تترقب شعوب القارة السمراء ما ستحمله القمة المقبلة للاتحاد الإفريقي المقررة في شباط/فبراير الجاري، عندما تبحث الدول الأعضاء إصدار قانون لتجريم الاستعمار والاعتراف بأضراره والتعويض عن جرائمه، وذلك بعد عام من إقرار لائحة تتعلق بهذا الملف الذي لن تكون خطوات تحقيق أهدافه سهلة، لارتباطه بجوانب قانونية وسياسية ودبلوماسية معقدة سترسم علاقة كل دولة عضو بالمحتل السابق.
ورغم مرور عقود من استقلال الدول الإفريقية عن المحتل السابق الذي في أغلبه من الدول الأوروبية، إلا أن معظمها لم يحصل حتى اليوم على تعويضات جراء الانتهاكات المختلفة التي حدثت في كل بلد إفريقي، بل إن اعتراف الدول المستعمرة بجرائمها لم ينتزع حتى اليوم، وهو ما يجعل اتحاد الأفارقة يسعى لإصدار قانون مشترك يجرم الاستعمار خطوة مهمة لاسترداد بعض حقوق شعوبهم، التي ما تزال تتعرض حتى اليوم لتبعات الاستعمار عبر أشكال جديدة للاحتلال.
ماضٍ استعماري بشع عاشته الدول الإفريقية
تعرضت جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي للاحتلال، باستثناء ليبيريا وإثيوبيا التي لم يدم استعمارهما من قبل إيطاليا كثيرًا، ما يجعل الأعضاء الـ55 معنيين كلهم بإصدار قانون لتجريم الاستعمار، خاصة وأن أضراره ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم بأشكال مختلفة، منها على سبيل المثال بقاء دول في منطقة الساحل تتعامل بعملة الفرنك الفرنسي التي اختفت حتى من فرنسا نفسها.
وكانت إفريقيا على مر التاريخ مطمعًا للمحتل الأوروبي، إلا أن هذا الاحتلال ظهر بشكل بارز خلال القرنين الـ19 والـ20، فبعدما استطاعت أوروبا التقليص من امتداد الدولة العثمانية في القارة العجوز، عملت على توسيع نفوذها في إفريقيا باحتلال الدول التي كانت مرتبطة بالعثمانيين كالجزائر التي احتلت من قبل فرنسا في 1830، وقبلها كانت حملة نابليون على مصر مع نهاية القرن الـ18.
ولم يقتصر هذا التوسع على الدول العربية، الذي يمكن إدراجه ضمن الحرب الصليبية ضد المسلمين، بل إن الأمر شمل جميع الدول الإفريقية وبالخصوص بعد اجتماعات برلين في 1884 و1885، التي خرجت بتبني الدول الأوروبية الكبرى إطارًا استراتيجيا مشتركًا لاحتلال إفريقيا بشكل رسمي، بتقسيمها إلى مناطق نفوذ حصرية، وقمع شعوبها واستغلال مواردها، وهو ما تم ترسيخه أكثر بعد التغلّب على ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، لتصبح جميع الدول الإفريقية تحت وطأة الاحتلال الفرنسي والبريطاني والبلجيكي والبرتغالي والإسباني والهولندي.
واختلف نوع الاستعمار ومدته من بلد إلى آخر، فقد تجاوز القرن في الجزائر وجنوب إفريقيا، وبلغ 99 سنة في نيجيريا، و83 سنة في مصر، إضافة إلى أنه كان استيطانيًا في بعض الدول كالجزائر، وعنصريًا لأقصى الحدود في جنوب إفريقيا وغيرها.
ولا تتوفر إحصاءات شاملة حول عدد ضحايا الاحتلال الأوروبي لإفريقيا، إلا أن حجم المجازر وحرب الإبادة التي ارتكبت في عديد الدول تكشف جانبًا من فظاعة السياسة الاستعمارية في القارة السمراء، حيث تجاوز حجم شهداء الجزائر خلال 132 سنة من الاحتلال حسب بعض المؤرخين 8 ملايين، منهم 1.5 مليون شهيد خلال ثورة التحرير فقط. وفي ناميبيا، قتل الاحتلال الألماني بين سنتي 1904 و1908 أكثر من 110 آلاف شخص من السكان الأصليين من قبائل الهيريرو والناما، في واحدة من أفظع الإبادات الجماعية باعتماد سلاح التجويع والأمراض في معسكرات الاعتقال للسكان المحليين.
