أثار قرار الجزائر الشروع في تدريس العلوم الطبية باللغة الانجليزية ابتداءً من السنة الجامعية المقبلة حفيظة الأوساط السياسية والإعلامية في فرنسا، لأن القرار يعتبر خطوة جديدة للتخلص من المقاربة التعليمية الفرنسية التي ظلت لسنوات موجودة في المدرسة والجامعة الجزائرية، كغيرها من بلدان المغرب العربي الأخرى التي فَرْنَسَت منهاجها إلى مستويات أعلى مما هو موجود في الجزائر، التي يظل عندها هذا الخلل محصورًا في مقررات ومناهج معينة ومحدودة.
ورغم تخلص دول المغرب العربي من الاحتلال الفرنسي منذ عشرات السنوات، فإن باريس حرصت على أن تبقي المنظومات التعليمية لدول المغرب وموريتانيا وتونس والجزائر مرتبطة بالمقاربة الفرنسية في هذا المجال، بالرغم من تراجع منهاجها التعليمي عالميًّا، إذ لم يعد ذلك النموذج الذي يدهش المختصين والباحثين في مجال التربية والتعليم والبيداغوجيا.
فَرْنَسة الواقع
لا يعد استهداف العملية التعليمية في الجزائر من قبل فرنسا أمرًا جديدًا، بل ظل على الدوام أحد العوامل التي سعت باريس إلى تكريسها بكل الطرق، وذلك منذ احتلالها للجزائر في 1830، عبر محاربة كل ما يرمز للهوية الجزائرية، فقضت على التدريس باللغة العربية واستبدلت به لسانها الإفرنجي، إضافة إلى عدم تمكين كل الجزائريين من حق التعليم، بالنظر إلى أن الهدف كان تحويل الشعب الجزائري المتعلم إلى أمي، وهو ما تحقق بنسبة كبيرة بعد 132 سنة من الاحتلال.
وبعد الاستقلال، لم يكن التحرر من المناهج الفرنسية في النظام التعليمي أمرًا سهلًا، لذلك استمر التدريس بلغة الاستعمار، حيث لم تتمكن الدولة الفتية وقتها من الشروع في عملية التعريب إلا بعد سنتين من الاستقلال، حيث تقرر في الموسم الدراسي 1965/1966 الشروع في التدريس بالعربية في السنة الأولى الابتدائية، إضافة إلى مضاعفة الساعات المخصصة للغة العربية في المراحل التعليمية الأخرى من الابتدائي والمتوسط والثانوي.
ولكن رغم هذه القرارات المتخذة للتخلص من الفرنسية لم يكن الأمر سهلًا بالنظر إلى أن المدرسة الجزائرية كانت تواجه صعوبات تأطيرية جرّاء نقص المعلمين، لذلك لم تعرّب السنة الثانية الابتدائية كليًّا إلا في سنة 1967، حيث تقرر عدم تدريس أي مادة تعليمية بأي لغة أجنبية وتعميم تعريب كل البرنامج في هذا العمر الحساس للتلاميذ، لكونه يرسم مسارهم وجوهرهم التعليمي.
وانطلق قطار التعريب للمنظومة التربوية في 1971 عند صدور قرار بتدريس مختلف المواد في جميع المراحل التربوية باللغة العربية، إلا أن هذا القرار لم ينجح كليًّا في السبعينات بسبب نقص المكونين، وهو ما أنتج ازدواجية في التعليم، بين مسارين أحدهما يدرس بالعربية، والآخر مستمر في التلقين بالفرنسية، لكن هذا الوضع زال بعد تعاقب السنوات، بالنظر إلى تزايد عدد خريجي الجامعات الذين بإمكانهم التدريس بالعربية، رغم استمرار تدريس عدة تخصصات جامعية إلى اليوم - وبالخصوص العلمية - باللغة الفرنسية.
غير أن هذه الخطوات لم تقضِ بحسب خبراء التعليم على المناهج الفرنسية في المنظومة التربوية الجزائرية التي استمر تطبيقها بأشكال مختلفة تأثرت أحيانا بالظروف السياسية التي مرت بها البلاد، وهو ما خلق صراعًا مستمرًّا حتى اليوم بين المعربين والفرانكفونيين الذين استطاعوا عبر عمليات "إصلاح المنظومة التربوية" تضمينها مناهج فرنسية لا تتناسب مع الجانب التربوي والتعليمي الذي يجب أن يخضع له الطالب الجزائري.
