في السنوات الأخيرة، أصبحت صورة المرأة الإيرانية محورًا للسرديات النسوية الغربية، خاصة بعد تصريحات البيت الأبيض الأخيرة حول وضع المرأة تزامنًا مع الهجمات الأميركية على إيران. اللافت أن هذه السرديات غالبًا ما تصور المرأة الإيرانية بوصفها ضحية، مغلوبة على أمرها، في حين تتجاهل واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا أكثر تعقيدًا.
يتناول هذا المقال ما يمكن تسميته بـ"قصور النظر" في هذه الأطروحات، مسلطًا الضوء على كيف يمكن لتبسيط التجربة النسوية في إيران أن يؤدي، رغم النوايا التحررية، إلى إعادة إنتاج أنماط من الخطاب الاستعماري الثقافي.
قراءة في مسار الفكر النسوي
يلوح الفكر النسوي منذ القرن المنصرم في المخيال العالمي بوصفه أحد أهم التيارات الفكرية والاجتماعية التي سعت إلى إعادة تعريف موقع المرأة داخل المجتمع، وإعادة النظر في البنى الثقافية والسياسية التي أسهمت تاريخيًا في تهميشها. غير أن هذا الحضور، رغم اتساعه وانتشاره، لم يحتفظ دائمًا بالطاقة التعبوية ذاتها التي لازمت أفكارًا اجتماعية كبرى أخرى؛ إذ بدا أحيانًا أن الإجماع الظاهري حول قضايا النساء يخفي خلفه تباينات عميقة في الرؤى والتجارب والسياقات الاجتماعية.
فالتضامن الذي بدا للوهلة الأولى عالميًا بين النساء، لم يكن خاليًا من التناقضات، بل احتوى في داخله اختلافات بنيوية في تعريف القضايا النسوية نفسها، وفي طرق مقاربتها ومعالجتها. وقد ساهمت هذه التناقضات في إضعاف الزخم المعرفي والأخلاقي للقضية النسوية في بعض السياقات. بل أدت في أحيان كثيرة إلى ممارسة نوع من الضغط المعنوي أو الرمزي على تجارب نسوية مغايرة لا تنسجم مع النموذج السائد في الخطاب الغربي، وفي هذا السياق، برزت النسوية الليبرالية الغربية بوصفها الصوت الأعلى والأكثر تأثيرًا في تشكيل السردية العالمية حول قضايا المرأة.
إلا أن هذا التفوق الخطابي لم يكن خاليًا من الإشكاليات؛ إذ امتد نطاق النقد الموجه من داخل هذه السردية ليطال تجارب النساء في الدول العربية والنامية، بل ويعيد تفسيرها أحيانًا من منظور معياري خارجي. وقد أدى ذلك إلى خلق ما يمكن وصفه بأزمة في تمثيل التجارب النسوية غير الغربية، حيث تُختزل هذه التجارب غالبًا في صورة الضحية التي تحتاج إلى إنقاذ.
ومن هنا يبرز سؤال إشكالي، كيف يمكن لخطابٍ يرفع شعار التحرر أن يسهم، من حيث لا يقصد – أو يقصد في حال تبرير الإستعمار الثقافي – في تعقيد القضية النسوية أو حتى إعادة إنتاج أنماط جديدة من الهيمنة الرمزية؟ وكيف تحولت بعض سرديات النسوية الغربية إلى إطار معياري قد يفرض تصورًا واحدًا للتحرر على تجارب اجتماعية وثقافية مختلفة؟
تجاهل السياقات الاجتماعية والسياسية المحلية
لم تتشكل النسوية الغربية بوصفها تيارًا واحدًا متجانسًا، بل تفرعت إلى اتجاهات متعددة، كان أبرزها النسوية الليبرالية، التي انطلقت من افتراض أساسي مفاده أن عدم المساواة بين الرجال والنساء هو في جوهره نتاج منظومة قانونية ومؤسسية قابلة للإصلاح.
