المكان: طاولةٌ عليها الكثير من صنوف الشراب والمقبّلات بحانةِ الماسونيين في مدينة "هولبورن" الإنجليزية. على رأس الطاولة يجلس رجل إنجليزيّ ينادونه قائدًا لنادي "بارنز" الإنجليزي، يدعى "إبنيزر كوب مورلي"، ببذلته الداكنة وجسده الرياضيِّ، وسيجاره المفتول العضلات، رفقة ممثلين من كبار الأندية الإنجليزية مثل: "بلاكهيث"، و"بيرسيفال هاوس"، و"مدرسة كينسينغتون"، و"كريستال بالاس"، و"فورست"، و"شيفيلد فوتبول".
خطة "مورلي" كانت واضحة منذ البداية: "لقد أتينا إلى هنا من أجل تنظيم عمل الأندية، وضبط قواعد اللعبة بحيث يُسمح بتداولها على مستوى العالم"؛ وبعد الكثير من المناقشات، خلص الاجتماع إلى تنفيذ عدةِ مفاهيم أهمها تأسيس اتحاد كرة القدم (FA)، ليكون المظلةَ التي تعمل من خلالها الأندية، مع شغل “مورلي” لمنصب الأمين العام، كما تضمنت المسودة الأصلية للاتحاد "23" قانونًا يشكلون النواة الأولى لقواعد كرة القدم.
كانت ليلةً تاريخيَّةً وهامةً بلا شك لكل عشاق اللعبة، ولكن مع بداية موسم كروي جديد، وتراجع أهمية اللعبة وسط الأهوال التي يعيشها أهلنا في فلسطين المحتلة، ولبنان، واليمن، والسودان، وسوريا، ومعظم أقطار العرب، المحتلة أيضًا، أو المريضة بالاستبداد في أبسط المسميات؛ طرح المشجعون سؤالًا هامًا: ماذا لو لم يتوصل ممثلو الأندية إلى اتفاق مع مورلي، وبناء عليه، اختفت كرة القدم من حياتنا تمامًا؟
معارك بلا دماء
كرة القدم تشبه الحياة بشكل كبير، كلتاهما مدوّرتان، وكلتاهما على قلق كأن الريح لم يفارق الأضلع والجوانح وجنبات الملعب، وكلتاهما لا تمتان للعدالة بصلة، إضافةً إلى انسجامهما الرهيب مع الخرافات والآمال والضغائن والخبث. الفارق الوحيد أن الحياة تسيل فيها الدماء لأسباب كثيرة" الأديان، الأعراق، الثقافات، الفلكلور. أما كرة القدم، فتقدم بديلًا آمنًا للجميع، الكل يلعب ويئن ويشجب ويتصارع ويتصادم: "وفي النهاية يبقى الجميع بصحة جيدة"، على حد تعبير الشاعر تميم البرغوثي في حفل ختام كأس العالم بقطر.
لقد كانت الإنسانية دائمًا في حالة حرب؛ حرب أصّلت داخلنا جزءًا بدائيًا ومندفعًا لدرجة أننا، نحن أصحاب الثورة التكنولوجية والمجتمع الحديث، لم نعد نعي أنه موجود حقًا، وهكذا وُلِدت كرة القدم، من مزاجات البشر، من أحلامهم وسقطات التاريخ، واحتياجهم للصراخ والهتاف في المدرجات كبديل آمن للكبت الجاثم على الصدور، الكبت الرأسمالي والسياسي والعسكري، الاحتلال والاستبداد والفقر. وبينما تتجول الكرة على أرض الملعب، نُحملها الدلالات والقضايا والهموم المُعلقة:
الكابتن بشارة القيادة، واللاعبون بما وجدوا عليه آبائهم من صراخ و"هبد" على الشعارات والصدور، (الهبد) كمصدر أولي من مصادر الإلهام والأمل. وعلى الهامش يوجد المدير الفني، الجنرال وصاحب الضربة الأولى. من هو المرجع في كل ذلك؟ هو الله في الأديان والعقائد، وهي "اتفاقيات جنيف" لدى رأس المال وتجار الحروب، وهو الفيفا في كرة القدم.
