في زمنٍ استعماري - ليبرالي تُدار فيه حرب الإبادة على غزّة بمنطق الصورة، أعادت المنظومات الإعلامية والرقمية تشكيل المجازر في غزة بوصفها مادة فرجوية؛ تختزل الحدث في صورة، وتُستوعب الصورة كسلعة قابلة للاستهلاك، بوصفها تعيد إنتاج تمثيل الموت الفلسطيني بصريًا بين الفُرجة والشَهادة. ومنه ينطلق المقال من هدف إبراز التناقض بين الانتشار الكثيف للصور وما يقابله من ضعف في تغيير الواقع، الذي يحيلنا إلى التساؤل عن الكيفية التي يُستثمر بها مشهد الموت في قطاع غزّة، ولصالح أي فعل ومخيال سياسي وأخلاقي؟ وما أثر استهلاك الموت الفلسطيني عالميًا عبر الصور والفيديوهات على الوعي والتمثيل؟ فلا تقتصر الفرجة على وصفها أداة لتوليد الوعي فقط، بل قد تسهم في إنتاج تطبيع للموت الفلسطيني وتدمجه في الاستهلاك الإعلامي العالمي؛ ففي حين تشكل الصورة أداة وعي وتوثيق للجرائم والمجاز فهي أيضًا تعيد إنتاج ما توثقه كعرض إعلامي، يُطبّع عنف الاستعمار ويُحوّل الضحية إلى مادة استهلاك بصري.
لذا يحاول المقال أن يفكّك آليات تحويل الموت -كمحتوى متكرر- من واقعة إنسانية إلى مادة للاستهلاك عبر صور من الاستعراض التي تُفقده فرادته بالتشبّع البصري، فتتجاوز وظيفتها المدنية والأخلاقية من التزامات تجاه الضحايا وتجاه العدالة بانعدام نقل التأثير العاطفي إلى المسؤولية السياسية والاجتماعية والأخلاقية، فتصبح الفرجة أداة تواطؤ تجعل المُشاهد شريكًا في إنتاج "طبيعيّة موت الفلسطينيّ/ة".
الموتُ الفلسطينيّ كعرضٍ فرجويّ
يشير المقال إلى مفهوم الموت الفلسطيني كعرضٍ فرجويّ انطلاقًا من حالة تحول الإماتة الإسرائيلية العنيفة للفلسطينيين في قطاع غزّة، من كونها حدثًا إباديًا في سياق استعماريّ تاريخي إلى كونها منتجًا بصريًّا قابلاً للاستهلاك في التداول الإعلامي، حيث يُلاحظ على امتداد عامين – تقريبًا – من حرب الإبادة الإسرائيلية، أنّ الكثير من الصور والفيديوهات التي وثقت وقائع المجازر، جرى تقديمها كمشهديّات تعيد إنتاج الحدث بصريًا بطرق حولت الأجساد الفلسطينيّة سواء للشهداء أو الجرحى، إلى رموز مُختزلة في لقطات قابلة للتداول الفوري على منصات الإعلام ووسائط التواصل الرقمي بآليات عرض متنوعة، حوّلت المجازر إلى ما يسمى بـ"التريند" ذو التأثير اللحظي والعابر.
ويمكن القول إنّ تحوّل حرب الإبادة إلى مادة فرجوية لا ينفصل عن التحولات الحداثية في وسائط الإعلام؛ فأن تكون متفرجًا على حروب وكوارث بلد آخر هو تجربة حداثية، تجعل من العنف المادي ضد الفلسطينيين، هنا، حدثًا بصريًا (منزليًا) يُستهلك ضمن روتين الأخبار اليومية، بدل أن يُستوعَب كجريمة سياسية استعمارية تستدعي الفعل.