ومن هذا المنطلق ركزت على المطالبة بتوسيع الحقوق المدنية والسياسية للمرأة، وفتح مجالات التعليم والعمل والمشاركة العامة أمامها. غير أن هذا التصور، على الرغم من أهميته التاريخية في تحقيق مكاسب قانونية واضحة، ظل محل نقاش واسع داخل الفكر النسوي نفسه، حيث اعتبره كثير من النقاد تصورًا يكتفي بتعديل ظاهر البنية الاجتماعية دون مساءلة أسسها العميقة.
فقد انطلقت النسوية الليبرالية من إيمان واضح بقدرة النظام السياسي والاجتماعي القائم على استيعاب مطالب النساء إذا ما أُعيدت صياغة قوانينه ومؤسساته بما يضمن مبدأ تكافؤ الفرص. إلا أن هذا الرهان على الإصلاح التدريجي أثار تساؤلات حول مدى قدرته على معالجة جذور عدم المساواة! إذ بدا لكثير من النقاد أن المشكلة لا تكمن فقط في القوانين التمييزية، بل في البنية الثقافية والاجتماعية التي أنتجت تلك القوانين من الأصل، ومن ثم فإن الاكتفاء بإزالة العوائق القانونية قد لا يكون كافيًا لتغيير علاقات القوة الراسخة في المجتمع.
كما تعرض هذا التيار لانتقادات تتعلق بطبيعته الفردانية، حيث ركز على فكرة أن المرأة بوصفها فردًا مستقلًا تستطيع تحقيق ذاتها إذا أتيحت لها الفرص ذاتها التي يحصل عليها الرجال، غير أن هذا التصور يفترض ضمنًا أن الأفراد يتحركون داخل فضاء اجتماعي محايد، في حين أن الواقع الاجتماعي أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل فيه عوامل الطبقة والبيئة والثقافة والسلطة.
ومن هنا رأى بعض النقاد أن الفردانية الليبرالية قد تُغفل القيود البنيوية التي تحد من قدرة كثير من النساء على الاستفادة الفعلية من تلك الفرص، وإلى جانب ذلك، برز نقد آخر يتعلق بحدود التجربة التي انطلقت منها النسوية الليبرالية ذاتها. فقد تشكّلت معظم أطروحاتها في سياق المجتمعات الغربية، وارتبطت إلى حد كبير بتجربة المرأة البيضاء المنتمية إلى الطبقة الوسطى. ومع انتقال خطابها إلى فضاءات اجتماعية وثقافية أخرى، ظهرت فجوة واضحة بين أولوياتها النظرية وبين واقع نساء يعشن في سياقات مختلفة تتداخل فيها قضايا الفقر أو الاستعمار أو التهميش الاجتماعي مع مسألة النوع الاجتماعي.
كما أن التركيز على الاندماج داخل المؤسسات القائمة قد يقود في نهاية المطاف إلى إعادة إنتاج البنية نفسها التي كانت موضع نقد. فنجاح بعض النساء في الوصول إلى مواقع النفوذ السياسي أو الاقتصادي، لا يعني بالضرورة حدوث تحول حقيقي في طبيعة هذه المؤسسات أو في آليات توزيع السلطة داخلها. وبهذا المعنى قد تتحول المساواة إلى مسألة تمثيل رمزي أكثر منها إعادة صياغة فعلية لعلاقات القوة في المجتمع.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن نقد النسوية الليبرالية لا ينطلق من إنكار ما حققته من مكاسب تاريخية مهمة، بل من التساؤل حول حدود هذا الإنجاز ذاته، فبينما أسهمت في ترسيخ فكرة المساواة القانونية وفتح مجالات واسعة أمام مشاركة النساء في الحياة العامة، بقي السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا المسار الإصلاحي كافيًا لإحداث تحول عميق في البنى الاجتماعية والثقافية التي أنتجت عدم المساواة في المقام الأول.