وبرز هذا الواقع بشكل جلي مع لجنة إصلاح المنظومة التربوية سنة 2003 التي ترأسها رئيس جامعة باب الزوار علي بن زاغو، والذي ضم إلى الهيئة الاستشارية أعضاء ذوي توجهات فرانكفونية، لذلك مرروا أجنداتهم التغريبية في تلك الإصلاحات، وفق ما يقوله المختصون في علوم التربية، والتي انطلقت وقتها باستعمال الرموز اللاتينية بدل العربية في المواد العلمية كالعلوم الطبيعية والفيزياء والرياضيات.
وأخذت هذه الإصلاحات منحًى تصاعديًّا في عهد الوزيرة السابقة نورية بن غبريت المتهمة بالاستعانة بخبراء فرنسيين لتمرير الأجندة التربوية التغريبية التي كانت تعمل عليها وقتها، وبالتحديد ضمن ما اصطلح عليه "إصلاحات الجيل الثاني" التي شُرع في تنفيذها سنة 2016.
وكشف وقتها المدير الفرعي السابق المكلف بالتعاون والعلاقات الدولية بوزارة التربية الجزائرية حمزة بلحاج أن إدارة بن غبريت استعانت بأحد عشر خبيرًا فرنسيًّا ضمن برنامج تعاون مع باريس انطلق منذ 2013 واستمر حتى 2016.
وقال بلحاج إن بن غبريت أعطت برنامج التعاون - الذي كان جزئيًّا - أكثر من حجمه وذلك ضمن سعيها لـ"التدرج في إعطاء مكانة مركزية للغة الفرنسية والتدريس باللغة الفرنسية مع محاصرة العربية".
ولا يختلف الوضع في المغرب، بل ربما قد يكون أكثر قسوة بالنظر إلى أن المملكة لم تخضع لاستعمار استيطاني دام 132 سنة كالجزائر، إنما كان الوجود الفرنسي حمايةً احتفظ فيها الملك بسلطته.
ووفق ما جاء في مقالة بموقع "موروكو 22"، فإنه "منذ استقلال المغرب في العام 1956، استمر التأثير الفرنسي على النظام التعليمي لعدة عقود"، فقد اعتمد النظام المغربي على النهج الفرنسي في تنظيم وإدارة التعليم، حيث كانت الفرنسية هي اللغة الرسمية في التعليم، مما أدى إلى تأسيس العديد من المدارس الفرنسية في المملكة المغربية، وتخرج العديد من الطلاب من هذه المدارس بشهادات فرنسية.
ويوجد اليوم بالمغرب 45 مدرسة من مدارس البعثة الفرنسية، وهي من أكبر أعداد المدارس الفرنسية في العالم، ويدرس فيها أكثر من 46 ألف طالب، 70% منهم مغاربة، وهو رقم عالٍ إذا ما قورن فقط بالجارة الجزائر التي تحتضن مدرسة فرنسية واحدة، هي ثانوية ألكسندر دوما الكائن مقرها في العاصمة الجزائر.
ولا يقتصر هذا الوضع على المدارس الفرنسية فقط، بل حتى على المؤسسات التعليمية الحكومية، فتعريب المنظومة التربوية لم يتم إلا مع مطلع الثمانينات، وفي 2018 عادت الرباط لانتهاج ما كان مطبقًا بعد الاستقلال بمصادقة البرلمان على إعمال مبدأ التناوب اللغوي في التدريس، من خلال العودة لتدريس المواد العلمية والتقنية باللغة الفرنسية.
وتُدرس الفرنسية في المغرب ابتداء من السنة الثالثة ابتدائي، بمعدل ساعة وخمسين دقيقة تقريبا في اليوم، وهو حجم ساعيٌّ عالٍ بالنسبة لطفل ما زال في بداية تكوين زاده اللغوي، فيما لم تكن الانجليزية تُدّرس إلا في الطور الإعدادي، وذلك بالنظر إلى أن مشرعي المناهج التعليمية في المغرب يعتبرونها لغة للثقافة.
وأقرّ البرلمان المغربي يوم 23 تموز/يوليو 2019 القانون الخاص بتعزيز مكانة اللغة الفرنسية في المدارس بموافقة 241 نائبًا، وهو ما شكل إصرارًا على بقاء المناهج التربوية في البلاد رهينة للنظرة الفرنسية الاستعمارية.
