على شاشات التلفزة عشرات من الشخصيات المعارضة، وعشرات البرامج التلفزيونية اليومية التي تستضيف شخصيات شيعية معارضة، وشخصيات مواليةٍ للثنائي الشيعي (المكوّن من حزب الله وحركة أمل)، والنقاش الدائم يكون صداميًا لتبيان أخطاءِ حزب الله، دون أن يكون النقاش حول ماذا بعد؟ ما الطروحات البديلة؟ وكيف يُمكن تحقيق هذه الطروحات النظرية؟ مساراتها وآليات عملها ونتائجها المرجوة.
يتواطؤ في هذه النقاشات كل من المحاور والضيوف والجمهور، والهدف منها غالبًا تسجيل نقاط دون الوصول إلى قواسم مشتركة، مما قد يخلق انطباعًا لدى شريحة واسعة من الجهور الشيعي المؤيّدة للثنائي بأن المعارضة الشيعية إنما تستهدف الشيعة وتستهدف وجودهم، إذ هناك هواجس عند قرى الشريط الحدودي يجب أخذها بعين الاعتبار، وهواجس عند فئة كبيرة من الشيعة، وهذا لا يعني تبرئة الثنائي من العمل على تكبير هذه الهواجس لتصوير الآخرين وكأنهم وُحوشٌ يريدون الانقضاض على الطائفة.
المشكلة في مصطلح "المعارضة الشيعية" أنه يربط هذه الحركة الاعتراضية مباشرة بمواجهة الثنائي الشيعي، مما يجعلها مجرّد رد فعلٍ سياسي وليست فعلًا سياسيًا مستقلًا؛ فإذا تراجع الثنائي، ستجد المجموعات الشيعية نفسها بلا هويّة واضحة، لأن وجودها كان مشروطًا بوجود الثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل، فإذا زال احتكارهما وهيمنتهما على الطائفة الشيعية أو انكفأوا إلى حدٍّ ما وانخرطوا في مشروع الدولة، حينها لن تجد المعارضة الشيعية من تواجهه وسيصبحُ مشروعها خاويًا من الأهداف.
من هنا وجب بناءُ مشروعِ سياسيّ متكامل مستقلِّ يتجاوز فكرة المعارضة المباشرة للثنائي الشيعي إلى ما هو أبعد، وبغض النظر عن وجود حزب الله وأمل أو عدم وجودهما، وهذا يعني عدم الاكتفاء بالنقد، بل تقديم رؤية لبنانية جديدة داخل الطائفة وخارجها، ويستوجب هذا، إعادة تعريف المشروع السياسي للمعارضة الشيعية بعد التغييرات الإقليمية الجذرية التي أنتجتها الحرب الأخيرة، بينها سقوط نظام الحكم المستبد في سوريا، وتراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، وتبيان عدم تحقق أهداف حزب الله وشعاراته العسكرية لأمد بعيد، كل ذلك أعاد خلط الأوراق، لا سيما مع انتخاب رئيسٍ للجمهورية ورئيس للحكومة اللبنانية وانفكاك عقد التحالفات السياسية التي قامت منذ العام 2005 وتأثيراتها على الداخل اللبناني.
أمام كل هذا، يكون إعادة تعريف معنى "المعارضة الشيعية" ضروريًا، فالمصطلح إنما يشير إلى حالة معارضة تبني سياساتها على معارضة الآخر، الثنائي الشيعي، دون أن يكونَ لها خطابها السياسي الخاص. ليست السياسة معارضة لمجرد المعارضة، بل السياسة في تقديم رؤى وبدائل سياسية لتعبئة الفراغ الناتج عن المعطيات السياسية الراهنة، وأن إعادة تعريف المصطلحات يؤدي بنا إلى رؤية شاملة لا تقتصر على ردّ الفعل، وإنما تتقدّم إلى مرحلة الفعل السياسي المباشر.
ماذا بعد تراجع حزب الله وأمل؟
لو افترضنا أن الثنائي انكفأ عسكريًا وسياسيًا، مما أنتج فراغًا سياسيًا محدّدًا داخل الطائفة الشيعية، وهناك تباشير لهذا التراجع، ربما تتمظهر صورته في الانتخابات النيابية المقبلة عام 2026، حينها ستكون المعركة الحقيقية التي تفرض على التيارات والمجموعات الشيعية بناء بديلٍ سياسي واقتصادي وثقافي للطائفة ولبنان، وحينها، بدل أن تكون مجرّد معارضة، ستصبح قيادة جديدة للشيعة في لبنان، فالمعيار الأساسي لنجاح أي تيّارٍ سياسي هو أن يبقى قائمًا حتى لو زال خصمه، لأن مشروعه لا يعتمد على المواجهة فقط، بل على رؤية للمستقبل، وبالعودة لكل هذه الأسباب، يجب اختيار مصطلحات وخطاب يجعل من أيّة حركة سياسية قائمة بحد ذاتها، وليس مجرد معارضة مؤقتة.
