تختلف النظم السياسيّة في البلاد العربيّة بين إمارة وملكيّة وجمهوريّة، وهي في مجملها نتيجة لما عرفته المنطقة العربيّة الإسلاميّة من تحوّلات مع مطلع القرن العشرين وصولًا إلى الحرب العالمية الثانية. وكان من نتائج هذه الحرب إعادة ترتيب العالم وضبط أسباب القوّة وحدود النفوذ فيه من قبل المنتصرين.
ولئن لم يتبدّل مركز الفعل والسيطرة في كلّ هذه التحوّلات، وهو الغرب الاستعماري، فإنّ منتصف القرن الماضي كان شاهدًا على حلول الغرب الأميركي (الولايات المتحّدة) في قيادة العالم محلّ الغرب الأوروبي (المملكة المتّحدة)، وقبلها، مثّل إسقاط آخر هويّة انتظام سياسي للمسلمين سنة 1924 مقدمة لتنفيذ مشاريع التقسيم ومنعطفًا مهمّا في تجربة الدولة الوطنيّة وحركة الاستقلال المرتبطة بها بداية من خمسينيات القرن الماضي.
الاستقلال مدخل إلى الاستبداد
على خلاف ما كان يُعتقد، لم يكن مطلب الاستقلال بالوضوح الكافي في برنامج الحركة الوطنيّة التي هي في جوهرها حركة تحرّر. وتأخّر تبلوره في أغلب منعطفاتها. ولهذا أسباب عدّة منها طول فترة الاستعمار وترسّخ حضوره في إدارة الحياة وتوجيهها، ولئن كانت "رسالة التمدين" التي يحرص على إشهارها لا تخفي غايات النهب والحاجة إلى أسواق خارجيّة مع الرأسماليّة في مرحلتها الصناعيّة خاصّة فقد تركت أثرًا ملموسًا في تطوير مستوى العيش وأسبابه العمرانيّة في الحواضر بدرجة أولى، وذلك قياسًا إلى المراحل التي سبقت دخول الاستعمار وما اكتنفها من حالة تخلّف شامل.
وإنّ التنصيص على أنّ الاستقلال مثّل مدخلًا إلى الاستبداد، لا ينفي صفة الاستبداد عمّا سبق دخول المستعمر إلى البلاد العربيّة الإسلاميّة، وإنّما الغاية من الإشارة، هو التنبيه إلى حالة الانحدار التي عرفتها الحرّيات والمشاركة السياسيّة مع الاستقلال قياسًا إلى ما كان عليه الأمر في المرحلة الاستعماريّة.
ولنا في هذا الإطار أن نقارن وضع الحرّيات والإعلام والقضاء والحياة في ظلّ الاستعمار بما أصبح عليه الأمر بعد خروج جيوش المستعمر الفرنسي والبريطاني المتدرّج من العديد من الأقطار العربيّة، فعرفت مصر وسورية والعراق، قبل سلسلة الانقلابات التي قادها العسكر في مطلع الخمسينيات، حياةً سياسية فعلية أتاحت التداول على السلطة في ظلّ أنظمة كانت تحت الوصاية الاستعماريّة.
وحتّى في الأنظمة التي لم يكن للعسكر فيها دور شهدت الحرّيات مع دولة الاستقلال انتكاسًا كبيرًا، ففي تونس قاد بورقيبة من داخل المجلس القومي التأسيسي (1956 ـ 1959) انقلابًا سياسيًا بإعلان الجمهوريّة وإلغاء نظام البايات الحسينيين الملكي (25 جويلية 1957)، وتمّ غلق قوس الحياة السياسية والمشاركة المجتمعية وإرساء نظام الحزب الواحد والزعيم الأوحد الذي سينصَّب رئيسًا للبلاد مدى الحياة.
وبهذا المعنى يُصبح الربيع العربي الذي انطلق من تونس في 2011، استعادة للحياة السياسيّة قبل حركة موجة الانقلابات وما انبثق عنها من أنظمة "وطنيّة" لم تستطع أن تصبح "مواطنيّة"، وفي المستوى الجيوسياسي يأتي التحوّل في النظام العربي في مطلع خمسينيات القرن الماضي نتيجة مباشرة صعود الولايات قوّة جديدة لقيادة العالم وانسحاب تدريجي لبريطانيا.
