لم يعد المشهد السياسي المغربي قبل الاستحقاقات الانتخابية يُقاس فقط بميزان التحالفات أو حسابات التموقع الحزبي، بقدر ما أصبح مرتبطًا بسؤال أعمق يتعلق بطريقة اشتغال السياسة نفسها داخل المجتمع، وبمدى قدرتها على إنتاج المعنى وبناء الثقة وإعادة تأطير النقاش العمومي. فبين خطاب حزبي يتجه نحو التقنية والتدبير، ومجتمع يتحرك بسرعة داخل الفضاء الرقمي، تتسع المسافة بين الفعل السياسي وأفقه الاجتماعي، في لحظة تبدو فيها الوساطة التقليدية في حالة إعادة تشكل.
في هذا السياق، تتقاطع قراءات فاعلين سياسيين وباحثين حول تحولات الحقل السياسي المغربي، بين من يربط الأزمة بضعف الخطاب السياسي وتراجع قدرته على التواصل المباشر مع المواطن، ومن يعتبر أن الإشكال يتعلق بإعادة توزيع أدوار النخب وتحول مواقع إنتاج المعنى داخل المجال العام. غير أن هذا التقاطع لا يقدم إجابة نهائية بقدر ما يكشف عن مشهد سياسي يتغير إيقاعه أكثر مما يستقر على صيغة واضحة.
وبين هذا التحول في اللغة والممارسة، وصعود الفضاءات الرقمية وتراجع الوسائط التقليدية، يبدو السؤال المطروح اليوم ليس فقط من يحكم؟ بل كيف تُمارَس السياسة؟ ومن أين يُصنع معناها داخل مجتمع يعرف تحولات متسارعة في أنماط المشاركة والتعبير والتمثيل.
أزمة الخطاب السياسي وتحولات المشاركة في المغرب
المهدي سابق، فاعل سياسي، يرى في حديثه لمجلة "ميغازين"، أن "جزءًا من الطبقة السياسية المغربية فقد تدريجيًا قدرته على مخاطبة المواطنين بلغة سياسية واضحة، بعدما أصبح يعتمد خطابًا تقنيًا معقدًا، يغلب عليه الطابع القانوني والإجرائي، وهو ما عمق الفجوة بين المواطن والسياسة، وجعل هذا الأخير يشعر أن الشأن السياسي مجال بعيد عن حياته اليومية، رغم أنه في الأصل مرتبط بشكل مباشر بتدبير تفاصيلها".
ويعتبر سابق أن السياسة "لا ينبغي أن تدفع المواطن إلى البحث عن معنى الخطاب السياسي، بل أن تمكنه من فهم موقعه داخل المجتمع، ومعرفة من يدبر أموره، وأن تتيح له القدرة على التفكير والمساءلة والجرأة على الفعل". غير أن هذا التحول، حسب رأيه، "ساهم في إفراغها من بعدها التواصلي المباشر مع المواطن".
ويضيف المتحدث أن "ما يثير القلق أكثر هو أن هذا التحول في الخطاب السياسي يخفي أزمة أعمق تتعلق بالممارسة السياسية نفسها، حيث لم يعد التنافس بين الفاعلين السياسيين قائمًا على المشاريع والبدائل والرؤى المختلفة، بقدر ما أصبح أقرب إلى توافق ضمني على تدبير الواقع القائم، وهو ما أدى إلى تراجع الحيوية الديمقراطية للسياسة".
كما يلاحظ سابق أن "الشباب المغربي أصبح يميل إلى مناقشة القضايا السياسية في الفضاء الرقمي أكثر من داخل الأحزاب والمؤسسات التقليدية، ليس بدافع رفض السياسة، بل بحثًا عن فضاءات أوسع حرية في التعبير والنقد والمساءلة". ويعتبر أن "هذا التحول يعكس تغيرًا عميقًا في بنية المجتمع، في مقابل بطء واضح في تطور مؤسسات الوساطة السياسية التي ما تزال تشتغل، في نظره، بمنطق تقليدي لم يعد يواكب التحولات الراهنة".
