"لقد بدأت دولة الغرب في الزّوال والاضمحلال، والسّر في ذلك راجعٌ إلى الاستعمار نفسه، لأن الاستعمار ينطوي على وسائل الانحطاط كلها. ففيه حب الاستئثار والنّهب والاغتصاب والظّلم والارتباك والكذب، والخداع والنّفاق، والدّجل وقلبُ الحَقائق…"
عبد العزيز الثعالبي، "لمن المستقبل للشرق أم للغرب"، مجلة المعرفة 1931.
مثّلت العشرينيات والثلاثينيات عقدين مهمين في تاريخ تونس. فقد شهدت تحركات سياسية كان لها وقع كبير على مستقبل البلد. فالمجتمع التونسي، في تلك الفترة، عرف مجموعة من التغيّرات الجذرية، حيث برزت طبقات مثقفة متفرنسة وبدأت بوادر ما سيُسمى فيما بعد الجيل الجديد من الحركة الوطنية. وهو ما شرحه الباحث يوسف مناصرية من خلال التعرّض لأسباب عيش المجتمع التونسي على وقع الخلاف الدائر بين الحزب الدستوري القديم والجديد المنشق عنه وتبعات تلك الوضعية. لكن الأهم من كل هذا، هو بداية تشكّل تصوّرين مختلفين للمجتمع التونسي: المحافظ على العروبة والتقاليد والعلماني المتبني لقيم الغرب والحداثة [1]. فالخلاف بينهما لم يكن مجرد تضارب في وجهات النظر على المستوى السياسي والتنظيمي، بل كان فكريًا ثقافيًا [2]. والحقيقة أن هذا الخلاف حسم بعد تأسيس الحزب الدستوري الجديد في 2 آذار/مارس 1934[3].
تميّز بورقيبة بتعاملٍ عقلانيّ مع مستجدات الساحة السياسية. إذ سايَر الاستعمار واستعمل سياسية المراحل. وهو بنزعته "التكتيكية" أعطى الأولوية المطلقة للشأن الوطني. وهو ما قد يجعله، في أكثر الأحيان، يتخذ مواقف متضاربة مع ما سيدعو إليه في فترة حكمه مباشرة بعد الاستقلال [4]. من هذا المنطلق، يمكن أن نفهم تطوّر موقف بورقيبة من اهتمامه بالتحركات الصهيونية في تونس، التي نشطت منذ عشرينات القرن الماضي إلى التعامل معها في الخمسينيات [5]. وذلك يعود أساسًا لسببينِ: فبورقيبة في تلك الفترة كان طالبًا في باريس ولم يعد لتونس إلا سنة 1934. كما أن همّه كان تجديد الحركة الوطنية وتغيير النهج المتبع ممن سبقه.
لقد آمن بورقيبة بالهوية التونسية وكان على يقين أنها وقود يمكن أن يحرك التونسيين ويوحدهم. والحقيقة أن الأمور لم تختلف كثيرًا مع الحزب الدستوري القديم، خاصة عبد العزيز الثعالبي. لكن هذا الأخير، كان بصره ممتدًا إلى أبعد من القطر التونسي، حاملًا هم المنطقة العربية والأمة الإسلامية بشكل خاص فقد تأثّر بالتجربة الهندية التي أثّرت فيه تأثيرًا كبيرًا ظهر بوضوح في مختلف كتاباته وأفكاره [6]. ومع تطوّر الزّحف الصهيوني على بلدان المغرب العربي، تدريجيًّا، بفضل تسهيلاتٍ من القوى الاستعمارية، ستبدأ هذه الحركة بالتجذّر في تونس، مع المحامي ألفريد فالنسي [7] الذي سيسجّل حضوره "كأوّل مبعوث تونسي في المؤتمر الصهيوني العاشر في مدينة بال السويسرية سنة 1911"[8]. وهو الذي ألف كتابًا بعنوان "صهيون والحريّة" شجّع فيه التونسيين اليهود على الهجرة إلى إسرائيل [9]. وقد وصلت الأمور إلى حد إطلاق العنان للجمعيات الصهيونية التي تجمع التبرعات لصالح الصندوق القومي اليهودي [10].
