"من شبه المؤكد أنه لا توجد دولة على وجه الأرض - من حيث المساحة أو عدد السكان أو الموارد - تُنتج وتُحلل وتستهلك قدرًا من المعلومات الاستخبارية مثل إسرائيل، التي ترى أن مستقبلها يعتمد على معرفة عميقة بأعدائها وتدميرهم".
يكشف هذا النص المقتطع من دراسة للباحث صالح عبد الجواد، استثنائية إسرائيلية في تحويل المعرفة الاجتماعية والسلوكية إلى سلاحٍ استعماري يمكّن المشروع الصهيوني من فرض تموقع عسكري وسياسي وجغرافي دائم على حساب الفلسطينيين، وارتباط ذلك بهدف عسكري، آني أو مستقبلي، ورغبة حثيثة باستباق الخطوة العسكرية بخطوات نفسية.
لا يقتصر ذلك على نوعٍ واحد من التطويع، ولا على "آخرٍ" محدد، كما لا يظهر كخيار عابر أو طارئ، بل يعكس تجذرًا سابقًا للصهيونية، متطورًا عبر مراحلها، متنقلًا من جمع الانطباعات وسبر أغوار الفلسطينيين، إلى دمج الأنثروبولوجيا "العلوم الاجتماعية والسلوكية" في الفعل العسكري والتنبؤ بالفعل الفلسطيني المضاد، مرورًا بتبني أدوات هندسة سلوكية واجتماعية تعزز الهيمنة الاستعمارية، ووصولًا إلى الحرب الإدراكية بعد السابع من أكتوبر، بما يضعف قدرة الفلسطيني على المباغتة واقتناص الفجوات الأمنية لإحراز نصر هنا وهناك.
من هذا المسار الطويل تنطلق السطور التالية، محاولةً تفكيك بدايات تطويع الأنثروبولوجيا الاجتماعية والسلوكية اسرائيليًا، حتى تمظهراتها العملية في تفكيك البنية الاجتماعية والنفسية للفلسطينيين اليوم، ودورها في إطالة عمر السيطرة عليهم وإخضاعهم، ورسوخها كجزء من بنية الاحتلال مقابل الفلسطيني وعناده.
المعرفة كمقدمة للاحتلال
وفقًا للمؤرخ سلمان أبو ستة، شهدت فلسطين في مرحلة مبكرة نشاطًا مكثفًا قام به مسافرون وكهنة وضباط ومسّاحون وجواسيس وفنانون وثّقوا جوانب متعددة من الحياة فيها، ما أفرز سلسلة من المسوح الجغرافية والتاريخية المرتبطة بها. وقد بدأ ذلك بمسح العقيد بيير جاكوتين (1764–1829)، الذي يُعد أول خريطة علمية لساحل فلسطين، مرورًا بمسوحات فرنسية وألمانية وبريطانية بلغت ذروتها مع افتتاح قناة السويس عام 1869، حين أُرسلت بعثات مسحية استطاعت خلال الفترة الممتدة بين 1871 و1877 إنجاز مسح شامل عُرف بالمسح الغربي أو "المسح الفلسطيني الاستكشافي"، مُتضمّنًا 26 خريطة و10 مجلدات من النصوص.
هذا المسح الذي نفذه صندوق استكشاف فلسطين، بدعوى خدمة سرديات الكتاب المقدس، كان بمثابة رصد اجتماعي تأسيسي، شمل تسجيل القرى ومصادر المياه وطبوغرافية المكان والآثار والطرق وأنواع النباتات والتنوع الحيواني، ليغدو أساسًا لجميع الخرائط البريطانية الانتدابية اللاحقة، ومنطلقًا لسجلات الأراضي وفهم آداب وعادات سكان المنطقة.
لكن "الفيل في الغرفة" الذي بحث عنه كل من صالح عبد الجواد وسلمان أبو ستة لم يكن فعليًا دراسة الأرض وتسجيل السكان وتتبع خطى الكتاب المقدس، بل هو ما ظهر لاحقًا من تأسيس خرائط التمدد الاستعماري في المنطقة، والتهيئة لفعله العسكري ومن ثم تطهيره العرقي، ليغدو المسح الجغرافي ذو الأبعاد الاجتماعية متممًا للعتاد العسكري واللوجستيات والاستطلاع.
يتعزّز ذلك بما ورد في منشور لمؤسسة "صندوق استكشاف فلسطين"، التي وصفت المسح بأنه "قصة عن الفخر الوطني، والتفاني الديني، والاستراتيجية العسكرية، والمؤامرات المالية، والطموح الشخصي". ويشير المنشور إلى أن بعض فاعلي المسح ومموّليه كانوا من الإنجيليين في جمعية "يهود لندن"، الذين سعوا إلى إرسال اليهود إلى فلسطين، بينما جاء التمويل الآخر من وزارة الحرب البريطانية التي استخدمت نتائج المسح لاحقًا كخريطة عسكرية.
لم يطل الأمر كثيرًا حتى التقط المهاجرون اليهود الأوائل طرف الخيط، فأسّسوا مستوطنة "رحوفوت" جنوب تل أبيب في آذار/مارس 1890، خلال موجة الهجرة الأولى (العليا الأولى). وقد تمّ ذلك بدعم من السمسار يهوشوا هانكين، أحد أبرز سماسرة الأراضي اليهود، بفضل إتقانه اللهجات المحلية واعتماده العادات والتقاليد السائدة، ما سهّل عليه خداع الفلاحين الفلسطينيين لبيع أراضيهم. كما لعب دورًا في تزويد المجموعات العسكرية اليهودية بمعلومات استخباراتية استُخدمت لاحقًا في الهجمات على القرى الفلسطينية.
ثم أطل المؤتمر الصهيوني الأول في بازل برأسه، متوائمًا مع تمدد الاستعمار البريطاني في المشرق العربي، والرغبة الأوروبية في نقل مشكلة اليهود إلى حيزٍ جغرافي آخر، فتحولت الهجرات اليهودية من موجات إلى فعلٍ منظم، يستدعي التحضير له استدعاء المعلومات الاجتماعية والثقافية لسكان البلاد، بما يسهل شراء أراضيهم وتحويل وجودهم إلى مناطق أخرى، وهكذا توسع جهد الاستطلاع والمسح ليشمل هوية ملاك الأراضي وأوضاعهم الاقتصادية وتموقعهم الطبقي وعلاقاتهم الاجتماعية، وأصبح فهم الثقافة المحلية بما فيها من عادات وتقاليد مرتبطة بالزراعة والأرض والتفاعلات البينية تأسيسيًا في نجاح المشروع الصهيوني.