ويؤكد سابق أن "أزمة المشاركة السياسية لا تعود إلى عزوف الشباب عن السياسة، بقدر ما ترتبط بضعف قدرة الحقل السياسي على استيعاب تطلعات جيل جديد يبحث عن الوضوح، وعن نقاش حقيقي حول العدالة الاجتماعية والحريات والكرامة وربط المسؤولية بالمحاسبة"، معتبرًا أن "هذا الجيل لا يرفض السياسة في حد ذاتها، وإنما يرفض اختزالها في تدبير انتخابي ضيق أو صراع حول المواقع".
وختم سابق حديثه لـ"ميغازين" بالتأكيد على ما أسماه "تمسكه بالنضال الديمقراطي كمسار أساسي للتغيير، وعلى أن الديمقراطية لا يمكن أن تستقيم دون أحزاب قوية، ومجال عمومي حر، ونخب سياسية قادرة على إنتاج البدائل والدفاع عنها"، معتبرًا أن "الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بالفوز بالانتخابات أو إعادة تشكيل التحالفات، بل بإعادة الاعتبار للسياسة نفسها بما يجعل المواطن يشعر بأن صوته ومشاركته قادران فعليًا على إحداث فرق في مستقبل البلاد".
تفكيك أزمة الخطاب السياسي بين اللغة والممارسة في المشهد المغربي
ما يمكن استخلاصه من المتحدث أنه ينطلق من تصور يعتبر أن الأزمة الأساسية في السياسة المغربية مرتبطة بأزمة في الخطاب السياسي أساسًا، حيث أصبح هذا الأخير، بحسب طرحه، خطابًا تقنيًا معقدًا يبتعد عن قدرة المواطن على الفهم والمواكبة، ما يوسع الفجوة بين السياسة والمجتمع. غير أن هذا التمركز حول اللغة، رغم أهميته، يجعل الأزمة تبدو وكأنها مرتبطة بشكل الخطاب فقط، أكثر من ارتباطها ببنية الممارسة السياسية نفسها.
الموقف المُعبر عنه يركز على "كيفية قول السياسة" أكثر مما يركز على "كيف تُنتج السياسة" داخل المؤسسات والأحزاب وآليات الوساطة، وهو ما يجعل التشخيص يميل إلى الجانب التواصلي، بدل بنية الفعل السياسي، وبكيفية تشكل القرار، وبالعلاقات الفعلية بين الفاعلين السياسيين.
أما فيما يتعلق بانتقال الشباب إلى الفضاء الرقمي كمجال للنقاش السياسي، يمكن قراءته باعتباره إعادة توزيع للفعل السياسي داخل فضاءات متعددة، وليس بالضرورة قطيعة مع الأشكال التقليدية، بقدر ما هو تحول في طرق التعبير والمشاركة.
إعادة توزيع المعنى السياسي بين تراجع النخب وصعود التدبير البراغماتي
سمير الباز، ناشط سياسي وباحث في العلوم السياسية والتواصل السياسي، يرى في حديثه لـ"ميغازين"، أن "السياسة في المغرب لم تعد تقتصر على كونها مجالًا للتنافس الانتخابي أو صراعًا حول السلطة، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أعمق يتعلق بمن ينتج المعنى داخل هذا الحقل، وكيف يُعاد تشكيل هذا المعنى وتداوله بين الفاعلين والمؤسسات والمجتمع".
ويعتبر الباز أن "هذا التحول يكشف عن فراغ متنامٍ في الرؤية السياسية والقدرة على إنتاج نقاش عمومي مؤطر وموجه، وهو فراغ لا يتعلق فقط بلغة السياسة، بل ببنية الممارسة السياسية نفسها وبالأدوار التي كانت تقوم بها النخب التقليدية".
ويضيف الباحث الباز أن "جزءًا مهمًا من هذا الوضع يرتبط بتراجع حضور المثقف داخل المجال السياسي، ليس بالمعنى الفيزيائي فقط، بل بالمعنى الوظيفي المرتبط بالمشاركة في إنتاج الأفكار وصياغة التصورات الكبرى التي تؤطر الفعل السياسي".
