«فعلتها بإصبعي، بأظافري. أريد أن أؤذي نفسي».
كان ذلك هو ردُّ المدرب الإسباني، بيب غوارديولا، على الصحفيين، عند سؤاله عن سر الجروح في أنفه، والخدوش في الجزء العلوي من رأسه وحول عينيه، قالها هكذا بكل بساطة؛ ودون أن يشعر بحاجة إلى التفسير أو التبرير أو التعقيب، وكأنه فرغ من ترديد قانون فيزيائي لا لبس فيه: أنت مجروح؟ إذن أنت من جرحت نفسك. تلك التصريحات جعلته عُرضةً لنقدٍ شديدٍ على منصّات التواصل الاجتماعي، باعتبارها تحمل استخفافًا واضحًا بأزمة خطيرة مثل "إيذاء النفس".
وهو ما اعترف به شخصيًا في اليوم التالي، بعدما نشر تغريدة عبر موقع "إكس" مفادها: أنه تفاجأ بسؤالٍ صحفي حول خدشٍ ظهر على وجهه، فأوضح "أن ظُفرًا حادًا تسبب في ذلك عن طريق الخطأ"، ولذلك لم تكن إجابته تهدف بأي حال من الأحوال إلى تسليط الضوء أو الاستخفاف بقضية خطيرة مثل "إيذاء النفس"، ولذلك أيضًا اغتنم الرجل الفرصة لتسليط الضوء على المشاكل النفسية التي تتسبب في هذا الفعل، وطرق طلب المساعدة والتعافي منها، وهو ما جعلنا في "ميغازين" مهتمين بالبحث في هذا الأمر، ما هو إيذاء النفس؟ هل هو مرض نفسي؟ وكيف يفسر؟ وما هي شواهده؟
دورة سامة
استُخدم مصطلح "إيذاء النفس" تاريخيًا لتغطية مجموعة واسعة من السلوكيات، ولكنه عادةً ما يشير إلى التسبب عمدًا في إيذاء أو إلحاق الضرر بجسمك دون نية انتحارية، ويتخذ أشكالًا مختلفة وقد يختلف تكراره من شخص لآخر، فقد يفعله البعض مرة واحدة، بينما قد يتكّرر لدى آخرين لسنوات عديدة، وقد يشمل أيضًا: القطع أو الحرق أو العض أو خدش الجلد أو التقاط الجروح أو القشور حتى لا تلتئم وسحب الشعر أو اللكم أو تناول مواد ضارة مثل السموم، أو الأدوية دون وصفة طبية، أو حتى بوصفة طبية ولكن بجرعات زائدة.
تلك العادة عادةً ما تكون علامة على أن الشخص يشعر بألم عاطفي شديد، إذ تبدأ عادة كوسيلة لتخفيف الضغط الناجم عن الأفكار والمشاعر المؤلمة، وقد تؤدي فعلًا إلى تخفيف مؤقت للألم العاطفي الذي يشعر به الشخص، ولكنه يظل تخفيفًا مؤقتًا لأن الأسباب الكامنة وراءه لا تزال قائمة، وبعد فترة وجيزة، قد يتبع ذلك الشعور بالذنب والعار، ونظرًا لأن الإيذاء النفسي قد يكون له بعض الراحة النفسية المؤقتة في البداية، فعادةً ما يتحول إلى وسيلة طبيعية للتعامل مع صعوبات الحياة، وبالتالي يدخل المريض في دورة مفرغة من معناها.
وطبقًا لدراسة استقصائية نُشرت على موقع: "Mental Health"، أظهرت النتائج أن حوالي 10% من الشباب والمراهقين يؤذون أنفسهم بطرق عِدة، وأفاد معظمهم أنهم بدأوا بإيذاء أنفسهم في سن الثانية عشرة تقريبًا، كطريقة فعالة للهروب من الضغوط في حياتهم، وتشمل بعض الأسباب التي تعمل كمحفزات أو أسباب تدفعهم إلى إيذاء أنفسهم ما يلي: الصعوبات في المنزل أو المشاكل مع الأصدقاء أو ضغوط المدرسة أو التنمر أو الاكتئاب أو القلق أو قِلة احترام الذات، إضافةً إلى التغييرات العنيفة مثل تغيير المدرسة أو المنزل أو تعاطي الكحول والمخدرات.
