ألقى رجل الأعمال الأميركي بيتر ثيل، مؤسس شركة "Palantir Technologies Inc" (بالانتير تكنولوجيز)، سلسلةً من أربع محاضرات عن "المسيح الدجال" خلال جولة شملت أربع مدن كبرى. فبعد أن ألقاها في سان فرانسيسكو خلال أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر الماضيين، أعاد تقديمها في مدينتي كامبريدج وباريس، قبل أن يختتم جولته في روما.
قُدّمت هذه المحاضرات بشكل حصري إلى عدد محدود من الحضور، ومُنع نقلها أو تسجيلها بأي طريقة ممكنة، لذلك حرصت كل مؤسسة استضافت ثيل على انتقاء جمهورها بعناية شديدة، ودعوته بشكل شخصي، إذ وصل سعر التذكرة الواحدة إلى 200 دولار للفرد. ورغم ذلك، استطاع أحد الحضور تسجيل المحاضرات كاملة ونشرها في الصحافة لاحقًا.
وفي هذه المحاضرات، قدّم ثيل نفسه للجمهور بأنه "مسيحي أصولي" (Small-o Orthodox Christian)، أي إنه يؤمن بالنبوءة الإسكاتولوجية التي تُخبر بقدوم المسيح الدجال، "عدو المسيح"، قبل أن تندلع بعدها مباشرةً معارك آخر الزمان. لكنه يعيد تأويل أسطورة المسيح الدجال الكتابية بطريقة معاصرة تمامًا. ويقول: "يعتقد البعض أن التعريف الأساسي لعدو المسيح (Antichrist) يصدُق على شخص شرير للغاية، وأحيانًا يُستخدم التعريف بصورة أكثر عمومية، ليُعبّر روحيًا عن قوى الشر، لكن ما سأركز عليه هنا هو التعريف الأكثر شيوعًا والأكثر دراماتيكية للمسيح الدجال: الملك الشرير، أو الطاغية، أو المسيح الدجال الذي يظهر في آخر الزمان".
لكن ما مقصد ثيل وتأويله المعاصر للمسيح الدجال؟ وما الذي يعنينا في نقده؟ وما هي أهم المصادر التي يعتمد عليها؟
المعرفة المتزايدة ونبوءة دانيال
يقتبس ثيل من الكتاب المقدس، وتحديدًا من العهد القديم، من "سفر دانيال، الإصحاح 12، الآية 4"، التي تقول: "كثيرون سيترددون جيئة وذهابًا والمعرفة ستزداد". ويتوقف عند عبارة "المعرفة تزداد"، معتبرًا أنها علامة مميزة لعصرنا؛ فالعلم يتقدم، والتكنولوجيا تتحسن، والعولمة تتكثف، ويتمكن الناس من السفر إلى كل مكان في العالم، وبذلك يصبح عصرنا مشابهًا لمسرح الأحداث الذي ستتحقق فيه نبوءة دانيال.
يعتبر ثيل أن ازدياد المعرفة سيُقابله عدو خطير جدًا، وهذا العدو سيخبر العامة بأن العلم والتكنولوجيا سيؤديان حتمًا إلى الهلاك، وسيُعيد تكرار "هرمجدون" على أسماعهم مرارًا وتكرارًا. وفي النهاية سيخيّرهم بين العلم والهلاك، أو تقييد المعرفة المتزايدة، وعلى إثره يتم تقييد التكنولوجيا. ففي القرن السابع عشر أو الثامن عشر، توقّع البشر أن يكون المسيح الدجال هو ذلك العالم الذي يبدو مدهوشًا بالعلم، ويريد إيقاف الممارسات والتقاليد الدينية. أما في القرن الحادي والعشرين، فإن المسيح الدجال هو شخص يريد إيقاف مسار العلم تمامًا، ووضع قيود تعرقل أي تطور يطرأ عليه، سواء في مجال الذكاء الاصطناعي أو التعديل الجيني والوراثي، وغيرها من المجالات التكنولوجية.
