ultracheck
ديلي واير

بوابة اليمين المتطرف إلى عقول "جيل زد".. منصة "ديلي واير" والتواطؤ مع الحرب على غزة

15 نوفمبر 2025

لم يكن تأسيس منصة "ديلي واير" عام 2015، على يد الناشط والصحفي بن شابيرو والمخرج السينمائي جيريمي بورينغ، مجرد إضافة جديدة إلى وسائل الإعلام، بل شكّل إيذانًا باستثمار اللوبي الصهيوني في الإعلام الجديد الداعم للسردية المحافظة المتطرفة.

وقد تحوّلت هذه المنصة بسرعة إلى إحدى أكثر المنصات شراسةً في الدفاع عن الصهيونية وتبرير الحرب على غزة في فضاء التواصل الاجتماعي.

لكن السر لا يكمن في السياسة وحدها؛ فقد جمعت "ديلي واير" تحت مظلتها ألمع المؤثرين والإعلاميين في اليمين المتطرف، وابتكرت استراتيجية مزدوجة تقوم على مزج التعليق الإخباري المتشدد مع سيلٍ من المحتوى الترفيهي عبر شبكتها "ديلي واير+" التي تغذي الذائقة المحافظة.

وقد استقطبت المنصة تمويلات ضخمة من رجال أعمال محافظين مثل الأخوين ويلكس اللذين ضخّا ملايين الدولارات في مشروع "ديلي واير"، في إطار شبكة إعلامية يمينية روّجت لأجندات محافظة واسعة النطاق، وسعت إلى إنتاج محتوى "محافظ" مُهندس بعناية للوصول إلى فئات الشباب واليافعين.

فكيف نجحت هذه المنصة العقائدية في التسلل إلى شاشات وحسابات شباب "جيل زد"، لتحوّلهم إلى وقود جديد لأطروحاتها؟

بن شابيرو وجه الصهيونية المخاطب لـ"جيل زد"

يُعدّ بن شابيرو أحد أبرز وجوه اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، إذ ينحدر من أسرة يهودية أرثوذكسية ثرية. وقد ركّز نشاطه أساسًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث روّج لأفكار اليمين الأميركي واليهودي المحافظ.

وذاع صيته بفضل مواقفه المعارضة للتيارات اليسارية والحركات النسوية، وهو ما وظّفه لاحقًا لتسويق الخطاب الصهيوني داخل الساحة الأميركية.

قبل تأسيس منصة "ديلي واير" وانضمامه إلى هيئتها التحريرية الحالية، عمل بن شابيرو في موقع "برايتبارت" (Breitbart) خلال الفترة ما بين 2012 و2016.

لا يخفي شابيرو انتماءه الديني المتشدّد، إذ يؤكد أنه يهودي أرثوذكسي، وأن التزامه الديني يهندسُ حياته الشخصية ويؤثر في خلفيته الثقافية وفي تحليلاته وتصوراته لسياقات الأحداث السياسية وكيفية تغطيتها.

يُقدَّم شابيرو عادةً كمتحدّث مفوَّه وسريع البديهة، لا يتردّد في توظيف منطقه الأكاديمي الذي اكتسبه في جامعة هارفارد ليشرح، بابتسامته الساخرة، لطالبٍ في دراسات الجندر تناقضات الفكر الماركسي.

ويحاول شابيرو أن يصوّر نفسه كزعيم أميركي "مناهض للحركة التقدّمية" بدعوى الدفاع عن ما يعتبره قيم المحافظين الأميركيين، غير أنّ خطابه يكشف سريعًا أنّ ولاءه الأساسي ليس للمحافظين الأميركيين، بل لمشروع قومي عرقي صهيوني متورّط في ارتكاب مجازر ضد المدنيين في غزة.

يرى بن شابيرو أن المدنيين "أهدافٌ مشروعة" إذا اختبأ وراءهم مسلحون، ويدافع عن تدمير المؤسسات المدنية باعتباره "ضرورة تكتيكية" بدلًا من تصنيفها جرائم حرب. ويتجنب شابيرو الحديث عن فضائح الاحتلال الإسرائيلي في غزة، مستخدمًا تعابير مُلطّفة مثل "أضرار جانبية" و"دفاع عن النفس".