الوحدة العربيّة، دعوة للمُقاومة ضدّ الزّحف الصهيوني؟
شحذ عبد العزيز الثعالبي فكره وقرنَ مقاومة الاستعمار الفرنسي بمقاومة الاستلاب الذي تعيشه الأمة العربية. فبالنسبة له، كانت المبادئ التي عمل عليها طوال حياته "لا تقتصر على العمل السياسي فقط، بل ترتكز على الدعوة الإسلامية لمواجهة الغزو الثقافي الأجنبي"[11]. ههنا، يمكن أن نستشف رؤية الثعالبي وفلسفته في المقاومة. فالنضال على الوطن لا معنى له إن لم يكن في إطار أشمل وأعم. ذلك أن الاستقلال المنفرد يكسر وحدة المطلب، وهي استرجاع الأرض العربية المغتصبة. إذ إن مؤلف كتاب "تونس الشهيدة" يرى أن الهدف الأسمى هو استرجاع المكانة التي كانت للحضارة العربية الإسلامية في الماضي [12].
طبع الفكر العروبي الإسلامي حقبة كاملة من تاريخ تونس، تبلورت مع سنوات نضال جيل عبد العزيز الثعالبي الذي قضّى أكثر من أربعة عشر سنة في المشرق العربي. وهي سنوات لم يكتف خلالها بالعمل السياسي بغية الحصول على الاستقلال، بل عدّل بوصلته أيضًا على المعركة الحضاريّة التي يعتمد مرتكزها أساسًا على اللغة والدين. ويكون بذلك، قد مهّد الطريق أمام فكر اسلامي يركّز على الهوية لاستحثاث الهمم والإقناع بضرورة مقاومة المستعمر الفرنسي ومحاولات الصهيونية الناشئة التغلغل في النسيج المجتمعي التونسي منذ مطلع القرن العشرين. ولعل هذا الفكر الممتد في الزمن، هو ما يبرر القول بأن تونس كانت معنيّة بطريقة مباشرة بالصراع العربِي الصهيوني منذ بوادره الأولى. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، بدأت محاولات البحث عن حلول للقضية الفلسطينية انطلاقًا من سنة 1947.
وهو ما تعزّز مع إدراج القضيّة ضمن أعمال الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة بين عامي 1947 و1948[13]. وقد انبثق عن هذه الدورة لجنة "الأونسكوب" التي زارت فلسطين ودرست الأوضاع فيها [14]. وبعد ذلك، تم قُدم تقرير يحاول إيجاد حلًا للأزمة من خلال "مشروع الأغلبيّة" و"مشروع الأقليّة". "أما الأول، فكان يقضي بإنهاء الانتداب البريطاني وتقسيم فلسطين وإنشاء دولتين: الأولى عربية والثانية يهودية، ووضع القدس تحت الوصاية الدولية. في حين كان مشروع الأقلية يقضي بإنهاء الانتداب البريطاني وتأسيس دولة فدرالية، أساسها دولة يهودية وأخرى فلسطينية وتكون القدس عاصمة لها [15].
تمكّننا العودة على الفترة الممتدة من عشرينيات إلى أربعينيات القرن الماضي من القول إن أبرز القوى السياسية الوطنية الفاعلة في تلك الحقبة اصطفت – بطرق مختلفة – مع العرب في صراعهم مع الصهيونية. فبالإضافة إلى الحزب الدستوري القديم الذي كان سباقًا إلى رفع شعار حق الشعوب في تقرِير مصِيرها عمومًا كمدخل للمطالبة بالسيادة التونسية [16]. مع تطوّر الحركة الوطنية في الثلاثينيات، تبلورت فكرة العروبة أمام النشاط الصهيوني الذي أخذ يتعاظم تدريجيًا. وهو ما دفع الثعالبي، في منفاه، من المطالبة بالوحدة العربية مع ربط حركة التحرر الوطني بالمشرق العربي واقتراح إنشاء جامعة علمية في القدس كالأزهر والزيتونة للحد من المدّ الصهيوني [17].
لم تكن قضية التحرّر الوطني في تونس، إذًا، عائقًا أمام جيل عبد العزيز الثعالبي من المفكرين والسياسيين التونسيين يمنعهم من التفكير في فلسطين. فقد اشرأبت أعناقهم وزاد اهتمامهم بما يحصل في القدس. وهو ما يعكس وجهة نظر مرتكزة على قراءة جيوسياسيّة لما يحصل في محيط تونس العربي. وتتبع دقيق للصراعات الناشئة في تلك الفترة الحسّاسة من تاريخ المنطقة العربية. ولعلّ خير دليل على تطوّر هذا الارتباط بالقضيّة الفلسطينيّة، هو ردة الفعل على ما يُعرف بهبّة البراق[18] وما خلّفته من صدام بين العرب واليهود. وقد كان التدخل التونسي حاضرًا من خلال رسالة إلى وزارة الخارجية البريطانية تطالب بإلغاء وعد بلفور. كما توجه التونسيون أيضًا إلى عصبة الأمم [19] مطالبين بالتدخل لوضع حد لسياسة التحيّز لليهود.
