ultracheck
التدين في جيش الاحتلال

المتديّنون في الجيش الإسرائيلي.. زواج كاثوليكي على ورق تلمودي

11 مارس 2025

"جيش الله".. "جيش الرب".. "جيش الخلاص".. "قوة الربّ المقدسة"؛ هي مسميات عدة أُطلقت على الجيش الإسرائيلي، تنبثق جميعها من أرضية مشتركة، عنوانها إضفاء الصبغة الدينية على هذا الكيان المسلح، الذي اختلط فيه الديني بالعسكري، الأيديولوجي بالتنظيمي، الأصولي بالعلماني، والقومي بالطائفي.

وعامًا تلو الأخر، يتجه جيش الاحتلال إلى ما يشبه الميليشيات الدينية، حيث سيطرة الحاخامات على الفرق العسكرية، وهيمنة التعليمات التلمودية على عقلية الضبّاط والجنود على حدٍّ سواء، فبات مشهدًا مألوفًا أن ترى ضابطًا يرتدي الطاقية اليهوديةالمعروفة بـ "الكيباه" وآخر يضع شارةً دينية على ذراعه، وثالث يحارب والتلمود لا يفارق يده.

باتت الثكنات العسكرية التابعة لجيش الكيان ساحةً عريضة للشعارات الدينية التي تستهدف التحوّل من العقيدة العسكرية إلى الدينية، لتصبح خدمة "إسرائيل" عبر الالتحاق بالمؤسسة العسكرية واجبًا روحيًا قبل أن يكون وطنيًا، وهو ما أكد عليه الجنرال أوفير ونتر، أحد أبرز القادة الميدانيين في جيش الاحتلال، والمسؤول عن لواء "جفعاتي" أحد الألوية الأربعة الرئيسة للجيش، حين وزّع مناشيرًا على جنود الجيش خلال الحرب التي شنها الكيان في غزة عام 2014 قال فيها إن "التاريخ اختارنا لقيادة القتال ضد العدو الغزاوي الإرهابي الذي يشتم ويكفر ويلعن إلـه القوّات الإسرائيلية"، وكان عقب كل صلاة يردد أمام جنوده القسم بيمين الولاء للإله الواحد "إله إسرائيل".

وقفز عدد المتدينين من طلاب الكليات الحربية الإسرائيلية من 2% عام 1990 إلى أكثر من 30% عام 2010، وبات 85% من الضباط الذين يحملون رتبة مقدّم في لواء غولاني ( أحد أبرز ألوية المشاة في جيش الاحتلال) وأكثر من 42% من الذين يحملون رتبة مقدم في لواء كفير (اللواء الرئيسي الذي يتمركز تاريخيًا في الضفة الغربية) و50% من قادة سلاح المشاة من المتدينين.

وبجانب ما يثيره هذا التنامي المتزايد للمتدينين في صفوف الجيش الإسرائيلي من قلق للتيار العلماني الذي تخيم عليه مخاوف تقزيم دوره لصالح الصهيونية الدينية التي تتوغل بشكل كبير داخل مفاصل المؤسسة العسكرية، فإنه حتمًا سيكون له ارتداداته على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وأداء الجنود الإسرائيليين ميدانيًا وفي تعاملهم مع الفلسطينيين

 بين الحريديم والصهيونية الدينية

ينقسم المتدينون الإسرائيليون – رغم تشعب التيارات والمذاهب- إلى قسمين رئيسيين:

الحريديم:
 وهم الأصوليون المحافظون، والذي يُطلق عليهم أيضا التوراتيون، وهم الجماعة الأكثر تشددًا على المستوى الأيديولوجي، ويرون أن اليهودية مقدّمة على الدولة الإسرائيلية، وأن خدمة الربّ فوق كل اعتبار، ومن ثم فإنّ ولاءهم الأول لليهودية التلمودية، وهو ما انعكس على علاقتهم بالدولة (علاقة جفاء وبرود في معظمها) ويرون في الوقت ذاته أن الأيديولوجية الصهيونية تضرب الهوية الدينية لإسرائيل في أصولها، ومن ثمّ فهم أبعد ما يكونون عن الاندماج في المجتمع ويميلون للعزلة المناطقية والطائفية.