وفي هذا السياق يأتي تصدّي الولايات المتحدة للعدوان الثلاثي على مصر في 1956، ويومها كانت هذه القوة الصاعدة تبحث عن حليف استراتيجي وجدته سنة 1966 في الكيان الصهيوني صنيعة بريطانيا. وصار مدّ دولة الكيان الوظيفية بأسباب التفوّق العسكري والتكنولوجي أشبه، في الاستراتيجية الأميركية، بإعادة بناء أوروبا بواسطة "مخطط مارشال".
استقرار نظام الاستبداد
عرف نظام الاستبداد العربي استقرارًا على مدى النصف الثاني من القرن الماضي، وكانت السمة الغالبة عليه التوجّه العروبي والقومي في بعديه الناصري والبعثي، واستقرّت، على ضوء هذين المكونين، تقاليد في السياسات الوطنيّة والديبلوماسية والسياسة الدوليّة توسم بالتقدّميّة، في حين كانت أنظمة الخليج العائلية من إمارات وملكيات تمثّل "الرجعيّة العربيّة"، وهي في أصلها سليلة النفوذ البريطاني الذي ترك المكان للنفوذ الأميركي.
ولولا سياسة عبد الناصر التي فتحت بابًا على الاتحاد السوفياتي سابقًا، في ظلّ الحرب الباردة، لصحّ اعتبار صراع الأنظمة العربيّة سليلة العسكر بأنّها حليف القوة الأميركية، هذا إذا لم يكن لها دور في ظهورها. فدخول الاتحاد السوفياتي على الخط ليمتد نفوذه إلى عدّة أنظمة (مصر، سورية، العراق، الجزائر، ليبيا، اليمن) جعل النظام العربي منقسمًا في ولائه بين المعسكر الرسمالي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي. وهو في حقيقته انقسام بين رأسماليتين: "رأسمالية المجتمع" و"رأسماليّة الدولة".
ومن طريف سجالات الصراع بين عبد الناصر والإخوان أنّه كان يتهمهم بالعمالة لبريطانيا، في حين كانوا يصرّون على اعتباره رجل الولايات المتحدة، ورغم مشاركتهم القويّة في انقلاب 23 تموز/جويلية 52 وتمثيلهم المهم في مجلس قيادة الثورة فإنّ بعضًا من قياداتهم كان يشير إلى شكّهم بحضور مخابراتي أميركي في صفوف الضباط الأحرار. وما صار شبه مجمع عليه بين فئة غير قليلة من المؤرخين العرب أنّ ما شهدته المنطقة العربيّة من انقلابات عسكريّة كان غير بعيد عن دوائر استخباراتيّة في معظمها أميركيّة.
بعد كامب دافيد، ترسّخ الفرز في النظام العربي على قاعدة القضيّة الفلسطينيّة داخليًا وعلى أساس التحالفات الدوليّة والعلاقة بأطراف الصراع في الحرب الباردة، وظهر هذا في انقسام الصف العربي إلى جبهتين مع وجود مسافات متفاوتة داخل مكونات الجبهتين من المواقف الجذريّة هنا وهناك. ولم تكن جذرية العناوين السياسية مثل "الصمود والتصدّي" و"الممانعة" تعبّر عن موقف واحد يحضر بنفس القوة وبنفس درجة الالتزام به عند مكونات هذه الجبهة، والأمر نفسه في الجهة المقابلة،
ومن جهة أخرى ظهر استثناء مهمٌّ مثّلته قطر وتركيا من خارج المجال العربي في علاقة بظاهرة المقاومة، قدمت دعمًا فاق موقف دول الممانعة الذي غلب عليه الإنشاء وغاب عنه الفعل والإنجاز.
ولا يمكن إغفال محطات مهمّة كان لها أثرها على نظام الاستبداد العربي، وفي مقدّمتها حرب الخليج الأولى التي مثّلت من المنظور العربي حماية البوابة الشرقية للأمة العربيّة، وكان لحرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت) تأثير على العلاقة بين جبهة الممانعة وجبهة التطبيع، وعرف نظام الاستبداد فرزًا على قاعدة الموقف منها، وكانت نتائجها الكارثية كفيلة باعتبارها الحرب التي "دمّر فيها المال العربي الجيش العربي".