طروحات بديلة!
طروحات المعارضة الشيعية يجب أن تشمل الحديث عن تعزيز الديمقراطية والحرّيات في لبنان، والاستقلالية عن أي وصاية إقليمية أو محليّة لبنانية، وأن تطرح كل ما يخص هموم المواطن ونهضة البلد، وبناء خطاب قائم على المبادئ وليس فقط على المواجهة مع الثنائي الشيعي، لا يكفي أن تقول المعارضة الشيعية: "نحن ضد حزب الله لأنه أدخل البلد في حرب أو لأنه استخدم سلاحه في الداخل"، بل يجب أن تطرح حلولًا بديلة تكون عملية وقابلة للتطبيق.
دولةٌ قويّة بدل دويلات السلاح. اقتصاد مستقل بدل اقتصاد قائم على الزبائنية والمحاصصة. مشروعٌ وطني لبناني بدل ارتباط الطائفة بصراعات خارجية، حرّية الشيعي في خياراته بدل فرض وصاية سياسية عليه. حقوق الأفراد داخل الطائفة مثل حرية التعبير، دور المرأة، الحريات المدنية. تبنّي قضايا تشغل الناس كالكهرباء والمياه ومكافحة البطالة، والتنمية الاقتصادية في المناطق الشيعية ولبنان عمومًا بعيدًا عن الاقتصاد الريعي. فصل الدين عن السياسة داخل الطائفة، بحيث يكون الشيعي مواطنًا أولًا وليس مجرّد تابع لطائفة أو حزب. النقاش حول المناصفة بين المسيحيين والمسلمين وإبداء رأي في المسألة، والنقاش حول اتفاق الطائف والبحث في نقاط قوته ونقاط ضعفه والمأمول منه، وطرح الصيغة السياسية للبنان ككل على طاولة النقاش. لا يكفي رفع هذه الشعارات المجردة إنما يجب الغوص في كيفية تحقيقها؛ فالعمل السياسي ليس شعارات مجردة فقط، وكلّ ما يهم بشكل كبير هي الآليات، والتفكير في الممكن والمتاح!
هذه جهودٌ لا يمكن أن تتم فرديًا وسط التشتيت الحاصل وبدون إدارة مركزية تنخرط فيها الجماعات الشيعية المعارضة فيما بينها، ومع الآخرين في الوطن، وبدلًا عن ذلك، نجد أن النقاش داخل دوائر المعارضة الشيعية اقتصر على المطالبة بالمشاركة في حكومة الرئيس نواف سلام بوزير شيعي من حصة المعارضة، لكن دعونا نسأل: كم وزير شيعي مستقل معارض للثنائي الشيعي تمت تسميته لتبؤ منصب وزاري في الحكومات السابقة، وما الاسهامات السياسية التي حقّقها هؤلاء على صعيد بناء قاعدة جماهيرية وتأسيس حالة شيعية معارضة؟! هناك حلقة مفقودة فقد اقتصرت مشاركة هذه الشخصيات على العمل الحكومي لكن دون خلق أرضية صلبة لبناء معارضة شيعية حقيقية صلبة. أدى ذلك إلى شبه انقطاع للتواصل بين "النخبة" الشيعية المعارضة مع الناس.
التبشير السياسي
يتعذّر وصول أصوات المجموعات الشيعية إلى البيئة الشيعية، وإن وصل فإنه يصل عبر السوشيال ميديا على شكل صدامٍ كونه يعبر عن أمنية واحدة، وهي نزع سلاح حزب الله، في المقابل هناك تعذّر لحرّية التبشير السياسي في المناطق الشيعية، لنبحث عن مكاتب المعارضة الشيعية في المناطق الشيعية، إنها معدومة أو شبه معدومة. أسباب ذلك جلية: منع حزب الله لأيّة إمكانية للتبشير السياسي في مناطقه تحت حجج مختلفة، أو عبر تحريض "الأهالي".
