يُشير الباحث نبيل السيد الطوخي، في مؤلّفه المهمّ "طوائف الحِرف في مدينة القاهرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر 1841 – 1890" إلى شره المصريين الشديد تجاه الفطير، نقلًا عن بعض المصادر المعاصرة.
فقد كان الفطاطرية، وفقًا للكتاب، يمتلكون العديد من الحوانيت بحي السكّرية بالقاهرة، وكان للأغنياء على وجه الخصوص، ولعٌ بالمسكّرَات والمربيّات التي كانت تُصنع بمهارةٍ عالية في حي السكّرية، ناهيك عن الحلوانية الذين كانوا يشغلون عددًا كبيرًا من الحوانيت في ذلك الحيّ.
كما تشير بعض المصادر التاريخية، إلى أن المصريين القدماء قد عرفوا الفطير وكانوا يضعوه قربانًا للآلهة بجانب السمن والعسل، فالكاتبة سارة كفافي، أشارت في مقالة لها بمنصّة (Food Today) بتاريخ 16 كانون الثاني/يناير 2024 إلى أن علماء الآثار، تفاجؤوا بالعثور على وصفة في مقبرة الوزير رخمي رع من الأسرة الثامنة عشر – وهو وزير من عهد الملك تحتمس الثالث وأمنحتب الثاني – لفطير يُسمى (المَلتوتْ).
وهذه الكلمة تعني (المُطبَقْ) أو (المُوَرَقْ) مما يعني أنه كان يتكوّن من طبقاتٍ عديدة. ومع مرور الأيام بات الفطير جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية المصرية. وذلك بعد أن انتشر الفطير المشلتت في قرى مصر ومدنها، وإن كنا لا نعرف على وجه التحديد متى ظهر، لكنّه تطوّر تدريجيًّا حتى افتتحت حوانيت له على وجه الخصوص.
وكان من عادة المصريين في الأرياف والصعيد عمل الفطير المشلتت المالح وليس المُحلّى بالعسل أو السكر، وقد اعتادوا أن يقدموا إلى جانبه أصنافًا من الجبن القديم والمِشْ والعسل الأبيض والأسود بالطحينة. ناهيكم عن سعادة الأفراد الغامرة عند الحضور إلى منزلٍ يعد الفطير المشلتت بالسمن البلدي.
ولم يعد غريبًا اليوم أن تتحوّل ثقافة الفطير من المقابر الفرعونية إلى شبكات التواصل الاجتماعي والفودبلوغر، الذين يقيّمون المأكولات من هناك وهناك على قنواتهم الرسمية، وهكذا لم يعد الفطير مقصورًا على بعض المحلات الصغيرة أو المنازل، لكنّه بات صنعة كبرى تتنوع في مضامينها وأشكالها والإضافات التي تحتوي عليها؛ فالكل بات يتنافس فيما بينه، للخروج بأشكالٍ وطرقٍ مبتكرة للفطير سواءً كان حلوًا أو مشلتتًا.

باب الغدر.. عاصمة الفطير القاهرية
ارتبطت حياةُ المصريين بالفطير منذ عصور قديمة، على الأغلب تمتد حتى العصر الفرعوني، ويبدو أن مسميّات الفطير، أخذت في التبدل في مرور الوقت من عصر لآخر ومن جيل إلى جيل؛ لكن هذا الطعام تحديدًا، كان له خصوصية كبيرة عند أفراد الشعب بمختلف طبقاته وفئاته الاجتماعية.
عَرف القاهريون قديمًا عطفة صغيرة عُرفت باسم "باب الغدر"، وعلى الرغم من غرابة الاسم، فإن هذه العطفة كانت تمثل مدينة الفطير في القاهرة، ففي تحقيق مثير نشرته مجلة الدنيا المصورة التابعة لدار الهلال بتاريخ 17 أبريل/نيسان 1930، فقد عرفت هذه العطفة في حي الحسينية نشاطًا غير عادي منذ باكورة الصباح. ففي الساعة السادسة من كل صباح في مختلف الأزقة والحواري والميادين، كان البائعون يرتصّون على صندوق خشبي وأمامهم ألواح من الصاج وقد ارتصت فوقها الفطائر المستديرة وأوعية السكر الناعم والزيت، واعتاد أن يجلس أماهم مجموعة من العمال، لتناول تلك الفطائر الشهية الغارقة في السكر والزيت حتى تعينهم على قضاء أشغالهم اليومية.
كما عرفت القاهرة كذلك، الحوانيت الصغيرة التي ترتصّ في الحواري والأزقة والميادين، والتي كانت تتميز بوجود منصّة خشبية فوقها قطعة من الرخام الأبيض، حيث يقوم الفطاطري بعجن الفطير فوقها وجعل طبقاته أقل سُمكًا، وذلك عن طريق رفعها إلى الهواء وإنزالها أكثر من مرة قبل أن يدخلها إلى الفرن، لتخرج طازجة. وقد زيّنت بعض هذه الحوانيت مجموعة من الواجهات (الفاترينات) الزجاجية التي كانت تُعرض فيها الفطائر، وبطبيعة الحال، تنوع الزبائن ما بين عامل أو خادمة منزل أو غيرهما من أفراد المجتمع.
