يعدّ عالم الموضة أحد محرّكات الاقتصاد العالمي المتحكّمة في العالم، بصورة يتّضح فيها دور تصنيع الملابس في تكريس المركزية الغربية، إذ كرسّت الموضة السريعة كظاهرة إنتاجية، الانصياع لنوعٍ من الهيمنة الاقتصادية والثقافية في عالم الأزياء وممارسة دور في رسم الثنائيات؛ المركز والهامش بين كل من الشمال والجنوب العالمي.
الشمال العالمي
ولا يقتصر دور الموضة في جعل الشمال العالمي مركزًا لدور الأزياء العالمية وبناء عواصم الموضة كمرجعٍ عالمي في تقرير الذوق الرفيع وأساسيات الإتيكيت والفنّ في تصنيع قطع الملابس، لكنّها أصبحت ذات ممارسة استعمارية فاعلة، تحط من قدر دول الجنوب العالمي التي يعزّى لها دور كبير في تقدم اقتصاد دول الشمال القائم على الأزياء.
ويتضح ذلك بممارسات عملية تخدِم التصعيد في مشاكل المناخ واستنزاف الثروات الطبيعية والبيئة لدول الجنوب، لصالح قطاع الموضة في الغرب، والذي بدوره لا يغفل عن الاستهلاك البشري للأيدي العاملة، بصورة تحيد حقوق الإنسان مع تجاوز النظر لهؤلاء البشر ككفاءات إبداعية، بينما تتم معاملتهم من منظور خطاب الغرب الفوقي القائم على انتمائهم للجنوب العالمي.
وقد ضلعت سلطة الإنتاج في عالم الموضة بدور يمكن توصيفه بالاستعماري، انعكس على إعادة إنتاج مدن الجنوب العالمي وفق ديناميكيات تجعل من هذه المدن محفزةً للتقدم الاقتصادي في دول الشمال، وفي نفس الوقت حاملةً لمخلفات الموضة الغربية وتحويل فضاءاتها إلى مدنٍ مكدسة بنفايات الملابس، ولا يستثنى من ذلك تكريس عقبات تحول دون تقدمها، وتجعل من معضلاتها الاقتصادية والاجتماعية ذات أبعاد تتجاوزها كمفتعل لهذه المعضلات ليتحدّد العامل الخارجي كمفتعل رئيسي فيها.
فكيف يقوم قطاع الموضة كأحد أبرز القطاعات المحفزة لتقدم دول الشمال العالمي في إعادة إنتاج مدن الجنوب، وممارسة عالم الأزياء لهيمنة استعمارية قائمة على الاستعمار عبر سلاسل التوريد وتكريس الممارسات الاستعمارية عبر خطاب ناعم قائم على الترويج لعالم الأناقة والجمال؟
مدن منتجة لكنها موبوءة
يعود عالم الاجتماع الماركسي هنري لوفيفر إلى أن الرأسمالية عكفت على تغيير وجه المدن بجعلها مركزًا لسرعة الإنتاج والاستهلاك، إذ أصبحت تُقاس حداثة المُدن وتقدّمها بسرعة وتيرة التصنيع، وقد كرّس ذلك مركزية مدن على حساب تهميش أخرى؛ ما أدّى إلى إقصاء الحق في المدينة كحق اجتماعي مشترك لجميع السكان في تشكيل الفضاء الحضري الذي أصبح خاضعًا لرأس المال، بحيث أصبح الفضاء ينأى عن التفاعل الاجتماعي نحو أولوية تحقيق التفاعل عن طريق الربح.
إذ استهدفت الرأسمالية جعل الهيمنة الاقتصادية منطلقًا في رسم حداثة المدن الغربية، وهذا ما يمكن رؤيته في جعل الموضة كفاعلٍ اقتصادّيٍ مرتبطة بعواصم عالمية بعينها، وخلق تباين بينها وبين مدن أخرى، ولا تنحصر انعكاسات الرأسمالية المرتكزة للإنتاج والاستهلاك السريع في تبعاتها على هندسة الفضاء الحضري الغربي والذي يعد المستفيد الأكبر في سياق المركزية الغربية، إذ ثمّة أبعاد لرأسمالية الإنتاج الغربي تتمثل في حصر دول بعينها في حالة التخلف، والتراجع لكونها لا تمتلك السير مع تيار التقدم العالمي وإن كانت محركا فاعلًا له.