ويميل الباحثون إلى تقسيم الحريديم إلى ثلاثة تيارات، وهي:

 التيار الأول: وهو تيار راديكالي بحت، يتبنى مواقف شديدة التطرّف في معاداة الصهيونية القومية، ويرفض وجود أي كيانٍ يهودي سياسي قبل قدوم المسيح المنتظر؛ بل يعتبر أيّة خطوة في مسار توسيع رقعة الكيان الإسرائيلي تمرّدًا على ملكوت السماء، ومن أبرز ممثلي هذا التيار، الطائفة الحريدية، وحركة ناتوري كارتا.

التيار الثاني: وهو المعتدل والذي لا يُعارض قيام الدولة الإسرائيلية بشكلٍ علني، بل يعتبرها أداة ووسيلة وتمهيدًا للطريق أمام عودة المسيح المنتظر، وربّما يكون الأكثر انتشارًا والأكثر ثقلًا بين التيار الحريديمي، وليس لديه موقف متشدّدٌ مسبق إزاء فكرة الالتحاق بالجيش، كما سيرد ذكره لاحقًا، ويمثلهم حزب "شاس" وحركة "حباد".

التيار الثالث:  ويُسمّي نفسه التيار المركزي، وهو الأكثر براغماتية، حيث يتعامل مع مختلف القضايا والمواقف بشكلٍ عملي، وفق ميزان المكاسب والخسائر، ويميل نحو التعايش مع جميع الفئات والتيارات الفكرية والعقدية داخل المجتمع الإسرائيلي، لكنه في الوقت ذاته يعتبر نفسه تيارًا غير صهيوني، ويتمحور اهتمامه وتركيزه في المجالات الثقافية والتربوية والتعليمية، ومن أبرز ما يمثلهم حركة وحزب "أغودات يسرائيل".

ويبلغ عدد السكان الحريديم قرابة 1.2 مليون نسمة، حسب إحصاء 2022 (يشكلون نسبة 13.3% من إجمالي سكان إسرائيل) مقارنة بـ 750 ألف نسمة في عام 2009، ويتمتعون بنفوذ كبير داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، حيث تمثل أحزابهم لاعبًا محوريًا في شتى الائتلافات الحكومية المتعاقبة.

الصهيونية الدينية (القومية)

هي المولود غير الشرعي للتزاوج بين السياسة والدين، وُلدت في مطلع القرن العشرين في أوروبا، ثم انتقلت مع العصابات اليهودية للأراضي الفلسطينية، وقد حظيت بدعم أفراهام كوك، كبير حاخامات الطائفة اليهودية الي كانت موجودةً في فلسطين قبل نشأة الكيان المحتل، وتميل للمبدأ البراغماتي في التعامل مع مختلف القضايا، ترفُض التشدّد وتبحثُ عن مصالحها بشكلٍ مباشر.

وعلى عكس الحريديم والتيار الأصولي الذي يرى في نشأة الدولة الإسرائيلية بمكوّناتها العلمانية ضربًا للهوية اليهودية، وأن الدولة ينبغي لها أن تُقام عند ظهور المسيح المخلص،  تميل الصهيونية القومية إلى أن الفكر العلماني في حدّ ذاته قد يشكّل أداةً إلهية وخطوة للخلاص نهاية الزمان، وكان كوك قبل وفاته عام 1935 قد وافق على تأسيس دولة يهودية علمانية، تجمع بين الشق الديني والدنيوي، وتسير بجناحي الحركة الصهيونية، اليهودية والعلمانية.

وكثير من الباحثين يرون أن الصهيونية ارتبطت تاريخيًا باسم "ثيودور هرتزل" (2 أيار/مايو 1860– 3 تموز/يوليو 1904) مؤسس الصهيونية الحديثة، والذي لم يكن متدينًا على الإطلاق، فالصهيونية من وجهة نظره كانت طريقًا نحو تحقيق حُلم بناء وطن قوي يجمع يهود العالم، وكانت النية بداية الأمر تتجه نحو الأرجنتين، لكن تأويل بعض المقربين من هرتزل لإحدى النصوص المقدّسة عند اليهود التي ترى أن الله سيهب لبني إسرائيل الأرض من وادي العريش في مصر إلى نهر الفرات مرة واحدة، دفعته إلى تغيير رأيه من الأرجنتين إلى فلسطين، وعليه يمكن القول إن الدين بالنسبة له ليس سوى أداة لإقناع اليهود بالمجيء إلى أرض الميعاد.

