يكاد يكون الحديث عن المتنبي بغرض المساءلة أو الاختلاف محفوفًا بالمخاطر، ومحاطًا بالكثير من المخاوف من اختلاف الناس واعتراضهم، لِما وَقَرَ ورَسَخَ في الذهنية العربية من أَسْطَرَةٍ لهذا الرجل، ولا شك أنه مستحق لجوانب كثيرة من كونه شاعر العربية الأول، وأنه مالئ الدنيا وشاغل الناس، لأنه شاعر عبّر عن أمته ببراعة، وتجاوز زمانه ومكانه، فكانت قصائده تجوب الآفاق في حياته، وجابت آفاقًا أوسع وأرحب بعد موته.
أبو الطيب المتنبي، أحمد بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي، الذي ولد في الكوفة بالعراق (303 هـ - 915 م) وتنقل بين البلاد شاعرًا وباحثًا عن الولاية والملك، مدح كثيًرا من الأمراء ورجالات الدولة، ومدح نفسه قبل ذلك كله، قال الشعر في صباه، وعُرف بنبوغه في القريض مبكرًا، فقد كان فصيح اللسان، دقيق المعاني، مجيد الوصف، ومتقنًا للمديح، فذاع صيته، واشتهر في أوساط الثقافة سريعًا، ما ساعد في اقتحامه بلاط الأمراء، ليثرى منه، ويجمع مالًا وفيرًا، وجاهًا كبيرًا، ومجدًا عظيمًا لا يطاوله مجد.
الأنا المتضخمة
القارئ – أي قارئ- لديوان المتنبي يدرك أنه أمام شخص معتدّ بنفسه، معتز بذاته، يرى أنه عظيم الشأن، قليل النظير، وهو نسق متكرر في قصائد المتنبي على امتداد حياته، وفي كل قصائد الديوان تقريبًا. ولعل في بدايات قصائد المديح التي جعلها تبدأ بالكلام عن نفسه مثال واضح على ما أريد الإشارة إليه، لكن إذا حاولنا أن ننظر إلى هذه الظاهرة بشكل أعمق، فإنها سوف تتكشف لنا عن إحدى اثنتين: إما أننا أمام عقدة نفسية، جنون العظمة، أو بارانويا مبالغ فيها، أو أننا أمام شخصية حادَّةُ التقدير لذاتها، على النحو الذي يجعلها ترى نفسها أكبر من التشبيه، أو أن يقاربها أحد في القّدْر والمكانة.
أَمِطْ عنكَ تشبيهي بمَا وكأنَّهُ
فما أَحَدٌ فوقي ولا أَحَدٌ مثلي
الانطلاق من هذه النبرة عند المتنبي يأخذنا إلى تحليل جوانب كثيرة في شعره، ويساعدنا في فهم أشياء غامضة عنه وعن حياته. فالقصيدة عند المتنبي فرصة لإثبات الذات، وإبراز قدرتها وقيمتها، وفرصة للاستعلاء على الآخرين أيضًا، سواء كانوا شعراء معاصرين، أو حاسدين له، بل الاستعلاء على القارئ المجهول الذي لا يعرفه أبو الطيب، فهو حين يقول أبياته الشهيرة، من ميميّته في مدح سيف الدولة:
أنا الذي نَظَرَ الأعمى إلى أدبي
وأسمعتْ كلماتي مَنْ بهِ صَمَمُ
فالخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفُني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقًلًمُ
نلاحظ أننا أمام أنا متضخمة بشكل مبالغ فيه، وبصرف النظر عن شعوره بشهرته وذيوع صيته في حياته، وإدراكه لمدى الانتشار الذي وصلت له قصائده في الرقعة العربية، فإن هذه الخطاب أيضًا يحمل في طيّاته اتهامًا لأي أحد لا يعرفه، وكأن ادعاءه بأن الخيل والليل والبيداء تعرفه لا يترك لأحد عُذرًا في ألا يعرفه، وفي هذا اتهام أو تقليل من شأن الآخر الذي من حقه الطبيعي في الحياة ألا يعرف هذا الشاعر. وهذا يقلل من تحلِّي خطابه الشعري بالثقافة، الثقافة بوصفها سلوكًا بشريًّا، قبل أن تكون أداءً فنيًّا وشعرًّا.
