في خطوة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية ومراكز الفكر، أقدمت إدارة كوليج دو فرانس على إلغاء مؤتمر "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة"، 13-14 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، الذي نظّمه فرع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، استجابةً لضغوط سياسية مارسها وزير التعليم العالي والبحث العلمي الفرنسي فيليب باتيست إلى جانب جماعات الضغط الصهيونية "Zionist Lobbies".
لم يكن هذا القرار مجرّد إجراء إداري عابر يمكن تخطيه بنقل المؤتمر إلى قاعة أخرى (قاعة المركز العربي في باريس)، بل جاء ليكشف عن مرحلة مقلقة تتزايد فيها هيمنة التدخل السياسي على الفضاء الأكاديمي، وتنهار فيها قدرة الجامعات الغربية على حماية استقلالها الفكري أمام نفوذ اللوبيات، لا سيما في بلد يفاخر بإرث التنوير وحرية البحث والفكر، إذ يفضح هذا الإلغاء تناقضًا صارخًا بين حرية التعبير، التي يُفترض أنها مبدأ راسخ، ومعاملتها كامتياز قابل للسحب متى لامست الأسئلة نقد إسرائيل أو تفكيك الصهيونية. ومن هنا جاء انتقال المؤتمر إلى مقر المركز العربي في باريس فعلًا رمزيًا، من أجل استعادة حق الكلام ورفض أن يُملى على المعرفة العربية حدود ما يجوز قوله وما يجب إسكاته، مؤكّدًا أن هذه المعرفة قادرة على بناء منابرها المستقلة حين تُغلَق في وجهها أبواب المؤسسات التي تدّعي العالمية.
الاستهداف المنهجي للإنتاج الأكاديمي العربي
شهد العقدان الأخيران بروز حملة متكاملة تستهدف الإنتاج الأكاديمي العربي في الفضاء الغربي، ولا يمكن فهم هذه الحملة بوصفها تراكُمًا عشوائيًا لحوادث متفرقة، بل كسياسة غير مُعلنة تتقاطع فيها مصالح جماعات الضغط الصهيونية مع هشاشة المؤسسات الأكاديمية الغربية أمام المال السياسي والخوف من الحملات الإعلامية.
في هذا السياق، جرى تدريجيًا تحويل أي نقد علمي للصهيونية، أو لسلوك الدولة الإسرائيلية، إلى خطر أخلاقي يجري تأطيره تحت عنوان معاداة السامية، حيث يُمحى الفارق بين نقد أيديولوجيا سياسية وبين التحريض على جماعة دينية أو إثنية، ويُسمح لاتهام ثقيل من هذا النوع أن يتحول إلى سلاح يُشهَر في وجه الباحثين العرب وكل من يقترب من نقد المشروع الصهيوني بأدوات علمية. ومع الوقت، لم يعد العمل الأكاديمي العربي مهددًا فقط بفقدان منصته أو منعه من الحديث، بل أصبح مهددًا بسمعته وأصالته، الأمر الذي يجعل أكاديميين كثر يلجؤون إلى الرقابة الذاتية، أو تبني خطاب مخفف ومهادن تجنبًا للمواجهة.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تهاجم فيها الأكاديميا العربية، إذ سبق أن تعرّضت الباحثة الفلسطينية شهد أبو سلامة لتجميد عملها في جامعة "شيفيلد هالام" بعد حملة تشهير صهيونية بسبب مواقفها من القضية الفلسطينية وأبحاثها حول تمثيل الفلسطينيين في السينما، كما تواجهت مع تحقيقات وضغوط متكررة ربطت ظلمًا بين نشاطها المناصر لفلسطين ومعاداة السامية.
وعلى المنوال نفسه، تعرّضت البروفيسورة الفلسطينية رباب عبد الهادي، في جامعة ولاية سان فرانسيسكو، لمحاولات ممنهجة لإلغاء مساقاتها حول فلسطين، وتهميش برنامج دراسات الجاليات العربية والمسلمة الذي أسسته، في خطوة اعتبرها أكاديميون وناشطون شكلًا من أشكال إسكات فلسطين وتجريم تدريسها كموضوع معرفي مشروع.