إعادة إنتاج الخطاب الاستعماري الثقافي رغم النوايا التحررية
ينبثق أحد أكثر أوجه النقد حضورًا للنسوية الغربية من الإشكال المتعلق بعلاقتها بالسياقات الثقافية غير الغربية، إذ إن الخطاب النسوي الليبرالي رغم نواياه التحررية المعلنة، قد ينزلق أحيانًا إلى إعادة إنتاج أنماط من التصور الثقافي القريب من المخيال الاستعماري. فحين تُقدّم تجربة المرأة الغربية بوصفها النموذج الأكثر اكتمالًا للتحرر، يتحول هذا النموذج، من حيث لا يقصد أصحابه، إلى معيار يقاس عليه واقع نساء أخريات في مجتمعات مختلفة، وكأن مسار التاريخ الاجتماعي ينبغي أن يسير في اتجاه واحد يعيد إنتاج التجربة الغربية ذاتها.
وفي هذا الإطار، لا يتعلق النقد برفض المبادئ العامة للمساواة أو العدالة، بل بالتنبيه إلى الكيفية التي قد تتحول فيها بعض السرديات التحررية إلى أدوات لتبسيط الواقع الاجتماعي في مجتمعات أخرى. إذ تُختزل تجارب النساء في تلك السياقات أحيانًا في صورة نمطية عن القمع أو التهميش. كما تُغفل تعقيدات التاريخ المحلي وتنوع أشكال الفاعلية الاجتماعية التي تمارسها النساء داخل مجتمعاتهن. وبهذا المعنى قد يبدو الخطاب التحرري وكأنه يعيد رسم حدود معرفية بين مركز يُعرِّف معنى التحرر، وأطراف يُفترض أنها تسعى للحاق به.
ومن هنا يبرز اتجاه نقدي يدعو إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الخطاب النسوي العالمي والسياقات المحلية، عبر الاعتراف بتعدد مسارات التغيير الاجتماعي وعدم اختزالها في نموذج واحد. فدعم قضايا النساء في المجتمعات المختلفة لا يقتضي بالضرورة فرض مقاييس خارجية أو تعميم تجربة تاريخية بعينها، بل يمر عبر الإصغاء إلى المبادرات المحلية وفهم خصوصياتها الثقافية والاجتماعية. وفي هذا الإطار يصبح الهدف ليس تصدير نموذج جاهز للتحرر، بل الإسهام في خلق مساحات تسمح لكل مجتمع بصياغة مساره الخاص في معالجة قضايا النوع الاجتماعي.
النقد النسوي الخطاب النسوي الليبرالي
في مواجهة الطابع الكوني الذي تبنته بعض أطروحات النسوية الغربية، برزت اتجاهات نقدية سعت إلى إعادة النظر في الأسس المعرفية التي يقوم عليها هذا الخطاب، وكان من أبرزها ما يُعرف بالنسوية ما بعد الاستعمارية. وقد انطلقت هذه المقاربة من ملاحظة أن كثيرًا من الأدبيات النسوية الغربية تميل إلى التعامل مع تجارب النساء خارج الغرب بوصفها كتلة واحدة متجانسة، تُختزل غالبًا في سردية الضحية التي تنتظر الخلاص والذي يمكن أن يبرر الأستعمار في كثير من الأحيان حسب الوقائع التاريخية في إفريقيا خصوصًا.
ومن هنا حاول هذا الاتجاه تفكيك هذه الصورة، مشددًا على أن واقع النساء في المجتمعات المختلفة لا يمكن فهمه بمعزل عن تاريخ الاستعمار والعلاقات غير المتكافئة التي تشكلت في ظله.
وتؤكد النسوية ما بعد الاستعمارية أن قضايا النوع الاجتماعي في كثير من المجتمعات لا تنفصل عن عوامل أخرى مثل الإرث الاستعماري، وبنية الاقتصاد العالمي، والتحولات السياسية التي أعقبت مرحلة الاستقلال.
