في الذاكرة المصرية المعاصرة، احتل الإنشادُ الديني دومًا مكانة رفيعة، بسبب قُدرته على مخاطبة الجماهير خطابًا عميقًا، سواء بموضوعه، وهو الابتهالات والمدائح النبوية، أو بشكله، وهو الألحان والأداء الصوتي. لقد تحالف الموضوع والشكل، أو الدين والألحان كي تُكسب الإنشاد نفاذًا سريعًا إلى الوجدان الشعبي. وفي هذا الميدان، راكمت مصر خلال القرن الماضي رصيدًا كبيرًا ونفيسًا، وامتلكت الإذاعة المصرية ثروة من تسجيلات أعلام الإنشاد، وتحديدًا من الطبقة الأولى من الشيوخ الذين أسهموا بدور تأسيسي أو محوري في ترسيخ المعالم الكبرى للمدرسة الإنشادية المصرية، وفي مقدمتهم وعلى رأسهم الشيخ علي محمود، ثم الشيخ طه الفشني. لكن تراجعًا ملحوظًا أصاب مسيرة هذا الفن منذ ما يقرب من أربعين عامًا، ومع منتصف عقد التسعينات، وتحديدًا مع وفاة الشيخ محمد عمران، تحول التراجع إلى تدهور متسارع، لم يستطع أحد أن يوقفه، وبدا واضحًا أنّ عالم الإنشاد الديني يعيش أزمة عميقة، ربما تكون أشد تعقيدًا من الأزمة التي يعيشها فن التلاوة.
ومنذ عدة أسابيع، حاولت مجموعة من المنشدين الشباب تدشين فرقة تحمل اسم "تواشيح مصر". وفي حفل الإطلاق الذي أقيم في بيت السناري بالقاهرة، أدى هؤلاء المنشدون عددًا من القصائد والتواشيح الشهيرة، التي وصلتنا تسجيلاتها بأصوات أعلام هذا الفن. وقد لاقت تسجيلات حفل الإطلاق ترحيبًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وإشادات كثيرة من المهتمين والهواة، باعتبار أن الفرقة تمثل إحياء للتراث القديم، والفن الرفيع الذي افتقدته ساحة الإنشاد منذ فترة طويلة. لكن الإنصات الهادئ إلى تسجيلات حفل الافتتاح هذا، يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن أعضاء الفرقة لم يتأهلوا بالقدر الكافي لهذه المهمة، مع الإقرار أن هذا التأهل ليس أمرًا سهلًا ولا هينًا، وأيضًا مع الإقرار بأن بعض المُؤاخذات لا تخص أفراد الفرقة بأعيانهم، وإنما هي نتائج لمناخ عام، وعقبات تراكمت خلال عقود، وبدرجة تصيب باليأس كل من يفكر في سبل الإصلاح أو يبحث عن طوق نجاة من الأزمة.
في أكثر التسجيلات التي أتيحت من حفل إطلاق الفرقة، بدا أكثر شيوخها غيرَ مدركين الفرقَ بين ما يؤدى بلحن ثابت وما يؤدى ارتجالًا بلا إعداد مسبق، فمثلًا، عندما أنشد أحدهم قصيدة يا أيها المختار، التزم كل الجمل التي أداها الشيخ طه الفشني في تسجيله الشهير، وهي جمل ارتجالية عفوية، لم يكن الشيخ يكررها حين ينشد القصيدة في ليال أخرى، لأنه بالفعل ينساها. والفشني له تسجيل استديو لنفس القصيدة، بجمل مختلفة تمامًا، رغم وحدة اللحن الذي تحفظه البطانة. ويمكن للمهتم أن يجمع تسجيلات مختلفة لـ"يا أيها المختار" بأصوات النقشبندي، أو نصر الدين طوبار، أو محمد عمران وغيرهم.. ومن المستحيل أن يجد بين هؤلاء الكبار من يكرر الجمل الارتجالية التي أداها الفشني في تسجيل مسجد الحسين، ولا في أي تسجيل آخر.. كان هذا واضحا في أذهانهم، وكان بدهيًّا بدرجة أنه لا يحتاج أن ينبه أحد إليه أو يوصي به.