من الشائع أيضًا في قصائد المتنبي تعاليه على نُظرائه من الشعراء، سواء بالتقليل من شعريتهم، أو جودة قصائدهم، أو بادعاء أنه الشاعر الأوحد، وهم جميعًا مجرد أصداء لصوته، ومحاولات لمجاراة ما ينحته أبو الطيب من الشعر، يقول:
ودَعْ كل صوتٍ غيرَ صوتي، فإنني
أنا الطائرُ المحكيُّ.. والآخرُ الصدى
وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدي
إذا قلتُ شعرًا، أصبحَ الدهرُ مُنشِدا
بصرف النظر عن الثقة بالنفس، والاعتداد بالذات بالقدر المحتمل والمطلوب أن يكون في الشاعر، لكنّ في هذا الخطاب كثيرًا من الإقصاء للآخر، وادعاء الوحدانية والأحادية، وهذه المفاهيم تنقص من رصيد الثقافة عند من يعتقد أنه يتمتع بهما أو بأحدهما، لأن من أبجديات السلوك الثقافي عند الإنسان أن يتعامل مع الآخر باحترام، فلا يقلل من قيمته ولا من قيمة ما يفعل، مع كامل التقدير للفوارق الطبيعية بين الناس، التي من شأنها أن ترفع إنسانًا فوق آخر.
خليليَّ إني لا أرى غيرَ شاعرٍ
فلِمْ منكمُ الدعوى.. ومني القصائدُ؟
يرى المتنبي أنه هو الشاعر فقط، والآخرون مجرد أدعياء، يدعون أنهم شعراء، بينما لا أحد منهم يكتب شعرًا، وأنه هو فقط من يرد على هذه الدعاوى بالقصائد، فهو يضع فرضية، ثم يعمّمها على جمهور الشعراء، ثم يرد على هذه الفرضية بما يراه -هو وحده- أنه صاحب الفعل الحقيقي والملموس على سؤال الشعر، وأنا هنا لا أقلل من شأن المتنبي أو شعريته أو قيمته وأهميته التاريخية والثقافية، وإنما أحاول طرح سؤال: ماذا لو رشّد المتنبي من استخدامه لهذا الخطاب، وتلك النبرة المتعالية، هل كان ليضيعَ قَدْرُهُ ومكانتُهُ في التاريخ؟
الأخلاق والشعرية
كان للمتنبي أعداء كثر وخصومات كثيرة على مدار حياته، ورأينا له قصائد هجاء في أشخاص كثيرين، لكنني هنا سأحاول أن أشير إلى مواضع أثارت عندي تساؤلات كثيرة حول ثقافة المتنبي، ليس بوصفها رافدًا لمادة الشعر عنده، وإنما باعتبارها حائط الصد أمام نوعية الكلام الذي يسوّل الشعر قوله، وهو جارح لمفهوم الثقافة التي يجب أن يتحلّى بها إنسان وشاعر عظيم مثل المتنبي. وعلى الرغم من وجود صفات أخلاقية وجمالية راقية في الشعر، يحسن بنا أن نتعلمها وأن نتمثلها، فإن فيه صفات أخرى لها من الضرر ما يجعل الشعر أحد مصادر الخلل النسقي في تكوين الذات، وفي عيوب الشخصية الثقافية. كما ذكر د. عبدالله الغذامي، في كتابه النقد الثقافي.
قرأنا قصائد المتنبي في بلاط بدر بن عمار، ومرّت بنا المداولات والحوارات التي كانت تدور بين جلساء الأمير، وكان للمتنبي في نفوس معظمهم حسد وحقد وضغينة، لما كان يتمتع به أبو الطيب من مكانة مقربة من الأمير، ومن حظوة عنده، فكانوا يحاولون إثارة الأمير وتحريضه عليه، متفننين في اختراع الأسباب وتلفيقها، وكلنا قرأنا ما قاله المتنبي في هجائه لابن كروّس، حين قال فيه:
فَيَا ابنَ كَرَوَّسٍ يا نصفَ أَعْمَى
وإنْ تفخَرْ فيا نصفَ البصيرِ
تُعادينا لأنَّا غيرُ لُكْنٍ
وتُبغِضُنا لأنَّا غيرُ عُورِ
فلو كنتَ امرأً يُهجَى هَجَوْنا
ولكنْ ضاقَ فِتْرٌ عن مَسيرِ
هنا يقلل المتنبي من شأن الرجل، ويسخر من خلقته، فهو إن كان أعور، فليس ذلك من اختياره، وإنما هو خلق الله، فلماذا ذهب المتنبي إلى هجاء الرجل من جهة خلقته! وكان أحرى به أن يهجوه –وهو القدير على ذلك- من أي ناحية شاء، سواء في أفعاله أو في أي شيء آخر، لكن ذهابه إلى ما جبله الله عليه، هو سخرية من شيء لم يكن في يد ابن كروَّس مشيئته، والأولى بالمثقف أن يُنحِّي الخلاف الشخصي عن الأقدار التي قَدَرَها الله للناس.