الربيع والنظام
كان شعار "إسقاط النظام" هو العنوان الأبرز والمميّز للربيع وثورته رغم ما يتردّد من إجماع على أنّ الثورة المنطلقة من تونس كانت من طبيعة اجتماعيّة من خلال العنوان الأصلي "التشغيل استحقاق" الذي انبثق مع بدايات الانتفاض في الهامش المفقّر، وليس صعبًا الوصل بين العنوانين، فإذا كان مطلب الهامش التشغيل باعتباره استحقاقًا فإنّ المركز الذي تبنّى المطلب قدّم وسيلة تحقيق المطلب وهو "إسقاط النظام" وربطه بإرادة الشعب (الشعب يريد إسقاط النظام)، ولسان حاله أنّ "الاقتصادي" مشروط بـ"السياسي".
ويوم 14 كانون الأوّل/جانفي 2011 اقترنت مهمّة إسقاط النظام بمهمة تحرير فلسطين في حدس عجيب لتلازم المواطنة والمقاومة، وستكون عمليّة التلازم الجملة السياسية الجديدة التي واجهت النظام العربي بشقّيه المطبّع والممانع. وهي التي ستدلنا على تقاطع النظام العربي الممانع والمطبّع موضوعيًّا مع نظام الاحتلال في معاداة الربيع مع فارق جانبي متعلّق بصياغة الموقف، فهو "عبري" عند نظام الاستبداد العربي و"إرهابي" عند الكيان، وتأكّد تقاطع الموقفين عندما أتاح الاختيار الحر تصدّر الإسلاميين ما نُظِّم من انتخابات ديمقراطية (تونس، ليبيا، مصر..).
فما الأسباب التي جمعت بين الممانعة والتطبيع في مناهضة الربيع؟
هي أسباب متعدّدة تختلف من حيث الطبيعة والأهميّة ولكن بدا لنا أحدها الأهمَّ، وهو من طبيعة سياسيّة. ونعني بنية الاستبداد، وهي بنية ثلاثيّة مكونة من المجتمع والدولة ومن قوة ثالثة فوقهما وفوق القانون ممثلة في الزعيم أو العائلة أو المؤسّسة العسكرية.
وهي بنية مانعة للاختيار الحرّ مقارنة ببنية النظام الديمقراطي الثنائيّة القائمة على علاقة توازن بين الدولة والمجتمع في ظل علوية القانون ومبدأ الفصل بين السلطات، فيكون ما قامت به الثورة هو إسقاط بنية نظام الاستبداد الثلاثيّة لتتوفّر شروط الاختيار الحرّ، وكان النجاح في تنظيم انتخابات شفافة ونزيهة دليلًا على نجاح مهمة إسقاط النظام، وهذا ما شهدناه في تونس وليبيا ومصر، مع خصوصية في الحالة المصريّة، فإذا كان لكل دولة جيش فإنّ للجيش المصري دولة؛ وأمام ضغط الميادين في الثورة تراجع الجيش (بنية ثنائيّة مؤقتة) ليفسح المجال أمام الاختيار الحر. وعلى ضوء نتائج الانتخابات بنى خطته لاستعادة الأمور بالانقلاب في 2013 وغلق قوس الانتقال إلى الديمقراطيّة، وفي تونس مثّل انقلاب 25 تموز/جويلية 2021 بدوره استعادة لبنية الاستبداد الثلاثية باسم "تصحيح المسار"، بعد أكثر من عشر سنواتٍ على تجربة الانتقال.
أشرنا إلى مكوّني الممانعة والتطبيع في نظام الاستبداد العربي، ومع الربيع وأطواره أفرزت الثورة المضادّة صنفًا ثالثًا مركّبًا وعلى درجة من التعقيد لأنه خلاصة للتداخل والتخارج بين المكونين وروافدهما الإقليميّة ولا سيما ما كان منها في الجوار العربي (إيران، تركيا)، وما يجمع بين الأنظمة التي أفرزتها الثورة المضادّة أنّها انطلقت باسم التصحيح والوفاء للثورة وشهدائها، لينكشف وجهها الحقيقي على أنّها ثأر لنظام الاستبداد من الثورة، وتشير تجارب الانتقال الديمقراطي إلى أنّ نظام الثورة المضادّة يكون أشرس من النظام الذي أسقطته الثورة وأشد تنكيلا، فهو يعمد إلى تجريف كلّ شيء بما في ذلك "المكاسب" التي تحققت في ظلّ نظام الاستبداد في تجربة التحديث المشروطة بدوائر الهيمنة ومصالحها.