وفي رواندا، تذكر عدة تقارير أن فرنسا ذات التاريخ الحافل بالقمع وعمليات الإبادة تسببت في وفاة أكثر من 800 ألف رواندي، عبر مشاركتها في المجازر التي ارتكبت ضد قبائل التوتسي سنة 1994، ودعمها لحكومة الهوتو، والعمل على استمرار الحرب القائمة بين الطرفين. ويشير تقرير أممي، صدر في 2014، إلى أن المذابح التي شارك فيها المرتزقة الفرنسيون المرتبطون مباشرة بالإليزيه في رواندا، تضمنت اغتصاب ما بين 100 ألف إلى 250 ألف امرأة على يد هؤلاء الفرنسيين وشركائهم من الهوتو، إضافة إلى أن كثيرات من النساء اللاتي نجين من المذبحة، هن الآن إمّا مصابات بفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) أو يتوفين من الإيدز، كما يوجد حوالي مليون يتيم في رواندا نتيجة الإصابة بالإيدز والإبادة الجماعية التي وقعت في عام 1994.
وفي إثيوبيا، ألقى الاحتلال الإيطالي 280 كيلوغرامًا من غاز الخردل السام سنة 1935 على القرى الإثيوبية المليئة بالسكان المدنيين، وقتلت بعد عامين نحو 30 ألف إثيوبي في واحدة من أبشع المجازر، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن 20% من سكان العاصمة أديس أبابا كانوا من بين الضحايا خلال ثلاثة أيام من القتل الجماعي الذي نفذته القوات الإيطالية. أما في الكونغو الديمقراطية، إحدى أغنى الدول الإفريقية بالثروات المعدنية، ارتكب الاحتلال البلجيكي أبشع الجرائم ضد الإنسانية، استهدفت الأطفال الكونغوليين بتزكية من الكنيسة المتحالفة مع الملكية في بروكسل، والتي حولت السكان الأصليين إلى عبيد يعملون تحت ظروف قاسية لجني المطاط سواء خلال فترة الوصاية أو الاستعمار الذي أعلن عنه رسميًا في 1908.
ومن بين أوجه انتهاك حقوق الإنسان التي ارتكبتها الملكية البلجيكية في الكونغو، كان معاقبة السكان الأصليين بالجلد والتجويع وبتر يدي كل كونغولي يرى المحتل أنه يتقاعس في عمله. إضافة إلى ذلك، تنقل التقارير أن فرق المرتزقة البلجيكيين أقدمت على مهاجمة وحرق القرى الكونغولية، واعتقال الأهالي لاعتمادهم كوسيلة ضغط بهدف إجبار الكونغوليين على العمل لساعات طويلة.
وزيادة على مختلف أنواع التعذيب الذي مارسه الاستعمار البلجيكي في الكونغو الديمقراطية، ترك هذا الاحتلال بعد خروجه في عام 1960 بلدًا ما تزال تقسّمه الصراعات الإثنية والطائفية حتى اليوم، والتي تسهّل مواصلة استغلال ثروات هذا البلد الغني من قبل الشركات متعددة الجنسيات، لتستمر بذلك حالة الخضوع للأجنبي بشكل جديد ولو كان غير مباشر.
اتفاق قاري لأول مرة
قبل نحو عام، وفي منتصف شهر شباط/فبراير 2025، اتخذ الاتحاد الإفريقي قرارًا مهمًا ينتصر لمعاناة شعوبه، بمصادقة دوله الأعضاء على لائحة تخص تجريم الاستعمار والحصول على تعويضات عن المظالم التاريخية التي تعرضت لها الشعوب الإفريقية على مدار عقود.
وتقدّمت غانا بهذه اللائحة، التي حملت عنوان "العدالة للأفارقة والأشخاص من أصل إفريقي من خلال التعويضات"، واعتبرها الاتحاد القاري موضوع إفريقيا لعام 2025. وقالت نائب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي السابقة، مونيك نسانزاباغانوا، إن هذه اللائحة خطوة تاريخية ستعيد لإفريقيا حقوقها التاريخية، وتعزز المطالب المشروعة للقارة.
