ultracheck
العودة إلى دمشق

العودة إلى دمشق بعد اثني عشر عامًا من الغياب

25 فبراير 2025

بين زمنين

بينما ننتظر، مع عبور السيارة للمنطقة الحدودية، أن تكشف سوريا عن نفسها، لا تفاجئنا الطبيعة فهي امتداد للبنان: الجبال والأشجار وألوان الحجارة ذاتها. المفاجأة ليست في الجغرافيا، بل في السياسة. وأول إشارة فارقة هي تخرّق واحتراق صور آل الأسد، إعلانًا صارخًا عن نهاية حقبة وبداية أخرى.

وبالتوازي مع ذلك، احترقت حواجز الفرقة الرابعة، التي كانت تفرض سطوتها على هذا الطريق، متحكمةً في كل ما يعبره. ومع زوال الإتاوات التي فرضتها لسنوات، انخفضت أسعار المواد الغذائية فورًا، إذ كان التجار يحمّلونها على المستهلكين. بعد يومين من سقوط النظام، قال لي صديق بسعادة متفجرة: "أولى بشائر سقوط النظام: أكل الموز! ذهبَت الفرقة الرابعة، فهبط سعره فورًا".

يعرف السوريون أن الفرقة الرابعة، مملكة ماهر الأسد، تمتلك جهاز أمن خاصًا بها، مستقلًا عن باقي الأجهزة الأمنية. لاحقًا، شاءت الصدف أن أطلع على وثائق جعلتها تبدو أكثر رعبًا مما تخيلت أو سمعت عنها. فما هو مجرّد مشاهدات خارجية لمقرها في منطقة المعضمية، أو روايات متفرقة عما يجري فيها، لا يكفي لوصف واقع قطعة عسكرية تحولت إلى دولة مستقلة داخل الدولة، تكرّس كل طاقتها لحماية نظام آل الأسد.

تغدو لحظة قراءة وثيقة تكشف عن شبكة إرهابية (وفقًا لوصفها)، مرفقة بإحداثيات GPS دقيقة لكل فرد فيها، أشبه بإدراك متأخر لحجم الرعب الذي فرضته الفرقة الرابعة. فبضغطة زر، كان بإمكانها استهداف منازل هؤلاء وإفناء من فيها. وهكذا، تصبح القراءة، بأثر رجعي، نوعًا من التشفي في احتراق صور آل الأسد وتلاشي نفوذ قادة الحواجز، أولئك الذين، وفقًا لشهادات وتقارير صحفية، حوّلوا مقر الفرقة إلى نادٍ ليلي لعربدة كبار الضباط، بينما كان في الوقت ذاته يضم سجنًا، ويصدر منه أوامر بمحو قرى وبلدات بأكملها.

كان الدخول إلى سوريا عبر طريق بيروت أشبه بنظرة وداعية إلى دولة الأسد، التي قامت على النهب والخوف، واستمرت عقودًا بالبطش وغسل الأدمغة. لكن السؤال الذي لم يفارقني، حتى قبل أن أرى هزيمة هذا النظام، هو: كيف يمكن محاسبة مجرمي هذه الحقبة؟ وكيف يمكن تجاوز إرث القمع والفساد الذي خلفوه وراءهم؟

ورغم أن هذه الأسئلة تُلاحقني، كما تلاحقُ كثيرين غيري، إلا أنها لا تزال معلّقة في واقعٍ سوري لا يبدو أنّ العدالة فيه أولوية ملحّة، رغم أنها الجرح الأكبر الذي يحتاج السوريون إلى من يداويه، أو على الأقل، من يعترف بوجوده.

ظننتُ أنني سأبكي في أي لحظة، وانتظرت الانفجار بالبكاء، لكنه لم يأتِ. قلت في نفسي: ربما لأنني لست وحيدًا في السيارة. شعرت أنني تحت مراقبة غير معلنة من عز الدين أعرج ومصطفى ديب، كلٌّ لسبب مختلف؛ الأول محللٌ يفكك المشاعر كما لو كانت معادلة، ويلتقط الهشاشة من أدقّ التغيرات في النبرة والنظرة، وأما الثاني العائد إلى بلد لا يعرفه، وإلى مدينة لا تحمل لعائلته أيّة ذكريات، فبكائي سيُفسّر عنده على أنه شكلٌ من أشكال العودة إلى الوطن. في حين راح وائل قيس يغني بانسجام مع الأغنية الصادرة من مسجّلة السيارة، وكأنه عاد مئات المرات خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، رغم أنه لم يعد قط!

ومع ذلك.. لم أبكِ.

وصلنا إلى الفندق ولم أجد ما يُبكيني. صعدت إلى الغرفة، نظرت إلى المدينة، إلى جبل قاسيون، ولم أبكِ.

في ليلتنا الأولى في دمشق، أخذتنا شام الحريري إلى مطعم يلتقي فيه الأصدقاء في حي الطلياني. تجاوزنا الصعوبات المعتادة التي تخصّ وضعي كلاجئ، لكن عند الحدود واجهنا مشكلة أخرى، هذه المرة مع جواز سفر عز الدين، الصادر عن السلطة الفلسطينية. رفض موظفو الحدود السماح له بالدخول دون تأشيرة، فانتظرنا قرابة أربع ساعات، حتى تمكّن زملاؤنا أخيرًا من تأمينها.

قضينا جزءًا كبيرًا من وقتنا في الغضب والتوتر في أن نضطر للعودة إلى لبنان، لأننا لن نترك صديقنا يعود وحيدًا، وقضينا الوقت الذي كانت تهدأ فيه اضطراباتها بالحديث عن مأساة الأوراق الفلسطينية التي تتسبّب بالمتاعب لحاملها، حتى في الدول العربية المُحرّرة توًّا!

ولأننا خارجون من عهد دكتاتوري قائم على القتل والنفي والاعتقال، أصبح من الطبيعي أن يسأل العائدون موظفي الحدود عن الأفرع الأمنية التي طلبتهم. بدوري، لم أكن استثناءً، وجدت اسمي بين المطلوبين، ليس فقط بسبب تخلّفي عن الخدمة الإلزامية في الجيش، التي أعتبرها الآن أكبر إنجاز في حياتي، بل أيضًا بسبب أمر غير متوقع تمامًا: ضرورة مراجعة محكمة قطنا بسبب تركي لوظيفتي. أكد لي موظف الجوازات بلهجة صارمة أن عليّ إنهاء هذه المشكلة، وإلا فلن أتمكن من المغادرة.

