امتلاكُ الأسلحة القوية يمنح الدولة مكانةً استراتيجية تجعل خصومها يُعيدون التفكير مليًا قبل الإقدام على أي خطوةٍ عدائيةٍ ضدها. وهل هناك ما هو أبلغ من السلاح ليكون مقياسًا للقوة ودليلًا على الاستقلال الوطني؟ هذا ما أدركته مبكرًا دولة الاحتلال حتى قبل قيامها، إذ وضع قادتها هذا الهدف في صلب خططهم للسيطرة على فلسطين.
ففي فترة الانتداب البريطاني، أي قبل قيام دولة الاحتلال عام 1948، بدأت منظمة الهاغاناه الصهيونية تصنيع أسلحة محلية بسيطة مثل البنادق اليدوية والعبوات الناسفة والذخيرة، داخل ورشة سرّية في كيبوتس يقع في مستوطنة رحوفوت القريبة من تل أبيب. كان ظاهر الكيبوتس زراعيًا، لكنه كان يُخفي تحت الأرض مصنعًا لتصنيع الأسلحة عُرف باسم "آيلون"، هدفه الأساسي تأمين السلاح للمليشيات اليهودية.
وبعد قيام دولة الاحتلال عام 1948، أُنشئت وزارة الأمن وهيئة الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وبدأ إنتاج الأسلحة التي تحتاجها الدولة الناشئة. واعتمدت إسرائيل في تلك الفترة جزئيًا على فرنسا لتوريد الطائرات والمعدات المتقدمة، مع العمل المتواصل على تطوير قدراتها الذاتية.
وفي أعقاب عام 1967، تأسست الشركات الدفاعية الرئيسية، وبدأ تصنيع الطائرات القتالية "كفير" والدبابات "ميركافا". ثم شهدت ثمانينيات القرن الماضي انتقال الصناعات الدفاعية الإسرائيلية من الأسلحة التقليدية إلى الأنظمة التكنولوجية المتقدمة، مثل الطائرات المسيَّرة "هيرون" و"هيرمس"، وأنظمة الدفاع الجوي "القبة الحديدية"، وصواريخ "حيتس"، ومنظومة الدفاع الصاروخي "مقلاع داوود"، إضافة إلى تكنولوجيا السايبر والمراقبة الإلكترونية.
أنظمة عسكرية متطورة
حرصت إسرائيل على بناء قدرات عسكرية ذاتية، نتيجة حروبها المتكررة مع دول الجوار. وقد استندت الصناعات الدفاعية الإسرائيلية بدرجة كبيرة إلى التكنولوجيا المتقدمة، حتى أصبحت اليوم من كبار مصدّري المعدات العسكرية في العالم.
فبين عامي 2020 و2024، صعدت إسرائيل إلى المرتبة الثامنة عالميًا في تصدير الأسلحة، مستحوذةً على نحو 3.1% من إجمالي صادرات السلاح في العالم. وتضم إسرائيل اليوم ثلاث شركات كبرى في مجال الصناعات الدفاعية هي: "رفائيل"، و"إلبيت"، والصناعات الجوية الإسرائيلية، وجميعها مدرجة ضمن قائمة أكبر مئة شركة عالمية لصناعة الأسلحة، وتشارك في عددٍ واسع من مشاريع التعاون والشراكات واتفاقيات التوريد مع شركات دولية رائدة.
أهم شركات الأسلحة والصناعات الدفاعية الإسرائيلية
شركة أنظمة "إلبيت" (Elbit Systems):
تُعد أكبر شركة إلكترونيات دفاعية خاصة في إسرائيل، وتقدّم مجموعة واسعة من المنتجات التكنولوجية المتقدمة، تشمل الطائرات من دون طيار، وأنظمة التحكّم عن بُعد، وأجهزة الرصد والاستشعار والمراقبة، ومحاكيات الطيران، إضافة إلى أنظمة الاتصالات العسكرية والملاحة. تعمل الشركة في مجالات تطوير وإنتاج الإلكترونيات العسكرية، والحرب الإلكترونية، والمدفعية الذكية، والأنظمة البرية والبحرية. تتمتع "إلبيت" بحضور عالمي واسع، إذ تمتلك فروعًا للتصنيع في أكثر من 30 دولة، من بينها الولايات المتحدة وأوروبا والهند وأستراليا وكندا، ويبلغ عدد موظفيها نحو 20 ألف موظف موزعين عبر القارات الخمس. يقع مقرها الرئيسي في مدينة حيفا، وقد حققت في السنوات الأخيرة أرباحًا وعقودًا ضخمة تعكس موقعها الريادي في سوق الصناعات الدفاعية العالمية.
