لا ترفع الحرب على إيران تكلفة المعيشة في الشرق الأوسط في الدول المشاركة فيها مباشرة فقط، بل تمتد آثارها إلى دول أخرى عبر قنوات غير مباشرة تشمل التجارة والطاقة والشحن والتأمين والسياحة والتمويل. ويكتسب هذا الأثر وزنه لأن المنطقة دخلت أصلًا مرحلة نمو معتدل يكتنفها قدر كبير من عدم اليقين، بحسب البنك الدولي، ما يجعل أي صدمة إضافية في الطاقة أو النقل أو التدفقات المالية قادرة على التحول بسرعة إلى ضغط على الأسعار والدخول الحقيقية للأسر.
ويظهر "الغلاء غير المرئي" في الشرق الأوسط لأن الحرب لا ترفع تكلفة المعيشة عبر النفط فقط، بل أيضًا عبر انتقال أثر تكاليف الوقود والنقل إلى أسعار الغذاء والسلع الأساسية. وفي دول الخليج، قد تخفف الإيرادات النفطية والدعم الحكومي من الصدمة على الأسر، لكن الاعتماد على استيراد الغذاء وتمرير تكاليف النقل يظلّان مصدر ضغط، خصوصًا على الفئات الأقل دخلًا. أما في بقية دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فيكون الأثر أشد، لأن الغذاء والوقود يشكلان حصة أكبر من إنفاق الأسر، ولأن ضيق الحيز المالي يجعل الدول الأقل قدرة على امتصاص الصدمة؛ لذلك ترتفع مخاطر تضخم السلع الأساسية، والضغط على العملات، وتآكل الدخل الحقيقي، وتراجع الإنفاق غير الضروري بوتيرة أسرع.
وفي الأيام الأولى للتصعيد، أشار صندوق النقد الدولي إلى أنه رصد بالفعل اضطرابات في التجارة والنشاط الاقتصادي، وقفزات في أسعار الطاقة، وتقلبات في الأسواق المالية. وهذه الإشارة مهمة لأنها توضح أن أثر الحرب لا يحتاج إلى شهور حتى يظهر، بل يبدأ سريعًا عبر قنوات تتجاوز ساحة القتال نفسها، لتصل إلى سلاسل الإمداد وكلفة التمويل والتسعير اليومي للسلع والخدمات.
أولًا: مضيق هرمز: الجغرافيا التي تتحول إلى كلفة معيشية
ينطلق جزء كبير من "الغلاء غير المرئي" من مضيق هرمز، أحد أهم الاختناقات البحرية في العالم. وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات البترولية مرّت عبر المضيق في 2024، بما يعادل قرابة 20% من استهلاك العالم من السوائل النفطية، كما مرّ عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا. وهذا يعني أن مجرد تعطل المرور أو تباطئه لا يضغط فقط على أسواق النفط، بل على تكلفة الطاقة والنقل والتصنيع في المنطقة كلها.
وتضيف "الأونكتاد" أن المضيق يحمل نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، إلى جانب كميات مهمة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة، وأن الاضطرابات فيه تنقل الصدمة مباشرة إلى سلاسل الإمداد وأسواق السلع. وتزداد خطورة هذه النقطة في الشرق الأوسط لأن عددًا من الاقتصادات يعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات الغذائية والصناعية، وعلى حركة موانئ ومراكز عبور إقليمية، بحيث لا تبقى الأزمة أزمة نفط فقط، بل تصبح أزمة تكلفة اقتصادية عامة.
ومن جهة أخرى، فإن استمرار ارتفاع تكاليف الشحن يمكن أن يرفع مستويات أسعار المستهلك عالميًا بنحو 0.6%، وقد يصل الأثر إلى نحو 1.5% إذا جاءت زيادات الشحن أكبر من الافتراضات الأساسية. ومعنى ذلك أن الحرب قد تدخل إلى الأسواق لا عبر رفوف فارغة، بل عبر الزيادة الصامتة في كلفة نقل السلع قبل وصولها إلى المتاجر. وتمتد المشكلة إلى التأمين الحربي. فقد أوضحت شركة "Skuld"، المتخصصة في التأمين البحري، أن عبور السفن لمضيق هرمز في ظروف التصعيد العسكري يدخل بوضوح ضمن مخاطر الحرب، وأن المرور قد يصبح غير عملي إذا لم تتوافر تغطية تأمينية مناسبة. وهذه الزيادة في أقساط التأمين تتحمل تدريجيًا على أسعار الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج والسلع اليومية.