التقيت يعرب العيسى، وخليل وصويلح، وسلمان عز الدين، ورغم حرارة اللقاءات لم أبكِ.

بعد استفساري من الأصدقاء، فهمت أن المسألة روتينية تمامًا، ولا تتطلب أكثر من توكيل محامٍ لإنهائها. وبالفعل، وصلوني بمحامٍ أوضح لي أن مديرية التربية في دمشق رفعت دعوى ضدي بسبب تركي العمل دون سابق إنذار، وكل ما يتطلبه الأمر هو دفع غرامة بسيطة لتشملني أحكام العفو العام. وافقتُ فورًا، فهذه القضايا كلها سقطت بسقوط الأسد، ولم يبقَ منها سوى إجراءات شكلية. ومع ذلك، كان يجدر بالدولة الجديدة أن تدرك أن من تركوا وظائفهم في العقد الأخير لم يفعلوا ذلك طواعية، بل لأنهم كانوا معارضين، إما رفضًا لبيئة العمل المليئة بالموالين والشبيحة، أو بسبب استحالة الوصول إلى أماكن عملهم وسط الحواجز والحصار والقصف، أو لأنهم ببساطة.. رحلوا.

وبالنسبة لي، ليست المشكلة أنني وجدت أنني مدان بجرم ترك العمل دون مبرر قانوني، بل المهين في الأمر أنّ شطبي من النشرة الشرطية، أي خروجي من قائمة البحث والتقصي لدفعي الغرامات والإلزامات، كانت نتيجة شمولي بالعفو العام رقم 20 لعام 2019؛ وهذا يعني أن بشار الأسد هو من منحني هذا العفو في نهاية الشهر الأول من عام 2025، مع أنه هارب في موسكو!

المشي في شوارع دمشق مثقل بآثار الدكتاتورية، وأكثرها وضوحًا، إلى جانب الفقر والفوضى والإنهاك، صور المعتقلين التي تملأ الجدران. أولئك الذين اختفوا بلا أثر، وعاشوا في كهوف البطش، باتوا الآن على جدران المدينة كشاهدٍ صامتٍ على نهاية حقبة فرع فلسطين وسجن صيدنايا.. رغم أن الملصقات نفسها تؤكّد أنهم ما زالوا غائبين.

لا أعلم إن كان لكل واحد منهم ذاكرة في هذا الشارع الذي يحمل صورته الآن، هل مشى هنا يومًا؟ هل وقف أمام هذا المحلّ لتناول صحن كنافة، أو شرب قهوته على كرسي متهالك في ذلك المقهى؟ وبدلًا من أن يكونوا بيننا، يحدّقون فينا من الصور، كأنهم يسألوننا بنظراتهم الطويلة: ما الذي تحتاجون إلى فهمه بعد؟

معظم هذه الملصقات مصنوعة على عجل، بالأبيض والأسود، تحمل أسماء مفقودين خرجوا من المعتقلات لكنهم لم يعودوا إلى بيوتهم... فقدوا ذاكرتهم، أو لم يعرفوا طريق العودة.

تظل قضية المعتقلين الجرح الأعمق، إلى جانب معضلة إعادة الإعمار ومحاولة إنعاش الاقتصاد من غيبوبته. لكن بينما يبدو الإعمار مشروعًا بعيد المنال، فإن إنصاف المعتقلين لا يجري حتى على مستوى الكلام. صحيح أننا نسمع عن اعتقال مجرمي حرب، ممن نشروا الرعب على الحواجز، أو أشرفوا على التعذيب، أو قصفوا ودمروا، لكننا لا نعرف شيئًا عن مصيرهم، ولا عن شكل العدالة التي تنتظرهم. هل ستتحقق العدالة حقًا، أم أننا أمام تسويات باردة تُدفن فيها الجرائم بلا محاسبة، ويُعاد إنتاج المجرمين بأقنعة جديدة؟

سمعت من بعض الباقين في البلد تعبيرًا قاسيًا في وصف السوريين القادمين: "سياحة التحرير"!

كيف يمكن لمن يقف على أنقاض بيته أن يكون سائح تحرير؟ وحتى الذين لم يخسروا كثيرًا، ما الذي يمنعهم من التصوير ونشر ما رأوه، ما دام ذلك يساهم في بناء سردية سورية جديدة؟ سردية لا يمكن أن تقوم إلا على الثورة، الحرية، والاستبداد، فمنها بدأ كل شيء. قام الأسد، طغى وتجبر، ثم سقط وهرب، لكن الخراب ما زال على حاله، والغائبون موتى بلا قبور... وبلا أسماء.

تحولت الثنائية القديمة: معارض وموال، داخل وخارج.. إلى الباقين والعائدين. وإذا كان حسم الصراع بين الموالي والمعارض انتهى بهزيمة النظام وأعوانه، فإن الثنائية الجديدة تولد حساسية يصعب فهم أبعادها، لأنها تسعى لأن تقول: من يستحق البلد أكثر؟

ذهبت مع مجموعة نظمها فيصل يعسوب، الذي يعمل على مشروع فوتوغرافي يوثق كل تفصيل فيه.

وحتى وهو فارغ، لا يزال فرع فلسطين يحتفظ برعبه، فالزنازين الممتدة في قبوه ما زالت تعبق برائحة المأساة. وليس للكلام قدرة على الوصف سوى باستعادة مشهد السجناء الذين خرجوا منه – أو من أمثاله من معاقل القمع – يوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ليجدوا أنفسهم حائرين، تائهين أمام بواباته. لم يعرفوا إلى أين يذهبون، ولا ماذا يقولون، فجلسوا جلسة القرفصاء التي حفرتها السنوات في أجسادهم.

كان ممنوعًا علينا أن نزور الطوابق العليا من الفرع، لأن السلطة الجديدة تسعى إلى حفظ الوثائق وحمايتها من العبث، لكني بصراحة لم أكن مستعدًا لتفويت هذه الفرصة الذهبية. صعدت الدرج بصحبة الحقوقي الشاب براء حشيش الذي كان ضمن المجموعة. تسللنا إلى الطوابق العليا وافترقنا.