طوفان الأقصى
أتى الطوفان نظامَ الاستبداد العربي، وقد تمكّن تيّار الثورة المضادّة من طيّ صفحة الربيع وإسقاط آخر تجارب الانتقال الديمقراطي (تونس)، وكان أنصار الديمقراطيّة في تونس يفاخرون، رغم تعثّر التجربة وعجزها عن تحقيق الأدنى، بأنّ تونس تمثّل الاستثناء وأنّ إسقاط بقيّة تجارب الربيع لم يكن بالاختيار الحر وإنّما كان بالانقلاب؛ وهو ما جعل من أنظمة الثورة المضادّة أنظمة حكم فردي مطلق مدعومة من الأجهزة. هذا هو أدقّ تعريفاتها، وأمّا الشعب الذي تتكلّم باسمه وتدّعي تمثيله فإنّه كما لم يخرج للدفاع عن الديمقراطية يوم الانقلاب عليها لم ينزل محتفيًا بإسقاطها مثلما يروّج خطابها الشعبوي، ويوم نظّم نظام الثورة المضادّة انتخابات بشروطه كانت المقاطعة من الأغلبيّة الساحقة في مصر وتونس، ومرة أخرى لم تكن المقاطعة انتصارًا للديمقراطيّة المغدورة وإنّما لعدم ثقتها في المشهد برمته، وهي مقاطعة غير بعيدة عن اليأس العام من السياسة وأهلها.
في هذا السياق جاء الطوفان، وتحت صدى عملية 7 تشرين الأوّل/أكتوبر الكبير، وأثر صمود المقاومة وحاضنتها البطولي كان السؤال عن مستقبل الكيان مدخلًا إلى سؤال عن فرص انبعاث الربيع، ويعكس السؤال تمثلا لطبيعة الربيع وما يميّزها من تشديد على تلازم المقاومة والمواطنة، وكان للربيع دور فعلي في رفع الحصار عن غزّة مدّة سنوات الثورة الثلاث في مصر، فأمكن للمقاومة فيها أن تراكم في وقت محدود من أسباب التحصين ووسائل بناء القدرات الدفاعيّة والعسكريّة والطبيّة والمجتمعية.
كان أثر الطوفان في محيط المجال العربي أكثر منه في داخله، أثر استراتيجي طال الجغرافيا السياسيّة بما تعنيه من مكوّنات فاعلة وتوازنات قائمة منذ الحرب العالميّة الثانية على الأقل في مساحة جغرافيّة وديمغرافيّة محدّدة نسمّيها المجال العربي.
استهدفت عمليّة 7 أكتوبر ما يمكن تسميته نقطة ارتكاز الهيمنة في المنطقة، فدولة الكيان الوظيفيّة تقع في قلب المجال العربي باعتباره وحدة ثقافيّة ولسانيّة لم تتمكّن من أن تبني كيانها السياسي والاقتصادي على غرار المجالين الجارين التركي والإيراني. وذلك لعائقين استراتيجيين: الاستبداد والاحتلال، وهذا ما بدا في ثورة الربيع من وصل بين مهمّة "إسقاط النظام" (التحرّر) ومهمّة "تحرير" فلسطين (التحرير)، ويعتبر هذا من "الحدوس الاستراتيجيّة" التي تنطق بها الشعوب في منعطفات تجاربها.
ومن هذه الزاوية كانت استراتيجية الطوفان موجّهة إلى هذين العائقين، فكانت عملية 7 أكتوبر خلخلة غير مسبوقة لنقطة الارتكاز في مشروع الهيمنة الدولي، وهو ما طرح استفهاما كبيرًا حول مستقبل دولة الاحتلال الوظيفية، ويمثّل التحوّل التاريخي في سورية المحتلّة أخطر آثار الطوفان على المنطقة.
صراع الاستراتيجيات
يهمنا من الصراع صورُه وأثرُه على المجال العربي وعلى مستقبل نظام الاستبداد في علاقته بالمقاومة وبكل ما له صلة بالتحولات في الجوار الإقليمي والعالم. وهو يمكّن من رصد استراتيجية الطوفان وعلاقتها ببقية الاستراتيجيات المتدخّلة في مجالنا قبل 7 أكتوبر وبعده؛ وتنقسم هذه الاستراتيجيات، في موقفها من المقاومة، إلى معادية (الغرب االأميركي والأوروبي) وأخرى مساندة (إيران) وثالثة (روسيا، الصين) تنافس على أن يكون لها حضور في المجال العربي الذي استمرّ فضاءً للتدخل الإقليمي والدولي بسبب عجزه عن بناء كيانه السياسي الاقتصاديّ مثل سائر الكيانات القوميّة، ومن جانب آخر فإنّ اتجاه هؤلاء المتدخّلين في المجال العربي يتحدّد بموقفها من الربيع وثورته.