في المقابل، يلاحظ الباز "صعود فاعلين سياسيين وإداريين يشتغلون بمنطق التدبير اليومي أكثر من انشغالهم بإنتاج المعنى أو بناء المشاريع الفكرية"، وهو ما جعل السياسة، في نظره، "تتحول تدريجيًا إلى ممارسة تقنية تُدار أكثر مما تُفكر، وتُنفذ أكثر مما تُصاغ".
كما يشير إلى أن هذا التحول "لا يمكن فصله عن إعادة تشكل بنية النخب داخل الحقل السياسي، حيث لم تعد النخبة كتلة واحدة متماسكة تؤدي وظيفة التوجيه والإنتاج الفكري، بل أصبحت بنية متحركة تتبدل مواقعها وفق منطق التوازنات والتموقعات السياسية، وهو ما أثر على قدرتها على لعب دورها التقليدي في التأطير وإنتاج المعنى الجماعي".
وفي هذا السياق، لفت الباز إلى أن الدولة، من جهتها، "تشتغل بمنطق براغماتي يقوم أساسًا على ضمان الاستقرار وإدارة التوازنات السياسية والمؤسساتية، أكثر من انشغالها بإنتاج سرديات فكرية أو رمزية حول الفعل السياسي، وهو ما يساهم في تعميق الفجوة بين منطق التدبير ومنطق التفكير داخل المجال العام".
كما يُلاحظ الباحث أن "إنتاج المعنى السياسي لم يعد حكرًا على المؤسسات الحزبية أو النخب الفكرية، بل أصبح يتوزع على فضاءات متعددة، من بينها الإعلام والفضاء الرقمي وأشكال التعبير السياسي الجديدة، حيث تُعاد صياغة الخطاب السياسي خارج الأطر التقليدية، بما يعكس تحولًا في طبيعة الوساطة السياسية وفي طرق تشكيل الرأي العام".
حدود تفسير الأزمة السياسية بين فراغ المعنى وبنية الممارسة
ما يمكن فهمه من حديث الباز هو أنه يبني قراءته للمشهد السياسي المغربي على فكرة مركزية مفادها أن الأزمة الأساسية تتعلق بضعف إنتاج المعنى داخل الحقل السياسي، وتراجع قدرة الفاعلين على التأطير الفكري للنقاش العمومي. غير أن هذا التصور، حين يُفكك، يُظهر أنه يميل إلى جعل "أزمة المعنى" نقطة تفسير شاملة، يتم من خلالها تفسير مجموعة من التحولات المعقدة، دون التوقف عند حدود هذا التفسير أو شروطه.
فهذا الربط بين الأزمة السياسية والفراغ الفكري يختزل جزءًا من التعقيد، لأنه يفترض أن المشكلة الأساسية هي غياب من ينتج الأفكار، في حين أن إنتاج الخطاب السياسي نفسه مرتبط ببنية مؤسساتية وتنظيمية وإعلامية لا يمكن اختزالها في حضور أو غياب النخبة الفكرية.
كما أن الحديث عن انسحاب المثقف من المجال السياسي يُقدم كمعطى شبه واضح، رغم أنه يقوم على تصور ضمني لدور سابق للمثقف كان مركزيًا وثابتًا داخل السياسة، في حين أن علاقة المثقف بالحقل السياسي كانت دائمًا علاقة متغيرة، ولم تكن يومًا مستقرة أو موحدة بالشكل الذي يوحي به هذا الطرح.
وفي المقابل، فإن ثنائية التدبير مقابل التفكير تبدو تحليلية في ظاهرها، لكنها تُنتج فصلًا حادًا بين مستويين متداخلين في الواقع السياسي، حيث إن التدبير نفسه لا يخلو من إنتاج المعنى، حتى وإن كان غير نظري أو غير مؤطر فكريًا، ما يجعل هذا الفصل أقل صلابة مما يظهر في الخطاب.
كما أن الإحالة إلى تراجع دور النخب وإعادة تشكلها تُبنى على تصور معياري لما يجب أن تكون عليه النخبة، أكثر مما تصف بدقة كيف تتغير مواقع الفاعلين داخل الحقل السياسي، الذي يعرف أساسًا تحولات في أشكال الشرعية والتمثيل، وليس فقط تراجعًا خطيًا في الجودة أو الأداء.