فهمت من المكان، رغم الفوضى الهائلة، أن الغرف متعددة الاختصاصات، بعضها للمتابعة والمراقبة، بعضها للشؤون السياسية. 

وسط أكوام الملفات حول العراقيين واللبنانيين، وبين الأوراق المتناثرة على الأرض، هناك رسائل قديمة موضوعة في مظاريف ذات الحواف الحمراء والزرقاء. التقطت واحدة، فتحها الفضول قبل يدي، وقرأت اسم المرسل إليه.. صُعقت، إنه رائد. تجمدت كأنني أواجه نفسي في مرآة الزمن. فتحت الرسالة ووجدتها رغم أنها رسالةٌ عادية دافئةً بشكل غريب.

هي تحية للعائلة، للأخوات والإخوة، يطمئنهم فيها أنه بخير رغم أنه خسر الكثير من المال في بيروت، لكنه الآن يعمل وأموره جيدة. أخبرهم أن الخطوط الهاتفية مع العراق لا تعمل، وطلب منهم تفاصيل عن أوضاعهم ليطمئن عليهم. في نهاية رسالته، كتب جملة ظلت عالقة في رأسي: "في الغربة، صرت إنسانًا أفضل، لأن التجربة صعبة".

أعدت الورقة إلى المظروف، ووقفت للحظة، غارقًا في المفارقة. هنا، في هذا المكان الذي سحق الإنسان وجرّده من كل شيء، وجدت رسالة عن الخسارة والتغيير، عن التحول إلى شخص أفضل وسط الصعوبات. شعرت كأن هذه الرسالة ضلّت طريقها، أو كأن القدر أراد أن تصل إليّ، أنا رائدٌ آخر، لأني أحمل أسئلة مشابهة عن الغربة والخسارة، وما تفعله التجربة بالإنسان.

ومع ذلك لم أبك.

في طابق آخر، بدت الغرف مهتمة بالفلسطينيين، أفرادًا وفصائل، ملفات وملفات عن مدينين تعرضوا للتحقيق، أو وضعوا تحت المراقبة. وفي غرفة واسعة وجدت خزائن عليها ملفات على كل ملف اسم فصيل سياسي، ففتحت على الفور ملف "القيادة العامة"، ووجدته يحتوي على مراسلات بيروقراطية عادية للغاية. ومثله الملفات الأخرى. كلها بهدف التنسيق مع الأمن أو أخذ أذون معينة. لكن المفاجأة كانت حين رأت عيني خزانةً على ملفاتها أسماء المخيمات: مخيم اليرموك، مخيم دنون، مخيم خان الشيح.. وعلى الفور انقضضت على ملف مخيمي، قائلًا لنفسي بفرح إنه وقت اكتشاف المخبرين، لعل هناك إشارة عن أخي محمد، أو عن غيره من المعتقلين المفقودين في حارتي أو حارت المخيم. ولم يكن ذلك المجلد الضخم يحتوي أكثر من أوراق قليلة، قلبتها بلهفة، وحين رأيت اسمَي مخبرَيْن معروفَين على نطاق واسع، استندت إلى الجدار وبدأت أقرأ تقريرًا يعود لعام 2017، بينما عقلي يصارع قلبي: هل أفضحهما أم ألتزم الصمت حقنًا للدماء؟

ثم جاءت الصدمة، لا لأنهما مخبران كما كنت أظن، بل لأن التقرير الذي يحمل اسميهما لم يكن سوى مطالبة بعودة المهجرين إلى منازلهم، ووضع حدٍّ لابتزاز الحواجز بين دروشا وخان الشيح، خاصةً لسائقي سيارات الخضار. طالبا بإدخال الطحين إلى الفرن كي يُستأنف إنتاج الخبز، وبإدخال الغاز لكسر احتكار التجار، والأهم... شدّدا على ضرورة إعادة النظر في أوضاع الموقوفين من أبناء المخيم، والإسراع في إطلاق سراحهم.

لم أكن مشغولًا بخيبة أملي لأن الرجلين اللذين كنت واثقًا من أنهما مخبران خطيران، لم يظهر اسمهما إلا في هذا التقرير؛ بل لأن كل ما وقع بين يدي لم يكن سوى ما يمنحهما، وبلا شك.. وسام شرف!

من العادي أن تحتوي الغرف على كتب على سياسية، ومن المرجح أنها خضعت للرقابة، باستثناء نسخة من رواية "شيفرة دافنشي" موضوعة على طاولة أحد المحقّقين، الذي يبدو أنه يطمح إلى ألغاز كبيرة أبعد من تعذيب مواطن بسيط على تهم لم يرتكبها أغلب الأحيان.

لفتني وجود كتابين كنت قد بحثت عنهما في السابق دون جدوى، الأول عن اللاجئين الفلسطينيين، والثاني عن مدينة صفد، أخذتهما كذكرى، فعلق براء: "هذا فرع أمن وليس مركزًا ثقافيًا!"، فابتسمت من تعليقه وأردت أن أقول وما الذكرى الأنسب التي يمكنني الحصول عليها من هنا والعيش معها في منزلي؛ کتاب أم أداة تعذيب؟ جاريته بالقول: "على الأقل هذه أول مرة يكون فيها لفرع فلسطين دور ثقافي" فضحك وسمعتُ صدى ضحكته يتردّد في الممرات بشكل مخيف.

في الطابق الأخير، ذهلت من وجود فيلا صغيرة في الهواء الطلق، فيها غرفة نوم واسعة، ومكتبة ضمن صالة واسعه، وحديقة سماوية فيها أشجار ونافورة ماء، وإلى جوارها حمام ساونا. فهمت أن يحصل رئيس الفرع على فيلا، وأن يكون ثريًا، وأن يعيش لياليه الحمراء كما يشاء، لكن ما لم أفهمه فعلًا هو لماذا على ذلك أن يكون فوق جثث وآهات ضحايا التعذيب؟ 

لمثل هذا الهوس العجيب، تظل سوريا عصية على الفهم.

قبر الجدة

نخرج من بلادنا أسرًا أو أفرادًا، ثم نبدأ العمل على لمّ الشمل، لكننا نفشل في لقاء الجدة. لا هي قادرة على خوض مغامرة التهريب، ولا القوانين تسمح بجلبها. 