تكشف هذه الحالات، من بريطانيا إلى الولايات المتحدة على فرنسا، عن نمط متصاعد لا يستهدف أفرادًا بعينهم بقدر ما يستهدف تجريف الحضور الأكاديمي العربي والفلسطيني ورواياتهم، وإخضاع الجامعة الغربية لرقابة سياسية دائمة تمنع تطور سردية نقدية حرة حول الاستعمار والاستيطان والعدالة في فلسطين.
امتدّ هذا الاستهداف، بوقاحة مفرطة، من الأفراد إلى المؤسسات والمراكز البحثية العربية التي يجري التشكيك بشرعيتها واتهامها بالتحيز الأيديولوجي والتسييس، في الوقت الذي يُقدّم فيه الخطاب الصهيوني، ومعه المنظومة البحثية المتماهية معه في الغرب، باعتباره مرجعًا محايدًا أو كونيًا.
هكذا تُنزع الشرعية عن السرديات العربية لمجرد أنها عربية، وتُوصم بأنها عاطفية أو مجروحة أو مسيّسة، حتى حين تكون مبنية على أرشيفات ووثائق ومناهج بحثية صارمة. ومن هنا يصبح إلغاء مؤتمر الكولّيج دو فرانس مثالًا فاقعًا على نمط ممتد يسعى إلى احتكار تعريف الشرق الأوسط، وتحديد من يحق له أن يفسّر تاريخه وصراعاته، ومن يجب أن يبقى في موقع المبحوث عنه، لا في موقع الفاعل في إنتاج المعرفة.
"إبادة" أكاديمية
يمكننا قراء قرار كوليج دو فرانس على انه مشاركة في إبادة أكاديمية تتعرض فيها الأصوات العربية للإقصاء داخل فضاءات جامعية تدّعي الحياد، بينما تُدار فعليًا وفق ميزان قوى غير مُعلن، على اعتبار أن الإنتاج العربي في التاريخ والفكر والأنثروبولوجيا يُهمَّش باستمرار، يُحذف من قوائم القراءة، ويُختزل في الهوامش أو يُعاد إنتاجه بأسماء غربية تُقدَّم بوصفها أكثر موثوقية. يتحول العرب هنا إلى موضوع للبحث لا صانعين للمعرفة، في عملية محو إبستمولوجي يومية، وتتعمق المذبحة بحقهم عبر مصادرة حقهم في رواية تاريخهم، حيث تُفرض الرواية الصهيونية مركزًا للسرد، بينما يُعامل الصوت العربي كدور ثانوي يُستخدم للزينة الأكاديمية لا لبناء الحقيقة. تمارس الجامعات الغربية دور الرقيب، فتلغي المؤتمرات وترفض استضافة نقاشات حول فلسطين، وتضغط على الباحثين ليخففوا خطابهم، مما يخلق نموذج "العربي المقبول" الذي يُسمح له بالظهور فقط إذا تحدث بلغة منزوعة النقد ومتصالحة مع الرواية الإسرائيلية، ويقمع ما دون ذلك.
اللوبي الصهيوني وصراع ا السردية
ترتكز حملة الضغط التي يقودها اللوبي الصهيوني في فرنسا على هدف جوهري يمكن تلخيصه في السعي لاحتكار السيادة على السردية، إذ إنه من يملك تعريف تاريخ اليهود في أوروبا، ومن يملك تفسير نشوء الصهيونية، ومن يملك حق الحديث عن الدولة الإسرائيلية وحاضرها ومستقبلها. فالسردية الصهيونية تسعى إلى أن تصبح الرواية الرسمية التي لا تنافسها رواية أخرى في شرعيتها، وحين تظهر سردية عربية تحاول تفكيك هذه الرواية وتُبرز وجوهها الاستعمارية والاستيطانية، يُنظر إليها فورًا بوصفها تهديدًا استراتيجيًا يجب احتواؤه أو تشويهه أو إسكاتُه. ومن هنا، فإن الخوف الحقيقي ليس من مؤتمر أو محاضرة، بل من أن يتشكل تراكم معرفي عربي قادر على إنتاج خطاب بديل متماسك يملك أدواته النظرية وأدلته التاريخية.