ثم إنها استبدلت الصراعات التقليدية في كل شيء، حتى في انحيازات البشر وتوجهاتهم ومُثُلهم العليا، فبينما كان المحاربون العظام قديمًا هم نجوم المجتمع، الذين يتقاضون أجورًا مرتفعة، وكان الجنرالات هم أصحاب الكلمة العليا. أما اليوم، فقد استبدل اللاعب كل ذلك، وأصبحوا نجوم المجتمع فعلًا، أرأيتَ خالد بن الوليد مرتديًا قمصانًا فضفاضة وسراويل ضيقة، وساعات رولكس "ديت جست" كلاسيكية الهوى والهوية، يدخن السيجار الكوبي في سيارته اللامبورجيني الفارهة، ويغني في "الكورفا" كعاشق ولهان؟
أو تخيل هذا المنظر: يوليوس قيصر، العسكري البارع الذي نجح بفضل عبقريته في بسط نفوذه على ثلثي العالم، يعود مظفرًا على صهوة جواده بعد حملة عسكرية ناجحة، حاملًا غنائمه من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة، وطائفًا في شوارع روما بين هتافات المشجعين وسيوف الجند ودمعات الثكالى. أو، حسنًا، لا داعي للتخيل، فقط انظر إلى شكل احتفالات "بيب غوارديولا" بعد كل نصر مؤزر، وستعرف بالتبعية كيف كان شكل يوليوس قيصر وخالد بن الوليد، وكل هؤلاء القادة الذكور.
إنها لعبة معقدة، تحمل العديد من التشابهات مع الحياة اليومية، ففيها يمكنك أن تعمل ضمن مجموعة واضحة المعالم، وأن تقدم التضحيات على صخرة "الكورفا" المقدسة، وأن تتحمل المسؤولية، وتتعلم معنى الإيثار، وأن تلتزم بالقواعد الموضوعة سلفًا من أناس غيرك، القانون الذي هو أصل الدول الحديثة.
الأخطاء: إنها لبُّ الإنسانية، تلك النشوة الغير معلنة إن ارتكبت خطئًا في غفلة من حكم المباراة، مثلها مثل شرب أول كأس نبيذ مفعم بالحيوية، أو تدخين أول سيجارة في بار الأصدقاء. حسنًا، ستعود إلى المنزل في الرابعة فجرًا، تلوك علكة بطعم النعناع كإجراء احترازي ضد حاسة شم والدتك، وفي غفلة من حراس الليل، ستنسحب ببطئ إلى غرفتك، مغلقًا عليك بابك وخزائن أسرارك، ستفعلها مرةً تلو أخرى في نشوة شديدة، لماذا؟ لأن خطتك نجحت في ذر الرماد في العيون، ولكن عندما تقع الفأس في الرأس، سيتعامل والدك مع الموقف بنفس أسلوب حكم المباراة، سيُحذرك أولًا، قبل أن يطردك من (البيت)، أو (الملعب)، أو (الجنة)، للأبد.. شيطان رجيم غير مأسوف عليك.
الأهداف: الملعب دائرةٌ، والهدف هو الفاصلُ بين البدءِ وبين البدءِ، هو أول الغيث، وأمل اللاعب في لمعان اسمه، وزيادة راتبه، وأمل الجماهير في الانتصار ودحر الأعداء. الهدف هو قِبلة المارقين، قُبلة خافتة وشقية وبعيدة المنال، إلا من أتى اللعبة بقلب سليم، هو بذل النفس من أجل رخاء المجموعة وإرضاء الجماهير، والأنانية في أقصى اتساعٍ لها.