بعد سنة ونصف من الصمود البطولي في وجه حرب الإبادة، منعت غزة العدوان من الوصول إلى أهدافه الثلاثة المعلنة: استرداد الأسرى بالحرب، والقضاء على المقاومة، وتهجير أهل غزّة، ونجحت المقاومة في هزّ سردية العدو التي كانت من أسباب دعمه من قبل الغرب الأوروبي والأميركي، كما نجحت غزّة في تحريك الشارع الغربي ليقترب من حقيقة الصراع ويطلّ على واقع جريمة الإبادة الجماعيّة، ويكتشف طبيعة الكيان العنصرية وجرائمه وتورّط السياسات الغربية فيها.
في هذه المواجهة الاستراتيجية التي فجّرها "الطوفان" لم تقتصر الهزّات على صفّ الأعداء وإنّما طالت كذلك بعض الأصدقاء، ويعود هذا إلى طبيعة الصراع المركّبة وتعدّد الاستراتيجيات المتقابلة فيه، وقد مثّل سقوط نظام بشار المفاجئ صورة نموذجًا من هذا التركيب، وكان من الضروري أن يعني انهياره المفاجئ كلّ القوى المحتلة لسورية والمشارِكة في الانتصار على شعبها بقتله وتشريده ووأد ثورته ومطلبه في الحرّية والكرامة، ومن المفارقة أنّ الضرر الناجم عن الطوفان خصّ القوّتين المتعاديتين في الصراع: إيران وإسرائيل.
كانت إيران المتضرّر الأكبر من سقوط نظام بشار، وكان خروجها الكامل من سورية "هزيمة استراتيجية" أسقطت جهود خمسة عقود من محاولات توسّعها داخل المجال العربي: حيث فتحت ثغرة كبرى في أمنها الإقليمي، واكتشف الكيان أنّه بالضربة القاصمة التي وجهها إلى حزب الله (نقطة ارتكاز المشروع الإيراني إيران في المجال العربي) يكون قد ساهم من حيث لم يحتسب في إسقاط نظام بشّار حارس أمنه على "الجبهة السوريّة" منذ 1973، ولذلك تلتقي الجهتان موضوعيًا على مناهضة النظام الجديد في سوريا باستهداف أراضيه، وتحريك ملف "الأقليات" بغاية إجهاض محاولة بناء سورية المدمّرة. من ذلك مدهما الجسور مع قسد صنيعة الولايات المتحدة باسم محاربة الإرهاب.
وتتقاطع إيران مع الكيان في توصيف النظام الجديد بأنّه تحالف جماعات جهاديّة إرهابيّة، وتوقّع علي أكبر ولايتي مستشار المرشد للشؤون الدوليّة، قبل الأحداث الدامية في الساحل السوري بيوم، اندلاع حرب أهليّة وتقسيم سوريا، وهدّد الكيان باتخاذ إجراء عسكري لحماية الدروز في سوريّا وشدّد رئيس وزرائه على أنّها "لن تسمح للنظام الإسلامي الراديكالي الجديد في سوريا بإلحاق ضرر بالدروز".
وباستثناء تركيا التي تبدو داعمًا؛ بل وراعيًا للوضع الجديد، تُحاول روسيا المتضرّر الآخر من سقوط بشار والولايات المتحدة، الأقل تضررًا، إعادة ترتيب مستقبل حضورهما في سوريا على ضوء توفّقهما إلى وقف الحرب على أوكرانيا. وكما يُنظر إلى توسّع الكيان في لبنان، باحتلاله شريطًا حدوديًا جديدًا وتوغله في الأراضي السوريّة، على أنّه شاهد على تفوّقه وتواصل تمدده يراه آخرون علامة ارتباك تحت صدمة 7 أكتوبر التي لم يُشف منها، والتوجّس من خطورة التحوّل في سوريا وآثاره الجذريّة.