"العديد من الأشخاص يؤذون أنفسهم لأنهم لم يعرفوا ما العمل؟ ولم يشعروا أن لديهم أي خيارات أخرى تساعدهم في درء المشكلات والوقوف أمامها".
تصريحات أحد الشباب في الدراسة السابقة
وهذا يعني أن بعض الأشخاص يصبحون أكثر عرضة لهذا الأمر من غيرهم، فعندما لا نُعبّر عن مشاعرنا بشكل صحي، يمكن أن يتراكم الضغط حتى يستحيل التعامل معه، وفي أسوأ الأحوال قد يُوجه البعض هذا الضغط إلى ذواتهم/ن مستخدمين أجسادهم/ن كوسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر التي لا يمكنهم قولها بصوت عالٍ، وهنا يجب أن نتذكّر أن عوامل الخطر هذه قد تجعل الشخص أكثر عرضة فقط لإيذاء نفسه، ولكن هذا لا يعني وجود ارتباط شرطي بينهم، وبالمثل، فإن الشخص الذي يؤذي نفسه قد لا يعاني من أي من هذه العوامل، ولكن من الممكن أن يتقاطع الفعل مع مرض نفسي آخر، يكون إيذاء النفس إحدى علاماته.
عَرَض لمرض
من الصعب تحديد الأسباب التي تدفع الشخص إلى إيذاء نفسه على وجه التحديد، ولكن هناك بعض حالات الصحة العقلية المرتبطة بهذا الفعل مثل:
القلق: هو نوع من أنواع اضطرابات الصحة العقلية، يعاني فيها المريض من الخوف والرعب الشديدين بلا أي سبب واضح، وقد يعاني أيضًا من بعض العلامات الجسدية، مثل خفقان القلب والتعرق، وهنا يجب الإشارة إلى أنّ القلق الطبيعي شعور مفيد، إذ يساعدنا على ملاحظة المواقف الخطيرة، لكن اضطراب القلق يتجاوز العصبية العادية والخوف الطفيف، ويؤثر على قدرتك على العمل، فلا يمكنك التحكم في ردود أفعالك تجاه المواقف المختلفة.
اضطراب الشخصية الحدية (BPD): حالة صحيّة عقلية تتميز بتقلبات مزاجية شديدة وعدم استقرار في العلاقات الشخصية والاندفاع، حيث يعاني الأشخاص المصابون بتلك المتلازمة من خوف شديد من الهجران ويواجهون صعوبة في تنظيم مشاعرهم، وخاصة الغضب. كما يميلون إلى إظهار سلوكيات متهورّة وخطيرة، مثل القيادة المتهورّة والتهديد بإيذاء النفس، وكل هذه السلوكيات تجعل من الصعب عليهم الحفاظ على العلاقات، حيث تتغير الحالة المزاجية والسلوك بسرعة شديدة كرد فعل أوّلي على التوتر.
الانفصام: وهو حالات عقلية تنطوي على الشعور بالانفصال عن الواقع، أو تجربة فقدان الذاكرة، إذ تعني كلمة "الانفصام" الانفصال عن الآخرين، أو عن العالم من حولك أو عن نفسك، وتتطور عادةً كاستجابة للصدمات قصيرة الأمد أو طويلة الأمد، ومنها على سبيل المثال: اضطراب الهوية الانفصالية (DID)؛ إذ يمتلك الأشخاص المصابون بهذا المرض هويتين منفصلتين أو أكثر، وتتحكم هذه الهويات، (التي تسمى "البدائل") في سلوكهم.
اضطراب الوسواس القهري (OCD): حالة يعاني فيها المصاب من أفكار وأحاسيس غير مرغوب فيها، أو هواجس متكررة تتسبب في قيامه بسلوكيات متكررة وقهرية، مما يؤثر بشكل كبير على التفاعلات الاجتماعية وأداء المهام اليومية، وعادة ما تصنف الحالة باعتبارها حالة مزمنة تستمر مدى الحياة، ولكن الأعراض يمكن أن تأتي وتختفي مع مرور الوقت.
اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD): حالة نفسية يُصاب بها بعض الأشخاص بعد تعرضهم/ن لحدث صادم أو مهددٍ للحياة، ويؤثر هذا الاضطراب على الأشخاص من جميع الأعمار، إذ يعاني الشخص من أفكار ومشاعر مزعجة تتعلق بالتجربة السيئة، وعادةً ما تستمر لفترة طويلة بعد الحدث، مع تضمنها استجابات معينة للتوتر مثل: القلق، والاكتئاب، أو الشعور بالذنب أو الخجل، مما يؤثر على أداء المهام اليومية.
كل تلك الحالات والأمراض بإمكانها أن تدفع المصاب لإيذاء نفسه، بالطبع فهناك بعض الخُرافات المنتشرة أيضًا مثل أسطورة: "إيذاء النفس للبحث عن الاهتمام"، أو أن الفتيات بشكل عام أكثر عرضة لإيذاء أنفسهن، أو اعتقاد بعض الناس أن الأشخاص الذين يؤذون أنفسهم يستمتعون بالألم أو المخاطر المرتبطة بهذا السلوك، وكل هذا بالطبع هو محض هراء وخُرافات وتنويعات شعبية ليس لها أي أساس من الصحة، وهنا يظهر السؤال: هل بيب غوارديولا مصاب بأيٍّ من تلك الأشياء حتى يقوم بإيذاء نفسه علنًا؟
قليل من الفشل لا يضرّ
في هذا الصدد؛ يعد بيب غوارديولا، تحديدًا، أكثر المدربين المُلاحقين باتهامات الهوس والخبل والجنون أينما ارتحل، دِقّته المتناهية، وتركيزه على كل التفاصيل الصغيرة، حتى عندما كان لاعبًا، تحكّمه في كل شئ وكأنه يعرف بالضبط ما يريد القيام به، حركاته الغريبة، تعقيده وتركيزه مع كل تفصيلة مهما كانت صغيرة، لحظات السرحان التي تأتيه وهو جالس على مقاعد البدلاء، وكأنه يرى شيئًا ما، أو يحاور شخصًا ما يراه هو فقط، أضف إلى ذلك طريقة شربه للمياه بعد كل هزيمة، ونظراته الحالمة بعد كل نصر، كل ذلك يظهره في صورة "الفيلسوف" بالنسبة للبعض، و"السيكوباتي" بالنسبة للبعض الآخر.
وفي الحقيقة هو ليس فيلسوفًا، ولا مجنونًا أو سيكوباتيًا، ولا يعاني من أي مرض خاص من الأمراض سالفة الذكر، (نحن لسنا أطباء نفسيين بالطبع لنعرف، ولكن طبقًا لما قرأناه فالرجل لم تظهر عليه أي أعراض مرضية طوال مسيرته)، هو فقط: مضغوط، ويشعر بالملل والفراغ، وهنا يجب أن نتحدث عن السبب الأخير لإيذاء النفس، ولأمراض القولون العصبي، والاكتئاب، والقلق ومعظم الأمراض النفسية الأخرى: ضغوط العمل، وفي عالم رأسمالي يتمحور حول العمل، عادةً ما يكون العمل هو الضاغط الأول على حياة الإنسان الحديث، أما النجاح في العمل فيعني أن تظلّ متربعًا على القمة طوال حياتك، بلا أي مجال للخطأ البشري أو الملل، أو حتى مراجعة الحسابات.
في كتابه "pep guardiola: another way of winning" أو "بيب غوارديولا: طريقة أخرى للفوز"، يقول الكاتب غيليم بالاجي، إنّ أقصى مدة زمنية يمكن أن يتحدث فيها غوارديولا عن شيء غير كرة القدم هي 32 دقيقة فقط لا غير، قبل أن يبدأ في التفكير في كرة القدم، وفي عمله بالتبعية، مرة أخرى، "بعد 32 دقيقة على الأكثر، يبدأ في التحديق في السقف، وهز رأسه بطريقة عجيبة" كما يوضح صديقه ومساعده مانويل استيارتي. هذه القصص غالبًا ما تأتي مصحوبة بختم الجودة من الجماهير، مع ابتسامة فخر تؤكد أن الهوس والعظمة هما الشيء نفسه.