لاحقًا، ومع تنامي الهجرة اليهودية، والمقاومة الفلسطينية للمشروع الصهيوني، وتركزها في القرى الفلسطينية وارتباطها بالدفاع عن الأرض، تحورت عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية لتشمل تفكيك أنوية القرى، ومورادها الغذائية، وتقسيم أراضيها، وحجم القوى العاملة وعدد الرجال، وعلاقاتها بالقرى المحيطة وبالمدن الرئيسية، وطبيعة طبوغرافيتها ووجود حواجز طبيعية لحمايتها وغيرها من المعلومات المعينة على فهم الحراك المقاوم، الاجتماعي والعسكري فيها، وقدرته على الصمود في مواجهة الهجمات الصهيونية.
اللافت هُنا أن تحوّل عمليات جمع المعلومات من جهدٍ تطوعي إلى وحدة متخصصة سبق الاحتلال البريطاني الكامل لفلسطين، وتوافق في الوقت نفسه مع وعد بلفور وجهود الحركة الصهيونية لوضعه موضع التنفيذ. فقبل نهاية الحرب العالمية الأولى، وبحلول عام 1918، قررت اللجنة الصهيونية إنشاء أول وكالة استخبارات صهيونية حملت اسم "مسراد هايديوت" (مكتب المعلومات) برئاسة ليوفا شنايرسون، التي كانت عضوًا فاعلًا في شبكة التجسس "نيلي" (NILI)، أول جهاز استخبارات لـ"اليشوف" اليهودي خلال الفترة 1915–1917 بتمويل وتنظيم بريطاني. وقد قدمت الشبكة معلومات دقيقة عبر أساليب تهريب متعددة، شملت استخدام الحمام الزاجل والتعاون مع السفن البريطانية، دعمت الجيش البريطاني في تقدمه ضد العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى.
لم يمض وقت طويل حتى أُغلق المكتب إثر خلافات داخلية، لترث جهده مؤسسات أخرى تابعة لـ"اليشوف" منها القسم العربي من الوكالة اليهودية والهاغاناة، مطلقة جهدًا لرصد ومسح وتقييم القرى الفلسطينية، من قبيل البنى القبلية والعائلية، والروابط بين العائلات والزعامات المحلية، وتوزع الأراضي ومصادر المياه والحرف السائدة، مجندًا عشرات العاملين المتخفين تحت ستار الكشافة والجوالة، بالإضافة لليهود الشرقيين الذين أجادوا العربية وتمكنوا من دخول المقاهي والاندماج بين الفلسطينيين.
وعلى وقع "الكتاب الأبيض" (1939)، وجد المشروع الصهيوني نفسه في فلسطين أمام إلحاح الانفراد بتنفيذ التهجير والمحو الفلسطيني بنفسه، خاصة أن الكتاب تراجع عن وعد بلفور وقيّد الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وهجرة اليهود إلى فلسطين. وقد دفع ذلك الحركة الصهيونية وقادة "اليشوف" إلى إطلاق موجة انفصال شامل عن إدارة الانتداب البريطاني، بدأها بن غوريون بتأسيس وحدة الاستخبارات (شاي) التابعة للهاغاناه عام 1940، وإحالة ملفات القرى إليها، مع تكليفها بتطوير شبكة المخبرين العرب وتوظيف خبراء لإنجاز أرشفة جديدة وكاملة للقرى والبلدات الفلسطينية، إضافة إلى إطلاق دورات تدريبية للكشافة تتضمن إخضاع عينات من القرى للبحث، بدءًا من الفريديس والسنديانة والصبارين وكنّير.
وخلال سبع سنوات، استطاعت وحدة (شاي) إنجاز ملفّ شامل ضمّ نحو 600 قرية من أصل 800 قرية فلسطينية، بينما يشير إيلان بابيه إلى أن العدد بلغ 500 قرية. وتضمّنت هذه الملفات روايات شفهية حول النزاعات العائلية، ونقاط الضعف في البنية الاجتماعية الفلسطينية، ومستوى العصبية القرابية، والتفاعلات بين العائلات المتنفذة، إضافة إلى الميول السياسية والدينية للأفراد، وسلوك السكان في حالات الخوف أو الحصار أو قطع المياه أو سماع طلقات النار أو نباح الكلاب. كما شملت معلومات دقيقة عن أعداد السكان والآبار والرجال وقطع السلاح، وحيازات كل عائلة من الثروة الحيوانية والزراعية، ومصادر دخلها وتحويلات مغتربيها، ومدى مشاركة أفرادها في الثورة الفلسطينية الكبرى، واتجاهاتهم السياسية بين أنصار المفتي والمعارضة، وطبيعة علاقتهم بإدارة الانتداب. واحتوت الملفات كذلك على معطيات تفصيلية بشأن القادة المحتملين مستقبلًا، بما في ذلك منازلهم وتحركاتهم وأنشطتهم الترفيهية ومواقع غرف نومهم، قبل أن تُستكمَل بمسوح جوية أحدث، تضمنت بيانات ديموغرافية ومعمارية وزراعية وتخطيطية.
ولم يتوقف عمل "شاي" على جمع المعلومات، بل شمل اختبارًا لردود الفعل النفسية وتحليلًا لها، مثل ردود أفعال سكان القرية إذا قتل مختارها، أو شدة تمسكها بالأرض والحاجة إلى هجوم تمهيدي لزحزحة عزمها، أو ارتباطها بمصدر المياه والغذاء باعتباره نقطة ضعفٍ لها.
تطور العمل تاليًا لدرجة تجربة أدوات سلوكية من قبيل نشر شائعات عن هجوم كبير قادم، أو إطلاق النار قرب القرى لإثارة الذعر، أو استخدام مكبرات الصوت لخلق ضغط نفسي، أو استهداف رموز القرية لخلق فراغ قيادي. هذه المراوحة بين اختبار الفعل النفسي وإخضاعه لأدوات سلوكية شكل بداية التداخل بينهما، ومكن مكاتب التخطيط السياسي والعسكري من تطوير إجابات مسبقة لأسئلة عسكرية ميدانية، من قبيل أي القرى تصمد أكثر؟، أي العائلات تتقدم لحمل السلاح؟ أي الأفراد يجب تجنيدهم وأيهم يجب تحييده؟، ثم وضع تكتيكات قتالية بناء على السؤال والجواب، كاستهداف الأراضي الزراعية أو بيت المختار أو المضافة أولًا، أو اختيار القصف دونًا عن تفجير القنابل ودوي الرصاص، أو استخدام الانقسامات الداخلية لبث الذعر، وغيرها من التكتيكات التي مثلت غنائم مسبقة لحربٍ لم تبدأ بعد.