ثانيًا: الطاقة والغذاء: التضخم المستورد بأمثلة أكثر تنوعًا
يحذر صندوق النقد الدولي من أن بقاء أسعار النفط فوق 100 دولار لفترة طويلة بسبب الحرب قد يرفع التضخم ويضعف النمو، مع آثار ثانوية أو ممتدة على التضخم الأساسي وتوقعاته. والمقصود هنا أن الصدمة لا تقف عند سعر الوقود، بل تنتقل إلى النقل والكهرباء والتبريد والتصنيع والخدمات، ثم تظهر لاحقًا في أسعار الطعام والسلع اليومية، أي أن كلفة الحرب تتحول إلى جزء من نمط معيشة الناس لا إلى رقم معزول في سوق الطاقة فقط.
ويتسع الأثر أكثر عندما يصل إلى الغذاء. فبرنامج الأغذية العالمي حذر من أن استمرار التصعيد مع بقاء أسعار النفط مرتفعة قد يدفع 45 مليون شخص إضافي إلى الجوع الحاد، بما في ذلك نحو 5.2 مليون شخص إضافي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وهذه الأرقام لا تعني فقط أن الفقراء سيدفعون أكثر، بل تعني أيضًا أن ارتفاع كلفة الوقود والنقل والأسمدة والتشغيل قد يتحول إلى ضغط مباشر على الأمن الغذائي في الدول الأشد اعتمادًا على الاستيراد.
ولفهم لماذا لا تكون كل الدول متأثرة بالطريقة نفسها، يفيد النظر إلى سياسات تسعير الطاقة. ففي مذكرة لصندوق النقد الدولي حول إصلاح دعم الطاقة في المنطقة العربية، أشار الصندوق إلى أن الأردن والمغرب أعادا هيكلة تسعير الوقود بحيث يعكس بدرجة أكبر تقلبات الأسعار الدولية. وهذا يعني أن صدمة النفط العالمية قد تنتقل إلى المستهلكين فيهما بسرعة أكبر مما يحدث في الاقتصادات التي ما زالت تعتمد على دعم واسع أو تسعير إداري أشد صرامة.
وفي المغرب تحديدًا، أشار صندوق النقد الدولي في المادة الرابعة لعام 2026 إلى أن العجز في الحساب الجاري مرشح لأن يتسع بصورة معتدلة بسبب المحتوى الاستيرادي المرتفع للاستثمارات العامة الكبيرة، رغم تحسن إيرادات السياحة وتدفقات الاستثمار الأجنبي. وهذه نقطة مهمة في سياق الحرب، لأن أي قفزة في أسعار الطاقة أو الشحن تضرب مباشرة اقتصادًا يوسع استثماراته المعتمدة على الواردات، ما يزيد احتمالات انتقال الضغط إلى الأسعار المحلية أو إلى التوازنات الخارجية.
أما الأردن، فقد أشار صندوق النقد الدولي في نيسان/أبريل 2025 إلى أن العجز في الحساب الجاري اتسع إلى نحو 5.9% من الناتج المحلي الإجمالي جزئيًا بسبب انخفاض الإيرادات السياحية. وفي بلد يعتمد على الاستيراد ويعتمد أيضًا على السياحة وتحويلات الخارج في توازناته، تصبح الحرب أكثر من مجرد صدمة نفط؛ فهي تضرب جانب الطاقة من جهة، وجانب الخدمات والتدفقات الخارجية من جهة أخرى، ما يجعل أثرها على المعيشة مركبًا لا أحادي القناة.
وفي تركيا، ورغم نجاح برنامج خفض التضخم نسبيًا، فإن صندوق النقد الدولي أشار في شباط/فبراير 2026 إلى أن التضخم ظل عند 30.9% في كانون الأول/ديسمبر 2025، مع بقاء الاقتصاد حساسًا لأسعار الطاقة والغذاء واستمرار ارتفاع أثر تمرير سعر الصرف إلى الأسعار. ولهذا فإن أي صدمة جديدة قادمة من الحرب، سواء عبر النفط أو الدولار أو النقل، تجد اقتصادًا لم يخرج بعد بالكامل من مناخ التضخم المرتفع، ما يزيد احتمالات انتقالها إلى الأسعار النهائية بسرعة.
ثالثًا: مخاطر الائتمان وسعر الصرف
تظهر قناة أخرى أقل وضوحًا للجمهور لكنها شديدة التأثير، وهي قناة عقود مبادلة مخاطر الائتمان السيادي (CDS) وسعر الصرف. فالـCDS هو ببساطة مقياس لكلفة التأمين على ديون الدولة؛ وكلما ارتفع، دلّ على أن الأسواق ترى الاقتراض من تلك الدولة أكثر خطورة. وفي 10 آذار/مارس 2026 رصدت وكالة "رويترز" بقاء عقود الـCDS لأجل خمس سنوات عند مستويات تعكس تفاوتًا واضحًا في المخاطر بين اقتصادات المنطقة، إذ بلغت نحو 82 نقطة أساس للسعودية مقابل 249 نقطة للبحرين. ومثل هذه المؤشرات لا تبقى في أسواق المال، بل تتحول إلى كلفة تمويل أعلى، ثم إلى ضغوط على الاستثمار والإنفاق العام والخاص.