وتضمنت اللائحة بناء جبهة مشتركة وموحدة، من أجل قضية العدالة ودفع التعويضات للأفارقة عن الجرائم التاريخية والفظائع الجماعية المرتكبة ضد الأفارقة والأشخاص من أصل إفريقي، بما في ذلك الاستعمار والفصل العنصري والإبادة الجماعية.
ودعت اللائحة الأفارقة إلى القيام بعمل جماعي لتجاوز الظلم التاريخي، ومعالجة الآثار الناتجة عن الاستعمار أو الاستعباد أو الفصل العنصري أو التمييز وتحقيق العدالة التعويضية، على أن تتولى مفوضية الاتحاد الإفريقي، قيادة جهود من أجل الاعتراف التاريخي بتأثيرات الاستعمار والعبودية على المجتمعات الإفريقية وتوثيقها.
واتبعت هذه اللائحة بعقد مؤتمر دولي حول جرائم الاستعمار في إفريقيا في العاصمة الجزائر نهاية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، والذي توجت أشغاله بـ"إعلان الجزائر"، الذي سيرفع إلى قمة الاتحاد الإفريقي المقررة الشهر الجاري. ودعا "إعلان الجزائر" إلى اعتماد 30 تشرين الثاني/نوفمبر "يومًا إفريقيًا لتكريم شهداء وضحايا تجارة الرق عبر الأطلسي والاستعمار والأبارتيد"، بناء على اقتراح قدمه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.
وجاء في هذه الوثيقة أن "إعلان الجزائر يمثل خطوة أساسية نحو الاعتراف بجرائم الاستعمار، كما يشكل وسيلة عملية لتزويد إفريقيا بأدوات مستدامة للذاكرة والحقيقة والعدالة والتعويض من أجل مستقبل عادل ومزدهر وسخي للأجيال القادمة". وكشف الموقّعون على "إعلان الجزائر" أن الوثيقة ستعرض على الدورة العادية الـ39 لمؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي المقرر عقدها في شباط/فبراير الجاري للموافقة عليه باعتباره "الخطوة القارية الأولى نحو تجريم الاستعمار بجميع أشكاله والسعي إلى تحقيق عدالة تعويضية".
ورأى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف أن إفريقيا "تمتلك الحق الكامل في التعويض عن الجرائم المرتكبة بحق شعوبها خلال الحقبة الاستعمارية"، بالنظر إلى أن اعتراف المستعمر بهذه الجرائم هو الخطوة الأساسية نحو تصحيح المظالم التاريخية. ولفت عطاف إلى أن القارة الإفريقية "دفعت ولا تزال تدفع ضريبة باهظة" بسبب ما خلّفته الحقبة الاستعمارية من تهميش وتخلف، فذاكرة القارة ما تزال مثقلة بجرائم الرق والتهجير القسري والتمييز العنصري والإبادة الجماعية التي حدثت في دول عدة مثل الكونغو وناميبيا والجزائر وجنوب إفريقيا.
من يقف وراء قانون تجريم الاستعمار؟
عند النظر إلى الإجراءات الشكلية، يظهر أن غانا هي من كانت وراء سن لائحة إفريقية لتجريم الاستعمار والمطالبة بالتعويض عن الانتهاكات المرتكبة ضد الأفارقة، فغانا التي خضعت للاحتلال البريطاني لستة عقود كاملة تعرضت خلالها لمختلف الانتهاكات والنهب ضد مكونات الدولة من بشر وثقافة وثروات طبيعية وغيرها.
لكن في الحقيقة، فإن عدة دول تقف وراء هذه الخطوة في مقدمتها الجزائر التي بقيت لمدة 132 سنة تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، فقبل عرض الملف على قمة الاتحاد الإفريقي في شباط/فبراير 2025، كان وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف قد أعلن نهاية سنة 2024 أن موضوع تجريم الاستعمار الفرنسي، الذي يطالب به على مستوى جزائري، سيطرح ملفه على طاولة الاتحاد الإفريقي. ويعني أن الجزائر أعطت ملف تجريم الاستعمار الذي كان يطرح على مستوى داخلي في العلاقات مع فرنسا بعدًا دوليًا، ليكون أكثر فعالية وشمولًا، خاصة أن فرنسا هي أكثر الدول احتلالًا للقارة السمراء.