وبذلك تُصبح شخصيات مثل الناشطة جريتا ثونبرغ، والباحث أليعازر يادكوفسكي، نماذج معاصرة لذلك المسيح الدجال المنتظر. فبينما تُحذّر ثونبرغ من مخاطر تدمير المناخ والتلوث، وتدافع عن تشديدات قانونية ومالية ضد الملوثين للبيئة، فإن يادكوفسكي يُحارب التقدم في أبحاث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وخصوصًا في كتابه الأخير "If Anyone Builds It, Everyone Dies" ("إذا بناه أحد، فسيموت الجميع")، الذي يطالب فيه بوضع قيود وتشديدات قانونية وسياسية على شركات الذكاء الاصطناعي، ومنعها من الاستمرار في تطوير الذكاء الاصطناعي العام.
كلاهما يُعتبر صغيرًا في السن، وهذا أحد شروط تحقق نبوءة الدجال كما يظن ثيل؛ فالشخص المُرشّح يفترض أن يكون شابًا في مقتبل العمر، أو أن يكون ثريًا، وهي الشروط التي تُمكّن الإنسان من السيطرة على العالم بأكمله خلال فترة حياته، كما تنبئ الكتاب المقدس.
ينشر الدجال رسالته في تحطيم العلم وإيقاف عجلة التقدم التكنولوجي، عن طريق نشر الشائعات حول اقتراب حرب عالمية ثالثة، أو الاستعداد لمحرقة نووية تلتهم البشر، أو سيطرة الذكاء الاصطناعي علينا. وفي مقابل تلك التهديدات الواهية، يطرح الدجال شكلًا من أشكال "السلام غير العادل" (unjust peace)، الذي يُختار من دون التفكير فيه وبأي مقابل.
يقول في "إنجيل متى، 24:6": "وسوف تسمعون بحروب وأخبار حروب. فإياكم أن ترتعبوا! فلابد أن يحدث هذا كله، ولكن ليست النهاية بعد. فسوف تنقلب أمة على أمة، وممكلة على مملكة، وتحدث مجاعات وزلازل في عدة أماكن. ولكن هذه كلها ليست إلا أول الآلام. عندئذ يسلمكم الناس إلى العذاب، ويقتلونكم، وتكونون مكروهين لدى جميع الأمم من أجل اسمي؛ فيرتد كثيرون ويسلمون بعضهم بعضًا ويبغضون بعضهم بعضًا، ويظهر كثيرون من الأنبياء الدجالين ويضللون كثيرين". ولذلك سيختار الناس هذا النوع من السلام في مقابل "أخبار الحرب" التي سيخبرهم بها الدجال.
باختصار، يقدم لنا بيتر ثيل تصورًا مقلوبًا؛ فهو وأمثاله يمثلون المؤمنين حقًا، بينما يصبح السياسيون والمعارضون والمحذرون من المخاطر القائمة هم المسيح الدجال الذي حذّر منه الكتاب المقدس.
الإمبراطورية والكاتيخون في مواجهة الدجال
يقدم ثيل في محاضرته الثانية والرابعة الجزء الثاني من "نبوءة دانيال"، وفيها عبارة "كثيرون سيترددون جيئة وذهابًا". ويتأولها ثيل بأن حرية الحركة تعود بشكل مباشر إلى العولمة، وهنا يبدأ الجزء الثاني من أطروحته حول المسيح الدجال.
لا يأتي المسيح الدجال ضرورةً في صورة إنسان، وإنما من الممكن أن يأتي في صورة دولة أو إمبراطورية أو مؤسسة عالمية. وعلى امتداد المحاضرة الثانية، يقتبس ثيل من أربعة كتب رئيسية: "أطلانتس الجديدة" لفرانسيس بيكون، و"رحلات غاليفر" لجوناثان سويفت، وحتى المجلات الكارتونية مثل "Watchmen" و"One Piece"، بالإضافة إلى عدد من المفكرين مثل رينيه جيرار، وكارل شميدت.