ولو نظرنا إلى موقف المتنبي من كافور الإخشيدي، في رحلته إلى مصر، وبغضّ النظر عمَّا كان يؤمله أبو الطيب من أبي المسك، وبصرف النظر عن خيبة أمله في ما كان يتمناه، من ولاية وتقريب من السلطة، وغيرها من الأشياء التي حاول بها تعويض ارتحاله من بلاط سيف الدولة، وانتقاله إلى بلاط كافور، فإنّ الخصام كاشف للخفايا التي لم يكن المتنبي ليفصح عنها، فلما اختلف مع كافور، ظهرت هذه النبرة في شعره:
مَنْ عَلَّمَ الأسودَ المخصيَّ مَكْرُمَةً
أقومُهُ البيضُ أم آباؤهُ الصِّيدُ
أم أذنُهُ في يدِ النخَّاسِ داميةً
أم قَدْرُهُ وهو بالفِلْسَيْنِ مردودُ
ما زال المتنبي يخلط بين الشخصي والفطري في مَنْ يختلف معهم، فهو هنا يعيّر كافور بلونه الأسود، وينعته بالمخصيِّ، سواء كان ذلك حقيقةً أم مجازًا، ويلتفت إلى ماضي الرجل، ويقول إنه كان عبدًا، وكانت أذنه داميةً في يد نخَّاسه، ويقدّر قَدْرَه بأنه لا يساوي فلسين، هذا ليس هجاءً، وإنما خطاب عنصري، يسخر من أصحاب اللون الأسود، ويستثنيهم من كل المكارم.
ويكمل في خطابه العنصري، ويتحدث بنبرة بعيدة كل البعد عن الخطاب والسلوك الثقافي والأخلاقي، الذي يجب أن يتحلى به الشاعر والأديب، قائلًا:
لا تشترِ العبدَ إلا والعصا مَعَهُ
إنَّ العبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ
في الوقت الذي نتوقع فيه من لسان الأمة وشاعرها وسفيرها الثقافي أن ينتصر للإنسان، في كل عرق ولون، وأن يدافع عن الحريّات، وأن لا يضع من قيمة الآخر، نجد أن المتنبي – الشخصية الثقافية المفترضة - يتكلم بهذه النبرة عن العبيد، ويستخدم خطاب العنف في حديثه عن الذين لا يملكون من أمرهم شيئًا، بل ويحرّض المشتري عليهم بأن يحمل معه العصا، وينعتهم بنعوت فيها من الخطاب العنصري ما وصل إلى الحد الذي جعله يصفهم بأنهم "أنجاس" وهذا من خوارق الثقافة عند المتنبي، إذ خلط بين خلافه مع كافور، وبين الشعوب ذات البشرة السوداء، أو طبقة العبيد عمومًا، وهو الجدير بأن يكون شعره العظيم دافعًا لأن يترفَّق بالإنسان، لأن من صفات الشعر القلب الرحيم، والروح النقي الذي لا يحمل الضغائن.
أؤمنُ بكِ يا نفسي،
لكنْ عليَّ ألَّا أجعلَ الآخرَ أقلَّ منكِ شأنًا.
هكذا قال الشاعر الأمريكي والت ويتمان في كتابه أوراق العشب. وبغض النظر عن الفروق الزمنية والاجتماعية والثقافية بين المثالَيْن، فإننا إزاء نموذج ثقافي عاش في مجتمع يحرّض على العنصرية ضد الزنوج، للدرجة التي جعلت الرجل الأبيض يقيم لهم ما يشبه حديقة الحيوان، ويعرض فيها الزنوج بوصفهم مثالًا لهذا العرق الجدير بالعنصرية والازدراء. هنا يأتي دور الشاعر بوصفه ضمير الأمة، والشاعر هنا، والت ويتمان، الذي جاء في وقت كانت الفلسفة السائدة في المجتمع الأمريكي هي الفلسفة المتعالية، يقول هذه الجملة الإنسانية العظيمة، التي عبّر من خلالها عن تقديره لنفسه وشعبه، لكن في الوقت ذاته، أكّد على أنه لا يجب أن يضع من شأن الآخر.