لماذا رفض الحريديم الانضمام للجيش بداية الأمر؟

مع بداية نشأة الكيان المحتل كان العلمانيون من عناصر الميليشيات الصهيونية العاملين في الأراضي المحتلة هم نواة جيش الدولة اليهودية، فيما رفض الحريديم الانضمام للجيش لاعتبارات دينية بحتة، إذ يرون أن الدولة الناشئة لا تلتزم بالبعد الديني اليهودي، كما أن ارتكاز الدولة على الأسس العلمانية أفقدها الهوية الدينية، هذا بجانب رغبتهم في التفرغ لدراسة التلمود والعلوم الدينية.

أثار هذا الأمر حينها حالةً من البلبلة داخل الوسط اليهودي مما دفع الوكالة اليهودية التي كان يرأسها – آنذاك- ديفيد بن غوريون إلى توقيع اتفاقية مع حزب "أجودات يسرائيل" الذي كان يمثل المتدينين في ذلك الوقت،  وأُقرّت تلك الاتفاقية الموقعة في حزيران/جوان 1947 وعُرفت بـ "الستاتوس كوو" (الوضع القائم)، بموافقة الحزب المتدين على قيام الدولة الإسرائيلية والمشاركة في مؤسّساتها شريطة التزامها بما يحافظ على سَمْتها الديني اليهودي، مثل اعتبار يوم السبت إجازة رسمية،  وسن قوانين للزواج تكون متوافقة مع الشريعة اليهودية، واستقلال التعليم الديني وإعفاء المتدينين من الخدمة العسكرية وتفرغهم لدراسة التوراة.

لم يرفض بن غوريون  - بعد أن أصبح رئيسًا للوزراء -   طلب إعفاء المتدينين الحريديم من الخدمة العسكرية، إذ كان عددهم في ذلك الوقت لا يتجاوز 400 شخص، وهو عدد قليل لا يؤثّر بالشكل الذي يتناسب مع حالة القلق التي كانت من الممكن أن تحدث، إذا ما رفض طلب حزب "أجودات يسرائيل"، فهو قرار يهدف إلى رأب الصدع المحتمل.

هذا بخلاف محاولة بن غوريون كسب شرعية "إسرائيل" كمركز لليهودية الأرثوذكسية واعتقاده بأن "إسرائيل" والمجتمع اليهودي سيتطوران في اتجاه تحييد الدين  عن المجال العمومي، متوهمًا أن الحريديم المتشددين سيتضاءلون من المشهد وصولًا إلى حد الاختفاء، وهي الأوهام التي لم يتحقق منها شيء لينقلب الأمر رأسًا على عقب.

 ومع مرور الوقت زاد عدد المتدينين بشكلٍ كبيرٍ، مستفيدين من امتياز الإعفاء من الخدمة العسكرية، وباتوا يشكلون رقمًا صعبًا في المجتمع الإسرائيلي، هذا بخلاف سيطرة العلمانيين على المؤسّسة العسكرية، وهو ما أقلق حاخامات اليهود الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة ضرورة إلحاق المتدينين بالجيش وعدم ترك مؤسسة بهذا الحجم للعلمانيين، وسندان التمسك بالهوية الدينية.

المدارس التوراتية.. المخرج من المأزق

مع زيادة أعداد المتدينين العازفين عن الخدمة العسكرية كان لابد من التوصل إلى حل وسط يُرضي الأحزاب الدينية وحاخامات اليهود الذين تصاعد القلق لديهم من هيمنة العلمانيين على الجيش من جانب، والقيادة السياسية التي بدأت تتململ من استفادة شريحة كبيرة من الشباب من الإعفاء من الخدمة العسكرية.