ولضمان أقصى استفادة من المعلومات، جرى تنظيمها وجمعها في قاعدة سرّية بشارع "مايو" في تل أبيب، داخل قبو مكتب هندسي وهمي عُرف بـ"مكتب المهندس مئير رابينوفيتش". وتولّى أفراد هيئة الأركان العامة للهاغاناه في ذلك القبو فهرسة هذه البيانات وتصنيفها بدقة، قبل حفظها في مراكز القيادة الإقليمية المنتشرة في أنحاء البلاد. وتزامن ذلك مع تصوير القرى من الجو باستخدام حيل هدفت إلى خداع السلطات البريطانية التي كانت تحظر هذا النشاط، إذ جرى التصوير تحت غطاء فعاليات "نادي الطيران فيرون" والرحلات الجوية ذات الطابع الرومانسي.
بحلول عام 1947، أصبح لدى قادة "اليشوف" والعصابات الصهيونية والمكاتب التنظيمية السياسية والعسكرية كمية معلومات مهولة عن المجتمع الفلسطيني، عبر المخبرين العرب، واليهود الشرقيين، وأفراد الكشافة، والنساء اليهوديات، والباحثين والأكاديميين في الجغرافيا والتخطيط السكاني والحضري وعلماء الأنثروبولوجيا، وعلماء الاجتماع، والتصوير الجوي، والتنصت على المكالمات الهاتفية واعتراض رسائل البريد، ولجان علاقات الجوار والصداقة مع الفلسطينيين، مكنها ذلك من التجسس على الرتب العليا في القيادة الفلسطينية، وإحباط فعلهم السياسي والعسكري، واختراق بنية المجتمع الفلسطيني وعاداته وتقاليده وثقافته، وفهم جغرافية المنطقة وتضاريسها، ورفع وتيرة الاستحواذ على الأراضي والاقتلاع والتهجير.
وهكذا، استطاعت وحدة "شاي" تكوين صورة شاملة عن الفلسطينيين، اجتماعيًا وسلوكيًا، لاستخدامها كسلاح عند لحظة المواجهة، ما جعل ملف القرى يتعدى إطاره من مجرد معلومات استخباراتية إلى مشروع أمني- سيسيولوجي شامل، ليغدو أخطر تجلٍ لاستثمار العلوم الاجتماعية قبل النكبة، خاصة وأن مضامينه استخدمت لاحقًا لتنفيذ مخططات التهجير والتطهير العرقي، وتحديدًا الخطة "دالت".
العلوم الاجتماعية كأداة قمع وسيطرة
في مادة نشرتها صحيفة هآرتس للمؤرخة الإسرائيلية المتخصصة في السياق السياسي والأيديولوجي والاجتماعي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، رونا سيلا. تنقل المؤرخة عن شيمري سالومون، المسؤول عن أرشيف الهاغاناه في تل أبيب، قوله: "أن الكثير من ملفات القرى أتلفت في حزيران/يونيو 1946 خوفًا من وقوعها في أيدي البريطانيين بعدما اعتقلوا العديد من قادة اليشوف، وأن بعضًا آخر منها قد فُقد خلال النكبة"، فيما يؤكد حيليك ليبال، الذي خدم جنديًا للاستخبارات العسكرية نهاية 1950، أن نظام التقشف الذي كان ساريًا في تلك الفترة اضطره لاستخدام صناديق الكرتون لحفظ الملفات الجديدة -التي أصبحت تُركز على الضفة الغربية- بينما أحرقت ملفات القرى بما فيها من خرائط وصور ورسومات.
ورغم التأكيدات الإسرائيلية المتزايدة حول تدمير وثائق ملفات القرى إلا أن عددًا من المؤرخين يميلون إلى تفنيدها، على أساس استمرار الرقابة الأرشيفية الإسرائيلية المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين حتى اليوم، وتمديد تقييد حرية الوصول إلى الوثائق الحكومية المتعلقة بالنكبة وما قبلها لمدة عقدين إضافيين، بعد توقيع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمرًا رسميًا بذلك عام 2010. الأمر الذي اعتبره كبير أمناء الأرشيف الإسرائيلي في كانون الثاني/يناير 2018، "محاولةٍ لإخفاء جزءٍ من الحقيقة التاريخية بهدف بناء روايةٍ أكثر ملاءمة"، وخاصةً تلك المواد التي قد "تُحرض السكان العرب" أو "تُفسَّر على أنها جرائم حرب إسرائيلية".
عمومًا، فبُعيد النكبة تحول الجهد الإسرائيلي لتطويع العلوم الاجتماعية والسلوكية نحو منعطفات أخرى، منها إكمال حلقة السيطرة على الفلسطينيين المتبقين داخل الأراضي المحتلة التي أصبحت تُسمى "دولة إسرائيل"، وذلك باستثمار المعرفة التي تأسست قبل 1948 في إنتاج إدارة سكانية طويلة الأمد، بدلًا من خدمة أعراض عسكرية آنية.
فانطلق الجهد الاستخباري لانتزاع العناصر والعائلات المقاومة وطردها أو قتل رجالها، وفقًا لقوائم ملفات القرى، وخلق حالة من التحكم المجتمعي تقوم على فصل القرى والبلدات الفلسطينية عن بعضها، والتحكم بمحيطها البيئي والزراعي واستقطاعه لصالح المستوطنات الإسرائيلية، بالتوازي مع جهدٍ منظم لردع عودة اللاجئين شمل عمليات إعدام وقطع رؤوس وحرق جثث ورميها مشوهة على الخطوط التماس مع الدول العربية وما بقي من الأرض الفلسطينية، مستعينة في ذلك بالخرائط العثمانية والبريطانية، والبيانات الزراعية، وأرقام الملكيات.