لا يمكن قراءة ارتباط القضيّة الفلسطينيّة بمعركة التحرّر الوطني في تونس من زاوية التعاطف فحسب. فالتطوّرات التي تحدث في الأراضي الفلسطينيّة قابلتها النخب الدستورية، منذ أواسط العشرينيات، بردود أفعال قوية كان لها انعكاساتها حتى في علاقتها مع المستعمر الفرنسي. وقد كان منع محيي الدين القليبي [20] من المشاركة في المؤتمر الإسلامي في القدس بمثابة فتح الباب أمام الصدام المباشر مع فرنسا حول القضايا العربية الإسلامية التي تتعلق بالهوية. وهو ما يمكن اعتباره جانبًا آخر من الصراع التونسي الفرنسي، الذي يربط قضية التحرّر الوطني بالهوية العربية الإسلامية. فالصحافة التونسية، إثر منع القليبي، شنّت حملة على فرنسا وبريطانيا في إشارة إلى ارتباط القضايا ووحدتها وتشكّل الوعي العربي الإسلامي المناهض للاستعمار عمومًا. وهو ما سيؤدي أيضًا إلى نقل هذا الصراع إلى الشوارع من خلال مظاهرة حاشدة رفعت شعارات ضد الحركة الصهيونية في تونس.
تميزت العشرينيات وبداية الثلاثينيات بتوسيع نطاق العمل الميداني النضالي الذي أخذ المطالب الوطنية إلى نطاق أوسع للاحتجاج على الاعتداءات التي يعاني منها الفلسطينيون على أرضهم. وهو ما يعكس اقتناعًا بضرورة التحرك الميداني والضغط الشعبي لإحراج المستعمر الفرنسي وإبراز اهتمام التونسيين بما يحصل في فلسطين وترابط مصير الشعبين. وهو ما ترجم في 17 آذار/مارس 1932 من خلال منع الناشط الصهيوني فلاديمير جابنتسكي [21] من الدخول إلى تونس. وفي 2 حزيران/يونيو من العام نفسه، ألغت السلطات الاستعماريّة الفرنسيّة محاضرة للداعية الصهيونية هلبارن كانت ستقام في المسرح البلدي في العاصمة [22].
سجّلت بداية الثلاثينيات بوادر خلاف في الحركة الوطنية التونسية. فقبل إعلان قرار التقسيم بسنوات، كان الصراع على قيادة الحزب الدستوري على أشده. " واعتبر محمود الماطري ورفاقه أن اللجنة التنفيذية للحزب بعد غياب الثعالبي(...) لم تعد قادرة على قيادته"[23]. وقد أدى هذا الانشقاق إلى إعلان القطيعة الحزبية ما أثر على تعطّل الكفاح الوطني. وفي هذا السياق، يمكن أن نستنتج أن القضيّة الفلسطينيّة، في تلك الفترة، كانت وسيلة لتقريب وجهات النظر بين مختلف المكونات السياسيّة التونسيّة.
القضيّة الفلسطينيّة ووحدة الحركة الوطنيّة التونسيّة
لقد كان الجيل الجديد من الحركة الوطنيّة بقيادة محمود الماطري والحبيب بورقيبة وغيرهم على وعي بضرورة التماهي مع التوجه الشعبي فيما يتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة. ذلك أن مسألة الهوية كانت، منذ قضية التجنيس [24]، فعّالة في التعبئة الجماهيرية. وقد تفطّن بورقيبة، مبكرًا، لهذه النقطة من خلال مُطالبته الجامعة العربية بالتركيز على القضيّة الفلسطينيّة وتأجيل قضية شمال إفريقيا. كانت القضيّة الفلسطينيّة إذًا في قلب النقاش التونسي وقد تم تقديمها في سلم الأولويات. وتفطنت القيادات إلى أهمية فلسطين وتأثيرها على المنطقة ككل والدفع الذي يمكن أن تعطيه للقضيّة التونسيّة المحلية. ولهذه البراغماتية في التعامل أوجه متعدّدة.