وبذلك فإن اختزال مشكلات النساء في إطار ثقافي ضيق أو في تقاليد اجتماعية بعينها قد يغفل الأبعاد التاريخية الأوسع التي أسهمت في تشكيل تلك الأوضاع. ومن هذا المنظور يصبح النقد موجّهًا ليس فقط إلى بعض البنى المحلية، بل أيضًا إلى النظام العالمي الذي أنتج أشكالًا متعددة من التفاوت بين المجتمعات.
وفي هذا السياق، يدعو هذا الاتجاه إلى إعادة صياغة الخطاب النسوي على نحو يفسح المجال أمام تعدد الأصوات والتجارب بدل الاكتفاء بنموذج نظري واحد، فبدل أن يكون النقاش حول تحرر النساء قائمًا على مركز معرفي واحد يحدد المعايير، تسعى هذه المقاربات إلى إبراز تنوع المسارات التي يمكن أن تتخذها الحركات النسوية في سياقات مختلفة.
وبهذا المعنى تصبح النسوية ما بعد الاستعمارية محاولة لإعادة توزيع موقع الكلام داخل الخطاب النسوي نفسه، بحيث لا تبقى تجربة بعينها هي المقياس الوحيد لفهم تجارب النساء في العالم، حتى يملك نساء المجتمعات المهزومة القدرة على خلق سياقهم النظري من تجربتهم الخاصة. يظهر أثر هذا القصور النظري بوضوح عند النظر إلى الكيفية التي يُقدّم بها واقع المرأة الإيرانية في كثير من التصريحات الصادرة عن بعض منظمات المجتمع المدني والمؤسسات السياسية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
فغالبًا ما تُصاغ هذه المواقف ضمن إطار تبسيطي يختزل التجربة الإيرانية في ثنائية حادة بين القمع والتحرر، دون الالتفات الكافي إلى التعقيدات الاجتماعية والسياسية التي تشكل واقع النساء داخل المجتمع الإيراني. وبهذا المعنى يتحول الخطاب الداعم لقضايا المرأة، رغم وجاهة دوافعه، إلى قراءة أحادية لا تعكس تعدد التجارب والمواقع التي تشغلها النساء في إيران، ما يعزز الحراك الأجتماعي المؤدلج رغم ثوريته الظاهرة.
فالمجتمع الإيراني، بحكم تاريخه السياسي وتحولاته الاجتماعية منذ الثورة الإسلامية، يضم طيفًا واسعًا من المواقف النسائية التي لا يمكن اختزالها في نموذج واحد؛ إذ تشارك النساء في مجالات التعليم والعمل والحياة العامة بدرجات متفاوتة، كما تتباين مواقفهن تجاه قضايا الهوية والدين والسياسة تبعًا لاختلاف الخلفيات الاجتماعية والثقافية. غير أن كثيرًا من الخطابات الغربية تميل إلى تقديم صورة متجانسة عن المرأة الإيرانية بوصفها موضوعًا للإنقاذ، وهو تصور قد يغفل الفاعلية الاجتماعية والسياسية التي تمارسها النساء داخل السياق المحلي ذاته.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة أكثر تركيبًا في فهم واقع النساء في إيران، مقاربة تعترف بتعقيدات السياق التاريخي والاجتماعي بدل اختزاله في سرديات جاهزة. فدعم قضايا النساء لا يقتصر على إصدار بيانات التضامن أو تبني خطاب حقوقي عام، بل يتطلب فهمًا أعمق للبنى المحلية التي تتشكل داخلها هذه القضايا، وإدراكًا أن مسارات التغيير الاجتماعي لا تسير دائمًا وفق النماذج التي تشكلت في سياقات أخرى. وفي هذا الإطار يصبح الهدف ليس إعادة إنتاج صورة نمطية عن المرأة الإيرانية، بل فتح المجال لفهم أكثر دقة لتجاربها المتعددة داخل مجتمع شديد التركيب.