وهنا بدأ التفكير في آلية تسمح بالربط بين التدين وأداء الخدمة العسكرية، وذلك عن طريق دمج مؤسسات التعليم العالي الدينية التي تدرس التوراة وبين الالتحاق بالجيش وأداء المهام الوطنية في ذلك الوقت الذي كان جيش الكيان بحاجة إلى عناصر شابة، فظهر ما يُعرف بـ "المدارس التوراتية الخاصة" ( يشيفات هسدير) كان ذلك عام 1965.

كان تدشين تلك المدارس مستندًا إلى الفتوى الصادرة عن الأب الروحي للصهيونية تسفي كوك التي تنصّ على أن الخدمة العسكرية تعتبر واجبًا دينيًا، وكان الاتفاق يتضمن دمج الطلاب الدارسين في تلك المدارس الدينية بعد عامين من الالتحاق بها بالمؤسسة العسكرية، ويقضون فترة تجنيد مدتها 16 شهرًا، ومن هنا بدأ المتدينون يلتحقون شيئًا فشيئًا بالجيش حتى حدث التحوّل الأبرز في العلاقة بين المتدينين والجيش الإسرائيلي وذلك عام 1967.

نكسة 67 وجيش الله

بعد حرب حزيران/يونيو 1967 واحتلال "إسرائيل" للعديد من الأراضي العربية في فلسطين وسوريا ومصر، وسيطرتها على الكثير من الأماكن المقدسة في القدس والبلدات الفلسطينية القديمة، تغيرت النظرة إلى الجيش بنسبة 360 درجة، وبات يُنظر لتلك المؤسّسة على أنها صاحبة الفضل في ضم كافة المناطق ذات القدسية الدينية التي تحدثت عنها التوراة والتي تمهد الطريق نحو أرض الميعاد وتحقيق حلم الدولة من النيل للفرات.

وتحوّل الجيش في نظر المتدينين – خاصّة أبناء الصهيونية الدينية والحريديم المعتدلين- من مؤسسة تتعارض مع تعاليم التوراة وتضرب المعتقد اليهودي في صلبه، إلى أداة الخلاص وتحقيق الحلم، وبدأت بعض الأوساط في التيار الصهيوني الديني يطلقون على جيش الاحتلال لقب "جيش الله" وهو التحول الذي كان له صداه الكبير على موقف المتدينين من فكرة الالتحاق به وأداء الخدمة العسكرية.

ومنذ ذلك الوقت بدأ الإقبال على الجيش من قبل المتدينين يتزايد بصورة كبيرة، سواءً من خريجي المدارس التوراتية الخاصة أو من الشباب المتدين الذي لم يلتحق بتلك المدارس، وبدأ المتدينون ينافسون العلمانيين داخل المؤسسة العسكرية بصورة كبيرة، خاصة بعد تحفيز وتشجيع الأحزاب الصهيونية الدينية على الانضمام للجيش بوصفه أداة لتحقيق وعد الرب.

لكن رغم هذا الإقبال كان هناك اعتراض من الأحزاب غير الدينية على منح المتدينين ميزة الإعفاء من الخدمة العسكرية، وفي عام 1970 قُدم التماسٌ للمحكمة العليا الإسرائيلية ضد عدم تجنيد أكثر من خمسة آلاف طالب متدين من المدارس الدينية، إلا أن المحكمة لم تبت في الموضوع وتركته للقيادة السياسية، التي ارتأت فيما بعد التنسيق مع الأحزاب الدينية لإلحاق المتدينين بالجيش ولو بأعداد قليلة.

الأمر ذاته تكرر بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، فرغم الهزيمة التي تلقاها الكيان الإسرائيلي على أيدي المصريين والسوريين في تلك الحرب، وخسارته للأراضي المحتلة في سيناء، إلا أن المزاج العام السائد لدى متديني "إسرائيل" كان يميل نحو دعم المؤسسة العسكرية واستمرار الالتحاق بها حفاظًا على ما أسموه "دولة 1967" التي نجحت في ضم معظم المقدسات التي تحدثت عنها التوراة والتي يجب الدفاع عنها بأي ثمن.