هذا دفع كثيرين للتساؤل عما إذا كان ولاء شابيرو الأول للولايات المتحدة أم لإسرائيل، إذ يبدو أن هرمه الأخلاقي والسياسي تحكمه "نجمة داود" التي ترفرف فوق الدولة القومية، مع قناعة راسخة لديه بأنه لا يوجد فعل يرتكبه الجيش الإسرائيلي قد يثير توبيخه.

لذلك، يبدو شابيرو قوميًا عنصريًا أكثر من كونه محافظًا كما يدّعي؛ فإيديولوجيته لا ترتكز على "المحافظة" أو "الواقعية"، بل على الإيمان بسمو العرق اليهودي.

ومواقفه من سياسة إسرائيل لا تجعله الإعلامي "الشجاع" الذي يقول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله، بل تؤكد أن ما يقدّمه هو خضوعٌ كامل للسردية الصهيونية.

هذه الطاعة، كما يعكسها خطابه، تستند إلى رؤية عالمية تؤمن بأن "القوة تصنع الحق"، مع استعداد تامّ للتخلّي عن القيم الأخلاقية تجاه العرب والمسلمين.

يستثمر بن شابيرو بلاغته في تمرير السردية الصهيونية بين صفوف "جيل زد"، من خلال جولاته في الجامعات الأميركية برعاية منظمات مثل "مؤسسة أميركا الفتية" (Young America’s Foundation)، إضافةً إلى برامجه الحوارية والبودكاست والعروض عبر الإنترنت.

يتناول مع الجمهور الشاب قضايا السياسة والمجتمع والأحداث الجارية، وغالبًا ما يتبنّى وجهة نظر محافظة ويشارك في النقاش مع الطلاب وانتقاداتهم، في فعاليات تثير أحيانًا احتجاجات واسعة إلى جانب دعم قوي من جمهوره المحافظ.

بن شابيرو يزور تاريخ فلسطين

استثمر بن شابيرو شعبيته التي بناها عبر مواقفه الرافضة للتيارات الثقافية السائدة في الغرب، من حركات المساواة الجندرية إلى الخطابات المرتبطة بالهوية الجندرية، والتي بدأت شريحة مهمة من "جيل زد" الأميركي ترفضها، ليمرّر مغالطات خطيرة حول القضية الفلسطينية.

فقد أطلق سلسلةً سمّاها "حقائق" (Facts) نشر من خلالها مجموعة من المزاعم والمغالطات، مقدمًا أكاذيبه على أنها تفنيد لما يسميه "الأساطير العربية".

ولكن دعنا نتوقف عند كلمة أساطير، ومع اسم إسرائيلي آخر هو إيلان بابه، المؤرخ الإسرائيلي البارز وأحد أبرز منتقدي السياسات العنصرية لدولة الاحتلال، إذ يرى أن فهم جوهر القضية الفلسطينية يكمن في التاريخ ذاته.

يوظّف شابيرو مقاطع فيديو حماسية تخاطب الشباب لتمرير ادعائه المتهافت بأن إسرائيل "أرض يهودية تاريخيًا"، وأن تسمية فلسطين كانت إهانة رومانية، وأن الفلسطينيين لم يأتوا إلى تلك الأرض إلا مع دخول الإسلام في القرن السابع الميلادي.

هذه الأفكار تخدم أسطورة "الحق التاريخي" وتبرّر المطالبة بالأرض.

غير أن بابه يفنّد هذا الطرح الزائف القائم على مقولة أن فلسطين كانت "أرضًا فارغة وقاحلة"، وهي المقولة التي تتسق مع أسطورة "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب". ويؤكد أن فلسطين كانت مجتمعًا نابضًا بالحياة، يمرّ بعمليات تحديث متسارعة قبل ظهور المشروع الصهيوني.