هذا الخوف مرتبط بعدة مستويات، فالسردية العربية إذا أُتيح لها المجال ستُظهر أن الصهيونية مشروع استيطاني كولونيالي، وستعيد تأطير النكبة باعتبارها عملية تطهير عرقي لا مجرد نتيجة حتمية لصراع قومي، وستُبرز الدور المحوري لأوروبا في صناعة المأساة الفلسطينية عبر تصدير المسألة اليهودية إلى أرض لم تكن طرفًا فيها. وبذلك، لن يعود ممكنًا أمام أوروبا أن تحتمي بخطاب التكفير الأخلاقي من خلال دعم إسرائيل، بل ستُجبر على مواجهة حقيقة أن حلّها لمشكلتها التاريخية مع اليهود جاء على حساب شعب آخر، فإسكات المنابر العربية لا يحمي إسرائيل فحسب، بل يحمي أيضًا سردية أوروبا عن نفسها وعن تاريخها، ويجنّبها مواجهة سؤال المسؤولية عن جريمة لا تزال مستمرة بأشكال متعددة.
قراءة في كلمة بشارة
حين انتقل المؤتمر إلى مقر المركز العربي في باريس، لم يكن ذلك مجرد تغيير في الجغرافيا، بل كان تحديًا لوضع شروط على النقاش ذاته وفرض رواية اللوبيات كما تريد.
قدّم الدكتور عزمي بشارة محاضرة افتتاحية، في مبنى فرع المركز العربي في باريس، أعادت ترتيب المشهد الفكري، ليس فقط من خلال ما طرحه من أفكار، بل من خلال طريقة تفكيكه للإنكار الأوروبي تجاه جذور المشكلة. رصد بشارة الجذور الأوروبية للصهيونية من خلال تتبّع اهتمام الرحّالة والمستشرقين واللاهوتيين المسيحيين بفلسطين في القرن التاسع عشر، وهو اهتمام لم يكن يهوديًا ولا صهيونيًا، بل نتاج تصوّرات توراتية واستعمارية دفعت قوى كبرى إلى النظر إلى فلسطين بوصفها مجالًا جيوسياسيًا قابلًا للاستثمار. ففي أوروبا كانت المسألة اليهودية، وليست الفلسطينية، هي المسألة الحقيقية، وقد نشأت من تناقضات الحداثة بين الدعوة لدمج اليهود كمواطنين متساوين، ورفض هذا الدمج عبر خطاب ديني وعرقي وعدائي توّج بموجات عنف وتمييز.
يقدّم بشارة قراءة تاريخية تكشف أن جذور الصهيونية ليست يهودية فحسب، بل أوروبية في الأساس، إذ سبق لاهوتيون إعادة اكتشاف فلسطين ضمن تصور توراتي واستعماري، في وقت كانت فيه المسألة اليهودية أزمة أوروبية داخلية ناتجة عن صراع الحداثة بين دمج اليهود ورفضهم، بينما كان الفلسطينيون خارج هذه النقاشات تمامًا. ظهرت الصهيونية كتوجّه قومي حديث رفض الاندماج ودعا إلى إقامة دولة يهودية خارج أوروبا عبر مشروع استعماري لم يكن قابلًا للحياة دون دعم القوى الأوروبية، خصوصًا بريطانيا، ولا دون اقتلاع الفلسطينيين في النكبة ثم التوسع عام 1967، وصولًا إلى نظام فصل عنصري قائم.
وجادل بشارة أن الغرب ما زال يرحّل أزمته التاريخية إلى الشرق الأوسط، محوّلًا الضحية إلى جلاد والجلاد إلى ضحية، فيما تكشف حرب غزة الأخيرة انهيار الخطاب الأخلاقي الغربي وازدواجية معاييره، مقابل بروز جيل غربي جديد أكثر وعيًا يرفض خطاب الهيمنة، ما يدفع إسرائيل ولوبياتها إلى تصعيد حملات إسكات الأصوات الحرة خوفًا من فقدان احتكار الرواية في الغرب.