جدلية التحول السياسي وإعادة إنتاج المعنى
في ضوء المعطيات المتقاطعة، لا يبدو أن توصيف المشهد السياسي المغربي يمكن أن يُحسم داخل ثنائية تبسيطية من قبيل أزمة الخطاب مقابل تحول الممارسة، أو تراجع السياسة مقابل إعادة تشكلها. فالمسألة، في عمقها، تتعلق ببنية جدلية مركبة تتداخل فيها مستويات إنتاج المعنى السياسي، وإعادة توزيع أدوار الفاعلين، وإعادة تعريف شروط الوساطة داخل الحقل السياسي.
من جهة، يمكن رصد مؤشرات واضحة على تفكك بعض البنى الكلاسيكية التي كانت تؤطر الفعل السياسي: تراجع الوظيفة الإيديولوجية للأحزاب، انكماش الدور التأطيري للنخب الفكرية، وتنامي خطاب تدبيري براغماتي يغلب عليه الطابع التقني والإجرائي. هذه التحولات تُنتج، على مستوى الإدراك العام، إحساسًا متزايدًا بما يشبه فراغًا رمزيًا أو نقصًا في المعنى، حيث يبدو أن السياسة فقدت جزءًا من قدرتها على إنتاج السرديات الجامعة وتوجيه النقاش العمومي.
غير أن الاقتصار على المستوى الوصفي يُخفي دينامية موازية لا تقل أهمية، تتمثل في إعادة تموضع المعنى السياسي داخل فضاءات جديدة وغير مركزية. فبدل أن يكون إنتاج الخطاب السياسي حكرًا على المؤسسات الحزبية أو النخب التقليدية، أصبح هذا الإنتاج يتوزع بين الدولة بوصفها فاعلًا تدبيريًا، والفضاء الرقمي بوصفه مجالًا للتعبير العمومي غير المؤسسي، وشبكات متعددة من الفاعلين الذين يشتغلون خارج البنى الكلاسيكية للوساطة السياسية.
وعليه، فإن ما يبدو أزمة على مستوى بنية معينة، قد يُفهم بوصفه إعادة تركيب لمستويات الفعل السياسي داخل بنية أوسع لم تستقر بعد على شكلها النهائي. فالتوتر القائم بين منطق التدبير ومنطق التفكير، وبين الفعل المؤسساتي والرمزي، لا يعكس مجرد انفصال بين مستويين، بل يكشف عن تداخل وظيفي يعيد تعريف حدود كل منهما داخل المجال السياسي المعاصر.
من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار النخب كيانًا ثابتًا فقد وظائفه، بقدر ما ينبغي مقاربتها كبنية متحولة تعيد إنتاج مواقعها داخل شروط جديدة للشرعية والتأثير. كما أن الحديث عن انسحاب المثقف لا ينبغي أن يُفهم كغياب مطلق، بل كتحول في أشكال الحضور من الفضاء المؤسساتي المباشر إلى أشكال وساطة أكثر تشتتًا وأقل قابلية للتمركز.
وبناء على ذلك، فإن ما يميز الوضع السياسي الراهن ليس فقط فقدانًا للمعنى، بل تعددًا في مراكز إنتاجه، وتفككًا في وحدته المفترضة، وإعادة توزيع له داخل فضاء اجتماعي وسياسي وإعلامي متداخل. وهي وضعية تجعل من السياسة مجالًا مفتوحًا على إعادة تعريف مستمرة لوظائفها، بدل كونها بنية مستقرة ذات منطق أحادي.
وفي هذا السياق، يغدو السؤال النظري المركزي ليس هو الحكم على كون السياسة في حالة أزمة أو تحول، بل تحليل الكيفية التي تتولد بها هذه الأزمة داخل آليات التحول نفسها، وكيف يُعاد إنتاج المعنى السياسي داخل شروط تفكك بنياته التقليدية وعدم اكتمال بنياته البديلة، ما يجعل الحقل السياسي في حالة عدم استقرار بنيوي أكثر من كونه في حالة انهيار أو تطور خطي.