يقول محرّر المجلة: "فإذا سألت أحد أولئك عن عدد ما يبيعه من الفطير في كل صباح، وشاء أن يقول لك الحق ويطلعك على سرّ تجارته لأخبرك أنه يبيع في ساعتين من الصباح عددًا لا يقل عن خمسمائة فطيرة!! والفطيرة الواحدة لا يقل وزنها عن نصف رطل وهي مشبعة بالزيت الحار والزيت الطيب وعليها كمية كبيرة من السكر الناعم. وهي فوق ذلك لذيذة الطعم شهية المذاق.. مشبعة.. وثمنها نصف قرش".

وإن سألت أحد باعة الفطير سواءً في القاهرة أو الإسكندرية أو في أية مدينة أخرى من مدن القُطر، حتى أقاصي الصعيد عن الجهة التي ولد فيها ونشأ بها لأجابك في الحال: باب الغدر، وإن سألت بائع الفطير في الإسكندرية عن بائع الفطير في أقاصي الصعيد لأجابك أنه يمت إليه بصلة القرابة والنسب، فإن سكان هذا الحي يعتبرون أسرة واحدة لا يتزوجون إلا من بينهم ولا يقبلون في عائلتهم شخصًا غريبًا.. ولا يُصنع هذا الفطير في كل القُطر المصري إلا على أيديهم".
المقريزي.. مؤرخًا لسوق الحلوى
وإذا كنا قد تحدّثنا عن الفطير المصنوع بالسكر والزيت، فلا بد من التوقف قليلًا عند سوق الحلوى في القاهرة القديمة، فهذا السوق كان يفيض بشتى أصناف الحلوى التي تسرّ الناظرين والمقبلين عليها من كل جهة للاستمتاع بها، إذ يروي الباحث ربيع أحمد سيد أحمد في كتابه الشيّق "الحِرف التراثية في مصر في ضوء الاستشراق التشكيلي"، أن المقريزي وصف سوق الحلاويين في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" بقوله: "هذا السوق مُعد لبيع ما يتخذ من السكر حلوى، وإنما يُعرف اليوم بحلاوة منوعة، وكان أبهج الأسواق لما يُشاهد في الحوانيت التي به من الأواني وآلات النحاس الثقيلة الوزن البديعة الصنعة ذات القيم الكبيرة، ومن الحلاوات المصنعة عدة ألوان وتُسمى المجمعة، وشاهدت بهذا السوق السكر ينادي عليه كل قنطار بمائة وسبعين درهمًا".
قبل أن يضيف في موضع آخر: "وكان هذا السوق في موسم شهر رجب من أحسن الأشياء منظرًا، فإنه كان يُصنع فيه من السكر أمثال خيول وسباع وقطاط وغيرها تسمى العلاليق – واحدها علاقة – تُرفع بخيوط على الحوانيت، فمنها ما يزن عشرة أرطال إلى ربع رطل، تُشترى للأطفال، فلا يبقى جليل ولا حقير حتى يبتاع منها لأهله وأولاده، وتمتلئ أسواق البلدين مصر والقاهرة وأريافهما من هذا الصنف، وكذلك يعمل في موسم نصف شعبان".
وإن دل كلام المقريزي على شيء، فإنما يدل على الانتشار الواسع للحلوى في أسواق القاهرة وتهافت الزبائن عليها في المواسم. وهكذا باتت هذه الأصناف مع الوقت جزءًا أساسيًّا من نسيج وثقافة المكان والعمران. كما ارتبطت هذه الأطعمة بطقوس المصريين وعاداتهم في الاحتفال بالطقوس الدينية والاجتماعية على مر العصور.
باب الغدر.. خلية نحل أم مصنع فطير
وفي التحقيق السابق الذي نشرته الدنيا المصورة، نتعرف إلى أن عدد بائعي الفطير كان يزيد عن مائة بائع وكل فرد منهم اختار لنفسه حيًّا من أحياء القاهرة، ليبيع به الفطائر، أما البيع فكان يتم في الغالب من الساعة الرابعة صباحًا حتى الساعة السابعة مساءً وذلك حتى تنفد تمامًا الكمية اليومية.
وفي نهاية هذا اليوم المرهق يعود كل منهم إلى بيته في باب الغدر، ليقضي الليل مع أفراد أسرته، أما ساعات نومهم فتكون إلى عصر اليوم التالي، وهم يستعدون للعمل بعد توفير مستلزمات الفطير من الزيت والسكر في الساعة الثانية عشر ليلًا، وتستمر هذه العملية الميكانيكية من منتصف الليل حتى الساعة الرابعة صباحًا، وذلك بشكل يومي في أجواء تفيض بالحركة والنشاط، حيث رصّ الصاجات وإدخالها إلى الأفران وكذلك تجهيز مكونات هذه الفطائر.