خلاصات
ما نسمّيه خلاصات هو تداعيات الطوفان المرحليّة، وقد بدأ يظهر، بعد أكثر من سنة ونصف على 7 أكتوبر، أنّ العمليّة استهدفت نقطة الارتكاز الأهم في بنية الهيمنة الغربيّة في المجال العربي وجواره الإقليمي متمثلة في دولة الكيان الوظيفيّة، وبقدر ما خلخلت العمليّة نقطة الارتكاز هذه فإنّها طرحت استفهاما حول ما بقي من عمرها الوظيفيّ، وفي الولايات المتحدة كان السؤال المثار في أعرق الجامعات التي تحرّكت احتجاجا على جريمة الإبادة الجماعيّة في غزّة خطيرًا، وسمح سياق التحركات الطلابيّة بإحياء فكرة تحرّر الولايات المتحدة من الصهيونية، وهي الفكرة التي انطلقت مبكرًا داخل أوساط أكاديميّة وحقوقية مناهضة للهيمنة ولكنها ظلت محاصرة ومحدودة.
تولّد عن طوفان الأقصى نتيجتان أخافتا الغرب الأوروبي المشارك في العدوان على غزّة بالمال والإعلام والسلاح والمرتزقة وهزتا يقينه بمناعة الكيان:
ـ صمود المقاومة وحاضنتها في مواجهة جيش الاحتلال الذي عجز عن تحقيق أهدافه الثلاثة المعلنة (القضاء على المقاومة، استرداد الأسرى، وتهجير أهل غزّة). وهو ما أجبره على إمضاء اتفاق بوقف إطلاق النار من ثلاث مراحل تنتهي بوقف دائم لإطلاق النار وفسح المجال لإعمار غزّة التي هدّم منها ما يقارب الــ90٪. وهو يحاول اليوم تعطيله بمنع المرور إلى المرحلة الثانية منه.
ـ سقوط نظام بشّار، وهي بدورها نتيجة مباشرة لصمود المقاومة، فلو تمكّن جيش الاحتلال من كسر المقاومة واعتقال قياداتها واسترداد أسراه في وقت أسابيع معدودة، لأغلق القوس عند هزيمة هي الأقسى في تاريخ الصراع؛ فكان سقوط نظام بشار زلزالًا سياسيًا على ضوئه سيتحدّد مستقبل النظام العربي بل ومستقبل المنطقة.
يحيط بالنظام الجديد في سوريا وضعٌ تغيب فيه الشروط الدنيا للاستقرار وإعادة بناء البلاد؛ فالبلاد محتلّة من قوى جمع بينها مناهضة الربيع (الكيان، إيران، الولايات المتحدة، روسيا)، إلى جانب الاحتلال الداخلي الذي يمثّله نظام البعث أكثر أنظمة الاستبداد وحشيّة، ويمثّل تعدّد المحتلّين للبلد الواحد وتجاورهم على أراضيه ظاهرة لم يعرفها التاريخ الاستعماري الحديث، ونراها تكثيفًا لمرحلة انتقالية يتجاور فيها نظام عالمي قديم يفقد أسسه، ونظام عالمي جديد لم تكتمل شروط قيامه واستواء توازناته، ولكن لماذا تدور هذه الظاهرة في سوريا دون غيرها من مجالات الجغرافيا السياسيّة؟
ليس من اليسير الإجابة عن السؤال، وقد يكون للأمر علاقة بوجود دولة الكيان الوظيفيّة باعتبارها نقطة ارتكاز مشروع الهيمنة الغربي، ثم أنّ جيش الكيان كان أوّل المتدخّلين صبيحة انتصار الثورة السورية، إذ شنت طائراته مئات الغارات العنيفة على العاصمة وعلى أغلب حواضر سورية الكبرى بعنوان استهداف السلاح الذي تركه النظام الساقط. غير أنّه يمكن النظر إلى هذا التدخّل من زاوية نظر أدق.
ما يميّز تجربة الثورة السورية عن بقية تجارب الربيع أنّها تمكّنت، بعد 14 سنة من إسقاط النظام بأدواتها الذاتيّة (الكفاح المسلّح)، هو ما أتاح شطب "الدولة العميقة" والشروع في بناء جهاز الدولة العسكري والأمني من الصفر، غير أنّ وظيفتها توزعت بين الكيان والقوى المحتلة لسوريا. وفي مواجهة هذه الحقيقة المركبة كان شعار "وحدة التراب ووحدة السلاح" جوهر مشروع الدولة الناشئة وعنوان شرعيتها.