وشكل العلمانيون في ثمانينات القرن الماضي السواد الأعظم من الجيش، فيما كان يقبل ما بين 3 – 5% فقط من خريجي المدارس الدينية للالتحاق بدورة الضباط مقابل ما بين 80 – 90 % من العلمانيين، الأمر الذي دفع المتدينين للبحث عن آليات أخرى لتحقيق التوازن والانخراط داخل المؤسسة العسكرية، كان على رأسها إنشاء كليات عسكرية تمهيدية، كـ "تدريب وتجهيز"  قبل الخدمة العسكرية، وكانت تقبل للدراسة بها العلمانيين والمتدينين على حد سواء، ومن هنا بات الطريق مفتوحًا أمام أبناء التيار الديني لدخول الجيش دون أن يُخل ذلك بسمْتهم الديني، وهو ما ساعدهم على الانتشار فيما بعد داخل المؤسّسة.

زيادة أعداد المتدينين في الجيش الإسرائيلي

ساهمت الكيانات التعليمية الدينية المستحدثة، المدارس التوراتية الخاصّة والكليّات العسكرية التمهيدية، في ضخّ أعدادٍ كبيرة من منتسبيها من المتدينين داخل مفاصل المؤسسة العسكرية، حيث بلغت نسبة الطلاب الذين يتخرجون من تلك الأكاديميات، المدارس والكليات، ويلتحقون بالوحدات القتالية في الجيش نسبة 85%، كما أن قرابة 30% من هؤلاء الخريجين يصبحون ضباطًا ويتقلدون مناصب عسكرية رفيعة.

اللافت هنا، أن العلمانيين بعد حرب 1973  كانوا من أشد المؤيدين لالتحاق المتدينين بالجيش عكس ما كان عليه الوضع قبل ذلك، إذ يرون أن المؤسسة العسكرية بعد الذي تعرّضت له من هزيمة على أيدي العرب كانت بحاجة إلى مقاتلين لديهم دوافع قتالية قوية، تحركها العقيدة والإيمان، وهو ما يتوفر في المتدينين من أبناء الصهيونية القومية أو الحريديم المعتدلين غير المتشددين.

ورغم تأرجح عدد المتدينين في الجيش خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي لأسباب تتعلق بملف الاستيطان واتفاقية السلام مع مصر ثم مع الأردن، إلا أنه في المجمل يمكن القول إن نسبة المتدينين داخل الجيش ارتفعت من 2.5% عام 1990 إلى 26% عام 2008، وزادت نسبة الضباط 12 ضعفًا خلال الفترة بين 1990 – 2010، خلافًا لذلك كان أكثر من 40 % من الضباط رؤساء اللجان في الجيش من المتدينين.

وتعد وحدة "نيتسح يهودا" التي تأسست عام 1999 أول كتيبة قتالية حريدية بشكل كامل في الجيش الإسرائيلي، وذلك بدعم من مجموعة من حاخامات "الحريديم"، بهدف دمج الشباب المتدين بالجيش والمجتمع الإسرائيلي، دون المساس بتقاليدهم الدينية، وتتكون في معظمها من عناصر يمينية متطرفة من جماعتي "الحريديم" و"شبيبة التلال"، وتنشط علمياتيًا في الضفة الغربية والجبهة الشمالية في الجولان، ومنذ مطلع عام 2024 تشارك في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

ويعتبرها مراقبون من أشد الوحدات العسكرية الإسرائيلية قسوةً وعنفًا وعنصرية في التعامل مع المدنيين الفلسطينيين، إذ ثبت تورطها في جرائم حرب وانتهاكات حقوق إنسان، من بينها الاعتداء على السجناء الفلسطينيين بالضرب المبرح وبالصفعات واللكمات واستخدام الهراوات، بعد تكبيلهم وتعصيب أعينهم، واستخدم بعضهم الصعق بالكهرباء على مواضع حساسة كالرقبة والصدغين، وهو ما أوقعها تحت طائلة العقوبات الأميركية وحرمها من المساعدات العسكرية القادمة من الولايات المتحدة، غير أن هذه الوحدة تحظى بشعبية كبيرة لدى الأحزاب الصهيونية واليمين المتطرف.