تصدّر الجيل الجديد للحركة الوطنيّة المشهد آنذاك وسيطروا على الساحة السياسية. فحجب بورقيبة، ومن معه في الحزب الدستوري الجديد، الضوء عن الحزب القديم الذي تراجع، خاصّة بعد وفاة عبد العزيز الثعالبي في غرة في تشرين الأول/أكتوبر 1944. وتزامنًا مع قرار التقسيم [25]، انبنت استراتيجية الدستوريين الجدد على المعارضة المطلقة للقرار الصادر عن الجمعية العامة وشاركوا في مختلف التجمعات التي انعقدت في تونس لمساندة فلسطين خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 1947. كما سجّل علي البلهوان حضوره من خلال خطاب ألقاه في الحشود. كانت النقاط التي أتى عليها البلهوان في خطابه كاشفة لراديكاليّة الحزب وتغيّر جذريّ فيما يتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة، خاصّة مع تنديده بكل القوى الغربيّة، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي [26].
إن المتمعن في خارطة تحركات مختلف مكونات الحركة الوطنيّة في تلك الفترة، يتفطن، حتمًا، إلى تمكّن الحزب الدستوري الجديد، رغم الخلافات السياسية وعدم الاتفاق حول الأولويات، من تشبيك العلاقات مع الحزب الدستوري القديم وحتى الزيتونيين. هكذا، تتأكد الهويّة كمحرك لجل المساندين للقضيّة والرافضين لقرار التقسيم. ولعل أبرز دليل على ذلك، التجمع الذي ضم الزيتونيين والدستوريين من الشقين (القديم والجديد) مع حضور أكثر من ثلاثة آلاف شخص من مختلف شرائح المجتمع. وقد كان الشعار المرفوع هو "من أجل فلسطين العربية" والكلمة الافتتاحية للشيخ بالقاضي الذي ندد بقرار التقسيم وذكّر بدور اليهود فيه وبقيام منظمة الأمم المتحدة بخدمتهم. كما حمّل أوروبا مسؤولية الوضع المتردّي للعرب والفلسطينيّين، وأعلن ضرورة وحدة المسلمين من أجل إعانة إخوانهم بالأراضي المقدسة، وطالبهم بجمع التبرعات.
كمقاومة الاستعمار الفرنسي، ولدت نواة المناهضة للصهيونيّة وتبلورت من خلال ثنائية التعبئة الروحية والتوعية السياسية. فقد قاد الدستوريون الجدد، رغم ضعف الإمكانيات، وكذلك بقية المكونات السياسية الأخرى بدرجات متفاوتة، حملات كبيرة للتوعية بضرورة الدفاع عن الأراضي الفلسطينيّة. وقد مثّل هذا، ولو بطريقة غير مباشرة، استراتيجية كان لها أثر واضح على اكتمال تطوّر الوعي الشعبي. بذلك، تحوّلت القضيّة إلى وسيلة تهيئ أرضية خصبة لتجذّر خطاب التحرّر الوطنيّ. أما عن التعبئة الروحيّة فقد كانت في تونس بمثابة العنصر المكمل، الذي أجّج النفوس وحفّز الهمم. فالاجتماعات المنعقدة في جامع الزيتونة وفي جامع صاحب الطابع تدل على أمرين مهمين: يتمثّل الأول في لعب الزيتونيين دورًا هامًا، خلال الأربعينيات، في تسليط الضوء على القضيّة الفلسطينيّة. وأبرزهم كان الشيخ الصادق بسيس (1914–1978) الذي كان يلقّب بالشيخ الفلسطيني. وقد كتب في جريدة الزهرة مقالًا بعنوان "ليصرخ شباب تونس لبيك يا فلسطين"[27]. أما الأمر الثاني، فهو التّأكيد على البعد الديني/الروحي للقضيّة الفلسطينيّة.
كانت الحركة الصهيونيّة في تونس، منذ مطلع القرن العشرين، بداية تشكّل الوعي بالقضيّة الفلسطينيّة بالنسبة للنخب التونسيّة. ومع قرار التقسيم وتطور خطاب الهوية في البلد، ارتبطت القضيّة بالهوية في تونس ومختلف البلدان العربية. وهذا راجع للوعي بأن "فلسطين باتت هي قضية العرب المركزية، التي سيتوقف على حلها مصيرهم ومستقبلهم. فالقناعة التي سادت في تلك المرحلة هي أن الخطر الصهيوني صار يهدّد كل العرب (...)"[28].