ولهذا ترانا حزانى لأننا نعيش من دون عجائزنا اللواتي يمتن ويدفن دون جنازات، مع أننا اعتدنا على العيش معهن وهن يتباهين بالأعداد الغفيرة التي خرجت من أرحامهن لتملأ أرجاء الدنيا، دون أن يعلمن أنهن حين يمتن لن يخرج أي أحد من هؤلاء في جنازاتهن. نمشي برؤوس مطأطاة لأننا خيبنا أمال نسوةٍ أشد ما يؤلمهن الأمل والمفاصل. أما ما تبقى فقادرات على تدبير شؤونه بالحيلة والدعاء.

بسبب ذلك توصّلت إلى تعريف للمنفى لا يعرفه علماء الاجتماعي والأنثروبولوجيا، ولا تدري عنه المؤسسات الحكومية وغير الحكومية من التي تعمل في مجال الهجرة: المنفيون أناس بلا جدّات! 

والجدات من النسوة اللواتي تركن وحيدات في الحرب، لأنهن بلا شباب وبصحة متهاوية، عشن الحياة من قهر إلى قهر، قُهرن صغيرات بالزواج المبكر، ومن ثم أتلفتت أجسادهن بولادة أطفال كثيرين أكلوا حصصًا متساوية من عظامهن، ثم تركوهن يمتن وحيدات، ليس ثمة من يدفنهن، سوى بعض المسنين والعجائز ممن تركوا مثلهن. 

وجدتي بدوية من بلاد الجليل. وبداوتها واضحة في وشم وجهها. وُلدت وعاشت حياة بدوية على مشارف بحيرة طبريا، في بلد يغلي عام 1919، كانت تغادر قريتها في الصباح كي تبيع لبنها وجبنها في المدينة، وتعود بعد الظهر.

في سنواتها العشر الأولى حدثت هبة البراق، وفي سنواتها العشر الثانية شهدت أحداث ثورة شارك فيها رجال من عشيرتها، حيث جاءهم قائد من قرى صفد، من الجاعونة تحديدًا، اسمه عبد الله الأصبح. دعاهم إلى القتال معه ومحاربة مشروعه الدولة اليهودية المقبلة قلبوا، لكنهم من دون كل المقاتلين في أرجاء فلسطين سموا الحدث التاريخي الذي عاشوه بثورة الأصبح، لا "الثورة العربية الكبرى"، ولا "ثورة الريف"، ولا "ثورة الـ 136"، ولا "ثورة القسام ".. إلخ من الأسماء.

وظلّت بلادها تغلي حتى جاء اليوم الذي هجمت فيه "الهاغاناه" على مضارب العشيرة وقتلت منهم 15 رجلًا، يعرف الجميع أن واحدًا منهم نجا بأعجوبة، ولجأ إلى القنيطرة، وعاش عمرًا طويلًا مع الإصابة. لكن أقلاء جدًا من يعرفون أن هناك ناج آخر كان حظه أكبر بكثير لأن أمه التي لاحظت غبار السيارات المقبلة عرفت الخطر، فألبسته ثوبها الاحتياطي، وطلت وجهه ببعض الهباب من القدر، وقالت بالعبرية للجنود حين وصلوا وبدأوا بجمع الرجال وكان سيصبح القتيل رقم 16، إنه مجنون. نظر قائد الفرقة إليه ثم تركه، ولهذا عاش محمد وحش قاسم يومها، ولهذا أيضًا جئنا إلى هذه الدنيا.

في ذلك اليوم، حملت العشيرة خيامها وهربت إلى الجولان في سوريا، وانتظروا، هناك حتى يعودوا إلى ديارهم، لكن الدولة السورية حملتهم في شاحنات وبدأت بتوزيعهم على جهات البلاد، وكان نصيب الجدة والجد الناجي أن ينزلا في المكان الذي سيصبح معروفًا باسم مخيم خان الشيح، في الريف الغربي لدمشق، بين سفوح جبل الشيخ والنهر الأعوج.

وفوق النكبة نكبة، إذ صارت وضحة زوجةً ثانية، وعرفت أن زوجها الذي جاءت معه إلى الجولان بثلاثة أطفال اخترع فتوى لم يكن في وسعها، ولا في وسع أي أحدٍ آخر أيضًا، أن يقف في وجهها، والفكرة أن يتزوّج رجال العشيرة أرامل شهداء المجزرة "كي يستروا عليهن"، و"كي يجدن من يرعاهن"، وغيره من هذا الكلام الذي مهما برع أصحابه فلن يُغطوا ما يُخفيه، والحقيقة بالنسبة لها أن زوجها كان طوال الوقت يحب امرأة أخرى، وكان محظوظًا بالمجزرة مرتين، الأولى بنجاته، والثانية لأنها جعلته يحصل على الزوجة التي طالما حلم بها.

وفوق النكبة نكبات، بيديها بنت المخيم مع أيدي بنات جيلها. الأرض، كما يُفصح اسمها، ملأى بالشيح تلك النبتة الشوكية، وحين كانت الجدة تقول: "قضينا حياتنا في قلع الأشواك" فإنها كانت تعني ذلك حرفيًا. ثم سافر أبناؤها إلى الخليج لأجل العمل. واستمرت تحيا في ذلك المخيم الذي يكبر وتمر عليه الحروب، الـ67 والـ73، ثم يأتيه شهداء سقطوا في حصار بيروت 82. ثم يعود الأبناء الذين كانوا في الكويت محملين بقصص الحرب التي شهدوها هناك. ثم اشتعلت الحرب في العراق وقضينا وقتًا طويلًا مع العراقيين الذين لجأوا إلى سوريا، ومنها مخمينا، وهكذا حتى قامت الثورة وصارت حربًا، فتركنا الجدة على سرير مرضها ومضينا إلى مخيمات منبوذة أكثر بآلاف المرات من مخيماتها الأصلية.

تركنا جدتنا، وضحة ابراهيم الأحمد، وهي ماتت، على الأغلب، بسبب ذلك الترك.

ماتت في اليوم الأخير من الشهر الأول في عام 2019. وبذلك أكملت قرنًا كاملًا من الزمان العربي الذي لم يكن أكثر من نكبات.

