ultracheck
العمارة والسلطة

العمارة والسلطة.. كيف تصوغ الحجارة وجوه القهر والهيمنة؟

5 يناير 2025

"العمارة هي السياسة"

(ميتشيل كابور)

 

القاسم المشترك بين السلطات المختلفة هو الاهتمام بالعمارة، وتحديدًا الأبنية التي ترتبط بأنظمة الحكم، إذ إن أحد أهداف بناء المباني الضخمة هو إبراز قدرة الدولة وقوتها، كما أن الحاكم يريد أن يعكس قوته وسطوته وأيضًا مدى بطشه بمثل هذه الأبنية، التي تروّع المارين بجوارها. فالهندسة المعمارية، كما يقول الخبراء، تعكس القوة السياسية المؤثرة على النظام الاجتماعي للمواطنين، كما تعكس أيضًا الصورة التي يود الحاكم زرعها في المواطنين وتصديرها عن نفسه للخارج، حيث كانت الهندسة المعمارية وسيلة من وسائل إخضاع المحكومين للحاكم بشكل غير مباشر.

 

العمارة كتجسيد للقوة

على مدار التاريخ والعلاقة بين السلطة والعمارة علاقة وثيقة، فالسلطة تتخذ من العمارة وفنونها آلية لتجسيد قوتها وجبروتها. وفي الوقت ذاته، تعطي علامات وإشارات للرعية بضآلة حجمهم في مقابل حجم السلطة، وإن أي اجتراء على السلطة سيُقابَل بقوة مفرطة تضاهي قوة وضخامة مبانيها، التي تُمارس أجهزتها عبرها الحكم. وبناء على هذه العلاقة الطردية بين السلطة والعمارة، أولى الحكّام على اختلاف أيديولوجاتهم وجنسياتهم وأعراقهم عناية فائقة بتشييد المباني التي تُكرّس لسلطتهم من جهة، وترهب الرعية قبل الأعداء من جهة ثانية، فكانوا بمجرد وصولهم إلى سدة الحكم، سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية مثل التوريث أو الانتخاب وغيرها، حتى يشرعوا في تأكيد الانفصال عن دائرة سلفهم.

أول آلية للخروج عن دائرة حكم أسلافهم وتأكيد استقلاليتهم، هي تشييد عواصم جديدة لملكهم وما تتطلبه من بناء قصور جديدة تُسجّل لإنجازاتهم، وتثبّت لدعائم ملكهم، وتكتب فصلًا جديدًا لحقبة مغايرة لها ما لها وعليها ما عليها. فالفراعنة - على سبيل المثال -  لم يستقروا في عاصمة واحدة، بل شيدوا عواصم مختلفة مع كل مرحلة من مراحل حكمهم، بدءًا بـ"أون" (عين شمس) ومنف وطيبة وهيركليوبوليس (أهنسيا حاليا) وأواريس، ونباتًا وغيرها من عواصم ترتبط بقدم الدولة وحداثتها تارة، وبقوتها واضمحلالها تارة ثانية.

وبالمثل في عهد الدولة الإسلامية التي بدأت بالمدينة ثم الكوفة في مرحلة لاحقة، مرورًا بدمشق وقرطبة في عهد بني أمية، وصولًا إلى بغداد التي أسسها الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور في عهد بني العباس إلى أن سقطت على يد التتار 1258، والقاهرة أيام حكم الفاطميين. وفي عهد العثمانيين، تعددت عواصم بني عثمان بدءًا بـ"سووت" في مدينة سكاريا، ثم بورصة وأدرنة وصولًا إلى القسطنطينية التي اختارها محمد الفاتح مقرًا للحكم منذ فتحها، وأنشأ فيها قصر طوب كابي ليكون مقرًا لحكمه عام 1462، وقد استغرق بناؤه ست سنوات، وهكذا شرع كل حاكم في بناء عاصمة لخلافته، وما ارتبط بها من قصور ومبانٍ وحدائق وجوامع لتكون مدينة متكاملة تتفوق على سابقتها في الحصانة والقوة والجمال. 

ومع كل هذا الاهتمام والولع بالتشييد والبناء، إلا أن أبا العتاهية في قصيدته لهارون الرشيد عندما بنى قصرًا عظيمًا، ودعا الحكماء والشعراء لافتتاح القصر، هدم هذه الرغبة الأصيلة للحكام في الافتخار بتشييد القصور، بتذكرته بنهاية المآل، في قصيدته التي ألّبت الحضور عليه:

عش ما بدا لكَ سالمًا

 في ظل شاهقة القصور

يُسعى عليك بما اشتهيت

 لدى الرَّواح أو البكور

فإذا النفوس تغرغرت

 بزفير حشرجة الصـدور

فهناكَ تَعلم مَوقنًا

 ما كنتَ إلا في غرور

 

إسراف هنا وتقتير هناك 

أول شيء يؤخد في الاعتبار عند بناء وتشييد العواصم وما يحيط بها من قصور هو اختيار المساحات الكبيرة والبعيدة عن الأماكن المأهولة للسكان، وأثناء التخطيط لا يهم أن خزينة الدولة تسمح بمثل هذا البذخ أم لا، الشيء المهم الوحيد هو كيف تظهر صورة الحاكم أمام ضيوفه، وكيف يرهب الأعداء في الوقت ذاته. لذا، اضطر كثير من الحكام إلى الاستدانة وتعريض خزانة الدولة إلى الإفلاس، بسبب حالة البذخ التي أرادوا أن يظهروا بها أمام الجميع بمظاهر تفوق إمكانات خزانتهم، والتاريخ شاهد على هذا كثير من السرديات التي تظهر حالات الإفلاس التي وقعت فيها الدول نتيجة لمثل هذه السياسات، وحكاية قطر الندى ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون حاكم مصر الذي أمر ببناء قصور لابنته العروس ما بين القاهرة وبغداد تنزل فيها، أثناء رحلتها إلى عريسها، وكانت القصور مُجهزة بكل ما يلزم العروس من وسائل الترفيه كي تشعر أثناء سفرها بأنها لم تغادر قصر أبيها في القاهرة.