إن الهوية، كمحركٍ للتعبئة والحشد، كانت هي الدافع للتفاعل مع حرب فلسطين. فقد بلغ عدد التونسيون الذين قرروا التطوع، أكثر من ثلاثة آلاف. وإلى حدود 20 تموز/يوليو 1948 أحصت المصالح الأمنية أكثر من 2676 تونسيًا متطوعًا "إما وقع حجزهم في الحدود مع طرابلس أو وقع إيقافهم قبل اجتيازها [29]. ويكشف هذا المد التضامني على مكانة خاصة للقضيّة الفلسطينيّة بالنسبة للتونسيّين. ففي الفترة نفسها، لم يقع إحصاء حتى تموز/يوليو 1948 إلا 110 جزائريًا و25 مغربيًا. ويمكن تفسير هذه الهبة الشعبيّة بتجذّر الخطاب الديني والسياسي ونجاحه في التوعية بأهمية القضية وإقناع مختلف الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية بأهميتها [30]. تمثّلت القضيّة عند جل التونسيّين، إذًا، في نجدة إخوانهم في العروبة والإسلام. وقد كانوا حاملين آمال تحرير الأرض وشقّوا مئات الكيلومترات سيرًا على الأقدام. ومنهم أعداد لا بأس بها ممن تم إيقافهم وتعذيبهم على الحدود من طرف سلطات المستعمر [31]. تعكس حماسة التونسيّين، آنذاك، تمثّلًا فريدًا لجغرافيا المنطقة العربيّة. فالتحوّل من الاهتمام بالقضايا القطرية إلى القضايا الإقليمية–القومية مثل درجة من الوعي والارتباط الوثيق بفلسطين باعتبارها قضيّة وجود ورقعة جغرافيّة ممتدة لعالم عربي لا يعترف بالحدود التي رسمها المستعمر منذ مطلع القرن العشرين.
القضيّة الفلسطينيّة أولوية تونسيّة
في كتابه، "استراتيجية الاستعمار والتحرير"[32]، يتتبع جمال حمدان [33] تفاصيل تحوّل المفهوم الجغرافي إلى مفهوم حضاري والفكرة العسكرية إلى فكرة مذهبية [34]. والحقيقة أن ما ميز تحركات التونسيّين في تطوعهم من أجل القضيّة، منذ سنة 1948، هو تحوّل في استبطان مفهوم المقاومة التي لم تعد تعترف بحدود جغرافية. فتجاوزت القطر التونسي لتتحرك في إطار أشمل، وهو الحضارة العربية بكل ما تستدعيه من إرث ورمزيات تؤجج النفوس وتزيد من الاندفاع. فحمل السلاح لم يعد مجرد خطوة عسكرية، بل اقترن بدافع الذودِ عن الأرضِ السليبة، وتحوّل بدوره إلى فعل يعبر عن توجه ومذهب وفلسفة في الحياة. وتأكيدًا لذلك، فقد كانت بداية التشابك الحقيقية بين التونسيّين والقضيّة الفلسطينيّة من خلال المرور من مرحلة المساندة السياسية والضغط والمظاهرات إلى سقوط شهداء في أرض المعركة. وهو ما يذكره المقيم العام [35]، آنذاك، في تقريره لـ15 تموز/يوليو 1948، "فالفرقة الأولى التونسية الطرابلسية تمكنت فعلًا من بلوغ بيت لحم ودخلت في معارك خلال النصف الأول من شهر حزيران/يونيو مع القوات الصهيونيّة واستشهد من التونسيّين 11 متطوّعًا، كما تذكر المصادر أن آخرين سقطوا في ساحات الشرف على أرض فلسطين، منهم علي بن صالح التونسي (استشهد في يافا 28 نيسان/أبريل 1948) وعبد الحميد الحاج سعيد وبلقاسم عبد القادر ومحمد التونسي وثلاثتهم استشهدوا في أيار/مايو 1948. ههنا، يمكن أن نستنتج أن النكبة تركت أثرًا لن يمحى في الأذهان العربية بترسيخها للقضية ضمن الأولويات إلى الأبد. إذ إنها لم تعد مجرد قضية دولة، بل ارتبطت بشكل مباشر بمقولة الأرض وشرف الأمة العربية الإسلامية. غير أن البلاد التونسية، على غرار بعض البلدان الأخرى، كانت من الأقطار التي ربطت جسور تواصل عمّدتها بدماء الشهداء. فأصبح الحديث عن فلسطين بمثابة الثأر الشخصي تمامًا كالثأر من المستعمر الفرنسي الذي كان في المخيّلة الجماعيّة شريكًا مع الاستعمار الإسرائيلي لفلسطين.