وتلك هي أكبر آفات الرياضة المرتبطة بالجماهير، أنها تخلط بين النجاح والفضيلة، ففي أغلب مجالات الحياة، لا يُصوَّر الهوس عادةً باعتباره فضيلة بل باعتباره عيبًا، شيئًا مريبًا، وأنانيًا، بل وخطيرًا، إن العمل لمدة 16 ساعة يوميًا والتضحية بالعلاقات الشخصية في سبيل تحقيق النجاح المهني من السلوكيات التي يميل الإنسان العاقل إلى تثبيطها لدى الآخرين، فالعمل لا يعني أن نكون منقطعي الصلة بالعالم، والعمل الذي لا يحقق قدرًا من الحرية لصاحبه هو في الحقيقة عبودية مقنّنة، أما التحديق في السقف أثناء تناول العشاء فهو أمر وقح للغاية ومكروه عند الكل، إلا عند جماهير كرة القدم المحبة لتلك الهرطقات والتي تتعامل مع مثل تلك القصص باعتبارها دليلًا على النبوغ والقوة.
في حالة مقيتة ولا إنسانية غذتها قوة السوشيال ميديا، ليتفرغ بعدها كل شئ من معناه، ويصبح الفوز هو المحرك الرئيسي للأحداث، لا شئ إلا الفوز، وكل شيء يجعلك تفوز هو الشيء الصحيح، حتى لو كان غريبًا أو سافلًا أو إيذاء نفسك، لماذا؟ لأن الجماهير المُتطلبة، "لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب"، وتكفيها هزيمة واحدة أو خطأ واحد طبيعي تمامًا، لتسن سكاكينها على اللاعب أو المدرّب، ثم بعدها يتحول القديس والفيلسوف، إلى معتوه ومخبول وفاشل، ويتحوّل العبقري المحترم إلى شخص جاهل جهول.
أما بيب فقد دخل إلى تلك الدائرة المسمومة مُجبرًا، ربما بعدما فشل في موسمه الأول مع مانشستر سيتي في تحقيق أي لقب، ليتأكد ساعتها أن نجاحاته السابقة لن تشفع له أمام الجماهير، ثم ليتحول من مدرب محب وشغوف بكرة القدم، ويريد ممارستها بطريقة مختلفة وجميلة، إلى شخصية مهووسة تمامًا، تريد السيطرة التامة حتى على أتفه التفاصيل، ومع كل فشل (طبيعي) جديد، يزداد هوسه أكثر، حتى وصلنا إلى اللحظة التي يجرح فيها أنفه، ثم يقف متفاخرًا بذلك أمام الكاميرات، لأنه فقط يعاني من بعض الأزمات والنتائج السيئة، ربما لأن الجمهور لن يغفر له كالعادة، ولأن حصوله على أربع دوريات متتالية، لن يقف حائلًا أمام سكاكين الجمهور المتعطش لسفك الدماء.
حسنًا، نحن لسنا أنبياء، ولن ننجح في كل شئ، وربما قليل من الفشل لا يضرّ، بيب غوارديولا نفسه، وبكل هذا الهوس لم ينجح في كل شئ، ببساطة لأننا بشر، فشلنا سابقًا ونفشل وسنفشل، ثم نحاول النجاح بكل الطرق، قبل أن نفشل مجددًا، تلك هي طبائع الأمور، أما الهوس الدائم بالنجاح وتحقيق الذات، والجلوس على كرسي العمل 16 ساعة يوميًا، فلا ينتج عنه إلا المرض النفسي والكبت المزمن، وإيذاء النفس بكل الأشكال الممكنة، في دائرة تغذي نفسها بنفسها: نحاول التحكم في كل شئ أملًا في الوصول إلى الشكل المثالي، فيزيد التوتر، ونسقط في المنتصف، فيزيد التحكم، ثم التوتر، ثم نسقط، في متوالية لا تنتهي إلى الأبد، ونمطٍ غير إنساني، ولا يليق إلا بمحاضرة تنمية بشرية عديمة التأصيل العلمي، يلقيها جاهل على منصات السوشيال ميديا طلبًا للمشاهدات.