الموضة السريعة
وتعد الموضة السريعة أحد محقّقات الهيمنة الاقتصادية العالمية لدول الشمال، والتي يُمكن القول إنّها أعادت إنتاج دول الجنوب العالمي عن طريق نقل عبء الإنتاج السريع لقطاع الملابس إلى تلك الدول، وهو ما مارست خلاله دورها الاستعماري بجعل دول الجنوب ذات بعد وظيفي في تحريك اقتصادها، فتعتمد كبرى شركات الموضة الغربية على دول مثل أثيوبيا وفيتنام وبنغلاديش والمغرب وتونس في تصنيع الملابس، مما يخلّصها من عبء الإنتاج ويجعل من هذه الدول مصدرًا لاستغلال الموارد والأيدي العاملة.
كما ينطبق على هذه المدن في توصيف "ضحية الموضة" نظرًا للثمن الباهظ الذي تدفعه، بمشاكل التلّوث والتدهور البيئي الناتجة عن تصنيع الملابس للشمال العالمي؛ ما يخلق معيقات للتقدّم، ولا ترتكز دول الشمال على تحميل هذه الدول عبء المصانع والورش المنتجة للموضة السريعة فقط، وإنما تمارس هيمنتها الاستعمارية بجعلها تابعة لها في تعطيل الإنتاج المحلي وجعلها معتمدة عليها في إعادة استيراد ما يجري تصنيعه، ولكن كقطع مستعملة.
إلى هنا، تستغلُّ دول الشمال حالة الفقر لدول الجنوب بتصدير الملابس المستعملة لها، وبحسب تقرير صادر عن وكالة الأنباء الأميركية أسوشيتد برس فإن 40% من الملابس التي يتم تصديرها لغانا وحدها أسبوعيًا ينتهي بها المطاف في مكبات النفايات. إذ تعدّ هذه القطع غير قابلة لإعادة الاستخدام أو البيع وذلك نظرًا لما تقتضيه سياسة الإنتاج السريع من إنتاج قطع رديئة للحفاظ على وتيرة الطلب والاستهلاك.
وقد دفع ذلك، إلى تحويل دولٍ عديدةٍ إلى مكبات نفايات، إذ يُرمى الفائض من الملابس المستعملة في الشواطئ والبحيرات وقنوات الصرف الصحّي، فغدت الملابس المستعملة وباءً يهدد المجتمعات والبيئة في دول الجنوب، وهو ما مارست من خلاله دول الشمال العالمي التحكّم في شكل المدن وتحويلها إلى دول تخدم هيمنها الحضارية والاقتصادية، ولا يقتصر ذلك في تبعاته على الدول بعينها، إذ يمسّ ذلك حقوق السكان في مدنهم، وهي حقوق يجري انتهاكها بجعل فضاءات المدن في الجنوب العالمي موبوءة بالإنتاج السريع الذي يهدد البيئة ومواردها لصالح هيمنة دول الشمال، بالإضافة إلى انتشار الأمراض الصحية الخطيرة الناجمة عن التلوث.
أزمات حقيقية واستنزاف مستمر
تنعكس تبعات قطاع الموضة السريعة على الجنوب العالمي، بما كرسته سلطة الإنتاج من نظرتها للجنوب بصورة تنسجم مع النزعة الاستعمارية الغربية، إذ يعود الاستعمار عبر سلاسل التوريد، إلى تكريس الدول الفقيرة خدمة لهيمنته، وهو ما يحيل إلى وجهٍ آخر للترويج لعالم الأناقة، قائم على استمرار النزعة العنصرية المرتكزة لانتهاك حقوق الإنسان.
وبالرغم من أن العلامات التجارية تحقق أرباحًا طائلة على خلفية استغلال الأيدي العاملة والموارد في دول عدة كأثيوبيا على سبيل المثال، إلا أنها لا تتعامل مع العاملين ككفاءات، وهو ما ينعكس في الأجور المتدنية وظروف العمل السيئة؛ إذ تستفيد الدول القائمة على ريادة الموضة من ضعف الرقابة في دول الجنوب لتوظيف آلاف العمال بظروف خطرة وأجور سيئة، بصورة يتضح فيها استغلال الظروف الاجتماعية لتكريس شكل من أشكال العبودية العابرة للحدود، وهو ما يخالف خطاب حقوق الإنسان المتبنى من الغرب فيما يتعلق بالتعامل مع البشر وفق منظومة الإنتاج والتسليع.