ولهذه الأسباب، كانت الجزائر ضمن الدول الأربعة التي كلفها الاتحاد الإفريقي بالعمل على تدويل ملف تجريم الاستعمار، وضمت غانا، صاحبة المبادرة، إلى جانب جنوب إفريقيا وتوغو. ومن الطبيعي أن تكون جنوب إفريقيا ضمن هذا الرباعي، بالنظر إلى نضالها الطويل ضد الاحتلال الهولندي وسياسة التمييز العنصري، لذلك كانت مع الجزائر من الدول التي أخرجت الاحتلال الإسرائيلي من عضوية مراقب داخل الاتحاد الإفريقي، وتقود الفريق القانوني ضد هذا الكيان الغاصب في محكمة العدل الدولية لإدانته بجرائم الحرب والإبادة التي ارتكبها ضد الفلسطينيين في غزة.
وتضاف إلى هذه الدول الكونغو الديمقراطية التي تطالب بلجيكا بالاعتراف بجرائمها، وكذلك السنغال وتشاد والنيجر ودول أخرى دعت في أكثر من مرة باريس إلى تحمل مسؤولية جرائمها الاستعمارية والاعتراف بما ارتكبتها من انتهاكات وإبادة ضد السكان الأصليين.
مهمة قانونية
من المؤكد أن مهمة تجريم الاستعمار في إفريقيا تتطلب جهودًا على مختلف المستويات، إلا أن الشق القانوني يأتي في مقدمة أولى الخطوات لتحقيق هذا الهدف، بالنظر إلى أن معظم الدول لا تتوفر على تشريعات تتضمن تجريم الاستعمار بشكل عام، أو للاحتلال الذي تعرضت له بشكل خاص. ويتطلب هذا الواقع، تحيين التشريعات المحلية لتتضمن قوانين تجرم الاستعمار، وتسمح بالمتابعة القانونية لمرتكبي هذه الجرائم ولبلدانهم، باعتبار أن الاحتلال هو جريمة ارتكبت باسم الدول المستعمرة، قبل أن يرتكبها الأشخاص.
وفي هذا الإطار، أقرت الجزائر نهاية العام المنصرم قانونًا لتجريم الاستعمار الفرنسي، الذي تضمن 27 نوعًا من الجرائم، منها الإعدامات الميدانية والتعذيب الممنهج، والتجارب النووية والكيميائية ونهب الموارد الطبيعية، والنفي القسري والاعتقالات التعسفية، وطمس الهوية الوطنية والاعتداء على التراث، والخيانة والتعاون مع المستعمر. ودعا القانون الحكومة الجزائرية إلى السعي نحو انتزاع اعترافًا واعتذارًا رسميين من فرنسا، والحصول على تعويض شامل عن الأضرار المادية والمعنوية واسترجاع الأموال المنهوبة والأرشيف الوطني ورفات رموز المقاومة الجزائرية التي تحتجزها باريس.
وتدين بعض القوانين الدولية الاستعمار كمواثيق الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، وبالخصوص في الجوانب المتعلقة بالإبادة الجماعية والتعذيب، وهي نصوص معتمدة من قبل مختلف الدول الإفريقية، لكنها تظل قوانين عامة غير مختصة في تجريم الاستعمار مباشرة. لذلك فإن توصل الاتحاد الإفريقي في قمة الشهر الجاري إلى إقرار قرار لتجريم الاستعمار، سيسمح للكثير من هذه الدول بالعمل بهذا القانون حتى وإن خافت من سنه محليًا، لأن معظم الدول تعتمد مبدأ سمو القانون الدولي على القانون المحلي الخاص.
ولإعطاء القرار القاري فعالية أكثر يتحتم على الدول الأعضاء توسيعه ليشمل تكتلات إقليمية أخرى كالجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجموعة 77 + الصين، وحركة عدم الانحياز وغيرها، بغية رفع قانون تجريم الاستعمار إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ليكون أكثر وزنًا وتأثيرًا وفعالية ليس للدول التي تعرضت سابقًا للاحتلال فقط، بل أيضًا لتلك التي ما تزال تتعرض لها على رأسها فلسطين، وباقي الدول التي تنتهك سيادتها من قبل دول غربية، مثل فنزويلا.