وما حدث في "يا أيها المختار" تكرر في توشيح "أمدح المكمل"، بدأت البطانة في أداء اللحن، وحين دخل المنشد التزم الجمل الارتجالية التي أداها الشيخ محمد الفيومي. وهكذا، يجري الخلط بين اللحن الثابت، وهو خاص بالكورال، أو البطانة، وبين الارتجال العفوي، وهو دور الشيخ المنشد، الذي تشكل المفاجآت جانبًا مهمًّا من متعة الاستماع إلى أدائه. ويمكننا أن نجزم بأن تحويل الارتجال إلى لحن يُحفظ ويُكرر صار نهجًا مستقرًّا عند الغالبية الساحقة من شباب المنشدين. وهم يفعلون هذا مصحوبًا بفهم خاطئ، بل بوهم مستحدث، يظنون بسببه أنهم يسيرون على خطى الأعلام الكبار، ويؤدون بالأساليب الرصينة الموروثة عن القدماء، والحقيقة أن أحدًا من القدماء لم يتورط يومًا في هذا العبث.
إن تحويل الارتجال إلى لحن، وتدوين التقاسيم، وحفظ ما يعرف بالتفاريد يعد أحد أهم مظاهر التراجع والتدهور في فن الإنشاد الديني، ويعد برهانًا على أن البون مازال شاسعًا بين الأجيال الجديدة، وأجيال الرواد الأوائل.
إن الفرق كبير جدًّا، بين فهم فلسفة الأداء القديم، وتشرُّب روح الموروث، وبين هذا التقليد السمج، الذي يبتعد عن الإبداع بقدر نجاحه في الاستنساخ. وواجب المنشد الجديد أن يفهم جيدًا تقنيات أداء الشيخ علي محمود، لا أن يكرر ارتجالات علي محمود، مطلوب منه أن يتشرب جماليات السير النغمي عند الفشني، لا أن يتحول إلى أسطوانة من أسطوانات الفشني، أن يعرف أسرار الصنعة الخفية عند محمد الفيومي، لا أن يقلد ارتجالًا للفيومي. وأول لحظات هذا الفهم المطلوب تتمثل في إدراك الحقيقة المعلومة من الفن بالضرورة، والتي يمكن صوغها في معادلة تقول: النجاح في التقليد بنسبة 100% يعني صفرية الإبداع.
من حسن الحظ، أن التسجيلات حفظت كثيرًا من الأعمال التي كررها المنشدون الكبار، من دون أن يتورط واحد منهم في إعادة جملة واحدة: سنجد للشيخ طه الفشني أكثر من تسجيل لـ"يا أيها المختار" أو "ألا زعمت ليلى" أو "ترنم يا شجي الطير" أو "يا إله العرش يا رب السما"، وفي التسجيلات المتاحة للشيخ نصر الدين طوبار، يجد المستمع تسجيلات متعددة للابتهال الشهير "يا مؤنسي في وحدتي"، أو قصيدة "يا مراح البراق أنت مراحي" أو "يا إله العالمين حنيني دائم".. وبالطبع، فإن إمام المنشدين الشيخ علي محمود، لم يكن ليكرر جملة واحدة ارتجلها في قصيدة من قصائدة الخالدة التي وصلنا منها تسجيل واحد، ولا يخطر ببال أحد أن الشيخ كان يؤدي "يا نسيم الصبا تحمل سلامي" بنفس الجمل اللحنة التي وصلتنا في التسجيل اليتيم للقصيدة.. هذا يمكن اعتباره مستحيلًا فنيًّا، ليس فقط لأنه ضعف وعيب لا يليق بإمامٍ موسيقي بوزن الشيخ علي، ولكن لأن تلك الارتجالات كانت تُنسى، وتتبخر فلا تُستعاد مرة ثانية، لسبب بدهي واضح، أنها ارتجالات فورية، لا ألحان موضوعة. فمثلا، في حفلة "يا أيها المختار" ذات الشهرة الكبيرة، فإن كل الجمل التي تؤديها البطانة، هي جُمل ملحنة، وجرى حفظها والتدريب عليها، بينما كل ما يخرج من فم الشيخ طه الفشني هو ارتجال فوري، بلا ترتيب ولا إعداد، وهنا تكون قوة الشيخ وعظمته، وإظهار قدرته الفائقة على إنهاء الجملة بنغم مناسب يسمح بعودة البطانة، سواء لإعادة نفس البيت، أو لإنشاد البيت التالي، وهو ما يعرف بالتسليم والتسلم.