ومنه فإن ملاحظة هذه الظاهرة، تمكننا من إدراك الكيفية التي يتجاوز بها مفهوم الموت الفلسطيني كعرض فرجوي حدود التحليل الإعلامي البسيط ليصبح إطارًا سوسيولوجيًا لفهم كيفية إنتاج الموت وتطبيعه كأدوات اجتماعية وسياسية. إذ تنجح الفرجة على الموت الفلسطيني في تشكيل نمطًا من أنماط السيطرة الرمزية عن طريق تحويل الجسد الفلسطيني إلى مادة بصرية يتم عرضها واستهلاكها وإعادة صياغتها وفق منطق السلطة الإعلامية والاقتصاد الرقمي؛ حيث تصبح مجازر الموت الفلسطيني أحداثًا بصرية تتقاطع فيها المعاناة الإنسانية مع الاستهلاك الرقمي من خلال المُشاهدة الجماعية. وهو استعراض ينقل واقع العنف الممنهج ضد الفلسطينيين بمختلف أشكاله إلى عرض يحوّل القتل والتدمير إلى مواد للمشاركة الرقمية "ففي (مجتمع الفرجة)، بتعبير جي ديبور، يتحول كل شيء إلى “مشهد” مهما بلغت درجة فظاعته".
وتعد فكرة الموت والقتل المبثوث حيًّا من أبرز سمات هذه المشهدية الإعلامية، التي تتقاطع فيها العاطفة الإنسانية مع الاستهلاك البصري الفوري بما ينقل توثيق المجازر والجرائم الإسرائيلية إلى مشاهدة فرجوية في الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية التي تعمل كوسيط استعراضي؛ حيث إن الزمن الفوري للبث المباشر مع التدفق الكثيف لصور وفيديوهات الجثامين والأشلاء والدمار، يخلق تجربة استهلاكية آنية، قد تؤدي إلى فقدان وقعها عند المشاهد وتأثيرها العاطفي؛ ففائض الصور الذي يسهم في إنتاج وعي متراكم لدى المتفرج، قد يسهم في المقابل في إنتاج شكل من أشكال التبلّد العاطفي أو الدفاعي نتيجة الإشباع البصري، حيث إن قوة الصورة وجداوها يُستنزفان بالطريقة التي يُستخدمان بها، وبمكان وعدد مرات عرضهما.
وهكذا تتحول الإبادة في كثير من مشاهدها إلى حدث بصري متكرر، يستهلك ضمن دوائر البث المباشر والتدفق الإعلامي أكثر مما يُحيل إلى مسؤولية سياسية وأخلاقية. وبالتالي، تبرز الحاجة إلى إدراك كل من الوظيفة السياسية، والمخاطر الأخلاقية والأثر التمثيلي لنقل وعرض حرب الإبادة، بما يمكنّنا من تحويل تلك الصور والمشاهد من فرجة استعراضية إلى شهادة موثقة، تحفّز الأفعال السياسية والاحتجاجية.
كيف تُصنع الفرجة؟
يشير هذا المحور إلى أنّ هناك آليات اجتماعية وسياسية وإعلامية حوّلت الموت الفلسطيني إلى عرض فرجوي، نتيجة التراكم الكثيف للمشاهد التي أزاحت كل ما يُعاش إلى التمثيل، وتشكل هذه الإزاحة أو التحويل البُنيةَ التي تمكنّنا من فهم كيفية تحويل ما يجري في قطاع غزّة إلى مشاهد تُستهلك بصريًا في وسائل الإعلام، عبر شبكة معقدة من المنصات الرقمية والسياسات التكنولوجية والخوارزميات.
فهي من جهة، إما تفضّل المحتوى العنيف والصادم الذي يضاعف التفاعل ويحوّل الحزن والألم والمعاناة الفلسطينية إلى سلع بصرية قابلة للقياس والمقارنة، أو أنها من جهة أخرى تعمل بشكل ممنهج على حذف المحتوى الفلسطيني والعنف الممارس إسرائيليًا، لتعيد إنتاج الهيمنة الرمزية في تمثيل الموت الفلسطيني على الصعيد العالمي، إذ إن سلطة الخوارزميات لعبت دورًا رئيسيًا في تحديد ما يظهر وما يُحجب منذ السابع من أكتوبر بما يتماشى مع السرديّة الإسرائيلية.
كما يمكن النظر إلى الفرجة على الموت الفلسطيني كعملية متكاملة تجمع بين الإنتاج الإعلامي والتحكم الخوارزمي والاستجابة الجماهيرية. إذ نلاحظ أن صور وفيديوهات حرب الإبادة لا تُنقل عبر المنصات فقط، وإنما يُعاد تصنيعها بصريًا عبر التحرير والتكرار أو "رمسنتها" بالأغنيات والشعارات والترميز؛ لتتحول هذه المشاهد الرقمية إلى ساحة تفاعلية قد تُحدّد أولويات إنسانيّة للألم والتعاطف وتهمّش أخرى غاب عنها التوثيق والتداول البصري.