أما الفعل فقد تحول من وحدة شاي التي حُلت بنهاية حزيران/يونيو 1948، إلى أجهزة دولة رسمية استخباراتية عالية التنظيم، هي أمان والشاباك والموساد، فبينما اضطلع جهاز الاستخبارات العسكرية-أمان بجمع المعلومات عن الجيوش العربية وتحركاتها وإمداداتها، وتفعيل وحدات التنصت، وتحليل خرائط القرى الفلسطينية في الضفة والقطاع، ودعم عمليات التطهير والتهجير داخليًا، انهمك جهاز الأمن العام- الشاباك في فرض السيطرة الأمنية على الفلسطينيين المتبقين بعد النكبة، ومنع الاختراق العربي وعمليات التسلل للمناطق المحتلة، ومراقبة "الأقليات" وفرض نظام الحكم العسكري، وإدارة الملفات الشخصية للفلسطينيين وتصنيف ولائاتهم، وتأسيس شبكة مخاتير ومخبرين ووكلاء محليين لدولة الاحتلال. بينما أوكل للموساد -الذي تأسس رسميًا عام 1951- مهمة الاتصالات الخارجية والتواصل مع السفارات ويهود الخارج، وبناء علاقات تحتية مع دول العالم، ومتابعة الجاليات اليهودية في الدول العربية، والجهد الفلسطيني في الدول الغربية.
ما يعني أن الحصة الأكبر من مساعي السيطرة على فلسطيني البلاد كانت من نصيب الشاباك، الذي استثمر فعليًا في خبرة الهاغاناة وشاي بأدوات وأساليب عسكرية تنطلق من مزيج من نظريات الضبط الاجتماعي، والهندسة السلوكية، وتفكيك الهوية، والاقتصاد السياسي للسيطرة، والهندسة الاستعمارية، ومعايشة سابقة لردود أفعال الفلسطينيين، ووفق تصنيفهم "عدوًا داخليًا" للمجتمع الجديد.
بدأ ذلك بإعادة تشكيل مجتمع فلسطينيي الـ 1948 عبر التحكم في العلاقات والحركة والموارد والسيطرة على الرموز، بإطار هو الحكم العسكري (1948–1966) الذي جاء امتدادًا لفعل استعماري سابق تمثل بأنظمة الطوارئ البريطانية. فمن خلال نظريات الضبط الاجتماعي والمكاني والتخطيط المقنن، تم منع الامتداد العمراني والتواصل الاجتماعي وخلق تفاوت وفروق بين المجموعات السكانية ذات الانتماءات العرقية والإثنية المختلفة، ومن ثم إخضاع السلوك لهيمنة المحتل، بتوجيه الامتيازات والقيود وفق مبدأ العقاب والمكافأة. العقاب عبر المصادرة والاعتقال، والثواب عبر تصاريح العمل والتنقل وساعات أقصر من منع التجول.
كما توائم ذلك مع إنتاج شبكات ضبط متراتبة، تبدأ من المخاتير والمخبرين الذين يقدمون الولاء للاحتلال عبر إخضاعهم لمجتمعهم، وشبكات الرقابة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تتحكم بالخطاب المجتمعي وتوجهه، وشبكة الاحتلال الكبرى، التي تعمل عبر تفكيك الهوية الجماعية، وبناء هويات فرعية، وفصل الدروز عن المسيحيين عن المسلمين، واستثمار القيادات المحلية المتواطئة لإظهار مساحة أقرب لبعض المجموعات من الدولة (مثل البدو) وأبعد عن النسيج العربي السائد سابقًا.
وفقًا للباحثة سارة أوساتسكي فالحكم العسكري لم يكن مجرد تحكم في الحركة أو العمل، بل أصبح سجنًا كبيرًا للعرب، وغيتو، وحصارًا اقتصاديًا ونفسيًا لهم، وإدارة كاملة للحياة، تحدد من يحق له السفر أو التعليم، ومن يجب إخضاعه بإعاقة عمله أو معاملات إرثه أو وصوله إلى أرضه، أو إجراءات زواجه. ما حول حياة الفلسطينيين اليومية لنافذة لابتزازهم واختراقهم، بدءًا بإفقارهم وحصارهم في بلداتهم، وخلق حاجتهم للعمل عن المحتل، وتكريس تبعيتهم الاقتصادية، ومن ثم تجنيدهم أو تحييدهم بالخوف أو الحاجة أو الامتيازات.
أما في الضفة والقطاع، فقد بنت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على خبرتها قبيل النكبة وأساليبها في التعامل مع الفلسطينيين، فجندت المهربين وتجار الحدود كعملاء ومخبرين، وأطلقت وحدات تسلل وجسس ومستعربين (مثل وحدة 30، ووحدات المستعربين الأولى، ووحدة السرايا العربية في الخمسينيات) لجمع معلومات عن الفصائل والمخيمات والعمل المقاوم، واستخدمت النساء والباحثين الاجتماعيين وجولات الإحصاء ووفود الزيارات وقوافل التبرعات كغطاء لعملها الأمني.
كما فتت أمل الفلسطينيين بالعودة من خلال سياسة ميدانية ممنهجة خلال الفترة 1949 -1950، معتمدة على المعرفة الزراعية والسلوكية الاجتماعية لما قبل 1948، فصممت سياسة تقوم على فهم "متى يعود المزارع، ولماذا وكيف"، محرقة خلالها آلاف الدونمات من البيارات وحقول القمح والشعير وأشجار الزيتون المعمرة، ومدمرة قنوات الري، وملغمةً الطرق الزراعية، بهدف تجفيف سعي اللاجئ للعودة، حيث وثّق مراقبو الأمم المتحدة شواهد لحالات إحراق حقول وحوادث قتل متصلة بمنع العائدين من حصاد أراضيهم، قدر عددهم ما بين 2700 و 5000 شخص، إضافة لإحراق حقول التبغ والقمح في قرى الساحل والجليل الغربي، وإحراق البساتين في المناطق القريبة من قرى غزة الشمالية، وتجريف دونمات القمح والزيتون في مناطق وادي عارة وعين الغزال لمنع الفلاحين من التسلل عبر الأودية.
تزامن ذلك مع الاستخدام الأمني للعلاقات العائلية والاجتماعية قبيل النكبة من قبيل تقدير احتمالات عودة اللاجئين، ونقاط عودتهم، وطبيعة العلاقات العائلية التي قد تدعم أو تعيق العودة، وربط ذلك بفكرة "أمن الدولة"، باستخدام التواصل مع أفراد العائلة في الأراضي المحتلة 1948 لابتزاز الأقارب والعائلات المهجرة.
بالمحصلة، فقد مثل فلسطينيو الـ 48 العينة الأولى في التجارب الاجتماعية والسلوكية الاستعمارية، وأخضعوا بناء على ذلك لاختبارات أمنية وعسكرية، نقلتهم نفسيًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا من بوتقة أصحاب الأرض والمكان، لبوتقة الأعداء الداخليين والطابور الخامس والأقلية المهمشة.