الحاجة أساسية لتسويق الخطاب البديل على الأرض وداخل البيئة الشيعية في الضاحية الجنوبية والجنوب وبعلبك، وعدم الاكتفاء بمجموعات الواتساب وفيديوهات على السوشيال ميديا، أو بتنظيم الندوات في مناطق خارج الضاحية الجنوبية، تفرض هذا السؤال: كيف يمكن أن تنجح معارضة شيعية تنظم ندوة لبعض الشخصيات في منطقة مسيحية، ومكتبها في منطقة مسيحية؟ إذ يجب أن يكون للمعارضة الشيعية مكاتب داخل الضاحية الجنوبية، ويجب أن تؤمن الحكومة الحالية حمايتها. هناك ضرورة لتفعيل كل آليات التواصل البصري والحسي والسمعي.
مثلًا هل يمكن لأيّة مجموعة سياسية مناهضة للثنائي أن تقوم بتوزيع المنشورات وإقامة الندوات والوصول والتواصل مع الناس؟
هناك حيز اجتماعي مفقود للعمل السياسي داخل المناطق الشيعية بما يسمح بعملية التبشير السياسي اليومي أو في الانتخابات النيابية، وإحدى أولويات مطالب المعارضة يجب أن تكون البحث في هذا المطلب والضغط على العهد الجديد لفرض هذا المطلب وجعله متاحًا دون خوف وترهيب مما قد يحصل. وحتى لا نبدو وكأننا متحاملين، لنرجع إلى الانتخابات النيابية الأخيرة ونستذكر سويًا حادثة الصرفند، جنوب لبنان، والتهجم على ندوة لمعارضين شيعة إبان الانتخابات النيابية عام 2022، وغيرها الكثير من الأحداث كاتهام المعارضين بالعمالة والصهينة وشيطنتهم.
نظام الميغاسنتر
واحدةٌ من المسائل الملحّة التي يجب تطبيقها في الانتخابات النيابية في لبنان، تتعلّق بمسألة توفير نظام "الميغاسنتر"، والذي يسمح بدوره لكل مواطن أن يُدلي بصوته في مكان سكنه دون الحاجة أن يذهب إلى قريته للإدلاء بصوته.
في الانتخابات النيابية الأخيرة شهدنا كمًا كبيرًا من الضغوطات على الناخبين في قراهم، بينها التأثيرات الاجتماعية والضغوطات الناجمة عنا ليست مسألة هينة أو يمكن تجاوزها وغضّ النظر عنها، إنها قضية تتعلق بسلامة الناخب وإرادته الحرة في التعبير عن رأيه دون المساس بسلامته، وكما هو معلوم، فإن الشيعة في لبنان تحت حكم الثنائي الشيعي شكلوا نوعًا من العصبية المتطرّفة المانعة لأيّ عمل سياسي في مناطق نفوذهم، إما بالترهيب أو الترغيب
أسئلة مشروعة!
هل يعقل أنه منذ العام 2005 وحتى اليوم لم يكن بالمقدور مأسسة العمل الشيعي المعارض ضمن إطار حزبي؟ نحن نتحدث عن عقدين من الزمن! نتحدّث هنا عن غياب القائد أو صناعة القائد الذي يشد عضد الجماهير المعارضة إليه ويعمل على جذب بعضًا من جمهور البيئة الموالية للثنائي، إذ أن هناك تشتتًا واضحًا في العمل السياسي، فهل يمكن أن يثمر هذا التشتت خرقًا ويحقق نجاحًا؟ ومع ذلك، فأنا لا أنكر حصول محاولات داخل الطائفة، ولا أنكر كم هي المخاطرة كبيرة.
ثم فمصطلح المعارضة الشيعية إنما يشير إلى صبغة طائفية واضحة ومحددة، في الوقت الذي نجد أن طروحات المعارضة الشيعية تتكون من الدولة المدنية والعلمانية والديمقراطية والحقوق والحرّيات، فكيف يمكن أن تتوافق طبيعة المصطلح مع الطروحات؟ وهل المعارضة الشيعية حكر على الشيعة؟ وهل المطلوب تأسيس تيار شيعي معارض لملء الفراغ الحاصل داخل الطائفة؛ أم المطلوب إنتاج تيارٍ وطنيٍّ داخل الطائفة الشيعية يسمح لأيّ فرد بالانضمام إليه؟ هذه أسئلة مشروعة يجب التفكر فيها ومحاولة الإجابة عنها.
أمام كل الأحداث المفصلية والتغييرات التي شهدها لبنان عمومًا والطائفة الشيعية خصوصًا، هل سنشهد تحول الثنائي الشيعي في لبنان إلى ثلاثي شيعي في انتخابات العام 2026؟ سيما وأن المعلومات تشير إلى إمكانية تبلور مظلّة جامعة لكل التيارات الشيعية المعارضة تحت لواء مؤسّسة واحدة لخوص الانتخابات النيابية على جميع المقاعد الشيعية الـ 27 في لبنان العام المقبل!