وذلك لا يعني إنكار أنّ تلك المشاهد لعبت دورًا في إنتاج أشكال متعددة من الأنشطة المدنية التضامنية والاحتجاجات العالمية، ووثقت ما يواجه السرديات الكولونيالية والغربية الرسمية، وخلقت مساحات مقاومة رمزية ضد المشهدية الإعلامية المهيمنة، وإنما هو محاولة لتسليط الضوء على أهمية فهم الفرجة على الموت الفلسطيني على أنها ظاهرة متشابكة ما بين ذلك التوليد السياسي والاجتماعي ضد فعل الإبادة، وبين سلطة التشييء والاستهلاك العالمي، للإشارة إلى أن الفرجة ليست مجرد استعراض بصري استهلاكي، وإنما هي أداة قوة وهيمنة وأداة مقاومة في الوقت ذاته.
أداء العنف والتمثيل الاستعماري للموت
يمثل العنف الممارس ضدّ الفلسطينيين أكثر من مجرد مواجهة عسكرية وحرب ميدانية؛ فهو فعل استعماري متكامل يهدف أيضًا إلى إعادة تشكيل فهم موت الفلسطيني عبر الهيمنة على التمثيل البصري والسياسي للموت، إذ تنتج إسرائيل صور الموت الفلسطيني كجزء من حربها على الرؤية والسردية والتمثيل، ليتحول الجسد الفلسطيني إلى مادة للعرض البصري ضمن روايتها الاستعمارية أكثر من كونه كيانًا إنسانيًا وسياسيًا فاعلًا.
فلا يقتصر التمثيل الإسرائيلي على القتل المادي الفعلي، وإنما يمتد ليشمل التحكم في كيفية عرض وتشكيل الموت الفلسطيني في شبكات الإعلام الإسرائيلي والغربي، بحيث لا يقدم الموت الفلسطيني كقتل استعماري ممنهج، بل كنتيجة طبيعية ومتوقعة ومألوفة ضمن منطق الحرب على "الإرهاب والوحشية والتوحّش" المستخدمة في الخطابات والسرديات الاستعمارية، التي تُنتج الفلسطيني كجسد قتيل يُستهلك بصريًا، وتغيّب إمكانية رؤية الفلسطيني كإنسان أو كفاعل سياسي، بطمس البعد الاستعماري الذي يقف وراء كل ما يواجهه الفلسطينيون، ودمج المجزرة في الإعلام الإسرائيلي ضمن دورة أخبار "الحرب الحضارية" الغربية بحيث تفقد خصوصيتها وسياقها التاريخي، ويُصبح المشاهد الغربي يعيش المجزرة كمشهد بصري مُستهلك لا كجريمة تستلزم فعلًا سياسيًا، إذ يشير ديبور إلى أن المشهد ليس تجمّعًا من الصور، بل هو علاقة اجتماعية بين الناس تتوسّطها الصور، وهذا البعد يكشف أن الموت الفلسطيني لا يُستقبل في الغرب كحدث واقعي قائم بذاته، بل كعلاقة مشروطة بالوساطة البصرية الإسرائيلية التي تعيد صياغة معناه، بحيث يصبح الموت ذاته فرجة تُستهلك ويعاد إنتاجها بما يتجاوز واقعها المادي. ذلك ما يعكس السياسة "النيكروبوليتيكية" (سياسات الموت) للاستعمار، وفق أشيل مبيمبي، حيث يصبح الموت ذاته حدثًا يُدار بطريقة تحوّله إلى أداة للهيمنة الإعلامية والسيطرة الاستعمارية الرمزية على إنتاج المعنى والتجربة الإنسانية للموت الفلسطيني.
وعلى صعيد آخر، فإن السردية الاستعمارية وآلية توظيفها لصور وفيديوهات قتلها الاستعماري-الاستعراضي، تعيد إنتاج الفلسطيني ككائن محكوم بالموت ضمن دورة تاريخية متكررة تُستهلك بصريًا وسياسيًا، بدءًا من النكبة وحتى غزة اليوم، وهو ما يحول الزمن الفلسطيني إلى زمن "نيكروبوليتيكي"، حيث يصبح الحاضر والمستقبل مهددين دومًا بالفناء؛ وذلك ليُطبع في وعي المشاهد الفلسطيني والمشاهد العربي أن موت الفلسطيني هو "القاعدة المستمرة وليس الاستثناء".