في حين أن المتنبي، في موضع آخر، سوّلت له ذاته المتعالية والمتضخِّمة، أن يظن نفسه أعلى وأرقى من أي أحد غيره، للدرجة التي جعلته يصف كل ما سواه بالاحتقار، يقول:
أيَّ مَحَلٍّ أرتقي .. أيَّ عظيمٍ أتَّقِي
وكلُّ ما قد خَلَقَ اللهُ.. وما لم يخلُقِ
مُحتَقَرٌ في هِمَّتي.. كشَعْرَةٍ في مَفْرِقي
نحن هنا أمام خطاب متعالٍ، وأنا متضخمة، لدرجة لا تفسح المجال لأحد سواها، وكأن الله لم يخلق غيره.
الضمير أم الغرض
رأينا كيف يقدّر المتنبي ذاته ويرفعها أعلى الدرجات، غيرَ مكترثٍ ولا عابئ بالآخرين، وكيف لم يَسْلَمْ أحد من ذاتـيّـته المفرطة، غير أنه في قصيدة ميميّة كان يمدح فيها الحسين بن إسحاق التنوخي، يقول:
كأني دَحَوتُ الأرضَ من خِبْرَتي بها
كأنِّي بَنَى الإسكندرُ السَّدَّ من عَزْمي
لألقى ابنَ إسحاقَ الذي دَقَّ فَهْمُهُ
فأبدعَ حتى جَلَّ عن دقَّةِ الفَهْمِ
وأسمعَ من ألفاظِهِ اللغةَ التي
يلذُّ بها سَمْعي ولو ضُمِّنَتْ شَتْمي
وعلى الرغم من الحديث عن نفسه باعتزاز وترفُّعٍ في أول أبيات القصيدة، فإنه يقول في البيت الثالث هنا، إنه مستعد لأن يسمع كلام هذا الممدوح، تلذُّذًا بسماعه، ولا يهمه لو ضُمَّنَ حديثُ ممدوحه شتمًا له، وكأن المتنبي، ذا الأنا المتضخمة والمتعالية، تضاءل أمام هذا الرجل، للدرجة التي جعلته يتلذذ بسماع ألفاظه ولغته، حتى وإن كان يشتمه، فأين ذهب المتنبي الذي لا يرى أحدًا فوقه ولا مثله؟ هل أعماه غرض المدح عن تذكُّر نفسه؟
لكن ذلك ما زال في الحيِّز المقبول، فهو أمر شخصي يخصه هو وحده، قد يكون لهذا الممدوح مكانة مقربة من المتنبي، وقد يكون له دلال عليه، وقد يكون بينهما من المزاح ما يسمح له بتمرير الشتم، إلى آخره من الاعتبارات التي تجعلنا نضع هذا الكلام داخل الإطار الشخصي بينه وبين ممدوحه، لكن الذي لا يمكن أن نعتبره أمرًا شخصيًا هو وصف ممدوحه بطريقة ترفعه في مكانة لا تصح، إذ يقول:
مُذِلُّ الأعِزَّاءِ، المُعِزُّ، وإنْ يَئِنْ
بهِ يُتْمُهُمْ، فالمُوتِمُ الجابِرُ اليُتْمِ
مُقَلَّدُ طاغي الشفرتَيْنِ، مُحَكَّمٍ
على الهامِ، إلا أنَّهُ جائرُ الحُكْمِ
فهو يخلع على ممدوحه صفات كبيرة على أي أحد، بل وبعضها تفرَّدَ به الله تعالى، مثل المعز والمذل، وجعل ممدوحه متصفًا بصفة "الإيتام"، حيث إنه موتم، يستطيع أن يقتل الرجل ويوتم أبناءَه، ثم يجبر يُتمهم بكرمه وسخائه عليهم، فأي درجة رفع ممدوحه لها بهذا الكلام. نعرف مبالغات المدح، لكن ثمة سقف يجب أن يقف عنده.