آفاق
هذا هو بالضبط السياق الذي يكتنف تحولات نظام الاستبداد العربي، وتمثّل سوريا وتحولاتها المثيرة والجذريّة نقطة ارتكاز لملامح مشروع عربي لم تتبلور نهائيًّا، ولكنه يقوم في مواجهة نقطة ارتكاز مشروع الهيمنة ممثلًا في دولة الكيان الوظيفيّة. وهذا أهم مخرجات الطوفان المرحلية، وأهميتها في أنّها حوّلت محور الصراع وثقله من "غزّة إلى دمشق" مع استمرار مركزيّة القدس والأقصى.
فالشام هي التي ستكون صخرة مناطحة المشروع الصهيوني الإمبريالي في المنطقة، وهذا يعني أنّ غزّة أنجزت مهمتها، وأوصلت صراعها مع الكيان إلى نهاياته: مستعصية على الهزيمة من قبل جيش الكيان المنكسر، وسيجنح مضطرًا إلى اتفاق وقف إطلاق دائم قد تتخلله مواجهات محدودة لا يمكن أن تتطور إلى حرب شاملة، وسيحوّل وجهته إلى الضفة وإلى سوريا.
بدأت معالم تأثير "الانتصار الاستراتيجي" في سوريا تظهر تدريجيًا، فدولٌ مثل الأردن والسعودية كانت أكثر المتفاعلين معه؛ فالأردن يتحرّك في ظلّ دوره التقليدي (نقطة ربط استخباراتي) وبأمل تحيينه في ظلّ المتغير السوري، في حين يبدو تحرك السعوديّة باتجاه سوريا من إملاءات الجغرافيا السياسية لهذا البلد القارة وما تركه انكسار إيران الاستراتيجي من فراغ لا بدّ من ملئه، وهذا ما يدعو إلى تجديد النظر في تحولّات نظام الاستبداد العربي خارج منوال التطبيع/الممانعة. وهل بقي، بعد التحول في سوريا من معنىً للحديث عن التطبيع؟
صار الحديث عن غياب "مشرع وطني عربي" من كليشيهات الخطاب أو من علامات العجز عن محاولة تقديم إجابات عن المرحلة وأطوارها، أو لفتح باب الحديث عن المشروعين الجارين الإيراني والتركي، وقد حدا بالبعض التأكيد، في أوّل أيّام الطوفان، على أنّه لا يوجد في مجالنا (من منظور المقاومة) سوى المشروع الإيراني، أمام تخاذل الأتراك.
نعود إلى فكرة أساسية في هذا الصدد كنّا عرضناها، ونعني عجز المجال العربي عن بناء كيانه السياسي مما جعل منه فضاءً للتدخل الإقليمي والدولي؛ والسبب هو الاستبداد والاحتلال. ومن خلالهما تحدّدت علاقة مجالنا بالمجالين الجارين، فالجار الذي دخل إلى مجالنا بعنوان دعم مقاومة الاحتلال انحاز إلى نظام الاستبداد (التدخل في سوريا) والجار الذي أظهر مساندة للربيع لم يقطع صلته بالاحتلال. غير أنّ التحولات في سوريا تفصح عن أنّ من مازال يحافظ على علاقته بالاحتلال، إذ كان له دور في إسقاط الاستبداد (تحركه مصالحه بلا شكّ) مما جعله في مواجهة دولة الكيان، في حين أنّ من تقدّم ظهيرًا للمقاومة، يتقاطع اليوم مع الكيان في مناهضة تحرّر الشعب السوري من أبشع أنواع الاستبداد المتوحش.
وحدة المجال العربي معطىً استراتيجي مهم، وأهمّ منها أنّ مشروع هذا المجال بداية من 2011 كان الربيع العربي، بما هو تلازم بين المقاومة والمواطنة (المواطنة الديمقراطيّة، او الديمقراطيّة المواطنيّة)، ومشروعه اليوم هو الطوفان بما هو إزالة للعقبات المواجهة لتأسيس الديمقراطية المشروطة بالحريّة. هذا هو الأفق في فلسطين وسورية التي تعتبر متحفًا أثنيًا ولسانيا ودينيًا. ومختبرًا لمنوال "إدارة التعارف" بديلًا عن منوال "إدارة التوحش".