وتشير التقديرات الواردة عن مركز المعلومات التابع للكنيست، إلى ارتفاع عدد الحريديم الذين تجندوا في الجيش الإسرائيلي في الفترة من 2013 – 2016 بنسبة 40%، أي زاد العدد من 1972 مجندًا عام 2013 إلى 2850 عام 2016، وفي العام 2017 تجند للجيش ما يقرب من 3070 مجندًا حريديًا، ليصل عددهم في 2018 إلى 7250 مجندًا يعملون في مسارات مختلفة داخل المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية.

وبعد أسبوعين فقط من بداية حرب غزة، التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تقدم ما يقرب من 3000 من اليهود الحريديين القوميين، غير الأصوليين، للتطوّع في صفوف وحدات الجيش، وهو أمر أثار الكثير من الجدل، إذا ما قورن ذلك بالأعداد التي تقدمت للتطوع خلال السنوات الماضية، ففي 2020 لم يتقدم سوى 1200 فقط.

ما الدوافع؟

يرجع هذا الإقبال المتزايد من قبل المتدينين للالتحاق بالجيش الإسرائيلي لأربعة أسباب رئيسية:

أولًا: النفوذ السياسي؛ حيث ترى الأحزاب السياسية الدينية الإسرائيلية أن التوغل داخل الجيش، والترقي في درجات قيادته المختلفة وعلى كافة الوحدات ومختلف الأفرع والإدارات، يمكن أن يعزز من ثقل المتدينين سياسيًا ويخلق لهم دورًا محوريًا في صناعة القرار السياسي الداخلي، وهو ما حدث بالفعل إذ باتت تلك الأحزاب شريكًا أساسيًا في كافة الائتلافات الحكومية على مدار عقود، وعليه كان تحفيز وتشجيع أنصار تلك الأحزاب على الانخراط والالتحاق بالمؤسسة العسكرية.

ثانيًا: المكانة الاجتماعية؛ يتمتع المنتسبون للجيش لاسيما أصحاب المناصب الرفيعة بداخله بمكانات اجتماعية مرموقة بين الإسرائيليين، ويحظون باحترامٍ وتقدير مقارنة بغيرهم من الشرائح الأخرى، ومن ثم تحول المؤسسة العسكرية إلى "إغراء" الباحثين عن المكانة الاجتماعية المرموقة.

ثالثًا: الامتيازات المادية، إذ يحصل الجنود والضباط داخل الجيش الإسرائيلي على امتيازات مادية كبيرة، لاسيما أوقات الحروب، حيث الرواتب الجيدة نسبيًا مقارنة بغيرها من المهن الأخرى، علاوة على التأمين الصحي وبدلات الانتقالات والسكن والمنح المقدمة لكبار الضباط من مساعدات مادية وعينية مقدمة من الدولة.

رابعًا: الدوافع الدينية والثقافية، وتأتي إلى جانب ما سبق هناك دوافع أخرى تحفز المتدينين على الالتحاق بالجيش الإسرائيلي، منها ما هو ديني كونه ( جيش الله) وممثل الصهيونية، والوسيلة نحو تحقيق حلم أرض الميعاد، مما يتطلب ترسيخ الحضور الديني بداخله من أجل التصدي لمحاولات علمنته من قبل القوى الأخرى، ومنها ما هو ثقافي كونه العنوان الأبرز لهوية الدولة الثقافية الواجب الحفاظ عليها وتعزيزها.

ما التداعيات على مستقبل الصراع مع الفلسطينيين؟

ينطلق المتدينون في الجيش الإسرائيلي من عقيدة قتالية متشدّدة، ترتكز على التعاليم التوراتية المتطرّفة التي وضع حاخامات الصهيونية أسسها ومرتكزاتها العامة، والتي تنتصر لليهودية على حساب أي معتقد آخر، وتؤمن بحقهم في الأراضي الفلسطينية وكافة المقدّسات الدينية التي تحتضنها، وترى في الجنس العربي عدوًا يجب قتله وإبادته، وعليه كانت الانتهاكات والجرائم العنصرية التي ارتكبها أبناء هذا التيار بحق المدنيين من الفلسطينيين في الضفة وغزة والقدس وبقية المناطق الفلسطينية.