امتدت الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عشرين شهرًا تقريبًا [36]. وهي فترة ترك التونسيّون فيها بصمة من خلال الاندفاع للذود عن فلسطين. ورغم قساوة الظّروف الاجتماعية والمخاطر، إلا أن ذلك لم يثبّط من عزائمهم.
كان واضحًا أن الهويّة (بمكونيها الأساسيين: العروبة والإسلام) كانت هي المحرك الذي لعب دورًا هامًا في التعبئة التي عرفت أوجها قبيل النّكبة. وهو ما يمكننا من القول إن روح عبد العزيز الثعالبي وأفكار جيله طَبعت ثلاث عشريات في البلاد التونسيّة وشكّلت منظورها الخاص لقضيّة التحرّر الوطني في بعدها القومي خارج الحسابات القطرية الضيقة. غير أن أواسط الثلاثينيات ستحمل رياحًا جديدة مع جيل آخر من الحركة الوطنية أعطوا الأولوية لمسألة التحرّر الوطني [37]. لكن اللافت أنه رغم سيطرتهم على المشهد السياسيّ التونسيّ آنذاك، لم تغب النزعة القوميّة ولم تتراجع، بل فرضت نفسها من خلال مجهودات الحزب الدستوري القديم والزيتونيين، أساسًا، وكذلك من خلال براغماتية بورقيبة في التعامل مع القضية والتي ستتطوّر على مرّ السنين [38]. هذا بالإضافة إلى أن بورقيبة ومن معه كانوا على وعي تام بتجذّر التيار المعوّل على الهوية. وهو ما يفسر تواجده حتى داخل الحزب الدستوري الجديد مع صالح بن يوسف الذي كان حاضرًا في اجتماع جامع الزيتونة في 5 كانون الأول/ديسمبر 1947. وقد علا صوت الأمين العام، وقتها، بضرورة تحرير فلسطين مؤكّدًا أنها الشغل الشاغل للتونسيّين، داعيًا إلى نصرتها بكل الوسائل [39]. وهو ما سيمثّل بداية اختلاف في الرؤى والمواقف بين بورقيبة وصالح بن يوسف.
في المحصلة، كانت الهوية محركًا هامًا وأساسيًا للتعبئة والإقناع بضرورة ترسيخ القضيّة الفلسطينيّة. وهو أمر تعزّز مع تصاعد الحركة الصهيونيّة التي بدأت نشاطها في تونس منذ بداية القرن العشرين. من هنا، يمكن أن نفهم أن الالتقاء بين السياسي من جهة والروحي من جهة أخرى كان مهمًا وقد ازداد مع الصراع العربي الإسرائيلي. وهو ما عزّز التشابك الذي حصل بين الزيتونيين ومناضلي الحزب الدستوري القديم في مرحلة أولى بقيادة عبد العزيز الثعالبي، والحبيب بورقيبة ومن معه في مغامرة الحزب الدستوري الجديد الذي طوّع خطابه السياسي ليكون عنصر الهويّة متماشيًا مع المخططات السياسيّة وليسحب البساط من تحت الحزب القديم الذي كان سبّاقًا في هذا المجال [40].
تماهى الأمين العام للحزب الدستوري الجديد آنذاك صالح بن يوسف مع هذه الرؤية، لا من منطلق سياسوي ضيّق بل عن قناعة راسخة بأن قضيّة التحرّر الوطنيّ مرتبطة أساسًا بمقاومة الاستعمار ودحره في كل المنطقة العربيّة. وهو ما سيمثّل نقطة الخلاف الأساسيّة مع الحبيب بورقيبة الذي نزع إلى البراغماتيّة في خياراته بما في ذلك القضيّة الفلسطينيّة التي عرف موقفه منها تدرّجًا حسب الفترات واختلاف التفاصيل والسياقات.
الهوامش:
يوسف مناصرية، الصراع الإيديولوجي في الحركة الوطنيّة التونسيّة (1934-1937)، دار المعارف للطباعة والنشر (سوسة).
صلاح الدين الجورشي، بورقيبة والثعالبي ولعبة البحث عن الجد المشترك، مقال نشر بجريدة الضمير، 22 أيلول/سبتمبر 2015.
تاريخ انبعاث الحزب الدستوري الجديد بعد مؤتمر قصر هلال.
9 كانون الثاني/يناير سنة 1929 في مقر " جمعية الترقي"، نادت خلالها المناضلة النسوية حبيبة المنشاري بنزع الحجاب وقد عارضها بورقيبة في ذلك.