يرى ثيل أن العالم المحكوم بدولة واحدة أو إمبراطورية عالمية مسيطرة على الجميع هو نوع من أنواع الاستسلام لحكم المسيح الدجال، فيقول: "بالطبع، لدينا كل هذه الأمثلة على هذه التحولات الدرامية من الكاتيخون إلى حكم المسيح الدجال، من كلوديوس إلى نيرون، من شارلمان إلى نابليون، من معاداة الشيوعية بعد سقوط جدار برلين إلى النيوليبرالية، أو الديمقراطية المسيحية التي حكمت أوروبا في مواجهة الشيوعيين، ومثلت الكاتيخون في مواجهة المسيح الدجال، وما إن انتهت الشيوعية حتى تحولت إلى بروكسل البيروقراطية. لا يمكن الحكم عليها جميعًا بأنها المسيح الدجال، لكنها بالتأكيد ليست الكاتيخون". لكن ما هو "الكاتيخون" (Katechon)؟
يعود مصطلح "الكاتيخون" إلى الأصل اليوناني "κατέχοv"، ومعناه: "الذي يمنع حدوث الشيء" أو "المُمانع". واستعاره ثيل من الكتاب المقدس، وتحديدًا من رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي (6-7): "والآن تعلمون ما يحجز حتى يستعلن في وقته. لأن سر الإثم الآن يعمل فقط، إلى أن يرفع من الوسط الذي يحجز الآن. وحينئذ سيُستعلن الأثيم، الذي الرب يبيده بنفخة فمه، ويبطله بظهور مجيئه". وهذا "الذي يحجز" هو علامة على الشيء الذي يمنع ظهور المسيح الدجال، ويؤخر قدومه إلى آخر الزمان.
بالنسبة لعلماء اللاهوت، ومنهم القديس أوغسطين، فإن الذي يمنع ظهور الدجال قد يكون "الدولة الرومانية"، تلك التي تمنع انهيار الحضارة، وتحجز الفوضى والعماء خارجها. بالنسبة لثيل، فإن الدولة القومية الحديثة هي نموذج لهذا "الكاتيخون"، لكنها لا تلبث أن تسقط في الفخ نفسه؛ فالدولة القومية الحديثة يمكنها أن تتحول وتصبح إمبراطورية استعمارية واسعة، مثل الإمبراطورية الرومانية، والاتحاد السوفيتي، وأخيرًا الولايات المتحدة تحت سطوة الأيديولوجية النيوليبرالية المعولمة، وهو الخطر الذي يُحذّر ثيل منه.
فالولايات المتحدة تتأرجح بين كونها "كاتيخون" وبين كونها إمبراطورية عابرة للقارات تُسيطر على كل شيء. ويقول: "إذا نسينا دوره الأساسي، وهو كبح جماح المسيح الدجال، فقد يُقدّم المسيح الدجال نفسه على هيئة الكاتيخون، أو يستولي عليه، ويكون صورة مقلّدة. ثمة تشابه بين المسيح الدجال والكاتيخون؛ فكلاهما شخصيتان سياسيتان. يرتبط الكاتيخون بالإمبراطورية والسياسة، وإذا أراد المسيح الدجال السيطرة على العالم، فلا بدّ من وجود شيء بالغ القوة لإيقافه".
يقتبس ثيل مفهوم "الكاتيخون" بوصفه الدولة التي تمنع اندلاع الفوضى وظهور المسيح الدجال من أستاذه الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار، حيث طوّر جيرار نظرية "الرغبات المقلّدة" (Mimetic Desire). وهي نظرية تعتبر أن المجتمعات تقوم، بالأساس، على التنافس والصراعات العنيفة بين الناس، إذ يرغب كل فرد في المجتمع بتحقيق رغبته (سواء الملكية أو السلطة أو النفوذ)، رغم أن هذه الرغبة هي رغبة أفراد آخرين في المجتمع وليست رغبته الخاصة. ونتيجة لرغبة العديد من الأفراد في الشيء نفسه، فإن النتيجة الحتمية هي الصراع والعنف.
تُقاوم المجتمعات العنف عن طريق اختراعها لمفهوم "الأضحية" (Scapegoating). وهذا الطقس الذي دأبت الحضارات القديمة على تنفيذه هو ما ساعدها على تقنين العنف المجتمعي ومنع انفلات الصراعات الداخلية، لكن المسيحية، بقدومها، ألغت هذا الطقس وعدّته وثنيًا، وبذلك تصاعد العنف والصراع، ما يجعل القدوم الثاني للمسيح في آخر الزمان النتيجة الحتمية الوحيدة. لكن ما يمنع قدومه حتى الآن هو "الكاتيخون" الذي يُمسك الفوضى غير المحتملة ويمنعها من الانفلات، لأن انفلات هذه الصراعات والعنف الاجتماعي هو الذي سيولّد المسيح الدجال.