الصناعات الجوية الإسرائيلية
تُعدّ إحدى أهم شركات السلاح والتكنولوجيا الدفاعية في إسرائيل وعلى الصعيد العالمي؛ شركةٌ حكومية ضخمة مملوكة للدولة ويقع مقرها قرب مطار بن غوريون، وتشرف عليها وزارة الأمن. لها مكاتب وفروع في أكثر من 20 دولة، وتصدر منتجاتها إلى أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية وإفريقيا. من أكبر عملائها: الهند، وأذربيجان، وألمانيا، وكوريا الجنوبية، والبرازيل، والولايات المتحدة. وبلغت إيراداتها السنوية في عام 2024 نحو 5–6 مليارات دولار، كما تُصدر أكثر من 66% من إنتاجها للخارج.
تُعتبر العمود الفقري للصناعات الدفاعية الإسرائيلية، وتغطي مجالات واسعة من التكنولوجيا العسكرية والفضائية، من بينها:
الطيران العسكري: تطوير وصيانة طائرات مقاتلة وتدريبية وطائرات نقل عسكرية، تحديث طائرات قديمة (مثل إف-16 وميغ-29) بتزويدها بأنظمة إلكترونية متقدمة، وإنتاج طائرات من دون طيار مثل "هيرون" و"إيتان" و"آي-بيرد" التي تستخدمها أكثر من 50 دولة.
الأنظمة الصاروخية والدفاع الجوي: شريك رئيسي في مشاريع لاعتراض الصواريخ الباليستية (بالتعاون مع الولايات المتحدة)، ويطوّر منظومات وصواريخ مثل باراك-8 للدفاع متوسط المدى، وصواريخ أرض-أرض دقيقة بعيدة المدى.
الأقمار الصناعية والفضاء: تطوير أقمار للتجسّس والاتصالات وبناء مركبات إطلاق صغيرة.
الأنظمة البحرية: تصميم وتطوير زوارق حربية وسفن صواريخ وأنظمة رادار بحرية وأنظمة دفاع ساحلي وصواريخ بحر-بحر.
الإلكترونيات والحرب السيبرانية: تطوير أنظمة مراقبة ورادارات واستخبارات إلكترونية، وحلول أمن سيبراني وأنظمة اتصالات متقدمة للقوات الجوية والبرية والبحرية.
"رفائيل" للأنظمة الدفاعية المتقدِّمة
شركة حكومية متخصّصة في تصنيع صواريخ الدفاع الجوي، وأنظمة الليزر والطاقة العالية، وأنظمة التسليح الدقيقة، بما في ذلك منظومات اعتراض الصواريخ مثل "القبة الحديدية"، ونظم الصواريخ الموجَّهة ومعدات الحرب الإلكترونية. كما تطوِّر الشركة منصات دفاعية متقدمة وصواريخ جو–أرض وصواريخ مضادة للدروع.
تمتلك "رفائيل" شراكات واسعة في الخارج، لا سيما مع شركات في الولايات المتحدة والهند، ولها حضور قوي في أوروبا عبر اتفاقيات ترخيص وإنتاج مشترك.
عشوت أشكلون
شركة متخصّصة في تصنيع التروس ونواقل الحركة المستخدمة في الدبابات والعربات المدرّعة، بالإضافة إلى محاور القيادة وأجزاء من محركات الطائرات، ومكوّنات خاصة بالمعدّات الثقيلة والصناعات الجوية. يقع مقرّها في مدينة أشكلون، ولها فرع في الولايات المتحدة.
شركة "بلاسان" للحماية المدرّعة
شركة إسرائيلية متخصّصة في تصفيح وتدريع مركبات النقل والمركبات القتالية، حيث تصنّع مقصورات ودروعًا لكبائن المركبات العسكرية وسيارات النقل، وتوفّر حماية من الألغام والانفجارات. كما تنتج دروع حماية للطائرات والسفن، ومقاعد مخفِّضة للطاقة وأنظمة داخلية تقلّل من إصابات الطاقم عند حدوث انفجار. تمتاز المركبات التي تصنعها بخفّة الوزن وارتفاع مستوى الحماية وقدرتها على الصمود لفترات طويلة.