كما يشير بابه إلى بحث المؤرخ شلومو ساند الذي يرى أن معظم اليهود الذين عاشوا في فلسطين إبّان العهد الروماني بقوا في البلاد واعتنقوا المسيحية ثم الإسلام، مشكّكًا بذلك في أسطورة أن "اليهود هم السكان الأصليون لفلسطين"، وفي "الحق في استعمار الأرض" بناءً على روايات دينية عمرها ألفا عام.

ولا يخفي شابيرو سعيه إلى تلميع صورة إسرائيل لدى "جيل زد"، عبر ترويجه لفكرة أن اللاجئين الفلسطينيين غادروا "بإرادتهم" أو "بناءً على أوامر القادة العرب".

إلا أن بابه يفنّد هذا الطرح مجددًا انطلاقًا من كتابه "عشر أساطير حول إسرائيل"، مؤكدًا أن تلك المزاعم "غير صحيحة"، وأن ما جرى عام 1948 كان "عملية تطهير عرقي" أعدّتها القيادة الصهيونية ونُفّذت على مدى تسعة أشهر، أدّت إلى طرد أكثر من نصف سكان فلسطين وتدمير نصف قراها ومعظم مدنها.

هذا الطرح ينفي مسؤولية العرب عن النزوح، ويضع اللوم بالكامل على القيادة الصهيونية.

ويرفض شابيرو بشدة وصف إسرائيل بأنها "دولة أبارتهايد"، مدّعيًا أن العرب يتمتعون بـ"الحقوق نفسها" ويشاركون في المحكمة العليا والحكومة.

لكن بابه يهاجم أسطورة "إسرائيل الديمقراطية"، ويصفها بأنها "أسطورة أخرى"، مؤكدًا أن إسرائيل في جوهرها مشروع استيطاني استعماري لا يختلف عن المشاريع الأوروبية في الأميركيتين وأستراليا، وأن منطقها القائم يقوم على "إقصاء المواطن الأصلي واستبداله بالمستعمر الأوروبي". ويصفها بأنها دولة تحتل الملايين وتحرمهم من حقوق الإنسان الأساسية.

باختصار، تقوم سردية شابيرو على تشويه الحقائق التاريخية لتبرير النظام الإسرائيلي الاستعماري والاستيطاني وتطبيعه في أذهان الجيل الشاب، خصوصًا "جيل زد".

في المقابل، يكفي النظر في أعمال إيلان بابه، التي تمثل نقدًا إسرائيليًا داخليًا شجاعًا لهذه السردية الصهيونية المضلّلة.

"ما المرأة؟" نافذة لاختراق "جيل زد"

قامت منصة "ديلي واير" بالتعاقد مع مجموعة من الأسماء البارزة لنشر محتواها، وكان من أبرزهم مات والش، الناشط السياسي الأميركي اليميني الذي ذاع صيته ببرنامجه (The Matt Walsh Show)، وازدادت شهرته بعد إطلاقه الوثائقي المثير للجدل "ما هي المرأة؟" الذي حقق انتشارًا واسعًا بسبب خطابه المناهض للنسوية.

وبعد أحداث السابع من أكتوبر، خرج والش عبر منصة "ديلي واير" مبررًا العدوان على غزة، وواصفًا الحرب الإسرائيلية بأنها "عادلة"، في انسجام تام مع الخطاب الصهيوني الذي تتبناه المنصة.

يمثل مات والش نموذجًا واضحًا لهذه الظاهرة؛ فبعد صعوده كـ"نجم محافظ" عبر وسائل التواصل وتحقيقه شهرة واسعة بسبب نقده للنسوية وقضايا الجندر، وجدت فيه "ديلي واير" واجهة مثالية لتمرير خطابها الموالي لإسرائيل. إذ ربطت في أذهان "جيل زد" بين الدفاع عن الأسرة والقيم المحافظة من جهة، والدفاع عن الصهيونية من جهة أخرى، ليبدو دعم إسرائيل وكأنه امتداد طبيعي للخطاب المحافظ الأميركي.