الغريب في منازل هذا الحيّ أيضًا أنها كانت متماثلة تمامًا وكأنها قد بُنيّت خصيصًا لحِرفة عمل الفطير، فصالة المنزل الكبيرة، كانت تضم فرنًا صغيرًا وفي الأرجاء ما يقارب المائة لوح من الصاجات، وفي الأركان، كانت ترتص أواني العجين وأكياس الدقيق وأوعية الزيت وكذلك صفائح السمن.
لقد كانت عطفة باب الغدر بمثابة منفذ توزيع أساسي لباعي الفطير كافة، حيث كانت تمدهم يوميًّا بما لا يقل عن خمسين ألف فطيرة كل صباح دون مرجوع، ولكم أن تتخيلوا ضخامة هذا العدد الذي يتم توزيعه مطلع كل صباح، ولهذه المنطقة أيضًا زعماء ومؤسسون وعائلات كبيرة، فهم رؤساء الحي وينتمون إلى بعضهم البعض بصلة قرابة، وقد تندهش لأسمائهم وحوانيتهم التي انتشرت في كل أرجاء العاصمة، مثل "الكيلاني" وحانوته في منطقة الجامع الأحمر و"دودة" وحانوته في درب القطة و"البعبع" وحانوته بالسبتية و"عبد العال" وحانوته بالفوالة و"شلضم" وحانوته بالأزبكية و"كوكو" ومحل تجارته بالمنشية و"الأسود" ومحل تجارته بمصر القديمة وكذلك "محمد عمر" وحانوته بالحلوجي. وشروط الزواج في هذه المنطقة، لم تكن معقدة، فالشاب كان يشترط على الفتاة أن تكون جيدة في صناعة الفطير وهو أمر مفروغ منه. فالمهنة لديهم كانت تُورث من جيل لآخر.
وإذا توقفنا عند أنواع الفطير التي كانت تقدم في باب الغدر، نجد أنها كثيرة ومتنوعة فمنها النوع المستدير والذي يوضع عليه الزيت الحار وهو يشكل وجبة مفضلة لدى العمال كل صباح. وهناك فطائر أخرى كانت تصنع من السمن واللبن والقشدة والجبن واللحوم. ولكنها ليست منتشرة بالقدر الكافي، لأن الطلب عليها محدود.

الفطير... يخلب ألباب المبدعين
لم تغب شخصية الفطاطري عن شاشة السينما، بل نجد صداها حاضرًا في بعض أفلام الكوميديا الاجتماعية مثل "إسماعيل ياسين في مستشفى المجانين" (1958) من إخراج عيسى كرامة؛ وفيه لعب إسماعيل دور حسونة الفطاطري الذي يعيش قصة حب مع طعمة (قامت بدورها هند رستم) والتي يرغب كل رجال الحارة في الزواج منها. وعندها ينجح والدها في تدبير مكيدة له بإيداعه داخل مستشفى الأمراض العقلية، لتبدأ المغامرة.
كما حظي بائع الفطير بواحد من الأناشيد التي كانت تُنسب للتفتيش الموسيقي بوزارة المعارف العمومية عام 1935، وقد نظمه محمد الهراوي ولحنّه أحمد خيرت ووضع له الهارموني محمد حبيب، حيث نشرت مجلة الموسيقى التابعة للمعهد الملكي للموسيقى العربية في عددها الثالث بتاريخ 15 يونيو/حزيران 1935 كلماته:
"عمي يا خبّاز/ يا بائع الفطير *** اصنع لنا فطيرة/تُهدى إلى الأمير *** واكتب عليها اسمي/ واسم أخي الصغير *** وهاتها نأكلها/في الطبق الكبير".
وفي حزيران/ يونيو 1979 وتحت عنوان "صانعة الفطير"، راح يقدم بعض النصائح حول صناعة الفطير وإخراجه في أجمل صورة ممكنة، وهي قصيدة في مجملها يغلب عليها طابع خفة الظلّ والفكاهة، لكنّها تدل كذلك على أن صاحبها لديه خبرة واسعة في عمل الفطير واستيعاب مكوناته وطريقة التحضير الخاصة به. فنجده يقول في بعض أبياتها:
"أصانعة (الفطير) أتيت أسعى/على شوقي لصانعة الفطير *** فهيّا، شمّري، وارعيْ أكولًا/ وسوطي السمن بالعسل العزير *** وهاتي (الحشو) موفورًا، فإني/أحب الحشو بالقدر الوفير! *** ودقي باليمين، فإن تخلت/فدقي بالشمال على (الحرير) *** بإيقاع، لذيذ، مستحب/يراقصني، ويكشف عن حبوري *** ولفيه بحذق، وادفعيه/إلى نار مؤرجة العبير".
والآن بعد هذه الجولة في دنيا الفطير داخل الحياة المصرية، يا ترى كيف هي أشكال الفطير في مدنكم العامرة وكيف ارتبط بالموروث الشعبي والثقافي لديكم؟