من الاحتلال الكامل إلى التخطيط المتكامل
المرحلة اللاحقة أو القفزة الجديدة في الخبرة الإسرائيلية جاءت عبر حروبها المتعددة، بدءًا من العدوان الثلاثي 1956، الذي أخرج ملفات القبائل البدوية في سيناء والنقب وغزة، ودراسات الحدود والتسلل من أدراج الهاغاناة، ما هيأ معرفة مسبقة بممرات التنقل ومسارات التهريب وإمكانيات التجنيد، فانعكس تطور الجهد الدعائي النفسي، عبر المنشورات والإذاعات وأوامر الإخلاء المصاغة بطريقة مدروسة، والمحفوفة دائمًا بتقديم مخرج آمن وسريع، كرس صورة الجيش الإسرائيلية كقوة لا تقهر.
وتاليًا خلال حرب عام 1967، حين استُخدمت علوم الاجتماع والديموغرافيا لتحليل الميدان، والتنبؤ بالتمرد أو احتمال التعاون، وفهم الديناميكيات القبلية والعائلية في الضفة والقطاع، وتطوير إدارة السكان والسيطرة عليهم عبر أنظمة بناء الطرق، وهندسة عمار المدن، وطبيعة الخدمات المقدمة لمدينة أو أخرى، ومخيم وآخر، ليغدو دور العلماء الاجتماعيين والديموغرافيين وعلماء النفس والسلوك أساسيًا في الحفاظ على استقرار الاحتلال واستمرار هيمنته وتفوقه المعلوماتي على الفلسطينيين.
لكن الانعطاف الأساسي ما بعد الـ 1967 جاء بهدف التعامل مع الديموغرافيا السكانية لفلسطيني الضفة والقطاع، وفق منطق رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول حينها، "أريد المهر ولا أريد العروس"، حيث يشير الباحث عمري شيفر إلى أن جهاز "الشاباك" فهم منطق أشكول وأطلق بناء عليه ثلاث عمليات ميدانية، بالتعاون مع مكتب الإحصاء، واقتصاديين، وباحثين اجتماعيين إسرائيليين.
العملية الأولى كانت تعدادً للسكان الفلسطينيين، أجري بالتعاون مع موظفي مكتب الإحصاء المركزي -ممن يتقنون العربية- في أيلول/سبتمبر 1967، وشمل جميع سكان المناطق المحتلة، وخاصة المخيمات، واستطاع الحصول على بيانات محدثة لتوزع اللاجئين الفلسطينيين، وأصولهم الجغرافية، ومصادر دخلهم، ومستواهم التعليمي، وعدد المغتربين من أبنائهم، وغيرها من المعلومات جمعت خلال 200 ألف زيارة منزلية برفقة قوات الجيش والشرطة، بينما الهدف المعلن للتعداد فهو إثبات الحجة الإسرائيلية أن عدد لاجئي الـ48 أقل من تقارير الأونروا، وخفض أعداد سكان الضفة الغربية قدر الإمكان.
أما العملية الثانية فكانت على شكل مسح اقتصادي شامل للضفة والقطاع، ليكون بمثابة قاعدة بيانات داعمة للتدابير السياسية الموجهة نحو خفض عدد الفلسطينيين وتسهيل مغادرتهم الأراضي الفلسطينية المحتلة، ثم ألحقت بالعملية الثالثة، وهي مشروع بحثي قاده علماء أنثروبولوجيا، زُود المستوى السياسي والعسكري على أثره بتوصيات وآليات داعمة لتشجيع الهجرة الفلسطينية من الأرض بأقل قدر من المقاومة، وهكذا وقبل انتهاء عام 1967 كانت الأجهزة الإسرائيلية قد كونت قاعدة بيانات شاملة مرفقة بتدابير سياسية واقتصادية واجتماعية استباقًا لما توقعه المستوى الرسمي من أن "يؤدي النصر الواضح إلى مفاوضات سياسية مع الدول العربية".
في الواقع، فإن نتائج العمليات الثلاث تجاوزت الأهداف المطروحة، فمن خلال التعداد السكاني تم إنشاء سجل إحصاء خاص بالأفراد الموجودين، وآخر منفصل لمن كان خارج الضفة أو القطاع يوم التعداد، ولأن التفتيش كان ينتهي بتسليم رب الأسرة ورقة تؤكد وجوده وأفراد عائلته يوم التعداد، وبناء عليها سيتم لاحقًا إصدار بطاقات الهوية الشخصية، فإن جميع من تواجدوا خارج الضفة خلال تلك الفترة فقدوا حقهم في بطاقة الهوية، وحرموا من إمكانية العودة، وهكذا نشأ وضع قانوني جديد لمن تخلف عن الرصد الاجتماعي السكاني الأول.
كما أسس الفريق الاقتصادي- الاجتماعي المنبثق عن العمليات الثلاث، خططًا عشرية لتفكيك مخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد دراسته لكل من مخيم جباليا ومدينة خانيونس في القطاع، ومخيم الجلزون، وقرية سنجل ومدينة نابلس في الضفة، ليجد الحل عبر ثنائية الهجرة إلى الخارج والعمل داخل إسرائيل، وياستراتيجية وظائف في الضفة الغربية مقابل تهميش للقطاع.
مع إطلاقه سلسلة تحذيرات من قبيل أهمية السرعة في تنفيذ الخطط قبل تشكل وعي وطموح سياسي للفلسطينيين، والحذر من أن الجيل الثاني من اللاجئين يتميز بوعي سياسي عالٍ ومشاركة عامة تزيد من إمكانية ظهور المقاومة بين صفوفه، لأن إصراره على العودة لقريته وبلدته الأصلية لا يقل عن إصرار أجداده، وهو ما فسره الفريق بـ "المكانة المهمة للاجئين في الساحة العربية وتشجيع موظفي الأونروا وما تقدمه من خدمات ومزايا لهذا الموقف". محذرًا من أن طبيعة الهجرة الفلسطينية في القرى بغالبها مؤقتة تنتهي باكتمال التعليم أو القدرة على تطوير مستقبل مختلف.
هذه التحذيرات مثلت الإشعار المبكر للمشروع الاستعماري الإسرائيلي المتعلق بـ"الأونروا" والصبغة الأممية التي تضفيها على اللجوء الفلسطيني، والامتداد الطبيعي الواصل بين الفلسطينيين وأرضهم، ما جعل تفكيك "الأونروا" وفصل المزارعين عن الأرض جزءًا من الاستراتيجية المستقبلية.