في مكان ما، في يوم ما، والأمكنة الغريبة تجعل الأيام غريبةً، حلمتُ أن وشم الجدة سقط من وجهها. حملته بين يدي وركضت في المخيم حتى وجدتها تجالس صاحباتها يشربن الشاي ويدخنّ، ودون أن تنتبه أعدت الوشم إلى مكانه مرة أخرى.

ظلَّ هذا الكابوس يعيد نفسه لفترة طويلة حتى أنني اعتدت عليه، وصرت خلال النهار أتفقد يدي إن كانتا تحملان وشم الجدة، وحين سقط نظام الأسد وسنحت فرصة القيام بالرحلة الأكبر في حياتي، كان قبر جدتي وضحة هو الهدف الأول.

عرفنا أنها دفنت في قبر جدي الذي توفي بداية ثمانيات القرن الماضي، لأن مقبرة المخيم امتلأت، وبات الناس يفتحون العبور القديمة ويضيفون إليها أجسادًا جديدة.

في مخيمنا مقبرتان كل منهما في جهة، وكل منهما تُسمى على اسم الجهة التي تقع فيها، وأنا قصدت المقبرة الغربية. أعرف المكان عن ظهر قلب. وبما أنني أعرف مكان قبر جدي القديم ظننت أنه يكفي أن اتجه إلى الجهة التي أعرف أنه فيها، لكن الأمر لم يكن سهلًا بسبب كثافة القبور الجديدة وتغير شكلها، بل وتغير نمطها أيضًا. بحثت كثيرًا وقرأت اسم عائلتي على أكثر قبر لم يكن المنشود. درت بين الشواهد بسرعة. السرعة واللعنة أشعلتا في الخوف: ماذا لو لم أجده؟ ماذا لو انني بقيت أبحث في هذا المربع الصغير بلا طائل؟ 

ومن امتزاج الشوق بالخوف، راودتني فكرة وسرعان ما اقتنعت فيها، أن الوشم الذي يسقط في كوابيسي هو القبر، وأنني الآن أعيش تفسير المنام اللعين.

كانت بنية السرد في الكابوس أسهل: يسقط الوشم فأجدها وأعيده إلى وجهها. لكن كيف أحل الأمر بأن يسقط القبر؟ وكيف ستكون لي قوة تجعلني بعد أن أجد الجدة أن أضعها بيدي في القبر مجددًا؟

وصلت إلى القبر مثقلًا بلهاثي وضربات قلبي المتسارعة. وبمجرد أن قرأتُ اسمها فقدت السيطرة على نفسي وبكيت. نظرت حولي وارتحت لخلو المكان فتركت بكائي يعلو ويعلو، إلى الحد الذي تحتاجه روحي الشقية كي تستريح.

لمست اسمها المحفور على الرخامة البالية وشعرت بأنني ألمسها هي نفسها، ففي ملامسة انحناءات ومستقيمات الحرف المحفور ما يشبه ملامسة تجاعيد وجهها الأليف المبتسم.

بكيت طويلًا. بكيت كثيرًا. قرأت الفاتحة على روحها، وروح جدّي مع أني لا أعرفه كثيرًا. أخرجت قرآنًا من موبايلي وتلوت بصوت جهوريّ الآيات القديمة التي كان أبي وأعمامي يطلبون مني قراءتها على قبر الجد، لأنني ولد شاطر: "سبحان الذي خلق الأزواج كلّها ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون. وآيةٌ لّهم اللّيل نسلخ منه النّهار فإذا هم مّظلمون. والشّمس تجري لمستقرٍّ لّها ذٰلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدّرناه منازل حتّىٰ عاد كالعرجون القديم".

أغلقت القرآن الإلكتروني وفكّرت كم أن الظلم الذي ذاقته يشبه ما ذاقته هذه البلاد! تركت بلادها. تركها جدي. تركها أولادها وسافروا للعمل. ثم تركها الجميع ورحلوا إلى البلاد الباردة كما وصفتها في اتصالاتنا الأخيرة والقليلة معها. والمشكلة أنها عاشت طويلًا إلى حد أن تلك السنوات بدت عقابًا بلا ذنب.

نهضت وألقيت نظرة الوداع، تجوّلت بين القبور الأخرى وبكيت على عمي الذي لم أشهد جنازته. وعلى عمتي التي شهدت جنازتها.

فتحت كاميرا الموبايل ولم أكن أعرف لماذا أفعل ذلك، لكنني أردت أن أحتفظ بهذه اللحظة. نظرت إلى الشاشة، كنت أقف هناك، أمام القبر، وانتبهت إلى شيء غريب: وضحة انتصرت أخيرًا، باتت الآن مع الرجل الذي أحبته طوال حياتها، رغم كل شيء. إنها معه. انتصرت عليه ميتة.

غادرت المقبرة مرددًا الآية التي عادت وعلقت في رأسي: "سبحان الذي خلق الأزواج كلّها ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون".

هل يمكن العودة حقًا؟

أمران واجهاني منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها إلى بيتنا: قط قبيح وشجرة مقطوعة. 

مع أني أحب القطط والأشجار وأدعي القابلية لفهم شخصياتها المعقدة. إلى جانب أن لدي هواية بسيطة تقوم على تصوير كل القطط في المدن التي أزورها، وانتقاء أكثر الأشجار تميزًا لتصويرها وجمعها في ألبوم خاص. 

غير أن القط الذي استقبلني في حديقة بيتنا بدا غريبًا للغاية. في ملامحه شراسة مقلقة. جعلتني أفهم أنه يحمل رسالة: في هذا المكان ينتظرك الكثير من التعاسة فانجُ بنفسك منه، ولا تدخل متاهة لن تعرف كيف ستخرج منها.

ثبّت القط نظره ليس كأنه يعرفني من قبل وحسب، بل كأنه كان هنا طوال هذه السنوات كان ينتظرني أيضًا. تحرّك ببطء، ثم التفت إلى الجهة الأخرى ولم أبال بذلك بل ركزّت فيه لأفهم ما الذي يحمله. وبإلهام مفاجئ نظرت إلى الجهة التي ينظر إليها، فرأيت شجرة الأَكِّيدنيا المفضلة عند أفراد العائلة مقطوعة. 

