد السكان لكل كم2) لا يعتبر مرتفعًا بالمقارنة مع بلدان عربية أخرى مثل المغرب ومصر، حيث أدّى عدد السكان المرتفع وتركّزهم الكبير في المناطق الحضرية وعلى أطرافها إلى ظهور معضلة العشوائيات، ما دفع السلطات إلى إعداد برامج للعصرنة وإزالة الأحياء العشوائية، ومن ثم ظهور حركات مدنيّة مناهضة لها، وهو ما سنراه في الفصل الموالي.

توجد مشكلة غاية في الأهمّية في علاقتها بنسق تغيير وجه المدينة، وهي العدد الكبير من المباني فرنسية المعمار، والتي ورثها التونسيون عن الفترة الاستعمارية. ففي حين يتباهى البعض بجمالية هذه الأبنية التي صارت جزءًا من الهوية البصرية للعاصمة، وقد شملها عديد من حملات الترميم مع محاولة المحافظة على أصالتها، يخفي عدم المضي قدمًا في إزالة المتهرّم منها معضلة قانونية مشتبكة تخصّ ملك الأجانب، من المعمّرين أو اليهود الذين غادروا البلاد، والتي حاولت الدولة حلّها عن طريق سنّ عدد من القوانين، منها تمكين الشركة الوطنية العقاريّة SNIT المعروفة لدى التونسيين بالسّنيت، من التصرّف في قسم هام منها عن طريق الكراء والتمليك، لكن هذه التشريعات تظلّ إلى اليوم قاصرة عن إيجاد حلّ جذري لمشكلة أملاك الأجانب.

يمكن إذن القول بأن سكّان تونس المدينة، شوارعها ومبانيها قد نجوا إلى حد الآن من سياسات التخطيط العمراني الكبرى التي تشقّ المدن في أغلب عواصم اليوم لتطمس معالمها وتقضي على علاقات اجتماعية وخبرات بشرية تعبّر عن خصوصيات تلك الأمكنة وثقافاتها، غير أن الحق في تشكيل فضاء المدينة وفق رؤية تشاركيّة يظل رغم ذلك غائبًا، إذ تتهدّده كل يوم مخاطر وانحرافات كثيرة أخرى، وإن كانت أقل ارتباطًا بالرأسماليّة وبفائض القيمة.

أوّل هذه المخاطر هي الأمنَنَة المتزايدة للشوارع الكبرى ذات الرمزيّة التحرّرية، وعلى رأسها شارع الحبيب بورقيبة. فالشارع الذي شهد أضخم مظاهرة لإسناد الانتفاضة التي عمّت جميع جهات البلاد، والتي أدّت إلى سقوط نظام بن علي في اليوم الموالي، راح يستوعب متاريس ومدرّعات وأعوانَ أمن أكثر، في كل سنة تمرّ على انتفاضة 2011. كما قامت وزارة الداخلية الواقعة في الشارع ذاته بإغلاق الطريق المارّة أمامها، مما جعل نشاط التظاهر ينحسر ويتركّز أمام مبنى المسرح البلدي.

تمثّل سياسة احتواء الميادين الرمزية للانتفاضات والحراك الاجتماعي إجراءً منتشرًا عند الحكومات، فميدان التحرير في مصر لم يعد اليوم ذلك المكان نفسه القادر على استيعاب مئات الآلاف من المواطنين الساخطين، بعد إنشاء كراج التحرير، وتكليف شركة أمنية بحراسة القطع الأثرية التي قامت الحكومة بنقلها إلى الميدان رغم اعتراض اليونسكو على الخطوة. وفي البحرين اختفى ميدان اللؤلؤة الذي شهد احتجاجات سنة 2011 من الوجود، إذ قامت السلطات بهدمه في العام نفسه، بينما اتسمت سياسة السلطات التونسية (متماهية مع صورة التجربة الرائدة في الربيع العربي) بالمهادنة ومحاولة تبرير عسكرة الشارع وبث أعوان الشرطة بالزّي المدني في كل ركن منه، بالتأهّب لعمليات إرهابية مثل التي استهدفت دورية أمنية في شارع بورقيبة في أكتوبر سنة 2018 وحافلة الحرس الرئاسي في شارع محمد الخامس المجاور سنة 2015.