بمثل هذه الإجراءات واصل الاحتلال سيطرته على الفلسطينيين، مستخدمًا التغيرات الداخلية والإقليمية، السياسية والاقتصادية لإطلاق بحوث ودراسات ومن ثم إصدار توصيات وسياسات تصب في صالحه، لا يستثنى من ذلك مرحلة إلا وكانت أجهزة "الشاباك" والاستخبارات قد استبقتها بتحديد "نقطة انفجار" وتصميم سياسات قمع مشتركة بين الأمن والشرطة والاستطلاع الاجتماعي، معززة بتفسيرات وتحليلات لسلوك الفلسطينيين، وإدارة الاحتكاك معهم نفسيًا وإعلاميًا لتفكيك لحمتهم الشعبية.
الانثروبولوجيا الاستعمارية: ما بين القمة والقاع
بحلول منتصف السبعينيات، وجدت الإدارة الإسرائيلية في نفسها الكفاءة والقدرة المعرفية لإطلاق أول مشروع سياسي -اجتماعي سلوكي لفلسطيني الضفة والقطاع، عُرف المشروع بـ "روابط القرى". أكبر تجربة هندسية اجتماعية مباشرة قبل مرحلة أوسلو، صُممت بناء على دراسات وتحليلات، في البنى العائلية والحمائلية، والانقسامات بين الريف والمدينة، وتنامي الاقتصاد الفلسطيني الريعي، واستخدمت الاحتياجات اليومية كأداة ضبط، لينتج عنها جهد مشترك بين الجيش والإدارة المدنية ضخ نخبًا وقيادات مصطنعة لاستبدال القيادات الوطنية الموالية لمنظمة التحرير الفلسطينية والبلديات المحلية الداعمة لها.
خرج المشروع إلى العلن بين عامي 1977 و1978، وأسندت مهامه إلى قسم الشؤون العربية في الجيش قبل تأسيس الإدارة المدنية، التي أصبحت ذراعه التنفيذي والسياسي ابتداءً من عام 1981. وقد نُفذ المشروع في الضفة الغربية دون غزة، لأن القسم العربي اعتبر أن البنى العائلية هناك أكثر قابلية للاختراق.
وهكذا جرى تقسيم الضفة إلى مناطق متفرقة: رام الله والخليل ونابلس وجنين وبيت لحم والقدس. وعُيّن رؤساء للرابطة في كل منطقة بتمويل من الإدارة المدنية، وبالتعاون المباشر مع الجيش وأقسام الاستخبارات. وتمتع هؤلاء بحماية الجيش وبامتيازات إصدار التصاريح ورخص البناء والعمل، إضافة إلى خدمات البلديات. كما جرى اختيارهم وفق تحليل اجتماعي لطبيعة كل منطقة وطرق إحكام السيطرة عليها.
لم يمض وقت طويل حتى ظهرت نتائج المشروع؛ فالقليل من وكلائه حقق نجاحًا إداريًا بفعل دعم الجيش (رابطة وسط الضفة)، بينما حصل آخرون على شرعية محدودة من بعض الوجهاء في مناطق معينة (بعض قرى الخليل). أما الغالبية فقد فشلت تمامًا أمام البنى التنظيمية الراسخة والمقاومة الشعبية العنيفة، التي وصلت حدّ إحراق المقار وإسقاط القيادات (شمال الضفة ونابلس وجنين وبيت لحم والقدس).
أسهمت عوامل متعددة في السقوط التدريجي لروابط القرى؛ منها غزو لبنان عام 1982 وما رافقه من مقاومة، وتصاعد المقاطعة الاجتماعية الشاملة لوجهاء الروابط، ثم استقالة عدد منهم عام 1983، فضلًا عن تراجع قدرة الروابط على تجنيد المتعاونين وتقديم الخدمات. كل ذلك جعل الجيش مضطرًا لتأمين كل نشاط وتحرك، في ظل مواجهة الجمهور الفلسطيني ورفضه التعاون معها.
بحلول عام 1983 فقدت الروابط صلتها بمجتمعها، لكن سقوطها النهائي والرسمي جاء بعدها بعامٍ واحد، حين توقفت اجتماعاتها الرسمية، وامتنعت الإدارة المدنية عن تجديد صلاحيات قادتها وتقديم الدعم المالي لهم. المثير هنا، أن فشل مشروع الروابط، قاد أجهزة المخابرات و"الشاباك" لتكون تصورٍ جديد وقابل للتطبيق، تتحول فيه السيطرة العسكرية المباشرة لإدارة غير مباشرة مع سد الثغرات التي سقط بسببها مشروع الروابط.
هذه الفجوات تراوحت بين غياب الشرعية الاجتماعية، وتصادمها مع البنية الوطنية، وارتباطها الفاضح المباشر بجيش الاحتلال، وعدم قدرتها على التحكم بالمخيمات أو اختراق عمقها، وتراجع مكانة الوجهاء إثر تطور الوعي الجمعي الفلسطيني، وعليه طُرحت أطر فكرية لمشاريع لاحقة، يتم من خلالها انسحاب الإدارة المدنية لصالح إدارة فلسطينية، لديها ارتباطات اجتماعية سياسية أو تاريخ وطني سابق، يتم التحكم بها عبر السلام الاقتصادي، وتُزود بقوة أمنية تحمي وجودها وتسد الحاجة لتدخل الجيش الإسرائيلي، كما تُمنح امتيازات من قبيل نظام التصاريح والخدمات البلدية والعمل، ويُتاح لها الحفاظ على رموز وطنية بالحد الأدنى الذي يحفظ ماء وجهها أمام الفلسطينيين، دون أن يمنع ذلك الجيش والإدارة السياسية الإسرائيلية من تقسيم المناطق جغرافيًا وعائليًا، وإنتاج طبقة من الوسطاء والمنتفعين الاقتصاديين تكون رديفًا أو بديلًا عنها في لحظة ما، بهذا التصور كانت روابط القرى البروفة الأولى، أما الحفل الختامي فقد كان أوسلو، المخطط الذي ينتظر اللحظة المناسبة ليخرج من الأدراج.
باندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى تأكدت فجوة الفهم الإسرائيلي للمجتمع الفلسطيني، خاصة وأن أدوات القمع التي أطلقها لم تنتج سوى المزيد من الثورة، لكنها في الوقت نفسه عكست تنظيمًا شعبيًا وجماهيريًا فلسطينيًا، ورسوخًا في البنى الاجتماعية للمخيمات والقرى الفلسطينية، وقدرة على الصمود ورفع مستويات الاكتفاء الذاتي لصالح استمرار المواجهة، حتى بدون أدوات مواجهة فعالة.