عبد اللطيف الحناشي، موقف بورقيبة من القضيّة الفلسطينيّة (1946-1965)، مجلة الدراسات الفلسطينيّة، المجلد ،18 العدد 69، 2007، ص 52.
عبد الجليل سالم، الهند في الفكر الإصلاحي للشيخ عبد العزيز الثعالبي، مجلة الدراسات العربيّة، 2020.
محامي تونسي صهيوني (1878–1944).
ألفة بن عاشور، هجرة يهود تونس إلى فلسطين خلال الأربعينات، أرشيف هال، 16 حزيران/يونيو 2019.
ألفريد فالنسي، صهيون والحرية، منشورات فينزي، تونس، 1919.
"بادر تسفي هيرمان شابيرا بفكرة إنشاء صندوق قومي ليقوم بشراء الأراضي في فلسطين العثمانية، وبعد بضعة سنوات أعلن في المؤتمر الصهيوني الخامس عام 1901 عن تأسيس كيرين كييمت الصندوق القومي الذي سيعمل على جمع التبرعات، إيجاد الأراضي وشرائها وتأهيلها من أجل الاستيطان اليهودي في البلاد" (المكتبة الوطنية الإسرائيلية).
عبد العزيز الثعالبي، خطاب بمناسبة المؤتمر الإسلامي المنعقد في القدس سنة 1931.
المصدر السابق.
تحديدًا من 28 نيسان/أبريل 1947 إلى 15 أيار/مايو 1948.
جلنار النمس، "القضيّة الفلسطينيّة في الأمم المتحدة (1947–1948): قرارات ومواقف"، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 97 كانون الأول/ديسمبر 1979، ص 78.
هاني الشهيدي، القضيّة الفلسطينيّة ودورها في تعميق الوعي القومي العربي لدى التونسيين، 1947 - 1948 (دراسة)، مركز دراسات الوحدة العربية، 3 حزيران/يونيو 2019.
بادر مجموعة من القياديين والمؤسسين في الحزب إلى إرسال برقية للرئيس الأميركي في آذار/مارس 1919 تضمنت مطالب الحزب والتي كان أبرزها ضرورة تطبيق حقّ الشعوب في تقرير مصيرها.
"عرفت الصهيونيّة المنظمة تطوّرًا في الحاضرة. وكانت في علاقة وثيقة بالصهيونيّة العالمية. يعود أصلها إلى تأسيس المنظمة الصهيونيّة الدولية سنة 1897. رغم أنه وجب انتظار سنة 1911 ليعلن ألفريد فالنسي بداية الصهيونيّة، وهو أول مبعوث تونسي شارك في المؤتمر الصهيوني العاشر في مدينة بال". ألفة بن عاشور، هجرة يهود تونس إلى فلسطين خلال الأربعينيات، مصدر سبق ذكره، ص 128.
"البراق هو موقع في الحائط الغربي للحرم الشريف في مدينة القدس، يعتقد المسلمون أن النبي محمد ربط عنده البراق الذي امتطاه عندما عرج إلى السماء في ليلة الإسراء، وهو ما أعطى لهذا الموقع، وللحائط الغربي للحرم الشريف، مكانة دينية خاصة في نظر المسلمين. غير أن هذا الحائط نفسه، احتل مكانة دينية خاصة في نظر اليهود كذلك، نتيجة اعتقادهم بأنه من بقايا "الهيكل اليهودي"، وأطلقوا عليه بالتالي اسم "حائط المبكى". ومنذ القرون الوسطى، كان هناك اتفاق غير مكتوب بين إدارة الوقف الإسلامي، باعتبارها الهيئة المسؤولة عن الحرم الشريف وكل ما يحيط به، وبين اليهود المتدينين، يسمح لهؤلاء الأخيرين بزيارة حائط البراق وإقامة صلواتهم على الرصيف المحاذي له، شرط أن لا يفكروا بإقامة أي بناء بالقرب من الحائط، وأن لا يضعوا أية مقاعد أو مناضد أو ستائر على رصيفه". ماهر الشريف، تسعون عامًا على هبة البراق (دراسة)، مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة، 2019.
كانت عصبة الأمم (1920–1946) أول منظمة حكومية دولية أُنشئت "لتعزيز التعاون الدولي وتحقيق السلم والأمن الدوليين". وغالبًا ما يشار إليه على أنه "سلف" الأمم المتحدة. تمت صياغة وثيقته التأسيسية – ميثاق عصبة الأمم – خلال مفاوضات السلام في نهاية الحرب العالمية الأولى. وتتألف من 26 مادة، وتغطي العديد من جوانب المنظمة، مثل شروط العضوية، وظائف الأجهزة الرئيسية، آليات التسوية السلمية للنزاعات الدولية، والتزامات الدول الأعضاء. كما احتوى العهد على المبادئ الأساسية التي بنيت عليها العُصبة.