نبتعد قليلًا عن الشارع الرئيسي لنتوه في الشوارع والأزقّة الفرعية، حيث تخفّ شيئًا فشيئًا عين الأخ الأكبر، بينما تتلقّفنا آفّة البسطات العشوائية في ساحة برشلونة وساحة المنجي بالي وصولًا إلى باب الجزيرة، حيث يصبح السير على الأقدام مهمّة شاقة، ناهيك عن دخولها بالسّيارة.

رغم الحملة التي قامت بها السلطات سنة 2024 لإزالة نقاط البيع العشوائية المتاخمة للشوارع الكبرى، فإن الظاهرة بقيت متفشّية بشكل لا يمكن للحملات الأمنية معالجته، إذ ازدهرت في عديد المناطق مثل سوق الخربة و نهج اسبانيا و سيدي بو منديل نماذج اقتصادية متكاملة قائمة على التكافل، طوّر المنتسبون لها أساليب إقراض وتمويل بعيدة عن أعين الدولة واقتصادها الرسمي. وحتى مداهمات الشرطة البلدية أو الشرطة البيئية التي تم إنشاؤها بعد الثورة بات سكّان العاصمة يعلمون بأنها مُمسرحة، تقضي تعاليمها بتظاهر الأمن بالمداهمة، مقابل تظاهر الباعة بالهروب بأكياس السلع على ظهورهم، قبل أن يعودوا في وقت لاحق.

ورغم تغوّل الاقتصاد الموازي في العاصمة، فإن تكاسل الدّولة في تفكيك أو دمج هذه الأنشطة في الاقتصاد الوطني يرجع في جزء كبير منه إلى شبح البطالة الذي تخافه كل الحكومات، ففي بلد تجاوزت فيه نسبة البطالة 15% وفق إحصائيات 2015، تلعب أنشطة الاقتصاد الموازي دور "سدّ باب البلاء" بالتعبير المحلّي، إذ تدرك السلطة أنّ البطالة في صفوف الشباب هي الوقود الأسرع التهابًا الذي يفرز الاحتجاجات العنيفة.

من أمراض مدينة تونس كذلك، ضعف المخيّلة الاستثمارية والخوف من المجازفة، ففي اقتصاد نصف متحرر ونصف ريعي، لا يغري كثيرًا المستثمر الخارجي ولا يشجّع الابتكار الوطني، تتكاثر المقاهي باعتبارها استثمارا آمنًا بأحجامها وأشكالها، دونما مسافة أمان بينها، على غرار حي لافايات ذي المعمار الفرنسي الذي يبعد مسافة عشرين دقيقة مشيًا عن شارع بورقيبة، حيث غزت مقاعد المقاهي الأرصفة وجزءًا من الطرقات. وتشير بعض التقارير إلى أن عدد المقاهي في تونس العاصمة قد بلغ عشرين ألف مقهى في مساحة حوالي 2000 كلم2.

تونس التي لم تعد خضراء

تمثّل البيئة المتعافية والمساحات الخضراء ركائز أساسية في رؤية منظّري الحق في المدينة، هنري لوفافر وديفيد هارفي ومن بعدهما جاك فريسكو في مشروعه اليوتوبي "فينوس بروجاكت" . كما تضع عديد من الحركات المطالبة بالحق في المدينة المسألة البيئية في مقدّمة جداول أعمالها، على غرار حركة احتلّوا غيزي، التي تحوّلت من مظاهرات بهدف منع إزالة حديقة غيزي في اسطنبول وبناء مول مكانها سنة 2013، إلى مظاهرات سياسية حاشدة في ميدان تقسيم وأرجاء كبيرة من تركيا.

في مدينة تونس، إلى جانب عسكرة الفضاء العام والانتصاب الفوضوي وعدم احترام المعايير البلدية بالنسبة للمقاهي والمحلّات، بل وبسببها في جزء كبير منه، يبرز المشكل البيئي ليكون تحدّيًا آخر أمام السلطات والمواطنين معًا، بينما اقتصرت الحلول المقدّمة على التشريعات وعلى إرساء أجهزة الرقابة ضعيفة التأثير مثل الشرطة البيئية التي ذكرناها سابقًا.

في مواجهة هذا المشكل، ظهر عدد هائل من الجمعيات والأحزاب بعد الثورة يُعنَى بالشأن البيئي، لكن ظل نشاطها تحسيسيًّا. كما أنّ الحركات البيئية الراديكاليّة تبدو متشظّية ومناطقية إلى حد كبير، مثل حملة سكّر المصب التي ركّزت اهتمامها على المطالبة بغلق مصبّ برج شاكير في أطراف العاصمة، وحركة Stop Pollution التي تنشط في مواجهة النفايات الصناعية في جنوب البلاد.