هذا النوع من الخطاب، الذي يقع في صميم "الحرب الثقافية" داخل الولايات المتحدة، يستهوي اهتمام جيل الشباب ويغرقه في حالة استقطاب دائم، مما يضمن للخطاب الصهيوني أن يتغلغل بين صفوفهم بأسلوب ترويجي ناعم ومغلف بشعارات القيم والأخلاق الأسرية.

جوردان بيترسون: "حَوِّل غزة إلى جحيم"!

كان أهم تعاقد أبرمته منصة "ديلي واير" مع عالم النفس الشهير جوردان بيترسون، صاحب كتاب "12 قاعدة للحياة"، الذي عُرف بمناظراته العديدة ضد النسويين والملاحدة وبعض كبار الفلاسفة مثل سلافوي جيجك. يميل خطاب بيترسون إلى جذب شريحة واسعة من "جيل زد"، لما يتسم به من أسلوب مباشر يمزج بين التحليل النفسي والنقد الثقافي.

غير أن انضمامه إلى "ديلي واير" شكّل مفاجأة لكثيرين، خصوصًا بعد إجرائه حوارًا مع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أعقبه نشر تغريدة دعا فيها إلى أن يحوِّل نتنياهو غزة إلى "جحيم".

منذ انضمامه إلى المنصة، بات موقف بيترسون المؤيد للمشروع الصهيوني واضحًا ومباشرًا. ورغم تعرضه لموجة انتقادات واسعة، فإنه بدلًا من الإقرار بأن سببها هو موقفه المنحاز لإسرائيل والمتجاهل لمعاناة الفلسطينيين، يعزوها إلى هجمات من "اليسار" ومن خصوم اليمين الذين يتهمونه بالتبعية للوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. لكنه لا يسعى لتفنيد هذه الاتهامات بجدية، بل يكتفي بتصويرها كجزء من موجة "معاداة السامية" المتصاعدة، محاولًا تكريس حصانة فكرية وإعلامية للمدافعين عن الطرح الصهيوني، على حساب قيم حرية النقد والنقاش الموضوعي التي طالما دعا إليها في مؤلفاته ومحاضراته.

لتعزيز موقفه المدافع عن السردية الصهيونية، لا يتردد جوردان بيترسون في المبالغة بـ"مدح اليهود"، مقدّمًا إياهم على أنهم "أصل النجاح" و"النموذج الأول للتفوق". ويستشهد بإحصائيات حول حصولهم على أكثر من 30% من جوائز نوبل رغم أنهم لا يشكلون سوى 0.2% من سكان العالم، في طرح يعيد إنتاج أسطورة "شعب الله المختار" وفكرة التفوق العرقي.

فعندما يُنسب النجاح والتفوق العلمي إلى جماعة إثنية بعينها ويُربط ذلك بذكاء فطري، فإن هذا الخطاب يرسّخ تصوّرًا لهذه الجماعة على أنها "أكثر قدرة" أو "أفضل بيولوجيًا" من غيرها، مما يفضي ضمنيًا إلى "شرعنة" أفعالها واعتبارها نتاجًا لـ"رجاحة عقل" لا يمتلكها الآخرون.

هذا المنطق غارق في المغالطات؛ إذ لا يناقش بيترسون طبيعة الجدل حول مدى موضوعية جوائز نوبل أو انحيازها البنيوي، ولا يسلّط الضوء على شريحة واسعة من اليهود الذين يتبرّأون من جرائم الاحتلال الإسرائيلي رغم تفوقهم العلمي، كما يتجاهل أن أفعال الشر الكبرى قد تصدر عن أكثر العقول نبوغًا. ويكفي التذكير بأن روبرت أوبنهايمر، "أبو القنبلة النووية"، كان أحد أذكى العلماء في القرن العشرين، ما يؤكد أن الذكاء لا يمثل فضيلة أخلاقية بحد ذاته.