التسلل: فقط عندما تعتقد أنك قد نجحت فعلًا، سيرتفع هذا العلم المزعج، تاركًا في نفسك حالة من الشك والهلع. الحياة تحب لحظات التسلل أيضًا، تلك الفرص التي تبدو وكأنها في توقيت مثالي، قبل أن يمنحك الواقع بطاقة صفراء.
الوقت بدل الضائع: الحياة في أكثر صورها تجردًا، مثلُه ككل الأفكار والآراء والعقائد، نعمة للخاسر، ونقمة على المنتصر، ومجردٌ من أي معنى للمتعادلين، جميلٌ مثل فرحة عين طفلٍ، مرير كالمذلة فى العيونِ، والأهم؛ أنه الضامن الوحيد لإنهاء الجولة الحالية.
الكفاءة: أولئك الذين يلعبون بشكل أفضل، هم الذين سيكسبون المزيد من المباريات؛ تلك جملة منقوصة العقل، وغير حقيقية تمامًا، ولا تليق إلا بمحاضرات "تنمية بشرية" عديمة التأصيل العلمي، نعم؛ فالأفضلية والكفاءة أمور ليس لها تعريف، والمدرب المسؤول عن اختيار التشكيل هو مجرد إنسان له انحيازاته الفكرية، ورغمًا عنه؛ ستطفح تلك الانحيازات على اختياراته، تمامًا مثلما طفحت على مدرب قطاع الناشئين في البداية، واختار هذا اللاعب تحديدًا دونًا عن بقية زملائه، لزرقة عينيه أو لشعوره بأنه (واد جدع وييجي منه)، فلا تغرنك ابتسامة المدير الفني عندما يبكي أمام الشاشات قائلا إنه انتصر لأنه "بيراعي ربنا في اختياراته"، لأن الحياة بها الكثير من العشوائية والانحيازات العاطفية والخداع.
الجماهير:
وجاءني عن لاعب، ثم لاعب، ثم آخر، محطم هزيل، مطحون بين هتافات الجماهير، وبين التمجيد والسباب ومقاصل القيصر وحلم الاحتراف.
الجمهور، حسنًا؛ أحبُّهُم/ أريدُهُم جانبي دائمًا/ أمقُتُهُم ولا أريدُهُم هُنا في الطريق/ تعجبُني ملامحهُم/ أنظرُ إليها بشغفٍ وقداسةٍ خاصة/ وأبصقُ على الأرضِ كلّما شممْتُ رائحتَهم.
هم منفايَ ورؤيايَ وحلمي، كابوسٌ أعيشُهُ كُلَّ ليلة، ووجهُ النبيِّ مجسدًا في السّماء، هُم قيمتي وسمائي وأرضي ودمي المنثورُ فوقَ الرُّبى، حياتي وموتي وصمْتي، بُكائي وأفقي وعيني التي لا تستريح، روحي وشرياني ووجعي.
وجعي
ووجعي
هُم هكذا
وهكذا أنا
لا أتنَسَّمُ هواءَ الربيعِ مع الحقول
ولا أري شهبًا في صدرِ السماءِ تشُقُّها وتحيي رائحةَ الحياةِ في صدرِ البشر
مسافرٌ وحيدٌ
هذا نصيبي،
وذاكَ القدر،
"ولكنِّي تعبتُ من السفر".
ستسيلُ الدماء
في مقاله "البديل الأخلاقي للحرب"؛ يرى عالم النفس الأميركي وليام جيمس أن التاريخ الإنساني كله عبارة عن "حمام من الدماء"، والحرب هي التجلي الأكبر لتلك الدماء المُسالة بلا سبب، ملمسها ورائحتها التي يرثها الإنسان ذرية عن بعض، ويُسلم رايتها لمن سيأتي بعده، ولذلك؛ فإن أي محاولة لإظهار الرعب من الحرب تفشل عادةً، ولا تؤثر على مسار الحرب نفسها بأي شكل من الأشكال، لأن الرعب هو الذي يصنع السحر، وفي السحر تكمن الحياة والمعنى؛ ولذلك أيضًا؛ فضرائب الحرب هي الشيء الوحيد الذي لا يتردد الإنسان في دفعه، بالطبع كما تظهر لنا ميزانيات جميع الدول الحديثة.