إن الارتكاز إلى الاستغلال البشري في بناء مدن الموضة والعلامات التجارية في الغرب يجعل من الاستنزاف البشري ضرورة لتحريك الاقتصاد في دول الشمال، وهو ما يعني أن الممارسات الاستعمارية عبر قطاع الملابس لا تنحصر باستغلال ثروات الجنوب العالمي وحسب وإنمّا استنزاف الطاقات البشرية بالدرجة الأولى، على سبيل المثال تترك النساء في إثيوبيا الريف وتتجه للمدن للعمل بأجور سيئة، وهو ما يحقق ما اتجه إليه لوفيفر بجعل الإنتاج مركز المدن وفق معايير الرأسمالية، إلا أن مركزية الإنتاج في مدن الجنوب العالمي لا تخدم جعلها مدن حديثة، وإنما تعيد إنتاجها كمدن تكرس الفارق بينها وبين الدول الحديثة وتعمل لصالحها.
وبالتالي؛ فإن تكريس التبعية الاقتصادية باستهداف اقتصاد الدول الفقيرة الهش وتهميشها يخلق استمرارية استعمارية تخدم خطابا أوسع لا يقتصر فقط على احتكار عالم ريادة الموضة والأزياء للشمال العالمي ، وإنما يتجاوز ذلك إلى أزمات أعمق ومنها التدمير البيئي كأداة استعمارية، إذ حقق تصدير الملابس المستعملة لدول الجنوب مشكلات بيئية كتلوث المياه الذي يعد ظاهرة خطيرة في دول الجنوب المهددة بانعدام الأمن المائي لأسباب أخرى لها علاقة بطبيعة المناخ والجفاف، وكذلك تحوّل فضاءات بأكملها إلى مكبات نفايات، وهو ما يعني تقويض المدن عن وظيفتها التي تقتضي التفاعل الاجتماعي وتحقق محيطا تفاعليًا لديمومة العنصر البشري.
الاستعمار البيئي
ويعد العبث بالحياة اليومية لشعوب الجنوب العالمي إحدى تبعات استحواذ دول الشمال على المؤسسات المصنعة للملابس، في تلك الدول، وهو ما وصل حد تهديد حياة السكان بسبب ما يلحق البيئة من آثار كارثية، ففي تونس تحول خليج قصيبة المديوني إلى مكرهة جراء التلوث الناجم عن صباغة الجينز الذي يتم تصديره للدول الأوروبية، بعد أن كان وجهة جذابة لصيد الأسماك والحياة البحرية والبشرية، ففي مدينة المنتسير تحولت الشواطئ السياحية إلى شواطئ ملوثة، طالت الأحياء الشعبية، إذ أصبح من النادر أن يتمكن الصيادون من إيجاد الأسماك، كما تنفذ الرائحة الكريهة الصادرة من الشاطئ للأحياء السكنية.
ختاما؛ تنقل العديد من كبرى شركات العلامات التجارية العالمية عملية التصنيع إلى دول الجنوب العالمي بهدف خفض التكاليف وزيادة قدرتها التنافسية، فضلًا عن أنها وجهة مناسبة لتحفيز الإنتاج السريع نظرًا لضعف الرقابة في تلك الدول، وهو ما يتم من خلاله ارتهان دول الجنوب العالمي لديمومة الإنتاج والمركزية لصالح دول الشمال العالمي، إذ تنجح بذلك الدول الغربية بتعطيل الإنتاج المحلي لتلك الدول لصالح التصدير العالمي بصورة تستزف الموارد الطبيعية والبشرية، ما أصبح يقوم به قطاع الملابس بتعزيز الهيمنة الغربية الاستعمارية من خلال سلاسل التوريد وحصر مدن الجنوب بدور وظيفي يخدم تنامي اقتصاد دول الشمال.
يعدّ الاستعمار البيئي الناتج عن استمرارية تكريس مدن الجنوب لصالح الموضة السريعة في الغرب أحد الجوانب المظلمة لعالم الأناقة، وهو ما يُؤثّر بدوره على الإنسان والثروة الحيوانية بصورةٍ تتجاهلهما كعنصرين مؤسسين للحياة على الكوكب، ما يحول المدن في الجنوب إلى مدن ميتة كرديف للمدن الحديثة في الغرب، نظرًا للاستنزاف المستمر القائم على المحيط المعاش، إذ يمكن القول أن رسم تراتبية الإيقاع المعاش في عواصم الموضة والمدن الغربية الحديثة، قابله هدم إيقاع الحياة في مدن الجنوب التي تدفع ثمن وتيرة الإنتاج السريع بالفقر والتلوث وفقدان توازن الحياة في تيار هيمنة دول الشمال العالمي.