وبالنسبة لتونس، فإن المدارس الفرنسية كانت موجودة حتى قبل الحماية الفرنسية، إذ أسست أول مؤسسة تعليمة فرنسية سنة 1840، قبل أن يتم بعث 10 مدارس أخرى قبيل بداية الاستعمار الفرنسي، وتدير هذه المدارسَ مؤسسات دينية كاثوليكية، ما يعني أن الأمر لا يتعلق فقط بالجانب التعليمي إنما بخطة شاملة تخص مختلف الجوانب الهوياتية للتونسيين، وبالخصوص الدين واللغة.
وحتى 2020، كان يوجد في تونس تسع مدارس فرنسية معتمدة ضمن شبكة التعليم الفرنسي بالخارج، كما ساعد القطاع الخاص في زيادة التعليم بالمناهج الفرنسية.
وحسب صحيفة الصباح المحلية، فإن النظام التربوي الفرنسي يأتي في صدارة الأنظمة التربوية الأجنبية المعتمدة في تونس، بثلاث عشرة مؤسسة تربوية ابتدائية، مستغلة بذلك تراجع التعليم العمومي الحكومي جرّاء الإكراهات المالية التي تواجهها الحكومة في السنوات الأخيرة.
وفي موريتانيا التي استقلت عن فرنسا سنة 1958 لم يكن التخلص من مناهج المستعمر سهلًا، فرغم الإصلاحات المتوالية التي شهدها قطاع التعليم، ظلت الفرنسية لغة للتعليم، ولم يستطع الإصلاح التربوي لسنة 1973 - الذي كان مهمًّا للمنظومة التدريسية - الخروجَ من دائرة النظام التعليمي الموروث عن فترة الاحتلال، إذ أقر الازدواجية في التعليم إما باللغة العربية أو الفرنسية.
وبدوره، كرس إصلاح 1979 مسارين للتعليم في موريتانيا أحدهما بلغة الوطن العربية والآخر بلسان المحتل الذي بقي موجودًا في النظام التعليمي للبلاد، لكن ساهم هذا الإصلاح في جعل العربية لغة التدريس في أغلب الأطوار التربوية.
غير أن أخطر إصلاح شهدته بلاد شنقيط كان ذلك الذي تم سنة 1999، حيث يشير المنسق العام لهيئة الساحل المعلوم أوبك في مقال إلى أنه كان في الأساس "إجراءً سياسيًّا هدفه غير العلني تكريس اللغة الفرنسية على جميع مرافق الحياة في موريتانيا، وهو ما تسبب في تراجع المنظومة التربوية وارتفاع التسرب المدرسي وإضعاف المدرسة العمومية"، مقابل بروز مدارس خاصة لا تلتزم بالمناهج التربوية المسطرة من قبل الحكومة، لتستمر بذلك السياسة التعليمية الفرنسية في المنهاج الدراسي الموريتاني حتى ولو مر على خروج المحتل أكثر من نصف قرن.
وتدرس المواد العلمية في الطور الثانوي في موريتانيا إلى اليوم باللغة الفرنسية، وهو ما جعل نسبة النجاح في امتحان البكالوريا (الثانوية العامة) هزيلة إلى أقصى الحدود، حيث لم تتعد سنة 2021 على سبيل المثال 8% فقط، مما يعني أن المناهج الفرنسية لم تصبح كما يصورها المتشبثون بها جزءًا من حلول التعقيدات التعليمية وإنما جزءًا من المشكلة التربوية في البلاد.
رفض شعبي
رغم تخييم الطيف الفرنسي على المناهج التربوية المغاربية، فإنه من الإنصاف أيضًا الإقرار بأن رفض هذا الفكر التغريبي شكّل على الدوام أحد المطالب الأساسية للأسرة التعليمية في مختلف الدول، بهدف التخلص من رواسب الاستعمار وجعل المدرسة تعبّر بحق عن الهوية الوطنية، وهو ما عكسته على الأقل سياسات التعريب التي انتهجت في هذه الدول.
وتضاعفت مطالب تطهير البرامج التربوية من كل ما هو فرنسي بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وخاصةً بعد تراجع اللغة الفرنسية والنظام التعليمي الفرنسي الذي يحتل اليوم المرتبة 23 عالميًّا، وفق مؤشر المعرفة العالمي لـ 2024، والذي لا يتناسب مع بلد يُصنَّف اقتصادُه في المرتبة السابعة عالميًّا.
في موريتانيا، بدأ هذا المطلب يأخذ شكلًا جديًّا منذ انعقاد الأيام التشاورية حول إصلاح النظام التعليمي في خريف 2021، والتي دعت إلى اعتماد العربية لغة موحدة لتدريس المواد العلمية في التعليم الأساسي والثانوي، لتكون بديلة للفرنسية المعتمدة منذ 1999 لتدريس المواد العلمية الأساسية.