كما رسخت الانتفاضة عبء العنف وتكلفته النفسية والعسكرية والدبلوماسية المرتفعة اسرائيليًا، خاصة بعد العمليات الاستشهادية، التي تحدت هيمنة الأمن والتنبؤ المسبق للأجهزة الاستخباراتية، تزامن ذلك مع وصول منظمة التحرير لمرحلة من الضغوط الإقليمية والدولية، والعجز المالي والتنظيمي، ما دفعها لتقبل أي موطئ قدم لها، على الأرض الفلسطينية، على أمل أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى حل نهائي، وأن ينتهي بالقدس ما بدأ بغزة وأريحا، وهكذا التقى المتضادان عند نقطة الخلاص الموعود.
فما إن دخلت أوسلو حيز التنفيذ حتى تراجع الاحتلال المباشر إلى ما خلف الكواليس، لتتجاوز العلوم الاجتماعية والسلوكية العسكرية دورها في تفكيك المجتمع الفلسطيني، وتتموقع في بنية الحكم الجديد، متجاوزة عثرات روابط القرى، دون أن تفقد اتصالها بالأذرع العسكرية للاحتلال.
توافق ذلك مع تنظيم الجهد الاستخباراتي الإسرائيلي، خلال التسعينيات وبدايات الألفية، إذ تزايدت وحدات متخصصة في التحليل السلوكي والديموغرافي، ععلى مستوى الجيش أعيد تنشيط وحدة الحرب النفسية (Malat) حوالي 2004–2005، وأنشئت هيئات ميدانية لعمليات المعلومات مركزية ضمن مديرية العمليات (Information Operations Branch). كما شهدت أجهزة الاستخبارات التقنية (وحدة 8200) توسيعًا كبيرًا في قدرات جمع وتحليل البيانات الإلكترونية منذ التسعينيات، أما على مستوى البحث الأكاديمي-المخابراتي، فظهرت مؤسسات بحثية مرتبطة بالجيش والحكومة تعمل على تحليل التحولات الديموغرافية والرأي العام (مراكز مثل JCSS/INSS وOTRI/مؤسسات ما قبل مركز دادو)، بينما طوّرت أجهزة الاستخبارات أقسامًا تحليلية لرصد الرأي العام الفلسطيني واستطلاعاته
ورغم كثافة الرصد الإسرائيلي للفلسطينيين، إلا أن استمرار الفعل العسكري، وتوسع الاستيطان، وضيق الأفق الاقتصادي، وهشاشة عملية السلام، ومساعي تهويد المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي الشريف فجر انتفاضة الأقصى و أعاد العنف الواسع إلى مربعه الأول في العقل الأمني الإسرائيلي، وحول الجهد السلوكي والاستخباراتي من إدارة السكان إلى إدارة التمرد، باستخدام تقنيات مواجهة وتحقيق وتجنيد واستطلاع اجتماعي وسلوكي، وأدوات عنف عسكري شامل من الاغتيالات للقصف الجوي فالاجتياح والحصار، فتطويع الجغرافيا لصالح العمل العسكري، ومن ثم محاصرة العمل المقاوم جغرافيًا في المخيمات والقرى والكهوف، وإنتاج سياسات جز عشب مالي واجتماعي واقتصادي، أنهكت المجتمع الفلسطيني، الذي خاض جولة مقاومة عسكرية متقدمة مقارنة بالانتفاضة الأولى.
ربما يمكننا القول هنا، أن تفرد الفعل العسكري الفلسطيني وتنظيمه وقدرته على تحدي العقل الإسرائيلي، أنتج أزمة بحاجة إلى حلول انسحابية، من قبيل الانسحاب من غزة كما الانسحاب من جنوب لبنان، ودفع بالحكومة الإسرائيلية لبناء الجدار الفاصل ونقل تحكمها بالفلسطينيين ليُدار عن بُعد، وبتدخلٍ دولي، وبيد وكلاء لها تم تجديد ولائهم عبر جولات دايتون وسلسلة لقاءات إقليمية وغربية أمنية وسياسية، أفرزت أرضية لانقسامٍ فلسطيني، يقوم على قاعدة استعمارية ثابتة "من يحق له أن يعيش ويعمل ومن يجب أن يفنى ويموت".
من العبث بالديمقراطية إلى المحو بالإبادة
فصلٌ جديد بدأه الاحتلال خلال عامي 2006–2007، عقب الانتخابات الفلسطينية البلدية والبرلمانية، بدءًا من استقطاب جمهورها، ومفاجأة نتائجها، وإعادة التموقع الذي رسمته للفصائل والجمهور الفلسطيني، وصولًا إلى دفع المشهد نحو حافة الاقتتال الداخلي، ثم الانقسام بين الضفة والقطاع، وما ترتّب عليه من نشوء تيارين فلسطينيين منفصلين. وهكذا ترسخت التجزئة التي عملت الاستخبارات الإسرائيلية، منذ اللحظة الأولى لحرب 1967، على تعميقها بين الضفة والقطاع.
تفتيت المقسم مرة أخرى، إثر سلسلة إجراءات اجتماعية وسياسية عنيفة اتخذها الجانبان في الإقليم الذي سيطر عليه بحق الآخر، ما أتاح هامشًا أكبر من التلاعب النفسي والاجتماعي للاحتلال، وأكد تباين المجتمع الفلسطيني بين قسمين؛ أحدهما يُدار بالوكالة والآخر يُدار بالحصار والحروب العسكرية بين الفينة والأخرى.
في الضفة استُخدمت الحواجز والمشاريع الصناعية والتجارية المشتركة، نظام التصاريح والإغلاق واقتطاع الأموال والمقاصة، ونماذج السلوك الجمعي لضبط عتبة الاحتجاجات، بينما تتمظهر نظريات اقتصاد السلوك بكفاءة لخلق تبعية اقتصادية ورفع تكلفة الفعل المقاوم. وفي القطاع يتم تشديد الحصار وخنق المجتمع، وقمع أنفاسه بين حرب وأخرى، وتوجيه رسائل التهديد وبث الإشاعات المدروسة لضرب شبكات الثقة الاجتماعية، وبين كليهما تنطلق منظومة جديدة تدمج بيانات مواقع التواصل الاجتماعية والسلوك الشرائي والتحركات اليومية، والعلاقات العائلية، وردود الأفعال والتحولات الدينية والاجتماعية وأنماط الزواج والتعليم والبطالة، لتحديد الشخصيات القابلة للتمرد، وضبطها عبر الاعتقال أو منع السفر والعلاج.