وفي الاقتصادات التي يكون فيها تمرير سعر الصرف إلى التضخم مرتفعًا، يصبح هذا المسار أكثر إيلامًا. ففي ورقة عمل لصندوق النقد حول تركيا، أشار الباحثون إلى أن التضخم الخدمي أظهر قدرًا أعلى من الجمود، بينما ظلت أسعار السلع أكثر حساسية لتحركات سعر الصرف. ومعنى ذلك أن أي تراجع في العملة تحت ضغط خروج رؤوس الأموال أو ارتفاع فاتورة الطاقة لا يظل رقمًا في شاشات الصرف، بل ينعكس مباشرة على الواردات ثم على أسعار السلع الأساسية والوسيطة داخل الاقتصاد.
رابعًا: السياحة والخدمات والائتمان
لا تقف آثار الحرب عند الطاقة والتمويل، لأن قطاع السفر نفسه يتحول إلى قناة غلاء غير مباشرة. فالاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) أشار في آذار/مارس 2026 إلى أن الحرب كشفت هشاشة أمن إمدادات وقود الطائرات، لأن المنطقة تنقل جزءًا مهمًا من الوقود الجوي العالمي، وتعطلها يرفع تكاليف شركات الطيران والتشغيل والرحلات. وما يبدأ هنا كتكلفة على شركات الطيران ينتهي غالبًا في صورة تذاكر أغلى، وشحن جوي أعلى تكلفة، وضغط إضافي على السياحة والخدمات المرتبطة بها.
أما مجلس السفر والسياحة العالمي (WTTC) فقد قدّر أن الصراع كان يكلّف قطاع السفر والسياحة بالفعل ما لا يقل عن 600 مليون دولار يوميًا بحلول 11 آذار/مارس 2026. ويفسر ذلك كيف تتحول الحرب إلى عبء معيشي حتى في الدول غير المنخرطة فيها مباشرة: فالسياحة لا تعني الفنادق وحدها، بل تعني أيضًا المطاعم والنقل والتجزئة والوظائف المؤقتة والدائمة، وتعني كذلك تدفقات عملة أجنبية تدعم الاستيراد والاستقرار السعري.
وفي الخليج تحديدًا، ترى "Oxford Economics" أن الحرب ستضر بالسياحة، وهي من أهم محركات النمو غير النفطي، وأن الإمارات وقطر من بين الأكثر تعرضًا بسبب صعوبة إعادة توجيه بعض الصادرات الهيدروكربونية وتأثر الحركة السياحية والتجارية. وهذه ملاحظة مهمة لأنها تبيّن أن حتى الاقتصادات المصدّرة للطاقة لا تحصل تلقائيًا على "مكسب صافٍ" من ارتفاع النفط، إذ قد تخسر في الوقت نفسه على مستوى السياحة والعبور والتجارة الداخلية وثقة المستهلك.
ومن زاوية التجارة الكلية، حذرت منظمة التجارة العالمية في آذار/مارس 2026 من أن الصراع في الشرق الأوسط يضغط أكثر على آفاق التجارة العالمية المتباطئة أصلًا، وأن استمرار الاضطرابات قد ينعكس على تجارة السلع والخدمات معًا، خاصة النقل والسفر. وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، فإن هذا يعني ببساطة أن الحرب لا تزيد فقط تكلفة الاستيراد، بل قد تضعف أيضًا النشاط الذي كان يخفف هذه الكلفة، أي السياحة والخدمات اللوجستية والعبور والتجارة الإقليمية.
في المحصلة، لا يظهر الغلاء الناتج عن الحرب على إيران عندما ترتفع أسعار النفط مباشرة أو تنقطع سلعة بعينها فقط، بل حين تتراكم طبقات متعددة من المخاطر فوق السعر النهائي: شحن أغلى، وتأمين أعلى، وطاقة أكثر كلفة، وعملة أكثر هشاشة، وتمويل أشد تكلفة، وسياحة أضعف، وتجارة أبطأ. ولهذا فإن العبء الحقيقي للحرب لا يُدفع فقط في الجبهة، بل يُدفع أيضًا في السوق، وفي فاتورة الكهرباء، وفي سعر الغذاء، وفي القدرة الشرائية للأسر في دول قد لا تشارك أصلًا في القتال، لكنها تشارك في دفع كلفته الاقتصادية كل يوم.