محيي الدين القليبي (1901–1954)، صحفي وناشط سياسي، يعتبر من أعلام الحركة الوطنية خلال النصف الأوّل من القرن العشرين.
من أبرز ناشطي الحركة الصهيونيّة العالمية. بدأ نشاطه سنة 1903.
عميرة عليّة الصغيّر، في التحرّر الاجتماعي والوطني فصول من تاريخ تونس المعاصر، المغاربية للطباعة وإشهار الكتاب، تونس 2010، ص 164.
نسرين بوشعير، الحزب الدستوري التونسي القديم (1920–1934)، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في تاريخ المغرب العربي المعاصر، جامعة 8 أيار/مايو 1945، كلية العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة (قسم التاريخ)، 2019.
اعتمدت السلطات الفرنسية سياسة التجنيس في تونس، بهدف تحويل التونسيين عن شخصيتهم، وهويتهم الوطنية، وتحويلهم بالتدريج من مواطنين تونسيين إلى فرنسيين. وقد أقبلت فئة من التونسيون على طلب الجنسية الفرنسية والتجنس. راجع دراسة بعنوان "التجنيس في تونس بين القبول والمعارضة في فترة الحماية الفرنسيّة 1881–1956"، محمد بوطيبي، مجلة أبعاد، العدد السابع، 31 كانون الأول/ديسمبر 2018، ص 2015.
"29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، تبنّت الجمعية العامة في إثر انعقاد دورتها الثانية "مشروع الأغلبية" الذي اقترحته لجنة الأونيسكو كحل لقضيّة فلسطين بعد ما أجرت عليه بعض التعديلات، وأصدرت قرارها الرقم 181 الذي كان ينص على تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين مع اتحاد اقتصادي، على أن تشمل الدولة اليهودية ثلاثة أقسام من فلسطين، بينما تضم الدولة العربية أربعة أقسام بعد أن تقرر ضم حيفا إليها ووضع القدس تحت الوصاية الدولية". راجع هاني الشهيدي، القضيّة الفلسطينيّة ودورها في تعميق الوعي القومي العربي لدى التونسيين، 1947–1948 (دراسة)، مصدر سبق ذكره.
حنان بن حليمة وخديجة بلقندوز، النضال التونسي ودوره في دعم القضيّة الفلسطينيّة (1920–1956)، رسالة لنيل شهادة الماجستير، كليّة العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة، جامعة ابن خلدون تيارت، 2020/2021، ص 59.
عبد اللطيف الحناشي، تطوّر الخطاب السياسي في تونس إزاء القضيّة الفلسطينيّة، 1920–1955، ص 229.
ماهر الشريف، مكانة فلسطين وقضيتها في الوعي العربي، مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة، 1 تشرين الأول/أكتوبر 2019.
عميرة عليّة الصغيّر، الشعب التونسي في نصرة فلسطين 1947–1948، نشر في "السياسية" يوم 26 أيار/مايو 2009.
محاضرة ألقاها عميرة عليّة الصغيّر في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2009. ورد ملخّص لها في مقال أمين بن مسعود، نشر في جريدة الشروق بتاريخ 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2009.
المرجع السابق.
جمال حمدان، استراتيجية الاستعمار والتحرير، دار الشروق، 1983.
كاتب مصري مختص في الجغرافيا (1928–1993).
جمال حمدان، استراتيجية الاستعمار والتّحرير، مصدر سبق ذكره، ص 297.
كان المقيم العام في تلك الفترة هو جون مونس وقد ظل في تونس من 22 شباط/فبراير 1947 إلى 13 حزيران/يونيو 1950.
من 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 إلى غاية توقيع الهدنة بين سوريا وإسرائيل في تموز/يوليو 1949.
حنان بن حليمة وخديجة بلقندوز، النضال التونسي ودوره في دعم القضيّة الفلسطينيّة (1920–1956)، مصدر سبق ذكره، ص 60.
راجع الفصل الثاني: القضيّة الفلسطينيّة والبراغماتيّة البورقيبيّة.
هاني الشهيدي، القضيّة الفلسطينيّة ودورها في تعميق الوعي القومي العربي لدى التونسيين، 1947–1948 (دراسة)، مصدر سبق ذكره.
المرجع السّابق.