ووثقت حرب غزة 2023 وما سبقها خلال حروب عام 2021 و 2014، والتصريحات المتطرفة بين الحين والآخر الصادرة عن رموز الصهيونية في الحكومة الإسرائيلية الحالية وعلى رأسهم وزيرا الأمن الداخلي والمالية، إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش، حجم الكراهية التي يكنّها المتدينيون في الجيش الإسرائيلي للعرب والمسلمين وكل الداعمين للقضية الفلسطينية، وكيف انعكست التعاليم الدينية التي تلقوها على أيدي حاخامات الصهيونية على معدل ومستوى انتهاكاتهم وجرائهم المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني.

ويُخشى إزاء تزايد المتدينين، سواءً من الحريديم أو الصهيونية الدينية، داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من تفاقم الانتهاكات بحقّ الفلسطينيين، وإضفاء البعد الديني على الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما سيكون له بطبيعة الحال أثره على مستقبل القضية الفلسطينية، لاسيما وأن هذا التيار لا يميل لفكرة السلام ولا يؤمن بمسألة حل الدولتين، فالدولة اليهودية من وجهة نظرهم المُبشَّرين بها توراتيًا تلك التي تمتد من المحيط للخليج وما بينهما.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

سقوط الأسد

عام على سقوط الأسد.. سوريا بين إعادة تشكيل السلطة وصعود الدولة الجديدة

تكشف سنة ما بعد سقوط الأسد تحولات سياسية وأمنية عميقة تعيد تشكيل الدولة السورية وسط تحديات متصاعدة

مهيب الرفاعي

فانون في غزّة
فانون في غزّة

فانون في غزّة.. العقل كملجأ أخير

يُقدم هذا المقال قراءة في ممارسات الاستعمار الإسرائيليّ خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة من منظور فرانز فانون

هبة حمارشة

كريستيانو رونالدو

من طفولة ماديرا إلى رمزية القوة الناعمة: رحلة صعود كريستيانو رونالدو

تحوّل كريستيانو رونالدو من طفل فقير في ماديرا إلى أيقونة عالمية تجمع بين المجد الرياضي والتأثير السياسي والإنساني

محمد العربي

عملية بيت جن

اقتصاد الأمن وصناعة المُخبرين المحليين كبنية خفية لعملية جنوب سوريا

يكشف هذا المقال تفكك المنظومة الأمنية جنوب سوريا وصعود سوق معلومات معقّد يدمج الانهيار الاجتماعي بالاختراق الاستخباراتي

مهيب الرفاعي

الخبز والسلطة

سياسات الخبز: من القوت اليومي إلى هندسة الطاعة

الدولة لا تُشبع مواطنيها، بل تُبقيهم على حافة الشبع، في منطقة رمادية بين الاكتفاء والعوز، حتى تظل يدها ممدودة كمنّة لا كواجب

حسن زايد

المزيد من الكاتب

عماد عنان

كاتب وصحافي مصري

سرّ التقدم ومفتاح الأزمات.. الخبز في الحضارة

تحوّل الخبز مؤخرًا من رمز للحضارة والاستقرار إلى أحد أبرز عناوين الصراع من أجل البقاء، خاصةً في المناطق التي يُعد مصدر غذاء رئيسي فيها، مثل العالم العربي

الآثار بين التجارة والفتوى والهدايا الرئاسية: كيف نُهِبَ تاريخ مصر؟

تفريغ مصر من كنوزها الأثرية ونقلها للخارج، لم يكن حكرًا على تجار الآثار والمهربين وفقط، بل شارك فيه حكام الدولة وزعماؤها على مر التاريخ

العامية المصرية: تاريخ حيّ لحضارات تنطق على الألسنة

وُهبت اللهجة العامية المصرية ما لم توهب غيرها من اللهجات، فهي مزيجٌ متناسق لثقافات عدّة، تتجذّر من حضارات متباينة