تعنت المجرمين
يتطلب تحقيق قانون تجريم الاستعمار لغايته، إضافة إلى الشق التشريعي الذي يجب أن يعدل ويفعل على مستوى محلي وقاري، القيام أيضًا بتحركات سياسية ودبلوماسية بالنظر إلى أن التجربة أظهرت أن الدول المحتلة ما تزال إلى اليوم ترفض الاعتراف بجرائمها وما اقترفته من جرائم حرب وخرق للقانون الدولي، لذلك تستمر في اعتماد قوانين من الحقبة الاستعمارية إلى اليوم.
ويمكن في هذا الإطار، ذكر ما قامت به فرنسا في 2005، لما أقرت قانونًا يمجد الاستعمار، لتبرير الجرائم التي ارتكبتها باريس في الجزائر وإفريقيا، لذلك اعتبرت قانون تجريم الاستعمار المعتمد من قبل البرلمان الجزائري"مبادرة معادية بوضوح لاستئناف الحوار الفرنسي–الجزائري".
وترفض فرنسا إلى اليوم الاعتراف والاعتذار والتعويض عن الجرائم التي ارتكبتها في الجزائر ودول أخرى، بالرغم من أن ماكرون كان قد وصف الاستعمار بأنه "جريمة ضد الإنسانية" قبل وصوله إلى السلطة، لكنه لم يجرؤ على ترديد ذلك بعد جلوسه على كرسي الإليزيه. واكتفى ماكرون فقط بالاعتراف بمسؤولية فرنسا في اغتيال بعض المجاهدين الجزائريين أو المتعاطفين معهم كموريس أودان وعلي بومنجل والعربي بن مهيدي، والتي تظل رغم أهميتها مجرد قطرة اعترافات في بحر دم جرائم الاستعمار الفرنسي.
ولا يقتصر هذا الوضع على الجزائر فقط، والذي قد يفسر بأنه يرجع إلى الطبيعة المعقدة للعلاقات بين البلدين، بل إن ماكرون لم يجرؤ عند زيارته لرواندا في 2021 على الاعتذار عن الإبادة التي قامت بها باريس ضد قبائل التوتسي في 1994، مكتفيًا باعتراف بسيط. ولم تستجب باريس أيضًا لطلبات السنغال وتشاد ومالي وغيرها من الدول المطالبة بالاعتذار والتعويض عن المذابح التي ارتكبتها في إفريقيا.
والأمر ذاته ينطبق على الاحتلال البلجيكي، الذي يرفض إلى اليوم التعويض والاعتذار عن جرائمه في الكونغو، ويكتفي ببعض الأسف البسيط، شأنه في ذلك شأن الاحتلال البريطاني في غانا أو البرتغالي في أنغولا أو الإيطالي في إثيوبيا، وإن كانت روما قد أقرت بجانب من جرائمها التي ارتكبتها في ليبيا.
ويبيّن هذا الوضع أن تحقيق الأهداف المبتغاة يتطلب أيضا قرارًا سياسيًا سياديًا من البلد المطالب بتجريم الاستعمار، بالنظر إلى أن أغلب الدول الإفريقية ما تزال مرتبطة بشكل غير مباشر مع المحتل السابق عبر اتفاقات الاستقلال، والتبعية الاقتصادية لمنتجاته واستثماراته. ويتطلب اتخاذ هذا القرار أيضًا وجود طبقة سياسية قوية في البلاد تفكر في حقوق ومستقبل دولتها قبل مصالحها المرتبطة بضغوط الغرب، إضافة إلى ضرورة مزاوجة ذلك بجهود دبلوماسية تساهم في قبول المستعمر لذلك سواء اقتناعًا أو مجبرًا، لأن عدم اعترافه بجرائمه يكبّده ضياع مصالح اقتصادية ما يزال يتمتع بها.
من المؤكد أن افتكاك إفريقيا لاعتراف واعتذار من الدول المحتلة عما ارتكبته من جرائم لن يكون بمجرد سن قرار على مستوى الاتحاد القاري، إلا أن القرار يعني في الوقت ذاته أن الخطوة الأولى قد اتخذت للتأكيد أن جرائم الاستعمار لا تموت بالتقادم ولا وجود لتخلٍّ إفريقي عن محاسبة ومقاضاة مرتكبي هذه الجرائم والمطالبة بتعويض ضحاياها عما تعرضوا له من اعتداءات بشعة.