تشير الإحصائيات الرسمية بوجود نحو 1100 هكتار من المساحات الخضراء، و37 متنزهًا في بلديّة تونس، إلّا أن الإهمال وسوء التصرف في الموارد على مرّ السنين جعل من هذه الفضاءات أراضي جرداء ومهمَلة وقِبلة لمزيد النفايات، باستثناء حديقة البلفيدار التي تأسست على يد المستعمر سنة 1910 وتعتبر اليوم الرئة الأساسية لسكان العاصمة، وما لم تتكاتف المبادرات المجتمعية من أجل فرض برامج التشجير وإحداث مزيد من المحميات والفضاءات الخضراء على جداول أعمال السلطة المركزية والبلديات، فإن المسألة البيئية ستظلّ بندًا تزيّن به الأحزاب آخر صفحتين من كتيّب برنامجها الانتخابي لتباهي بأنه البرنامج الأكثر شموليّة.

إن الحق في المدينة ليس نظرية نخبويّة وُضعت لتناقش في ندوات الجغرافيين والمخطّطين، بقدر ما هي فكرة أراد لوفيفر ومن جاؤوا بعده أن تكون نطاقًا جامعًا لكل حركة أو مبادرة من شأنها الضغط على الطبقة السياسية والاقتصادية الحاكمة، ونشر الوعي حول أهمّية أن يشكَّل الفضاء العام وفق نظرة تشاركية، تستبطن العمران كخيرٍ للإنسان، لهذا فإن حركة مثل ضحايا الرهن العقاري في برشلونة، التي يقف منتسبوها في وجه مشاريع شركة بلاك ستون العملاقة لطردهم من مساكنهم، ورابطة شباب ماسبيرو في مصر ضدّ التهجير القسري بجحّة العصرنة، و حملة سيّب التروتوار (الرّصيف) التي عمّت تونس بعد ارتفاع الحوادث الناجمة عن احتلال الأرصفة، بالإضافة إلى كل الحملات والمبادرات التي ما انفكّت تطالب ببيئة آمنة ومساحات خضراء كافية للجميع، كل هذه الأشكال التعبيرية والاحتجاجية تصبّ وجوبًا في الحق في رؤية أكثر ديمقراطية لمدننا، ولا خيار اليوم أمام أي مبادرات على اختلاف مطالبها سوى التنسيق في ما بينها من أجل تعبئة أكبر، قادرة على الضغط والتغيير الفعليين.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

محمود درويش.. شاعر تحت رحمة الذكاء الاصطناعي

يسير محمود درويش في مدينة قديمة ملقيًا قصيدة لم يكتبها. صحيح أنّ الشاعر مات منذ 18 عامًا و4 أيام بالضبط لكن المحتوى لم يعد مضطرًا إلى التوقف

2

من قوارب الهجرة إلى جبهات القتال: عسكرة المهاجرين الأفارقة في اليمن

تمثل ظاهرة تحويل المهاجرين الأفارقة إلى مقاتلين بين اليمن والقرن الإفريقي تحديًا أمنيًا متعدد الأبعاد يتجاوز الأطر التقليدية للهجرة غير النظامية، ويخلق ديناميكيات جديدة للصراع تهدد الاستقرار الإقليمي

3

صورة إفريقيا في كأس العالم وإرث التمثيلات الاستعمارية

يقف الاحتفال بالثقافة الإفريقية في أناشيد كأس العالم في تناقض مع الحقائق الاقتصادية والسياسية للقارة. أين تذهب أموال "فيفا"؟ كم من الإيرادات الناتجة عن هذه الأحداث العالمية يستفيد منها فعليًا تطوير كرة القدم الإفريقية؟

4

في بيت خوسيه ساراماغو الأخير: مخطوطات وذكريات كاتب غزا لشبونة

يفتح خوسيه ساراماغو أبواب ذاكرته في بيته الأخير بلشبونة، حيث تختزن المخطوطات والمقتنيات الشخصية مسيرة كاتب برتغالي شق طريقه من الفقر والعزلة إلى العالمية، تاركًا إرثًا أدبيًا خالدًا.