وهذا لا يعني عدم قدرتنا على استعادة الفاعلية الإنسانية والسياسية للفلسطينيين ومواجهة ذلك بإعادة صياغة المشهد البصري والسياسي للعنف الإسرائيلي والمجازر وحرب الإبادة خارج هيمنة السردية الاستعمارية، لكنه إشارة إلى أن عنف إسرائيل هو أداء متعدد المستويات، يشمل السيطرة على التمثيل وصناعة المشهدية الإعلامية لحربها وإعادة إنتاج الموت الفلسطيني كحدث متكرر ومألوف ومهيمن، تمامًا كما يشمل القتل الجسدي.
الاعتياد والتطبيع: من التوثيق إلى الفرجة السلبية
تشكّل كثافة التكرار الإعلامي للمجازر عاملًا أساسيًا في إنتاج حالة الاعتياد الحسي لدى المشاهدين، حيث تتحول مشاهد القصف والدمار والجثامين والدم إلى روتين بصري مألوف بعد نحو عامين من تكرار نمطية عرض وتوثيق ذلك، إذ إن ما يشكل صدمة تثير لدى المتلقي حالة من الحزن والغضب والرفض، تتحول تدريجيًا إلى حالة من الفتور البصري مع فقدان الدهشة البصرية نتيجة اعتياد الرؤية، فيصبح الموت الفلسطيني حدثًا متوقعًا ومشهدًا مألوفًا؛ مما يؤدي إلى تفريغ حدث الإبادة من معناه السياسي.
حيث يمكن للمشاهد الصورية أن تثير العاطفة دون أن تتحول هذه العاطفة بالضرورة إلى فعل أو موقف سياسي، وهذا ما يعكس كيف تتحول حالة التعاطف إلى فرجة سلبية، إذ مجرد مشاهدة المجازر على وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي لا تكفي لتحقيق تأثير سياسي، فالمشاعر تفتُر وتتلاشى إن لم تترجم إلى أفعال.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى جمالية الألم كبعدٍ آخر، حيث تتحول الكثير من الصور إلى أيقونات بصرية، فتنشأ مسافة جمالية بين المتلقي والضحية، فهناك مَشاهد يُعاد صياغتها بأشكال جمالية تحيل بالمُشاهد إلى تأمل الشكل الجمالي للصور أكثر من الانشغال بالمعنى السياسي للعنف الذي يجري تجميله وترميزه، فيصبح الألم الفلسطيني ومعاناة القتل والنزوح مواد جمالية تُستهلك فنيًا وإعلاميًا، رغم أولوية إبقائها طالما المجازر والإبادة مستمرة، كمواد سياسية وأخلاقية تستدعي فعلًا مقاومًا واحتجاجيًا. وهكذا فإن هناك من يعمل على تحويل الصور التي يفترض أن تثير الغضب إلى وسيلة لتطبيع العنف عبر الاستهلاك الجمالي للألم.
وبهذا فإن المُشاهد سواء أكان فردًا أو تنظيمًا أو مؤسسة يتحمل مسؤولية الاستهلاك السلبي لمشاهد حرب الإبادة، والتي تعيد بدورها إنتاج الهيمنة وتُسهم في إبقاء تداعيات الحرب على حالها، حيث تصبح هذه الفرجة السلبية غير المصاحبة لمحاولات توليد الفعل الجمعيّ ممارسةً ضمنية تخدم الاستعمار الإسرائيلي؛ فالانتقال من الاستنكار والصدمة والرفض إلى الاعتياد الجماعي يعكس تواطؤ المُشاهدة وتَحوّل الفرجة السلبية إلى شكل من أشكال المشاركة السياسية السلبية.