تُضيف الشركة أنظمة الحماية للمركبات عبر تركيب دائم أو مؤقت، ويقع مقرّها في كيبوتس ساسا، ولها فروع في الولايات المتحدة وفرنسا، إلى جانب مواقع تجميع في عدد من الدول الأخرى.
مجموعة "أوردان" للصناعات المعدنية والصلب
مجموعة صناعية إسرائيلية متخصّصة في إنتاج القطع المعدنية الثقيلة والمصبوبات الفولاذية المستخدمة في صناعة هياكل الدبابات وأبراجها، إضافةً إلى مكوّنات هياكل المركبات المدرّعة وأنظمة التعليق — وهي الأجزاء الميكانيكية التي تربط هيكل المركبة العسكرية بالعجلات أو بالجنزير وتتحكّم في امتصاص الصدمات وتوزيع الوزن أثناء الحركة في التضاريس الوعرة.
تُعدّ المجموعة من المورّدين الاستراتيجيين الرئيسيين لصناعة المدرّعات في إسرائيل، ويرتكز نشاطها التصنيعي داخل البلاد لتلبية احتياجات الجيش، مع اعتمادها على التصدير والعقود المباشرة بدلًا من إنشاء فروع خارجية.
شركات دفاعية مملوكة لإسرائيل في الخارج
تمتلك العديد من شركات الأسلحة الإسرائيلية مصانع وفروعًا خارج البلاد، في الولايات المتحدة ودول أوروبية وآسيوية وأميركا اللاتينية. يهدف تواجد هذه الشركات في الخارج إلى تعزيز مكانتها في السوق العالمية، والاستفادة من الأسواق والخبرات المحلية، وتجاوز القيود المحتملة على التصدير المباشر من إسرائيل.
تدير بعض الشركات مواقع إنتاج أو خطوط تجميع في دول أخرى لأسباب تجارية، فيما يقتصر حضور شركات أخرى على مكاتب مبيعات ومراكز بحث وتطوير، أو على شركات مسجلة رسميًا في دول معينة لكنها مملوكة جزئيًا أو كليًا لشركة إسرائيلية أم، بهدف تسهيل التعامل التجاري محليًا وتجنّب قيود قانونية أو جمركية، أو المشاركة في مناقصات حكومية لا تُفتح عادةً أمام شركات أجنبية.
تعتمد الشركات الدفاعية الإسرائيلية عدة منهجيات لتعزيز تواجدها الخارجي، أبرزها:
إنشاء شركات فرعية مملوكة بالكامل لها في دول أخرى أو الاستحواذ على شركات دفاعية قائمة، ما يتيح لها التصنيع والبيع مباشرة في تلك الدول.
الدخول في شراكات مع شركات دفاعية عالمية (أمريكية، أوروبية، آسيوية) للمساهمة في تطوير وإنتاج تقنيات وأنظمة مشتركة، كما في شراكة "رفائيل" مع شركة "Raytheon" الأميركية في بعض مشاريع الدفاع الصاروخي.
منح تراخيص لشركات محلية في دول أخرى لإنتاج أسلحة وذخائر مُصمَّمة في إسرائيل.
تمنح هذه الاستراتيجيات الشركات الإسرائيلية مرونة أكبر في الوصول إلى الأسواق العالمية، وتقلّل من المخاطر المرتبطة بتقلبات السياسة والقيود على صادرات الأسلحة من البلاد.
المركبات العسكرية الإسرائيلية
تُصنّع إسرائيل مركباتٍ عسكريةٍ ثقيلة ومدرّعات من قبيل دبابات وناقلات جنود مدرّعة ومركبات قتالية أخرى تشكّل أساس العمليات البرية لجيش الاحتلال. تُنتَج أجزاء كبيرة من هذه المركبات محليًا بواسطة شركات الدفاع ومصانع تابعة لوزارة الأمن، فيما تبرم الوزارة عقودًا لتوريد بعض القطع من شركات أجنبية أو لتجميع المركبات في الخارج. كما تصدّر إسرائيل أنظمة حماية ومعالجات إلكترونية مرتبطة بهذه المركبات.
تضع وزارة الأمن المواصفات والمتطلبات، وتوفّر التمويل لتصنيع المركبات، وتدير سياسات التصنيع والدعم. وتتولى مديرية المركبات المدرّعة والهيئات العسكرية المختصة عملية التجميع النهائي وإجراء الاختبارات اللازمة، والإشراف على التكامل الفني بين أنظمة المركبة (المدفع، الدرع، الإلكترونيات، المحرك.. إلخ)، وتجهيز المركبات وتسليمها للجيش، بالإضافة إلى صيانتها وتطويرها.