كما أن للحرب انعكاسات نفسية إيجابية على المجتمعات، ففيها يرتبط الناس ببعضهم البعض، ويتصرفون بشكل غير أناني من أجل المصالح العامة، وهذا يغذي من شعور الفرد بأنه لايزال على قيد الحياة، وأنه أكثر انتباهًا ويقظة، ما يمنحه معنًى وهدفًا يتجاوز رتابة الحياة اليومية، وتلك الحالة هي الأزمة التي لم يفهمها أنصار السلمية، فطالما لا يقترح المناهضون للعسكرة بديلًا عن الوظيفة التأديبية للحرب، فإنهم يفشلون تلقائيًا في إدراك جوهر الموقف بالكامل، وتصبح اليوتوبيا التي يرسمونها ضعيفة ومروضة إلى الحد الذي يجعلها غير قادرة على التأثير على العقلية العسكرية (ولذلك فالسلمية عند تولستوي هي الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة، لأنها مؤيدة للحرب بكل تناقضاتها)، ولذلك أيضًا، فالإنسان الحديث يجد نفسه مجبولًا على إيجاد نشاط يحتوي على نفس التأثيرات النفسية والاجتماعية الإيجابية للحرب، لكنه لا ينطوي على ما تشعله من دمار وخراب وخسارة في الأموال.
وبناءً على ذلك، تصبح كرة القدم حتمية تاريخية، فإن اختفت لأي سبب كان، فلن ينفك العالم من البحث والتجريب حتى يخلق لنفسه بديلًا يحمل نفس الخصائص، من شحذ الهمم، ورفع مستويات الأدرينالين بشكل غير مسبوق، وتجميع البشر في سلة واحدة يسهل على القائد ترويضها، وبما أن قادة هذا العصر هم رجال المال والبيزنس والحُمص والزعتر المسروق والبيوت والأراضي المسروقة، وفي ذلك إشارة واضحة للصهيونية. إذن، فأسهل الطرق لكسب المزيد من المال، هو إقناع قطيع بشري ما بأن هناك كيان "اعتباري" ما، يتجاوز الحدود، ويعبر عنهم، ويقاتل في سبيلهم، وبدلًا من إراقة المزيد من الدماء بلا طائل أو مكسب، يمكننا الاستفادة من أصحابها في بيع المزيد من الوهم للعالم.
هو نفس المنطق البشري الذي أجج وشَرعَن وجود الدول والحدود والأعراق والأديان والقوميات والجيوش، وكل أشكال "الهبل" و"البارادوكس" الإنساني، فكل تلك الأفكار بدأت بمجموعة بشرية سئمت من حياتها البائسة، وتقاطعت أحلامها مع وجود "أخ كبير" يملك من السلطة والنرجسية والطموح الكولونيالي ما يمكنه من إقناع المجموعة بأنهم يدافعون عن شيء "يملكونه" خصيصًا، بلا أي مبرر منطقي أو أخلاقي، وهكذا تبدأ الأفكار في الدوران والتشظي والنمو، ساعات انكسار وساعات نصر، وباختلاف رؤية "الأخ الكبير" لما يعنيه النصر، يختلف مفهوم المعارك.
فإن كان جنرالًا عتيدًا دمويًا؛ إذن فهي الحرب المُجلية، وإن كان رأسماليًا ولد ونشأ في عالم زُهْد سفك الدماء، إلا لو كانت دماءً فلسطينية أو سورية أو لبنانية أو شرق أوسطية بشكل عام. إذن، فهي "كرة القدم"، وهكذا يستمر كاتب التاريخ في وضع النقاط على الحروف: الجماهير تستند على نصرها المؤزر وابتسامات القائد في تمرير حياتها الروتينية المملة، والقائد يحصي غنائمه، و"ليبقَ كلٌّ في مكانه".