في العقد الأخير، وخلال الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة في أعوام 2008 و2012 و2014 و2021، تطوّر ذلك بشكل أكبر؛ إذ دُمجت العلوم الاجتماعية والسلوكية مع الذكاء الاصطناعي الذي تولّى مهمة جمع البيانات وتحليلها والتنبّؤ بالمزاج الشعبي، وإدارة الغضب العام، وتحديد متغيّرات سلوكية يُصار إلى ضبطها بأدوات مختلفة، بالإضافة إلى هندسة مساحات الاحتكاك وتصميم نموذج للتحكم في ساعات العمل والمعابر. وبدلًا من أن يكون المجتمع الفلسطيني مختبرًا واحدًا، نشأ مختبران: أحدهما يُساق بالعصا، والآخر بالجزرة.
بقي نظام التطويع مرنًا ومنضبطًا حتى السابع من أكتوبر، حين أدرك الاحتلال أن الفلسطينيين تجاوزوا منذ زمن العتبة السلوكية والاجتماعية التي رُسمت لهم، وأن خيالهم في اتجاه الحرية تخطّى الجدران والوعي الإسرائيلي نفسه. وينطبق هذا على "المختبر" الذي خضع لسياسة العصا، أما الجزء الذي خضع للجزرة فظلّ مأخوذًا بها، خائفًا من فقدانها، مؤكّدًا نجاح التحديث الأخير في منظومة الضبط السلوكي والمجتمعي خلال الفترة 2007-2010.
ولأن الخيال الفلسطيني جاوز التبنؤ الإسرائيلي، جاء رد الفعل متجاوزًا حده، وقاطعًا صلته بالخطوط الحمراء سياسيًا وإنسانيًا وقانونيًا واجتماعيًا، منطلقًا في تنفيذ ممنهج لجميع النظريات السلوكية والاجتماعية والنفسية بما يضمن إنهاء الفلسطيني ومحقه، وخلق موازنة في وعيه بين المقاومة والخسارة، تسقط فيها الأولى على أمل أن تتوقف الثانية عن التضاعف.
هكذا أصبح كل فعلٍ عسكري، بل كل أداة قتل "ذكية" أساسًا منبثقًا عن تحليل سلوكي مسبق، لأنماط حركة الأفراد والسكان، وشبكات التنظيم المدني، ولجان الأحياء، والروابط العائلية، ومقاييس الثقة الاجتماعية وآليات الضبط الداخلي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بين الفلسطينيين، وغدا الفلسطينيون عينة تجريبية لفهم سلوكيات مجتمع على عتبة الانهيار وأمام عنف الحصار، وقدرته على إعادة تنظيم نفسه وأهم المفاصل التي يعتمد عليها في ذلك.
ترافق ذلك مع تحول الفلسطيني إلى "كيس بيانات" يتم دمج أكبر قدر ممكن من البيانات حوله، من بيانات الاتصال وحركة الهواتف، إلى منشورات مواقع التواصل، فرصد الطائرات المسيّرة، ومن ثم خرائط النزوح المتغيرة التي تتقصى المؤشرات السلوكية للفلسطيني تحت القصف، وبدمج البيانات الفردية مع السلوك الجمعي استطاع الاحتلال الوصول إلى نماذج عالية الدقة جعلت من الإبادة الجماعية أمثولة لعالم تنهار قيمه على وقع الضبط والتحكم.
ليس هذا فحسب، بل إن شمولية منهج التطويع رسّخت مبدأ العقاب الجماعي ووسّعت نطاقه، فمُحيت الخطوط الحمراء التي كانت تحمي شبكات المياه والكهرباء والمشافي والجامعات والمدارس، وأصبحت أسرٌ ومناطق وتجمّعات كاملة هدفًا مباشرًا بلا هوادة. ويمثل ذلك التطبيق العملي لقراءةٍ صهيونية أُنتجت بعد الانتفاضة الثانية، ورأت أن المجتمع الفلسطيني يستمد قدرته على المقاومة من قادته ورموزه وبُناه الاجتماعية معًا؛ ولذا كان تفكيك هذه العُقد الاجتماعية جزءًا أصيلًا من أهداف الإبادة.
خلال عامين من الإبادة، جرى تطبيق نماذج سلوكية وتجارب اجتماعية متعددة على الفلسطينيين: الصدمة الجماعية، والضغط المتدرّج، وهندسة الطاعة، وتفكيك الروابط المكانية والعائلية والثقافية والاقتصادية بالنار، والإحلال الاجتماعي عبر صيغ مستحدثة من روابط القرى، واقتناص لحظات الراحة للقتل، وتحويل طوابير الماء والمساعدات إلى مصائد للموت، واستخدام أصوات الأطفال والنساء عبر الطائرات المسيّرة لاصطياد الضحايا.
وبهذا غدا كل ما في حياة الفلسطيني في قطاع غزة محكومًا بمنطق القتل والموت، وفق مقاربة إسرائيلية أميركية صريحة تمثل "الخطة ب" في كل مأزق عسكري:"ما لم يتحقق بالعنف، يتحقق بعنف أكبر؛ وما لا ينجزه الضغط العسكري، ينجزه مزيد من الضغط".
والهدف النهائي هو إنتاج جيل فلسطيني يحمل ذاكرة جماعية مثقلة بالخسارة تكبح أي مقاومة أو محاولة لإحياء المواجهة مستقبلًا، مع استثمار التجربة في الترويج لخبرة إسرائيلية عابرة للقارات في تطويع الشعوب وقراءة سلوكها بين الرصاصة والدينار.
بالمحصلة، غدت الإبادة توسعة لاستخدام العلوم الاجتماعية والسلوكية في الإجابة على أسئلة من قبيل؛ "عند أي نقطة ينهار المجتمع الفلسطيني؟ في أي مرحلة تتوقف مقاومته، متى يتفتت تجانسه وينفرط عقده؟"، وهو سؤال الأزل في العقل الإسرائيلي بعد عقود من الدراسة والتحليل والتجارب والمشاريع. اليوم من المبكر الحُكم على السؤال أو الجواب، خاصة وأن منحنى الإبادة خلق انكسارات فلسطينية متعددة، داخليًا وخارجيًا، آنية وبعيدة الأجل، بينما ما تزال الفجوة المعرفية بين العنف الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية قائمة.
عمومًا، يدرك الفلسطيني أن علاقته بأرضه تتجاوز هيكلية العلوم وتعقيد الفلسفة والنظريات، وأنها في اللحظة التي يُهال عليها التراب قد تنتفض بقوة عنقاء، دون أن يتيقن هو أو عدوه إن كانت هذه انتفاضة الروح الأخيرة، أم انتفاضة البعث القادم.