معركة الدفاع عن الحرية الأكاديمية وتعدد السرديات
تكشف حادثة الكولّيج دو فرانس أن المعركة من أجل فلسطين، ومن أجل السردية العربية عمومًا، ليست معركة جغرافية أو حقوقية فحسب، بل هي معركة على تعريف الحرية الأكاديمية نفسها، إذ إنه حين يصبح إلغاء مؤتمر ممكنًا بمجرد ضغط من لوبي منظم، وحين تغدو الأقسام الجامعية مضطرة لحساب كل كلمة قد تُفهم على أنها هجوم على إسرائيل، فهذا يعني أن الحرية الأكاديمية تحوّلت من مبدأ مؤسِّس إلى امتياز يمكن تقييده أو سحبه وفق ميزان القوى السياسي.
وفي مواجهة هذا الواقع، لا يمكن للمؤسسات العربية أن تبني منظومتها الأكاديمية المستقلة، وأن تستثمر في الجامعات والمراكز البحثية العربية باعتبارها فضاءات مؤهلة لإنتاج المعرفة، لا مجرد مستقبل سلبي لها.
هذا يقتضي العمل على عدة مستويات متراكبة تبدأ بتعزيز البنية البحثية العربية عبر التمويل المستدام، وبناء شراكات أفقية مع مؤسسات بحثية في الجنوب العالمي تشترك في خبرة محاربة التهميش ومقارعة الكولونيالية، وتوثيق حالات المنع والإلغاء التي يتعرض لها الباحثون العرب في الغرب، وتحويل هذه الحالات إلى مادة تحليل تكشف البنية المؤسسية للقمع المعرفي، لا إلى شكاوى فردية معزولة. كما يستلزم توسيع حضور السردية العربية في الفضاء الرقمي العالمي عبر النشر باللغات الحية، وعبر ترجمة الأعمال العربية الأساسية إلى الإنجليزية والفرنسية وغيرها، بحيث لا تبقى المعرفة العربية حبيسة لغتها أو جغرافيتها. فالمعركة من أجل تعدد السرديات ليست ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا لبقاء الوجود الفكري العربي فاعلًا في عالم تُعاد فيه صياغة الخرائط، لا للحدود السياسية فحسب، بل لحدود الحقيقة نفسها.
وفي ظل هذا المناخ، تتعرض الحرية الأكاديمية نفسها لتآكل خطير، إذ لم تعد مبدًا راسخًا، بل امتيازًا يُمنح ويُسحب وفق مدى توافق المؤتمرات العربية مع السردية المهيمنة. فالجامعات التي تلغي مؤتمرات أو تمنع أبحاثًا خشية ردود فعل سياسية تعلن عمليًا أن حرية الأكاديميا مشروطة بولاء غير معلن، وأن نقد إسرائيل أو مواجهة خطاب الهيمنة ومعاداة السامية قد يكلّف المؤسسات الأكاديمية سمعتها وجغرافيتها. وهكذا تتشكّل منظومة القوة التي تعيد إنتاج الهيمنة بطريقة ناعمة لكنها فعالة؛ إذ تُقصى السردية العربية من مركز النقاش وتحاصر في الهوامش، ليس لضعفها، بل لأنها تلامس جوهر ما يراد حجبه عن المجال العام.
الأكاديميا وما بعد الكولونيالية
تقدّم نظرية ما بعد الاستعمار إطارًا حيويًا لفهم ما يجري اليوم من هجوم على السردية العربية في الحقل الأكاديمي الغربي. فهذه النظرية لا تركز فقط على الاحتلال العسكري أو الهيمنة الاقتصادية، بل تنبّه إلى شكل آخر من أشكال السيطرة يتم عبر المعرفة ذاتها، أي تحديد من يملك سلطة إنتاج المفاهيم، ومن يعرّف الشرق والغرب، ومن يحدد ما هو متقدم وما هو متخلف، ومن يُسمح له بأن يتكلم باسم نفسه وباسم العالم. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الهجمة على المؤتمرات العربية، وعلى مراكز الأبحاث العربية في أوروبا، وعلى الدراسات التي تتناول فلسطين والصهيونية والإمبريالية، بوصفها استمرارًا لمنطق كولونيالي قديم يُصرّ على أن الغرب هو مركز إنتاج المعنى، وأن الشرق، والعرب ضمنه، لا يحق لهم إلا أن يكونوا مادة للدرس لا شركاء في الدرس.