وبذلك يريد ثيل من الولايات المتحدة أن تكون "كاتيخون"، وأن تنسحب من جميع المؤسسات العالمية، مثل "منظمة الصحة العالمية"، والأمم المتحدة، و"محكمة العدل الدولية"، و"حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، ويدعو إلى إنهاء تلك المؤسسات العالمية في كل مكان؛ لأنه في العمق من حجته يظهر رعب حقيقي لدى أباطرة المال والتكنولوجيا من حدوث تحوّل سياسي حقيقي في المركز العالمي الأميركي، فيفقدوا جميع مكاسبهم وامتيازاتهم حول العالم مرة واحدة وإلى الأبد.
البابا ليو الرابع عشر والدفاع عن الإنسانية الرائعة
يقف بابا الفاتيكان لاون الرابع عشر على النقيض من كل ما يمثله ثيل ويدافع عنه، حيث يُحذّر البابا من مغبة الاعتماد المطلق على الذكاء الاصطناعي وتفويضه أمور البشر جميعها، ما سيؤدي في النهاية إلى تصاعد معدلات البطالة، وتدمير الأسرة، والتسبب في حروب غير مسبوقة. واعتبر أن نظرة عمالقة التكنولوجيا في وادي السيليكون هي نظرة مُضللة، لأنها "تحتكر الخبرة، والبيانات، وسلطة تنفيذ القرارات من أعلى بطريقة مبهمة وأحادية الجانب".
وخلال الأشهر الماضية، وجّه البابا نقده بطريقة غير مباشرة لثيل، فاعتبر أن "عُقدة المُخلّص" التي يتبناها رواد قطاع التكنولوجيا لا تزيد عن كونها فكرة دينية زائفة، وأن علينا أن نقاوم إغراء وعودهم المضللة بتحرير البشر من كل أنواع الضعف والقيود.
يتبنى ثيل فلسفة تُعرف باسم "ما بعد الهيومانية" (Transhumanism)، وهي فكرة تقول بضرورة تعزيز الإنسان تكنولوجيًا كي يواجه التحديات المستقبلية. وبحسب ثيل: "ما بعد الهيومانية هي التحوّل الجذري، حيث يتم تحويل جسمك البشري، جسمك الطبيعي، إلى جسم خالد غير قابل للفناء أو الموت. نحن نريدك أن تكون قادرًا على تحويل قلبك، وعقلك، وجسمك بأكمله، وتحوّل ذاتك كلها".
فيما يعتبر البابا أن تلك الفلسفة خطيرة للغاية، وأنها غير مسيحية نهائيًا بعكس ما يدّعي ثيل، وحذّر من محاولة التضحية بكرامة الإنسان وضميره لصالح الكفاءة، وشبّه ذلك بمحاولة بناء برج بابل والوصول إلى السماء من دون مباركة الله.
في 25 أيار/مايو 2026، أصدر البابا لاون الرابع عشر رسالته البابوية الأولى إلى العالم بعنوان "الإنسانية الرائعة: في حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي"، واستهلها بالقول: "الإنسانيّة الرائعة التي خلقها الله تقف اليوم عند مفترق طرق وعليها أن تختار: إما أن تبني برج بابل جديدًا وإما أن تبني المدينة حيث يسكن الله والإنسانيّة معًا. كل جيل يرث مهمّة تكوين عصره: فيجعل التاريخ ينضج ويصير مكانًا تُحفظ فيه كرامة كل إنسان، ويُعزّز العدل، وتتحقّق الأخوّة. لكن، كل عصر أيضًا يواجه خطر بناء عالم غير إنسانيّ وفيه مزيد من الظلم. وحيثما تتعرّض البشرية لخطر فقدان هويتها، نرفع نحن المسيحيّون عيوننا إلى الله".
وعبر هذه الرسالة، قدّم نقدًا للكثير من المفاهيم المبطّنة التي يتبناها ثيل وغيره من أعضاء نادي التكنولوجيا في وادي السيليكون، مثل النموذج التكنوقراطي والسلطة الرقمية، ونقد أصول الرواية ما بعد الإنسانية، وثقافة القوة وتطبيع الحرب. كما دافع عن قيم الكنيسة الاجتماعية والإنسانية في حق العمل والحرية، وضرورة كسر قيود العبودية الجديدة التي تُحوّل البشر إلى مجرد بيانات تتحكم بها سلطة السادة الإقطاعيين الجدد مثل ثيل، ويقدّمونها على أنها الخلاص والتقدم الوحيد للبشرية، وفي مقابلها يظهر المسيح الدجال.