ولئن كان التخلي عن اعتماد الفرنسية لغةً أجنبية أولى قد أصبح اليوم مطلبًا شعبيًّا ونخبويًّا، فإنه يبقى يواجه رفضًا داخليًّا مدعومًا من الخارج حتى في موريتانيا المعروفة ببلد المليون شاعر، حيث تُعارض بعض الجهات والأحزاب السياسية تطليق الفرنسية.
ويتصاعد التشبث بهذا المطلب، بعد أن توصلت "الهيئة الموريتانية لتمكين للغة العربية وتطوير لغاتنا الوطنية" إلى أن التدريس باللغة الفرنسية يعمّق من الفوارق الاجتماعية ويجعل التعليم غير قادر على لعب دوره في الترقية الاجتماعية.
وفي الجزائر، نددت مختلف نقابات قطاع التربية والتعليم وعدة منظمات وأحزاب في السنوات الماضية، بإصلاحات لجنة علي بن زاغو، وبعدها بإصلاحات الجيل الثاني التي اعتمدتها وزارة التربية السابقة نورية بن غبريت.
وتضمنت إصلاحات الجيل الثاني تقليص الحجم الساعيّ للغة العربية رغم أنها من مواد الهوية الوطنية الجزائرية إلى 5 ساعات أسبوعيًّا فقط، حيث أصبح تقريبًا معادلًا للحجم الساعي للغة الفرنسية التي تُدرس أربع ساعات ونصف أسبوعيًا، مع الاكتفاء بساعتي تدريس فقط أسبوعيًا في اللغة الإنجليزية، وبساعة فقط في مواد الهوية كالتاريخ والتربية الإسلامية والجغرافيا والتربية المدنية، وبالرغم من أن هذه الإصلاحات قديمة فإنه لم يشرع في تطبيقها إلا سنة 2016.
وطالبت نقابات وبرلمانيون بوقف هذه الإصلاحات، فقد قال البرلماني السابق مسعود عمراوي وقتها إن "الواقع يؤكد في كل مرة وبما لا يدع مجالًا للشك أنْ لا هدف لبن غبريت من الناحية البيداغوجية والتعليمية منذ مجيئها سوى فَرْنَسة المدرسة الجزائرية".
ونظمت النقابات عدة احتجاجات، ومنها الاتحاد الوطني لعمال التربية والتكوين، الذي أكد أنه يرفض "تعريض المنظومة التربوية للسلخ والمساس بالثوابت والهوية الوطنية والعمل على فرنسة التعليم وتهميش مؤطري التربية الجزائريين من عملية وضع المناهج وإنجاز الكتاب المدرسي".
واستمر هذا النضال النقابي في الجزائر حتى حراك 22 شباط/فبراير 2019 الذي رفع شعارات منددة بالعلاقات غير الندية مع فرنسا وسعيها لفرض مناهجها وثقافتها في نواحي عديدة من حياة الجزائريين، لذلك لم يتردد وزير التربية السابق محمد واجعوط الذي جاء بعد حراك 2019 في القول صراحة إن المناهج التربوية المدرجة ضمن إصلاحات "الجيل الثاني" مكّدسة بالأخطاء، وتحتاج إلى إعادة قراءة وتصحيح، بالنظر إلى أن "بعض المصطلحات، بعيدة كل البعد عن الحقل المعرفي والدلالي".
وفي المغرب، عبّرت تنسيقية أساتذة الفيزياء والكيمياء بالسلكين الثانوي الإعدادي والتأهيلي، عن قلقها الشديد جرّاء " تدهور التحصيل الدراسي لدى المتعلمين في هذه المادة، بسبب فرض الفرنسية وإلغاء المسلك العام "خيار عربية" من قبل رئيس الحكومة عزيز أخنوش سنة 2022.
وشددت التنسيقية على أن فرض الفرنسية كلغة تدريس في السلك الإعدادي أصبح مانعًا لكثير من المتعلمين من اختيار التوجه العلمي، مطالبة في الوقت ذاته بالإبقاء على المسلك العام "خيار عربية" بناء على مقتضيات الفصل الخامس من الدستور المغربي.
وقال رئيس الحكومة المغربي السابق عبد الإله بن كيران في مقال نشر على موقع حزب العدالة والتنمية سنة 2022 إن المسار الذي يجري المضي فيه بخصوص تعميم الفرنسة في التعليم في المغرب يندرج في إطار مخطط لطمس الهوية العربية الإسلامية، وتكريس التبعية للفرنسية.