نظرتُ إلى القطّ وفهمت أنه ليس مجرد قط شنيع، وبدّلت نظري بينه وبين جذع الشجرة المقطوع، وتذكرت أن تلك الشجرة لم تكبر كثيرًا بالنظر إلى عمرها الطويل في منزلنا، كأنها أصيبت بنقص في النمو، ومع أن ثمارها اقتصرت على بعض الثمرات القليلة لطالما تسابقنا إلى أكلها. 

الشجرة مقطوعة الآن. اختفى كل شيء ولم يبق سوى ظل جذعها كعلامة موت.

ما الذي فعلته حتى أدخل وأجد هذه العلامات في انتظاري؟ وما الذي يقوله العارفون بشؤون العلامات عن قط قبيح وشجرة مقطوعة في منزل هجره ساكنوه بسبب حرب؟

لم أشغل نفسي بالأمر وقتها لترجيحي أنها مجرد مصادفات. كما أن شوقي ورغبتي في التجول في الحديقة والبيت عطّلا أية إمكانية ممكنة لفهم الغموض. 

مع أن البيت كالح وحزين إلا أنه لا يزال على حاله. واضح أن حديقته لم تُسق من غير المطر. وأن ترابها لم يُقّلب منذ خروج آخرنا قبل عشر سنوات. وأن البقعة التي كنا نستعملها للجلوس وشرب الشاي في أماسي الصيف باتت تحتاج إعادة بناء فالإصلاح غير ممكن.

مشيت إلى قرب إحدى أشجار الزيتون. وتذكرت أن أجمل فيديو أحتفظ فيه للجدة صوّرته هنا بصحبة أخي مهند. 

وعدت أركّب تلك الصورة المجازية التي تربط الجدات بأشجار الزيتون، ووجدت في لحظة إشراق روحية أنني أحب هذه الصورة، وأن واحدة من المجازات غير القابلة للاستنفاد. وذهبت إلى أبعد من ذلك إلى حد اعتبار أن عيون الفنانين الفلسطينيين التي قدمّت مقاربات لهذه الفكرة كانت على حق، لما تراه وتجتهد كي تُريه، فلا يوجد ما يشبه الجدة أكثر من شجرة زيتون، سواءً في حقل مفتوح على اتساع البراري أو في حديقة بيت يُحدّده سياج أو سور.

عاودت عيوني الاصطدام بالقط القبيح والشجرة المقطوعة، فبدأت آخذ الأمر على محمل الجد، وأنها ليست مجرد مصادفات. خصوصًا أن المشهد لا يبدو هو نفسه. هناك شيء مختلف. لم أكن متأكدًا منه بالضبط. الشجرة المقطوعة أقصر قليلًا مما كانت عليه قبل دقائق، والقط أجمل بكثير ممّا بدا عليه أول وصولي.

أخذتني الأفكار الصاخبة إلى اليوم الذي جلب فيه أبي ترابًا للحديقة. وكنت صغيرًا إلى الدرجة التي سألته فيها لماذا تجلب ترابًا من مكان آخر وفي الحديقة تراب أصلًا؟ وأخبرني أن التراب الجديد أفضل للزراعة.

صدّقته ليس لأني اقتنعت بالقضية، بل لأن العمل على التراب الجديد وتوزيعه والعناية به منحنا أيامًا ممتعة. 

في صغرنا، نُحبّ تلك المخالطات التي تجمعنا مع الأرض، لعبًا أو عملًا، والتي تصرّ أمهاتنا على اعتبارها لا تجلب لهن إلا الوساخة. ونفهم بعد وقت طويل أن التراب ليس وسخًا. إنه ليس مادة عالقة بأيدينا وتحت أظافرنا، ولا هو البقع فوق ملابسنا، بل هو جلدنا لو فكرنا بالأمر. وهو شيء أكثر أصالة ونظافة من كل الأماكن المصقولة واللامعة في كل المدن.

حين نكون صغارًا نكون أكثر إصرارًا على الارتباط في التراب، ونحارب أمهاتنا اللواتي يردن فصلنا عنه. لكننا الآن يمكن أن ندرك كم كنا سذجًا إلى درجة أنّ هراء أمهاتنا كان كافيًا ليجب عن كل أسئلة العالم عندنا.

أمي التي طالما أصرت على نغسل أيدينا من التراب بعد كل يوم لعب، هي أكثر من يختصر سوريا التي تتذكرها بكلمة "تراب"، فتقول: تراب سوريا، تراب البيت، تراب القبر. غسلتنا من كل التراب القديم وخزّنته في ذاكرة كلماتها لينفجر في المنفى كمجاز أكثر ما يقهره، إنه يعرف أنه لا يريد أن يبقى مجازًا؛ فالتراب عند أمي لا يريد أن يكون لغةً، بل أن يكون حفنةً تُغرف باليد، حتى لو تحت المطر، أي في تلك الحالات التي كانت في الماضي تسبب لها الجنون حين نتلوث به.

الشجرة أقصر، والقط أجمل. مشيت نحوها ولمست جذعها. وجدته باردًا رغم حرارة شمس ذلك اليوم. في تلك اللحظة، سمعت صوتًا خلفي. لم يكن صوتًا واضحًا، بل مجرد همهمة، كأنّ شخصًا يتحدث بصوت خافتٍ من وراء إحدى النوافذ. استدرت بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد سوى القط القبيح الذي لا يزال يواصل النظر إليّ بالطريقة ذاتها.

قلت في نفسي: هل يحاول البيت يحاول أن يقول لي شيئًا؟ هل المكان يرفضني ولا يريدني أن أكون فيه؟ 

صعدتُ الدرج إلى غرفتي. هناك كتبي التي لها قصة كبيرة ترتبط بالغربة والثورة والاستبداد، فهي نُقلت من مكانها وعادت في غيابي. وهذه قصة سأرويها بعد قليل. 

وحيدًا في المنزل شبه المهجور وعليّ تذكر وجوه عائلتي وذكرياتنا، وخصوصًا أخي محمد الذي تركناه هنا وغادرنا إلى البلاد الأوروبية. استعدتُ مقطعًا شعريًّا كتبته عنه وكنتُ أظن أن الشعر يُكتب كي نتخلص من العذاب لا كي نتذكره ويصبح استحضاره نفسه وسيلة تعذيب:

"لو سرنا معًا لوصلنا

لكنّ هكذا...

كأننا تخلّفنا عن المسير!