المثير في الأمر، أنه لم يكتفِ بأن خلع عليه هذه الصفات فقط، بل زاد وسوّغ له القتل، بطريقة تبدو كأنها فتوى بجواز سفك دماء الناس، دون مراعاة حرمة دم الإنسان، يقول:
تحرَّجَ عن حَقْنِ الدماءِ، كأنَّهُ
يرى قتلَ نفسٍ تركَ رأسٍ على جِسْمِ
وجدْنا ابن إسحاقَ الحسينَ كحَدِّهِ
على كثرةِ القتلى بريئًا من الإثْمِ
يبدو أن المتنبي لم يعد له سقف شعري، ولا وازع أخلاقي، ولا ضمير إنساني، يجعله يتوقف عند معنى ما، أو صفة ما، يخلعها على ممدوحه، بل تجاوز ذلك، وذهب إلى أن يقول على الحسين بن إسحاق، إنه تحرَّجَ عن حقن الدماء، كأنه يرى أنه إذا ترك رأسًا على جسمٍ فإنَّ ذلك يُعادل عنده ذنب قتل نفس، فهو هنا أخذ البديهة العقلية، والفطرة الإنسانية إلى الضد تمامًا، فالطبيعي أن يكون الحرج في سفك الدماء، لا في حقنها، والفطري أن تُترك الرؤوس على أجسامها، حيةً وصحيحةً، لكنه هنا، يجاري ممدوحه أو يحرّضه، على ممارسة هذا السلوك الذي يشبه الإبادة. وبما أن الوعي هو المسافة بين الإنسان وبين القطيع. على حد تعبير الفيلسوف الألماني إريك فروم، فالمتنبي بهذا المنطق بعيد كثيرًا عن الوعي الذي يمكن أن ينقذه من أخلاقيّات القطيع، الذين يرون في المنفعةِ الغايةَ الكبرى.
ولم يكتفِ بهذا القدر من الخطاب، الذي أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه خطاب ساديٌّ، وعُنصريٌّ، وإقصائيٌّ، ومُحرِّضٌ على العنف، بل تجاوز ذلك إلى ما هو أبعد وأقسى، حيث قال إنه وجد أن ممدوحه وسيفه، على كثيرةِ القتلى، بريئانِ من الإثم، وكأنه يصدر فتوى للممدوح بالقتل، وسفك الدماء، ويضمن له البراءة من إثم هؤلاء القتلى.
ولو أن الأمر اقتصر على الشعر كتجربة جمالية، لما كان هناك ما يزعج، غير أن ارتباط الشعر بكونه عِلْمَ العرب الذي لا علم لهم سواه، وبكونه ديوان المآثر ومدرسة الأخلاق، يجعل السمات النسقية تتسرّب من هذا الديوان، وتتغلغل في نسيجنا الذهني والثقافي، فنقوم بإعادة إنتاج هذه النماذج وهذه السلوكيات التي تطبع شخصيتنا بطابعها، وتصوغنا حسب قياساتها، وهي صياغات تبدو جمالية فنية محايدة، إلا أنها تنفَذُ فينا في الواقع. على حد تعبير د. عبدالله الغذامي.
وهذا الخطاب من المتنبي، يضعه في موضع المساءلة، باعتباره مثقفًا في المقام الأول، فليس الغرض مسوّغًا للشاعر بأن يتجاهل ضميره، وفي هذا المقام، الغاية لا تبرّر الوسيلة، بل من المفترض أن يشترط الشعر الذي يتكسّب منه الشاعر شروطًا تجعله حذرًا، لا سيما أنه يختص بشعره رجال الدولة.
وبعد المرور على نماذج من شعره، على سبيل الذكر لا الحصر، يتبيّن لنا كيف أن المتنبي لم يُنَقِّ شعره من هذه الشوائب، وأنه بالَغَ في مدحه للدرجة التي جعلته يخرج من المعايير الثقافية والأخلاقية، التي يجب على الأديب أن يتحلَّى بها، لأنه إنسان، قبل أن يكون شاعرًا.
إلى كم ذا التخلُّفُ والتواني
وكم هذا التمادي في التمادي
وشُغلُ النفسِ عن طَلَبِ المعالي
ببيعِ الشعرِ في سوقِ الكسادِ
في هذه القصيدة، كأنَّ المتنبي عاد إلى رشده، واستعاد وعيه، وأدرك أن الشعر سلعة، وأن نفس الإنسان يجب أن تنشغل بإدراك المعالي، لا أن تبيع الشعر في سوق الكساد، فهذا ما يجب على الإنسان السويّ، سليم الفطرة، قويم السجيّة، أن يفكّر في التسامي على الشهوات والنزعات التي تنتزعه، بأن يوطِّن نفسه على طلب العُلا في كل شيء، ثقافةً وأخلاقًا وشعرًا.