وحتى في تونس التي لا تعرف نقاشات واحتجاجات كبيرة للتخلص من النهج الفرنسي في المقررات الدراسية، تتعالى أصوات تنادي بمعالجة هذا المرض، حيث دعا عدد من النشطاء في تشرين الأول أكتوبر 2022 إلى حذف اللغة الفرنسية من مناهج التعليم في تونس، ولكن تظل هذه الأصوات خافتة مرتبطة في الغالب بأحداث سياسية على عكس ما يتم في الدول المغاربية الأخرى.
انطلاقة التغيير
رغم المطالب المتكررة في الجزائر للتخلص من الفرنسية والمناهج المرتبطة في المسار التعليمي في البلاد، فإن ذلك لم يتحقق بشكل واسع إلا بعد حراك 2019 الذي استطاعت فيه البلاد أن تتخذ قرارًا بوقف إصلاحات الجيل الثاني، والشروع في رفع ساعات اللغة الانجليزية للتحول من التعليم الفرانكفوني نحو الأنجلوساكسوني في سنوات لاحقة.
وأطلقت وزارة التعليم العالي الجزائرية في تموز/يوليو 2019 استفتاء يخص تعميم اللغة الإنجليزية في كلياتها، وجاءت نتائجه لصالح هذا القرار، وهو ما جعل الحكومة تقرر الشروع في تدريس الانجليزية ابتداء من السنة الثالثة الابتدائية خلال السنة الدراسية 2022/2023، والذي تم بالتوازي معه الشروع في تقديم مذكرات باللغة ذاتها في الجامعات.
وباشرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بعد عام من ذلك توسيع اعتماد التدريس باللغة الإنجليزية خلال الموسم الجامعي 2023-2024، لتشدد في شهر نيسان/إبريل الماضي بمواصلة تنفيذ برامجها لتعزيز التكوين باللغة الإنجليزية، وإيداع كل مؤسسة جامعية خطتها حول رفع مستوى التكوين بهذه اللغة للموسم الجامعي المقبل لتعميم العملية، وهو ما يعني التخلي عن التدريس بالفرنسية المعتمدة اليوم في التخصصات العلمية.
ولعل أهم إجراء يتمثل في توسيع هذا القرار ليشمل كلية الطب، حيث وصف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون اعتماد اللغة الإنجليزية في تدريس تخصص الطب بدلًا من الفرنسية بـ "الصائب".
وفي موريتانيا، حتى وإن كانت عملية التخلص من الفرنسية لا تجري بالوتيرة ذاتها في الجزائر، فإن البلاد خطت أولى خطواتها، ففي تشرين الأول/أكتوبر 2024 تم الإعلان عن انطلاق نشاط مدرسة نواكشوط للأعمال، وهي أول جامعة تعتمد التدريس بالانجليزية في البلاد.
وفي المغرب، جرى البدء في تجربة تدريس اللغة الإنجليزية لتلاميذ السنة السادسة من التعليم الابتدائي بشكل محدود اعتبارًا من العام الدراسي المنقضي 2024-2025.
لكن هذا القرار يبقى يكتسي الكثير من الريبة في الرباط، بالنظر للعلاقة الوطيدة التي تربط النظام في المغرب بباريس، حسب رئيس الحكومة السابق بن كيران الذي قال إن "النقاش الدائر حول توسيع استعمال اللغة الإنجليزية في التعليم إلى جانب الفرنسية هو للإلهاء فقط، لأن الموجود هو تعميم الفرنسية وتعزيزها".
وخلال الزيارة التي قام بها ماكرون إلى المغرب في تشرين الأول/أكتوبر 2024، كان التعليم ضمن القطاعات التي شملتها الاتفاقات الموقعة بين البلدين.
ورغم أهمية القرارات المتخذة في الدول المغاربية للخروج من قوقعة المناهج الفرنسية حتى وإن اختلفت درجتها وأهميتها من بلد لآخر، يظل الأهم هو القدرة على جعل هذا التوجه يوسّع إلى مختلف النواحي الحياتية، فالفرنسية ربما لم تعد اليوم غنيمة حرب كما وصفها الكاتب الجزائري كاتب ياسين يومًا، بل هي استمرار لحرب، إن تواصلت سيطرتها على مختلف النواحي الحياتية والاقتصادية للدول المغاربية.