يُظهر هذا المنظور أن اللوبي الصهيوني لا يعمل خارج البنية الكولونيالية بل من داخلها، إذ يستفيد من التراتبية المعرفية التي وضعت الغرب في موقع الذات العارفة والشرق في موقع الموضوع المعروف، وبموجب هذه البنية، تبدو الرواية الإسرائيلية المدعومة من المؤسسات الغربية أكثر شرعية حتى حين تتجاهل وقائع أساسية من التاريخ، بينما تبدو السردية العربية منحازة وانفعالية حتى حين تستند إلى وثائق وشهادات وأرشيفات صلبة. وهكذا يتم تجريد العربي مرة أخرى من حق الكلام، لا عبر المنع المباشر هذه المرة، بل عبر خلق مناخ معرفي يُشكك في قدرته على إنتاج معرفة موثوقة عن نفسه وعن تاريخه.
ما تزال أوروبا، بطريقة أو بأخرى، تتهرب من مواجهة ذنبها التاريخي تجاه اليهود عبر إسقاطه على الجغرافيا العربية، وبدلًا من أن تُسائل ذاتها عن قرون من اللاسامية والعنف والإقصاء، تختار أن تجعل من دعم إسرائيل دليلًا على توبتها الأخلاقية، وتتعامل مع أي نقد عربي للصهيونية بوصفه استمرارًا لروح الاضطهاد القديمة ذاتها. وهكذا يتعرّض الفلسطيني والعربي عمومًا لنوع جديد من القمع، هذه المرة ليس بوصفه مستعمَرًا فقط، بل بوصفه أيضًا متّهمًا أخلاقيًا لمجرد أنه يرفض السردية التي تريد أوروبا أن تعتنقها عن نفسها وعن اليهود وعن الشرق الأوسط.
وفي النهاية، يبيّن لنا هذا المنظور أن الصراع على المؤتمرات، وعلى المناهج، وعلى حرية البحث العلمي ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو جزء من معركة واسعة حول من يمتلك الحق في أن يعرّف العالم نفسه، ومن يُفرض عليه أن يظل مجرّد موضوع في حكاية يكتبها الآخرون.
تنديد المؤسسات الأكاديمية
لم يكن رد معهد الدوحة للدراسات العليا والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الصمت حيال هذا الفعل غير أكاديمي وغير الأخلاقي، إذ عبرت المؤسستان عن استنكارهما الشديد لقرار إدارة كوليج دو فرانس إلغاء استضافة المؤتمر استجابةً لضغوط سياسية مارسها وزير التعليم العالي والبحث العلمي الفرنسي، معتبرَين أن هذا التدخل المباشر في نشاط بحثي مستقل يمثّل سابقة خطيرة، تمسّ جوهر الحرية الأكاديمية وتقوّض المبادئ التي قامت عليها الجامعة الحديثة في فرنسا وأوروبا والعالم.
وأكدت رئاسة المعهد أن دور الوزارة يجب أن يكون حماية استقلالية المؤسسات الأكاديمية وصون التعددية الفكرية، لا فرض الرقابة وتوجيه مسارات البحث، مع الإشادة بالموقف المبدئي لكرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي في كوليج دو فرانس، وللمركز العربي في باريس، وبمواقف الجمعيات والروابط الأكاديمية الفرنسية والأوروبية والأمريكية التي وجّهت رسائل رسمية للرئاسة الفرنسية تندد بالقرار وتعتبره مساسًا غير مسبوق باستقلال الحقل الأكاديمي، ومعلنًا تضامنه الكامل مع المركز العربي والباحثين المشاركين، ومؤكدًا أن الحرية الأكاديمية حق أصيل وشرط لا غنى عنه لازدهار المعرفة وتقدم المجتمعات.