تشارك شركات مثل "رفائيل" و"إلبيت" و"بلاسان" في تصنيع أجزاء المركبات وتجميعها، فتنتج الهياكل والمحركات وناقلات الحركة وقطع الغيار والتدريع وأنظمة الحماية من الألغام والانفجارات، إلى جانب إلكترونيات القتال وأنظمة السيطرة على النيران والتحكّم في الأبراج وأنظمة القيادة عن بُعد والرؤية الليلية.
في المقابل، تتعاقد وزارة الأمن للحصول على بعض المكونات الثقيلة (كالمحركات) مع شركات أجنبية من الولايات المتحدة وألمانيا. فعلى سبيل المثال، تُنتَج أكثر من 90% من مكونات دبابة "ميركافا" محليًا عبر تعاون بين مؤسسات حكومية وشركات خاصة (منها التصميم والهياكل المدرّعة والتدريع الإضافي والإلكترونيات ونظام إدارة المعركة والمدفع ونظام الحماية النشط)، بينما تُستورد المكونات الميكانيكية الثقيلة مثل المحرك وناقل الحركة من الخارج.
وتُصنّع إسرائيل طيفًا واسعًا من المركبات العسكرية: دبابات مثل "ميركافا"، وناقلات جنود مدرّعة ثقيلة مثل "النمر"، ومنصّات عجلات مثل "إيتان"، ومركبات هندسية كالجرّافات D9، ومركبات خفيفة مُصفّحة مثل "الذئب"، إلى جانب أنظمة مدفعية ومركبات دعم القتال.
تكنولوجيا المراقبة الإسرائيلية
تُواصل إسرائيل تصنيع وتطوير أنظمة التجسّس والمراقبة المتقدّمة، لا سيما في مجال التجسّس السيبراني، عبر مجموعة كبيرة من الشركات الخاصة والعامة. وبعد موافقة وزارة الأمن، تبيع هذه الشركات أنظمتها لحكومات ووكالات استخبارات حول العالم.
تشمل هذه التقنيات: كاميرات مراقبة ذكية وبرامج ذكاء اصطناعي للتعرّف على الوجوه وتحليل الفيديو، وأنظمة اعتراض الاتصالات وتحليل البيانات، وأدوات لاستخراج بيانات الهواتف والأجهزة المحمولة حتى المقفلة، ورادارات وحساسات جوية وبحرية، وأنظمة اتصالات واستخبارات إشعاعية، وطائرات من دون طيار وأنظمة مراقبة جوية وفضائية.
تُستخدم هذه الوسائل من قبل الأجهزة الأمنية والجيش في مهام استخبارية وأمنية تهدف إلى إحكام السيطرة وترسيخ التفوق الاستخباراتي، وجمع معلومات عن خصوم يُنظر إليهم كتهديد، مثل فصائل المقاومة في غزة ولبنان وإيران.
تشمل تكنولوجيا المراقبة الإسرائيلية برمجيات تجسّس متقدمة — على غرار برنامج "بيغاسوس" — الذي يمكّن من اختراق الهواتف الذكية عن بُعد والاطلاع على الرسائل والمكالمات والوصول إلى الميكروفون والكاميرا وتتبع الموقع وسجل التصفح. استُخدم هذا النوع من البرمجيات لاستهداف صحفيين ونشطاء حقوقيين وشخصيات سياسية.
كما تضمّ الأنظمة شبكات مراقبة بيومترية واسعة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تُوظَّف في الحواجز ونقاط التفتيش لمسح الوجوه وتخزينها في قواعد بيانات ضخمة تُصنّف وتُتبع، ما يؤدي إلى تضييق حرية الحركة وفرض مراقبة مستمرة على السكان الفلسطينيين. وتستخدم القوات بيانات الذكاء الاصطناعي لمعالجة الكميات الهائلة من المعلومات، ما يسهل مراقبة الأفراد واستخلاص استنتاجات قد تُؤدّي إلى تجريمهم حتى في غياب أدلة كافية.