5

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

اقرأ/ي أيضًا

شب جديد وسانت ليفانت

بين شب جديد وسانت ليفانت.. هوية الفلسطيني تحت المجهر

بالنسبة للفلسطيني أو للمنخرطين في حركات التحرر، فإن انتقاد سانت ليفانت بوصفه مسوّقًا للهوية الفلسطينية ليس انتقادًا غير مفهوم، بل هو نقاش مشروع يستحق أن يُطرح، لأنه يلامس أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الثقافة والسياسة

ماسة عورتاني

الرواية المغاربية
الرواية المغاربية

من سراييفو إلى المغرب والجزائر.. كيف كتبت الرواية المغاربية حرب البوسنة؟

وجدت حرب البوسنة مكانًا لها في المتخيل الروائي العربي، كما حضرت في أعمال أدبية تناولت قضايا مثل فلسطين، وجنوب إفريقيا، وأميركا اللاتينية، والحربين العالميتين وما إلى ذلك

يونس أوعلي

خورخي بورخيس

الأعمى الذي رأى كل شيء.. كيف تحتفل الأرجنتين بميلاد بورخيس؟

نظّمت مؤسسة "بورخيس الدولية" بالتعاون مع حكومة مدينة بوينس آيرس برنامجًا امتد ثمانية أيام تحت عنوان "بورخيس: كاتب عالمي"، بمناسبة مرور 127 عامًا على ميلاد خورخي لويس بورخيس (1899–1986)

سناء عون

السخرية السياسية

كيف أصبحت السخرية لغة السياسة الأكثر تداولًا؟

عُرفت السخرية كوسيلة للضحك على السياسيين أو تخفيف وطأة الأخبار والأزمات، لكنها أصبحت في العقود الأخيرة جزءًا من الطريقة التي يُنتج بها الجمهور المعنى السياسي نفسه ويفسره ويتداوله

مهاب محمد حسنين

التطبيع الإعلامي

بين الميدان والشاشة: تفكيك التطبيع الإعلامي المرئي ومعركة السرديات في لبنان

عاش المشهد الإعلامي اللبناني خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان (2024–2026) تحولات في السياسات التحريرية لوسائل الإعلام، تمثلت في فتح قنوات محلية بارزة مساحات للتواصل المباشر مع صحفيين ومحللين إسرائيليين

مايا ياغي

المزيد من الكاتب

عماد قيدة

كاتب تونسي

خصخصة الهلع: الكوارث والحق في إدارة الخوف

صار الاستثمار في "رأس مال الخوف" مباحًا ومسموحًا به بعد أن كان التعويل على خوف الناس المدفوع بغريزة البقاء من أجل ضبطهم إداريًا واقتصاديًا وأمنيًا حكرًا على السلطة السياسية

حين يضحك الإنسان.. تاريخ شعبي للفكاهة

يعبّر الضحك عن تحرر لحظي من سلطة المنطق وقيوده، وقد استُخدم كأداةٍ للتنفيس ومقاومة السلطة. ورغم أهميته إنسانيًا، لم يتطرق له سوى القليل من الدارسين

طريق واحدة تؤدي إلى روما: موسيقى المِزْوِدْ وصدى المهاجرين التونسيين

تجسد موسيقى المزود صوت الفئات المهمشة في تونس، وتعكس معاناتها مع الفقر والحرمان وتجاربها المأساوية في الهجرة غير النظامية

ممدوح عزّام: صار عمر الحزن السوري ستين عامًا

شكّل مشروعه الأدبي نافذة فنية دقيقة ووفية لتصوير واقع المجتمع السوري وتاريخه. يتناول ممدوح عزام في أعماله تناقضات هذا الواقع، بما فيها تحديات العادات الاجتماعية

مثل نبتة ورقية نشأ بين الكتب: الحبيب اللمسي.. شيخ الناشرين في ذكراه

هنا استعادة لشيخ الوراقين التونسيين الحبيب اللمسي الذي أرشف كمية كبيرة من المجلات والكتب العربية. وكان مديرًا لدار الغرب الإسلامي

ابن بطوطة لا يتغنّى بالبخّارة: العنف البيئي والنزوح القسري من قابس

"تعاني مدينة قابِس مأساة بيئية مركبة، تتجسّد في التلوث الكيميائي الناتج عن المجمع الصناعي، ومعاناة السكان الصحية