آلية بيترسون الخطابية تسعى في الجوهر إلى تحويل أي نقد موجّه للمشروع الصهيوني إلى "حقد" أو "غيرة" تصدر عن جماعات "أقل ذكاءً"، ليُوسم النقد تلقائيًا بـ"معاداة السامية". وبهذه الطريقة، يُستخدم مفهوم "التفوق العقلي" كسلاح دفاعي لتحصين الجماعة من المساءلة الأخلاقية وحماية سردية تفوقها المزعوم.

استثمار في الكاريزما و"المؤثرين"

تعتمد منصة "ديلي واير" في مخاطبتها لـ"جيل زد" على توظيف مقدّمين يتمتعون بكاريزما عالية ومهارات خطابية مؤثرة، مثل جوردان بيترسون، بما يتيح للمنصة تغليف آرائها المعقدة والجدلية حول دعم إسرائيل بطابع جذاب ومقنع لجمهورها الغربي والأميركي.

تهدف هذه الشخصيات إلى بناء جسر عاطفي مع المتابعين، مما يسهل تمرير الأفكار السياسية المتطرفة من خلال محتوى يبدو ظاهريًا فكريًا أو اجتماعيًا، بدلًا من الدعاية السياسية المباشرة.

كما تركّز المنصة على استقطاب وتقديم شخصيات شابة مؤثرة مثل بريت كوبر، وهي مؤثرة وممثلة محافظة ذات حضور قوي على منصات "يوتيوب" و"تيك توك". وقد نقلت برنامجها الشهير "قسم التعليقات مع بريت كوبر" إلى منصة "ديلي واير"، ما مكّنها من الوصول إلى شريحة واسعة من "جيل زد".

يُقدَّم هؤلاء المؤثرون على أنهم حماة القيم الغربية المحافظة، بحيث يصبح الدفاع عن الاحتلال الإسرائيلي امتدادًا طبيعيًا لذلك الدفاع عن "القيم العائلية" و"الهوية الثقافية".

ويهدف هذا التكتيك إلى دمج دعم الكيان الصهيوني داخل خطاب الهوية المحافظة، وربطه بمفاهيم الحرية الفردية والقيم الأخلاقية، لضمان تكوين قاعدة شبابية متعاطفة ومؤمنة بأن الدفاع عن إسرائيل هو دفاع عن القيم الغربية ذاتها، قبل الانتقال إلى أي نقاش جيوسياسي مباشر.

أفلام تنازع "ديزني" لاستقطاب "جيل زد"

أنتجت منصة "ديلي واير" مجموعة من الأفلام والبرامج الوثائقية الموجّهة أساسًا إلى "جيل زد"، في إطار استراتيجيتها القائمة على مخاطبة القضايا الاجتماعية والثقافية الساخنة.

ومن أبرز هذه الإنتاجات الوثائقية فيلم "ما هي المرأة؟" الذي أشرنا إليه سابقًا، إلى جانب فيلم "أعظم كذبة بيعت على الإطلاق: جورج فلويد وصعود بلاك لايفز ماتر" للمتحدثة المحافظة كانديس أوينز (بتقييم 7.0)، والذي يسعى إلى تفكيك السردية المدافعة عن العدالة العرقية والتشكيك في حركة "حياة السود مهمة"، من منظور يكرّس هيمنة التيار الأبيض المحافظ في الولايات المتحدة.

وفي فئة الأفلام الروائية، برز فيلم الحركة "اركض، اختبئ، قاتل" (Run Hide Fight)، الذي يتمحور حول مراهقة تبلغ من العمر 17 عامًا تستخدم ذكاءها ومهاراتها في البقاء لمواجهة جماعة إرهابية تهاجم مدرستها.

الفيلم يخاطب "جيل زد" من خلال تقديم بطلة تنتمي إليهم، قوية، مستقلة، ومكتفية بذاتها، بما يعكس رسالة فكرية تمجّد الفردية والاعتماد على الذات بدلًا من الثقة بمؤسسات الدولة والمجتمع، وهي سردية مُهندسة بوضوح لاستمالة الحس الفردي لدى الجيل الجديد.