أو كأنك غيّرت المسار!

فها نحن الآن

كلٌّ ينوء بعُقد الذنب

نقول: تخلّينا عنه! خنّاه!

تقول: أضعتهم! ضيّعتهم!".

لا أزال على يقين يا حبيبي بأننا لم نصل معًا إلى بلادنا الجديدة لأننا لم نسر معًا. أحدنا أراد أن يكون سريعًا، أو ربما رغب بأن يكون بطيئًا ويسير الهوينا. ولهذا فقدنا بعضنا البعض وافترقنا وضعنا وضاع منا الطريق.

سمعت أصواتًا غير واضحة. داخلتني شكوك أنهم في الغرفة القريبة من الحديقة. خفت حين خطر لي أن أنظر من النافذة إلى الداخل، لأنني كنت واثقًا أنني سأرى الجميع جالسين على سفرة الغداء.

لا أريد اللعب مع الأزمان المتوازية. ولستُ في وضع يسمح لي برؤية الماضي سائرًا ببراءته المعهودة إلى جوار هذا الحاضر المثقل بمعرفة مليئة بالفجائع.

أكّدت لنفسي أنهم ليسوا هنا، وأن ما يأتيني مجرد أوهام من هول الصدمة بالتعاسة التي الصارخة التي وصل إليها حال البيت في غيابنا، وكأنه يطبّق عبارة الشاعر: "البيوت تموت إذا ما غاب سكانها". 

نعم، نحن ارتكبنا هذه الجريمة وتركنا بيتنا يُحتضر، وظلّ يواصل احتضاره حتى مجيء أول شخص من سكانه، وهو يفعل ذلك عن قصد لأنه يريد معاقبته على تركه وحيدًا، وعلى هجرانه، فاحتفظ ببعض الحشرجة حتى يطعن بها ثقة أوّل الواصلين. وربما لهذا السبب ظهر القط القبيح؟ أيكون هذا القط هو البيت نفسه؟ 

كل تفصيل في بيتنا بدا قادمًا من الموت: الغبار، والشحوب، والطحالب، والرطوبة.. كل شيء ميت أو يشير إلى الموت. حتى خصوصية ذكرياتنا تلاشت. فالآن هناك ذكريات لأشخاص آخرين هنا بعد أن سكنوا بين الجدران التي كان علينا أن نكون بينها، وشربوا الماء الذي كان علينا أن نشربه.

درت حوله. من الجهات الثلاث التي تسمح بهذه الدورة ووجدته تعيسًا كمريض، دخلت الباب وصعدت الدرجة إلى غرفتي. أدرت المفتاح في الباب. رأيت مكتبتي التعيسة فانفجرت بكاءً. 

لم تكن الغرفة كما تركتها. هناك شيء مكسور فيها، ولا أعني بالضرورة نافذة أو بابًا او جدارًا، بل أعني أنها بدت مشابهة للأوابد القديمة، تلك الأمكنة التي نزورها ونحن ممتلئون بعظمتها فنتحدث قبالتها عن حاضرة مملكة عظيمة، أو قلعة شهدت حروبًا وغزوات، مع أننا فعليًّا نقف أمام أكوام حجارة وحسب، وكل ما يجعلنا نصاب بتلك الرهبة هو الحكاية التي نحملها عنها.

لا أعني أنني دخلت قلعة مدمّرة أو مملكة مستباحة. لم يكن ذلك شعوري بالضبط. بل وجود فرضية مرعبة توسوس في رأسي بأنني ربما متوهم وأنني لست من هنا. وأن هذه الرفوف والكتب ليست لي، بل هي مجرد تشويش ذهني. 

وقفت في منتصف الغرفة باحثًا عن دليل قاطع بأنها غرفتي، لكنني لم أجده. 

بكيت مرة أخرى من أنني لم أشعر بالانتماء إلى الغرفة كما يجب. كنت كافرًا يدخل ليسخر من آلهته في المعبد القديم. 

هناك خطأ لا أستطيع تحديده في هذه الغرفة: الكتب في أماكنها، الألوان كما أذكرها، إلا أن شيئًا ما لا ينتمي لي. ربما لم أكن هنا يومًا وكل ما يمرّ في رأسي مجرد خيالات، أو ربما لم أخرج من هنا أبدًا وكل ما يراودني عن العودة هو مجرد أعراض لمرض نفسي لا أعرف أنني مصاب به.

كثير من هذه الكتب موجودة في كثير من الأماكن الأخرى، ولا أعلم لماذا لدي إصرار على الحصول عليها، حتى بعد ان تمت مصادرتها من الشبيحة!

رأيت أمامي كتابًا أهدتني إياه فتاة أحببتها كتبت على رواية أهدتني إياها: "لن أتمكن من إهدائك إهداءً كهذا في أحد كتبي التي أصوغها في أحلامي الآن. لذا أستطيع أن أكتب لك بالقلم على الصفحة البيضاء الأولى، لأن إهداء رائد سيكون مطبوعًا في إهداء المؤلف، كي تتوزع محبتي لك على كل القراء".

ولأصدّق تلك النبوءة العظيمة قابلتها عند محطة الباصات المركزية في هامبورغ، وبالكاد قالت لي مرحبًا كأن الإحراج عقد لسانها، ليس لأنّ ما دفعها لكتابة تلك سطورها القديمة بتلك العاطفة الجياشة لم يعد موجودًا، بل لأنها هي ذاتها صارت شخصًا آخر على الأرجح، شخصًا يخجل من رؤية نفسه القديمة تنعكس في عيون اعتقدت أنها لم تتغيّر. هذا ما كنت سأحبّه وأقدره أكثر من شعورها بالحرج الذي لم يبدُ منطقيًا.

هل الإهداء لي حقًا؟ كأن هذه الكلمات تخصّ شخصًا آخر، فهي وعد بشيء لم يحدث، وكلام عن حب تلاشى بين الأماكن البعيدة. 

أغلقت الكتاب، ولم أعرف إن كانت هذه الصفحة ذكرى جميلة، أم مجرد بقايا حب ميت، مني ومنها معًا. فالذي يقرأها الآن لم يعد ذلك الشخص الذي اعتبرها أيقونة حب في 2010.