بالطبع، يلقى هؤلاء المقلدون تشجيعًا وثناء وإشادة على مواقع التواصل، لأسباب متعددة، قد يكون من بينها أن جمهور المستمعين يفتقدون إلى أدوات الوزن الفني العلمية، لكن السبب الرئيس يتمثل في أن المنشد المعاصر، وبمجرد أن يخرج عن التقليد، يجد نفسه متورطًا في أساليب أدائية بالغة الضعف والركاكة، ويبدو في حالة ارتباك كامل، فيشعر أن التقليد يشكل حماية له من التيه والضياع، ويظهره أمام الجمهور منتميا إلى "التراث" وإلى القدماء من أعلام الإنشاد، بالرغم من أنه أبعد ما يكون عن هؤلاء الأعلام وعن فهم أساليبهم وتقنياتهم وجماليات أدائهم. لا يمكن لمن فهم علي محمود أن يكرر جمله الارتجالية، مستحيل على من تشرب طه الفشني أن يستنسخ أدائه. وإنما يأتي التكرار والاستنساخ لأن المنشد المعاصر حفظ جيدا، لكنه لم يفهم، تمرس بأداء الجملة لكنه لم يدرك الفلسفة التي أنتجتها، ولا امتلك القريحة القادرة على توليد جمل بمستواها.
ومن أهم مظاهر الأزمة التي بعيشها الإنشاد الديني المعاصر، افتقاد مجموعة المرددين، التي تعرف بـ"البطانة". ففي عهود الازدهار، لم يكن ممكنًا أن يصبح أحد الشيوخ منشدًا كبيرًا يشار إليه بالبنان من دون أن تكون له بطانة مرددين، يصطحبها في المحافل والليالي، وتشاركه إحياء المناسبات الدينية في المساجد والسرادقات وبيوت الأعيان. وأشهر البطانات في تاريخ الإنشاد بطانة الشيخ علي محمود، وبطانة الشيخ طه الفشني، وكذلك كان إبراهيم الفران، ومحمد الفيومي، وعبد السميع بيومي، وسيد النقشبندي، ومحمد الطوخي، وسيد عطية ندا من أصحاب البطانات الممتازة. وربما كان الشيخ نصر الدين طوبار آخر المنشدين الذين استعانوا ببطانة شبه دائمة، قبل أن يقتصر على الأداء الفردي في سنواته الأخيرة.
وفي حفل إطلاق فرقة "تواشيح مصر" لعب المنشدون دور المرددين بالتبادل، فحين يأتي دور أحد المنشدين، يتحول زملاؤه إلى "بطانة مؤقتة" إلى أن ينتهي، فيصبح هو مرددًا خلف زميل آخر. تغافل المعجبون بهذا الحدث عن أنّ ما يرونه ويستمعون إليه ليس عودة للبطانة، وأن كل منشد من هؤلاء لن يجد جوقة مرددين إذا عاد إلى منطقته أو قريته. والحقيقة أن الفرقة لم تختبر آليات السوق، ولا تعرف كيف تنقل حالتها هذه إلى المستوى الاحترافي التجاري، وهو يختلف حتما عن الأداء في ظل الرعاة، ببيت السناري أو مسجد فاضل. وشيوخ الفرقة جميعًا، لم يستطع واحد منهم أن يبني لنفسه مجموعة مرددين، لتكون بطانة له في الليالي والمحافل. فبناء البطانة عمل صعب مجهد، يحتاج إلى صبر وممارسة وبحث عن المواهب القادرة على الحفظ والأداء.