وفي أواخر عام 2023، أعلنت المنصة عن إنتاج فيلمها الخاص "سنو وايت والأميرة الشريرة" من بطولة المؤثرة بريت كوبر. جاء هذا الإعلان كردّ مباشر على نسخة ديزني من "بياض الثلج" التي أثارت غضب التيار المحافظ الأميركي، خصوصًا بعد تصريحات الممثلة راشيل زيغلر بأن الفيلم الجديد سيُبرز المرأة القوية المستقلة بدلًا من قصة الحب التقليدية.

أما "ديلي واير"، فقدّمت مشروعها كـ"نسخة كلاسيكية" مخلصة للقصة الأصلية، في محاولة لاستعادة السردية المحافظة لقيم العائلة والأدوار التقليدية.
ورغم أن الفيلم لم يُعرض بعد، فإن الإعلان الترويجي وحده كشف عن توجه المنصة لاقتحام الجدل القيمي والثقافي عبر المؤثرين الشباب، تمهيدًا لبناء قاعدة جماهيرية محافظة تمهّد لاحقًا لتمرير أطروحاتها الصهيونية بشكل غير مباشر.

لم تنس "جيل ألفا"!

أطلقت شركة "ذا دايلي واير" منصة مخصصة للأطفال باسم "بنتكي" (Bentkey)، وجاء إطلاقها بالتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس شركة "ديزني"، كرد مباشر على مواقف الأخيرة السياسية، ولا سيما في ما يتعلق بقانون "حقوق الوالدين في التعليم" في ولاية فلوريدا.

كانت الشركة قد أعلنت في وقت سابق عن خطة لاستثمار ما لا يقل عن 100 مليون دولار في المنصة الجديدة على مدى ثلاث سنوات، لإنتاج محتوى موجه إلى جيل ألفا.

وصرّح جيريمي بورينغ، المؤسس المشارك لـ "ذا دايلي واير"، بأن الدافع الرئيسي وراء إطلاق "بنتكي" هو الاعتراض على سياسات "ديزني"، مؤكدًا أن المنصة "مكرّسة للطفولة والعجب والمغامرة والقيم"، وهي الأسس التي تُبنى عليها السياسة لاحقًا.

ورغم أن "بنتكي" تُدار تحت القيادة نفسها لـ "ذا دايلي واير"، وتعود ملكيتها إلى الشركة القابضة Bentkey Ventures، فإن الأخيرة تعمّدت فصل علامتها التجارية لخلق تمويهٍ استراتيجي يسهّل الوصول إلى شريحة الأطفال.

يندرج هذا المشروع ضمن تكتيكات المنصة المتعددة لتجاوز الخطاب السياسي المباشر، عبر إنتاج محتوى للأطفال يضمن بناء جمهورٍ موالٍ لرسائلها منذ سنٍّ مبكرة، الأمر الذي يسهم في تشكيل الوعي السياسي والثقافي للأجيال القادمة ودفعها لتبنّي رؤية المنصة الداعمة للكيان الصهيوني.


نفاق "ديلي واير" لأجل إسرائيل!

إن التوتر الذي بلغ ذروته بانتهاء العلاقة المهنية بين منصة "ديلي واير" والمذيعة كانديس أوينز، بسبب مواقفها المنتقدة للحرب الإسرائيلية على غزة ودعمها للقضية الفلسطينية، كشف عن تناقض جوهري في مبادئ المنصة المعلنة.

فقد تفاقم الخلاف بشكل خاص بعد التوتر العلني بين أوينز والمؤسس بن شابيرو، الذي اتهمها بالترويج لـ "أفكار معادية للسامية". وقد وضع هذا الموقف شابيرو في موقع المتناقض، إذ سارع محللون لتذكير الجمهور بمقاطع سابقة كان ينتقد فيها بشدة "ثقافة الإلغاء" والشركات التي تُقصي موظفيها بسبب اختلاف وجهات النظر السياسية والثقافية. وهكذا تحوّل فصل أوينز إلى دليل على نفاقه وتراجعه عن المبادئ التي أسّس عليها شهرته.