لكن تشويشًا يضغط على عقلي يُفقدني صلتي بالمكان. بكيتُ كثيرًا مرّةً أخرى. ولم أفهم لماذا أبكي. 

اتصلت بعائلتي لأنني شعرت بالوحشة أمام هذا الحزن. في سنواتي الأربعين شعرت أنني طفل تركته أمّه وحيدًا في البيت ولم يعد متأكدًا من أنها ستعود لتكون معه مرة أخرى.

اتصلت على مجموعة العائلة. عندما سمعتهم شعرت أنني لم أعد وحدي. راحوا يبكون معي على الفور. كنا موزعين على أربع دول، لكن في تلك اللحظة، كنا جميعًا في الغرفة معي، نبكي معًا على شيء لم نفهمه تمامًا، لكننا جميعًا شعرنا بأننا كما كنا دائمًا في مأتم مفتوح لفرد من العائلة وبيت وبلاد.

صحيح أن لحظات الشقاء تصرُّ على أن تكون طويلة لكنها رغم صعوبتها كانت كافية لأهدأ بعد الاتصال. أعادوني رغم قسوة ما قالوه ما صرخوه إلى حقيقة أنني غريب عائد ولست مريضًا يتوهم.

قمت وبدأت أعمل على الهدف الذي جئت من أجله. أنا هنا لأجل بلدي وبيتي وأشيائي. 

فقدَتْ المكتبة ترتيبها، وكان هذا أوّل ما انتبهت إليه، الشبيح الذي أخذها مرتبة بحسب المواضيع والأنواع أعادها كيفما اتفق لكنه حافظ على أمر واحد: الغبار.

كنت أريد الحصول على هذه الكتب بأيّ ثمن. أعرف أنني أستطيع أن أجدها في أي مكان آخر، لكنها ليست مجرد كتب؛ إنها نسختي منها، إنها الحياة التي كنت أملكها. هذه ليست روايات ودواوين شعرية بل هذه سجلاتي الخاصة، وكل صفحة فقدتها كانت جزءًا مني تم مصادرته من دمي وأيامي. الآن، وأنا أراها مجددًا، أشعر أنني أستعيد جزءًا مني، حتى لو كان مغطىً بالغبار الأسود.

(أجزاء من نص طويل)

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

جيفري إبستين

تسريبات جيفري إبستين: بُنى السلطة والمال والجيوبوليتيكس

يقدّم المقال قراءة تحليلية قائمة على ملفات جيفري إبستين، تكشف كيف تُنتج الشبكات المؤسسية المعقّدة فراغًا ممنهجًا في المساءلة، دون افتراض تواطؤ شامل، عبر تداخل المسارات القانونية والمالية والاجتماعية والإعلامية

مهيب الرفاعي

هندسة العتمة
هندسة العتمة

ضوء على المقاس: الكهرباء الإسرائيلية بوصفها هندسةً للعتمة في فلسطين

يتتبع المقال سياسات الإنارة والكهرباء في المناطق العربية الفلسطينية، منذ اللحظة الأولى لدخول التيار الكهربائي إلى البلاد، مرورًا بالنكبة فالنكسة، وما صاحبهما من استثمارٍ إسرائيلي في شبكات البنية التحتية كأدوات ضبط وهندسة

سجود عوايص

ثورة بلا إنترنت

ثورة بلا إنترنت في إيران: من قمع الشارع إلى إدارة الذاكرة

يتناول المقال فكرة قطع الإنترنت خلال الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، منطلقًا من أن الشبكة لم تُطفأ خارج إيران، إذ الدولة التي تتحكم بالجغرافيا لا تتحكم بالزمن العالمي، لتتشكل ظاهرة موازية: ثورة بلا إنترنت في الداخل، وثورة فائضة بالإنترنت في الخارج

حسن زايد

مرثيات وخوارزميات

مرثيات وخوارزميات: ثقافة الموت على منصات التواصل الاجتماعي

يناقش المقال من خلال الأبحاث العلمية وآراء متخصصين في مواقع التواصل الاجتماعي والأدب الرقمي، بعض أبرز التغييرات التي فرضتها مواقع التواصل الاجتماعي على ثقافة الموت

أحمد مستاد

تترقب شعوب القارة السمراء ما ستحمله القمة المقبلة للاتحاد الإفريقي (ميغازين)

تجريم الاستعمار في إفريقيا.. صراع قانوني أم مواجهة سياسية؟

يناقش المقال بحث قمة الاتحاد الإفريقي إصدار قانون يجرّم الاستعمار ويطالب بالتعويض، في خطوة تاريخية لمحاسبة القوى الاستعمارية واستعادة حقوق الشعوب الإفريقية المتضررة من جرائمها التاريخية القديمة

عبد الحفيظ سجال

المزيد من الكاتب

رائد وحش

كاتب وشاعر فلسطيني - سوري

ريبربان: تاريخ ألمانيا الحديث في شارع دعارة

يقف ريبربان كعلامة متطرفة على الحرية في قلب حي سانت باولي، معقل اليسار في مدينة هامبورغ، الذي يجذب النشطاء والحركات البديلة ويرحّب بالثقافة المضادة للنظام الرأسمالي

الشهادة والشهداء.. الموت من المقدس إلى العادي

كيف ولد مفهوم الشهيد وكيف تطور عبر الزمن؟ وهل كل من يموتون في الحروب شهداء؟ وهل الشهيد شخص عادي أم أسطوري؟

لبنان.. صُور ومرايا بلدٍ يصر على مواصلة الحياة

يعكس لبنان فوضى وتعقيدات وهشاشة المنطقة، وتظهر فيه كل مفارقاتها

من يمتلك الإنترنت؟

تقول ولادة شبكة الإنترنت الكثير من ناحية تحولها إلى مجال للسيطرة والربح، خصوصًا حين نضع نصب أعيننا أنها استراتيجية اتصالية أميركية

المرآة.. عين العالم الكبيرة

تتجاوز علاقتنا بالمرايا مجرد رؤية ذواتنا إلى رمز فلسفي يعكس الهوية ويفتح باب التساؤلات حول الغامض والمجهول

حين صارت الطبيعة غنيمة.. القصة المظلمة لحدائق الحيوان

تقع حديقة الحيوان في قلب خارطة قهرية. رسمناها وصمّمناها وبنيناها بأنفسنا، وعلى مدار تاريخ طويل.