لكن من المهم، ومن حق الفرقة على كل من يتناول أداءها بالنقد أن يتذكر أن تعقيدات الحياة المعاصرة، بما فيها هيمنة شبكات التواصل الاجتماعي، نقلت فكرة استعادة البطانة من منطقة الممكن الصعب إلى منطقة المستحيل، لأن الشاب الذي سيجد أن صوته مقبول، فقط مقبول، ويجد من نفسه قدرة على حفظ عدد من النصوص والألحان ولو في حدود ضيقة، ويستطيع أن يؤدي هذه القصائد أو الابتهالات بالحد الأدنى من التماسك، لن يقبل أن يكون بطانة لغيره، وكيف يقبل، وهو يجد من التشجع والإشادة والمديح وكلمات الثناء ما سيشعره أنه الفشني الجديد أو النقشبندي الصغير.. تلك حالة عامة، لا يكاد يفلت اليوم من مضارها أحد، يؤدي طالب ثانوي ابتهالا لزملائه في المدرسة، فيستمعون وهم يتساءلون: لماذا لا تتقدم إلى الإذاعة؟!
وصحيح أن أزمة الإنشاد الديني في مصر بدأت منذ أربعة عقود، لكن مظاهر التدهور تفاقمت بشدة خلال الـ13 عاما الماضية، بعد انتقال عدد من الفرق السورية إلى مصر، وإصرار أعضائها على تقديم ألوان تجارية من الإنشاد، الذي هو أقرب إلى الأغاني الخفيفة، ولا يمت بصلة للإنشاد الحلبي التراثي المتسم بالأصالة والصنعة. تعاملت هذه الفرق مع التراث الإنشادي المصري تعاملًا سطحيًّا، وانتقت منه ما يصلح للتقديم في أوساط تميل إلى الإيقاع والأداء الحركي، كما كان لهذه الفرق دور في نشر أحد أهم معايب الإنشاد السوري، وهو إخضاع جمل الإنشاد لبعض قواعد التجويد، من قلقلة وإدغام وتفخيم وترقيق. ولم يكن هذا يوما أسلوب أكابر المنشدين المصريين، ويتضح ذلك جليًّا بتتبع تسجيلات من جمع منهم بين التلاوة والإنشاد، لنكتشف كيف كانوا يتعمدون مخالفة التجويد إذا خالف النطق الشائع.
تدهور فن الإنشاد الديني المصري، لا سيما بعد ذهاب أصحاب الأصوات الكبيرة، واندثار أساليب التعليم التي تربي وتصقل، وأيضًا لانهيار المعايير التي يمكن بها وزن العمل الفني، ومعرفة الحقيقي من المزيف، فالمدرسة التي صاغها عمالقة مثل علي محمود وطه الفشني لم تترك خلفها ورثة، بل فراغًا. بطانة الأمس، التي كانت معملًا للصوت والطرب والخيال، صارت ذكرى. واليوم، لا يصل كثير من المنشدين الجدد حتى لمستوى المردد في حفلة ريفية قبل قرن. اختفى الارتجال، وحلّ محلّه استنساخ آلي. يُقلَّد الفشني وكأنه آلة تسجيل، وتُحفظ ارتجالات لا يصح أن تُحفظ. وبدل من أن تكون البطانة مدرسة تُخرّج المواهب، اندثرت، فانقطع التدريب، وتوقف المران المقدس.