إضافة إلى ذلك، تعتمد المنظومة الاستخباراتية الإسرائيلية على أقمار تجسّس صناعية، مثل سلسلة أقمار "أوفيك"، لجمع معلومات إقليمية، لا سيما لمراقبة الأنشطة الإيرانية، وهي جزء محوري من بنية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
تطوير الأسلحة ومبدأ التفوق التكنولوجي
تتولى عملية تطوير الأسلحة والبرامج الدفاعية في دولة الاحتلال مؤسستان حكوميتان: وزارة الأمن التي تضع المتطلبات العسكرية والاستراتيجية وتخصص الميزانيات وتدير برامج التطوير، ومديرية البحث والتطوير التي تُعد الذراعَ الفعليةَ للتنفيذ. تُعتبر المديرية جهازًا إداريًا مشتركًا بين وزارة الأمن والجيش، وتنسّق بين الاحتياجات العملياتية للجيش وقدرات الصناعات العسكرية والأوساط الأكاديمية.
تشمل مهام مديرية البحث والتطوير تطوير مشاريع في مجالات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي والروبوتات والأنظمة الذاتية والسيبرانية والليزر عالي الطاقة وأنظمة الصواريخ، وغيرها. وهي مبتكرة أنظمة دفاعية متقدمة معروفة عالميًا مثل "القبة الحديدية" و"مقلاع داوود". كما تمهّد المديرية البنية التحتية العلمية والتكنولوجية اللازمة للبحث والتطوير طويل المدى، من إنشاء مرافق إلى إجراء اختبارات، بهدف ضمان قدرة إسرائيل على تطوير أسلحة تعزّز قوة جيشها وتحافظ على تفوقه النوعي إقليميًا.
إلى جانب وزارتَي الأمن والبحث والتطوير، تشارك وحدات استخباراتية (مثل الوحدة 8200) في تطوير تقنيات التجسّس السيبراني والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، وتنقل هذه الخبرات إلى شركات عامة وخاصة للتسويق. كما تُساهم مراكز أبحاث أكاديمية ومعاهد مثل جامعة بن غوريون ومعهد وايزمان وجامعة تل أبيب والجامعة العبرية والتخنيون في الابتكار الدفاعي، وتُشكّل مع المؤسسات العسكرية علاقة تكاملية محكمة.
تُشكّل هذه العناصر معًا "النظام البيئي للابتكار الدفاعي الإسرائيلي": وزارة الأمن ومديرية البحث والتطوير تحددان الأولويات، والجامعات تنتج الأبحاث، والشركات الدفاعية مثل "رفائيل" و"إلبيت" تحول النتائج إلى نظم قتالية وتُجري التجارب الميدانية. كما تبرز شبكة واسعة من الشركات الناشئة والمختبرات الخاصة العاملة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والحسّاسات والطائرات من دون طيار، والتي تُدمَج بسرعة في برامج الجيش.
أسلحة تُختبر ميدانيًا
تُجرى اختبارات أولية للأسلحة في مواقع داخلية لشركات التصنيع ووزارة الأمن، لكن تقارير عديدة تشير إلى أن إسرائيل تختبر أسلحتها الجديدة والمطورة ميدانيًا، مثل الأنظمة التكنولوجية المتقدمة كالذكاء الاصطناعي، وقذائف الفسفور الأبيض، وقذائف المدفعية ذات التأثير الحارق، وأنواع من الذخائر والقنابل الثقيلة، في مناطق النزاع الفعلي مثل قطاع غزة. تُستخدم هذه المناطق كـ"حقل تجارب" على المدنيين الفلسطينيين قبل انتشار الأسلحة أو تصديرها، ما يُعتبر انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
الصحفي اليهودي الأسترالي-الألماني المناهض للصهيونية، أنتوني لوينشتاين، وثّق في كتابه "مختبر فلسطين: كيف تصدّر إسرائيل تكنولوجيا الاحتلال حول العالم؟" استخدام فلسطين كساحة اختبار للأسلحة الإسرائيلية، وأنتج أيضًا فيلمًا وثائقيًا من حلقتين على قناة الجزيرة الإنجليزية حول الموضوع نفسه.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن استخدام مناطق مأهولة بالسكان لاختبار أسلحة جديدة يتعارض مع المبادئ الأساسية للأخلاق الحربية والقانون الدولي الإنساني، ما يعرضها لانتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي.
تثير الاختبارات الميدانية للتقنيات العسكرية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي مخاوف إضافية، بسبب اعتمادها على بيانات غير دقيقة لتحديد الأهداف، واستخدام أدوات رقمية لاتخاذ قرارات هجومية شبه ذاتية، ما يزيد من احتمالية استهداف المدنيين. هذا يطرح تساؤلات أخلاقية جوهرية، إذ تُوكل آلة خوارزمية اتخاذ قرار الحياة أو الموت، ما قد يقوّض مبدأ السيطرة البشرية على استخدام القوة، وهو مبدأ محوري في القانون الإنساني الدولي. لذا تدعو اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى حظر جزئي وتنظيم صارم لهذا النوع من الأسلحة لتوفير حماية قانونية وأخلاقية للمدنيين.