ذلك يعني، أن علينا إدراك مخاطر الخط الفاصل ما بين توثيق حرب الإبادة والتطبيع معها، ونقل صور ومشاهد العدوان الإسرائيلي من وظيفة الشهادة إلى المُشاهدة. فلا تستخدم الصور التي تُدين الاستعمار والعنف الإسرائيلي الممنهج في تعزيز تطبيع مشاهد ذلك، فكلما أصبحت الصور مألوفة أكثر، قلّت صدمتها، وزاد احتمال استهلاكها بصريًا، بينما يفقد الحدث سياقه الأخلاقي والسياسي. حيث يتحول الاعتياد الجماعي على المشاهد العنيفة إلى تطبيع العنف، فتتبلّد الحساسية الإنسانية والوجدانية أمام صور المجازر الجديدة لأن المجازر أصبحت الخلفية اليومية والمتكررة في الأخبار، وهذا ما يحول الموت الفلسطيني من حدث مأساوي إلى ظاهرة روتينية ضمن المشهد الإعلامي العالمي، تُستهلك فيه صور الجثامين والأشلاء والمجازر الجماعية والقصف العشوائي بلا أثر سياسي حقيقي في مواجهة إسرائيل كفاعل، وتستخدم في كثير من الحالات كمواد بصرية يُعاد تدويرها في عملية تشييء تخدم كل من الأهداف والسردية الاستعمارية، من خلال نزع فرادتها وحالتها غير المسبوقة وتحويلها إلى صور وأرقام، فتصبح حالة الفرجة على الموت الفلسطيني –كجزء مألوف من المشهد اليومي– أداءً بصريًّا متكررًا يخلو من أفعال المساءلة والمحاسبة، فيحل محل المسؤولية الأخلاقية والسياسية، حيث تتشابك ديناميات الاعتياد والتطبيع البصري وتواطؤ المشاهدة في إعادة إنتاج الهيمنة الرمزية، في وقت الحاجة إلى أدوات مقاومة رمزية وأخلاقية لإعادة إحياء الوعي السياسي والأخلاقي تجاه ذلك.
بين الشهادة والاستعراض
يحاول هذا المقال طرح أفكار وملاحظات نقدية أولية حول الجدلية المزدوجة بين الشهادة والاستعراض التي تكشف عنها صور ومشاهد حرب الإبادة، بتسليط الضوء على أنها من جهة هي شهادات على جرائم إسرائيل وفعلها الاستعماري، لكنها من جهة أخرى تدخل بسرعة في ماكينة الأخبار والترند، فتتحول إلى عرض استهلاكي في دوامة التداول الإعلامي الذي يفقدها قوتها السياسية.
وهذا ما يطرح أمامنا سؤالًا جوهريًّا حول كيفية الحفاظ على الصور والمشاهد كأداة شهادة بدلًا من استخدامها كسلعة أو مواد استعراضية. ففي الوقت الذي يختزن العنف الاستعماري في أرشيف بصري يمنحه امتدادًا زمانيًا بحيث يشكل مادة للتوثيق والمحاسبة ومقاومة نسيان الضحايا، يُستخدم في كثير من الحالات في الحاضر داخل إطار استهلاكي ضمن ماكينة إعلامية تسهم في إدامة الهيمنة الاستعمارية.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربات أكثر نقدية، تُفكك العلاقة بين الصورة والسلطة وتقرأ التمثيلات البصرية باعتبار أن منها ما يشكل جزءًا من الآلة الاستعمارية التي تتحكم في المعنى في ظل سياسات إعلامية تستثمر الألم الفلسطيني وتعيد إنتاجه بلا ضوابط واستراتيجيات. وذلك لصياغة مقاومة رمزية ضد الاستعمار البصري، بالحفاظ على الصور كوثائق سياسية وقانونية في الحاضر كما في المستقبل، وليس مجرد مواد استهلاك بصري، وهو ما يستدعي الحفاظ على تأطير الصور ضمن الخطاب المضاد الذي يفضح الاستعمار ويواجهه دون الاكتفاء باستعراض نتائجه، حيث من النادر أن تنتج الصور وحدها فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا، فهي تتطلب سياقًا واضحًا وتفسيرًا متسقًا مع الواقع ومشاركة واعية، كي نحافظ عليها كشهادات تحمل معنى، ضمن منطق الشهادة المسؤولة التي تحفظ للضحايا كرامتهم وقصصهم ضمن السياق السياسي والتاريخي والإنساني، لتجاوز حالة الفرجة المتواطئة التي تستهلك صور الموت الفلسطيني كعرض استعراضي أكثر من كونها آلية لتحمل المسؤولية، ومحفّزة للفعل.