كما وجّه الكوميدي أندرو شولتز انتقادًا لاذعًا ومباشرًا لشابيرو، متهمًا إياه بفرض "نافذة أفكار" ضيقة داخل "ديلي واير"، تنتهي عند حدود معتقداته الشخصية المؤيدة لإسرائيل. واعتبر شولتز أن هذا السلوك يمثل رقابة فكرية صارخة ويتعارض تمامًا مع المبادئ التي طالما تباهت بها المنصة، مثل "حرية التعبير" و"رفض الرقابة".

وبناءً على ذلك، خلص كثيرون إلى أن قرار فصل أوينز لم يكن بحثًا عن تهم حقيقية بـ"معاداة السامية"، بل بحثًا عن مبررات سياسية للطرد نتيجة موقفها المناهض للإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي.

يُكرّس هذا الجدل الفكرةَ القائلة إن الولاء المطلق لإسرائيل هو القيمة الجوهرية التي لا تتنازل عنها المنصة، حتى لو تعارض ذلك مع مبدأ حرية التعبير. وقد رسّخ قرار الفصل رسميًا مكانة "ديلي واير" بوصفها المنصة الأولى عالميًا لمن يريد التعبير عن دعمه لإسرائيل دون مواربة.

والمفارقة أن هذا التناقض يعيد إلى الأذهان موقفًا مشابهًا من ماضي شبيرو المهني؛ ففي عام 2016، استقال من موقع "برايتبارت" احتجاجًا على ما اعتبره موقفًا "غير أخلاقي" للموقع، تمثل في عدم الدفاع عن مراسلته ميشيل فيلدز، وتشكيكه في مصداقيتها حفاظًا على علاقاته السياسية مع حملة ترامب. آنذاك، وصف شبيرو تصرف "برايتبارت" بأنه حوّل الموقع من مؤسسة صحفية إلى منصة دعائية، وهو الوصف الذي بات اليوم ينطبق على "ديلي واير" نفسها في مسألة دعمها لإسرائيل.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

سقوط الأسد

عام على سقوط الأسد.. سوريا بين إعادة تشكيل السلطة وصعود الدولة الجديدة

تكشف سنة ما بعد سقوط الأسد تحولات سياسية وأمنية عميقة تعيد تشكيل الدولة السورية وسط تحديات متصاعدة

مهيب الرفاعي

فانون في غزّة
فانون في غزّة

فانون في غزّة.. العقل كملجأ أخير

يُقدم هذا المقال قراءة في ممارسات الاستعمار الإسرائيليّ خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة من منظور فرانز فانون

هبة حمارشة

كريستيانو رونالدو

من طفولة ماديرا إلى رمزية القوة الناعمة: رحلة صعود كريستيانو رونالدو

تحوّل كريستيانو رونالدو من طفل فقير في ماديرا إلى أيقونة عالمية تجمع بين المجد الرياضي والتأثير السياسي والإنساني

محمد العربي

عملية بيت جن

اقتصاد الأمن وصناعة المُخبرين المحليين كبنية خفية لعملية جنوب سوريا

يكشف هذا المقال تفكك المنظومة الأمنية جنوب سوريا وصعود سوق معلومات معقّد يدمج الانهيار الاجتماعي بالاختراق الاستخباراتي

مهيب الرفاعي

الخبز والسلطة

سياسات الخبز: من القوت اليومي إلى هندسة الطاعة

الدولة لا تُشبع مواطنيها، بل تُبقيهم على حافة الشبع، في منطقة رمادية بين الاكتفاء والعوز، حتى تظل يدها ممدودة كمنّة لا كواجب

حسن زايد

المزيد من الكاتب

عثمان أمگور

كاتب وباحث مغربي في السياسية والفكر

حوار| لورينا غازوتي: المساعدات الدولية توسّع شبكة المتورطين في مشروع ضبط الهجرة بالمغرب

ترى الأكاديمية الإيطالية لورينا غازوتي أن سياسات الهجرة تحوّلت لأداة ضبط عابرة للحدود، يمارس فيها المغرب والمانحون نفوذًا يوسع شبكة التحكم