تنتهج الشركات الدفاعية الإسرائيلية استراتيجية تسويق تعتمد على التجربة الميدانية والتفوق التكنولوجي، حيث يُعتبر شعار "مُجربة في المعركة" (Battle-Tested) حجر الأساس في التسويق العالمي لهذه الصناعات. العديد من التقارير الحقوقية والصحفية توثق كيف تختبر هذه الشركات أسلحتها على المدنيين الفلسطينيين قبل التسويق لاحقًا، وتُبرز ذلك علنًا في المعارض الدولية مثل (IDEX) في أبوظبي، و(Eurosatory) و(Paris Air Show) في فرنسا.
ويتفاخر مسؤولون إسرائيليون بأن زيادة صادرات الأسلحة هي نتيجة مباشرة لنجاحات الجيش الإسرائيلي في العمليات القتالية. فقد أعلنت وزارة الأمن الإسرائيلية أن صادراتها الدفاعية في عام 2024 بلغت حوالي 14.795 مليار دولار، بزيادة أكثر من 13% عن العام السابق، وأكثر من نصف الصفقات تجاوزت قيمتها 100 مليون دولار لكل صفقة. وأكد البيان أن الطلب العالمي على أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الإسرائيلية يعكس نجاحها المثبت في ساحات القتال.
وعلّق وزير الأمن يسرايل كاتس على هذه النتائج، واصفًا الإنجاز بأنه هائل، وأرجع الزيادة إلى نجاح الجيش الإسرائيلي والصناعات الدفاعية ضد حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن. فيما أشار مدير مديرية التعاون الدفاعي الدولي يائير كولاس إلى أن الرقم القياسي الجديد يعكس التقدير العالمي المتزايد للقدرات المثبتة للتكنولوجيا الإسرائيلية، التي جُرّبت على أرض الواقع.
إسرائيل وصناعة الأسلحة: في ميزان الأخلاق والقوانين الدولية
تُعتبر الأسلحة الإسرائيلية من منظور أخلاقي وإنساني منتجات مُدانة أخلاقيًا؛ إذ طُوّرت وسُوِّقت بطريقة تستغل المعاناة البشرية والتدمير كميزة تجارية لتعزيز مبيعاتها وزيادة الأرباح. كما تنتهك هذه الأسلحة القانون الدولي الإنساني عبر تنفيذ عمليات عسكرية تستهدف المدنيين الخاضعين للاحتلال القسري، وتدمّر البنية التحتية المدنية، ما يمثل انتهاكًا صارخًا للكرامة الإنسانية والأخلاق.
وأشارت مقررة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، في تقريرها بعنوان "من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية" إلى أن الشركات تستفيد من السماح باختبار منتجاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ثم تبني استراتيجياتها التسويقية على أساس الضرر الذي تسببت فيه هذه الأسلحة، تحت وصف "تم تجربتها في القتال". ويركّز التقرير على الدور الاقتصادي للشركات الخاصة في دعم وإدامة نظام الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وما تحوّل إلى اقتصاد قائم على الإبادة الجماعية، مع مؤشرات على ارتكاب جرائم بموجب القانون الدولي، مثل جرائم الفصل العنصري، والتهجير القسري، وتجريد السكان من حقوقهم، وتصعيد نحو الإبادة الجماعية.
ودعت منظمة العفو الدولية في تقريرها بعنوان "تأجيج النزاع: إمدادات الأسلحة الأجنبية إلى إسرائيل-غزة" إلى وقف توريد الأسلحة إلى إسرائيل، نظرًا لما يشكله هذا من خطر واضح بأن تُستخدم هذه الأسلحة لانتهاك القانون الدولي، مشيرة إلى أنها غالبًا ما تُسوّق على أنها مُجربة بشكل مكثف في الميدان. كما شددت على أن الشركات تستفيد من الصراع لتعزيز مبيعاتها.
وبالتالي، فإن أي دولة تستورد هذه الأسلحة تكون معرضة لخطر التواطؤ الأخلاقي والقانوني في الانتهاكات المستقبلية، أو في استمرار دعم نظام الاحتلال الذي يتيح هذه "الخبرة القتالية".