حكاية الترف التي ظهر بها موكب قطر الندى، سواء عند رحيلها من مصر، أو عند وصولها إلى بغداد، حيث أقيمت لها احتفالات لم تشهد بغداد مثلها على امتداد تاريخها؛ هي نموذج لحالة الترف والبذخ التي يريد أن يظهر بها الحُكّام دون مراعاة أولويات شعوبهم، أو حالة الدولة الاقتصادية التي يحكمونها. 

المهم هو تحقيق أحلامهم العريضة بالامتلاك والزهو، وهي لا تقل أهمية عن الاعتناء بالقصور وتشييد أروقة الحكم بما يعكس سطوة وسلطوية الدولة، حتى ولو حملت بعض هذه القصور لعنة لساكنيها على نحو قصر محمد علي المسمى بـ"قصر الفسقيّة"، نسبةً لوجود نافورة كبيرة به، وقد بناه الوالي على نمط جديد من العمارة على طراز "قصور الحدائق" الشائع في تركيا على شواطئ البسفور، واختار له منطقة شبرا، وهي منطقة مترامية الأطراف بعيدة عن مؤامرات المماليك ألد أعدائه السياسيين، وأيضًا بعيدة عن سكان مصر المحروسة كي لا تثيرهم مظاهر البذخ والثراء، فيشعرون بالسخط والغضب.

وقد استغرق بناء القصر حوالي ثلاثة عشر عامًا، تمت على مراحل مختلفة، بدأ بناؤه في عهد محمد علي، ثم استمرت في عهد خلفائه من أبنائه، وكان القصر أعجوبة زمانه؛ حيث تمت إضاءته بغاز "الاستصباح" على يد المهندس غالوي سنة 1824، وهو الغاز الذي عرفته أوروبا قبل ذلك بسنوات، واستعان محمد علي في بنائه بفنانين من فرنسا وإيطاليا واليونان والأرمن لزخرفة قصره، فجمع القصر بين الأسلوب الأوروبي في الزخارف، وبين روح العمارة الإسلامية في التخطيط. 

والقصر بني بروح المسجد، كما ضم الكثير من التحف والأثاث الفاخر الذي جُلب خصيصًا للقصر، ومع البذخ الذي بدا عليه القصر، إلا أنه كان شؤمًا على صاحبه، فقد استقبل فيه جثة ولده الأمير طوسون، وفيه شهد الخلافات مع ابنه إبراهيم، فلم يكن بأية حال من الأحوال مأوىً للاستقرار كما نشد محمد علي، بل شهد الكثير من الصراعات، ومنه خرجت الحملات التأديبية، والفرمانات القاسية.

 

قطعة من أوروبا

حالة البذخ التي بدأها محمد علي في الإنشاء والتشييد استمرت مع أبنائه لاحقًا، فالخديوي إسماعيل أراد مصر أن تكون "قطعة من أوروبا". وقد كان عصره كما يقول عبد الرحمن الرافعي في كتابه "عصر إسماعيل"، نهضة زاهرة يزدان بها تاريخه، فعني بتنظيم الجيش وترقية التعليم الحربي، وإنهاض البحرية المصرية، وإقامة العمران في مختلف النواحي، وبعث النهضة العلمية والفكرية من مرقدها، بإنشاء المدارس والمعاهد وتأسيس الجمعيات العلمية وتشجيع التأليف والصحافة، ورعاية العلوم والآداب والفنون.

كما أسس نوعًا من الحياة النيابية بإنشائه مجلسًا محدود السلطة بعرف بمجلس شورى النواب، كان له الأثر البالغ في تطوير الحركة الوطنية، لكن هذه النهضة قد تعثرت لما شَابها من إسراف الخديوي وبذخه، وركونه إلى الأوروبيين، كي يظهر بمظهر المترف؛ فاستدان، وهو ما كان الذريعة التي توسلت بها الدول الأجنبية لتعبث بحقوق مصر، وهو ما تعددت مظاهره من إنشاء صندوق الدين، إلى فرض الرقابة الثنائية على مالية مصر، إلى تعيين وزيرين أوروبيين في الوزارة المصرية، وهو الأمر الذي أثار الحركة الوطنية، فتكونت حكومة شريف باشا (نيسان/أبريل 1879)، وهي أول حكومة أنشأتها الحركة الوطنية في تاريخ مصر خلت من العنصر الأجنبي، وهو ما لم تنظر له الدول الاستعمارية - والمدِينة - بعين الرضا.

وبالفعل، بدأت محاولات إحباط الحركة الوطنية والاعتراض على أول مشروع مالي للوزارة الوطنية، فاستجاب لها الباب العالي في النهاية بخلع الخديوي عن عرشه، وتم إسناد منصب الخديوية إلى توفيق باشا (حزيران/يونيو 1879). وقد وصل به الحال نتيجة الاستدانة المفرطة إلى العجز التام عن سداد مرتبات موظفيه الشهرية، علاوة على عجزه عن الوفاء بمطالبات بعض الدائنين الأوروبيين مقابل بعض التوريدات المستقدمة لوزارة الحربية، وقد وصف المؤرخ البريطاني - جون سيمور كي - حالة البذخ التي عاشها الخديوي إسماعيل، والتي انتهت به إلى عزله إلى وصفها بأنها "حكاية عار" أو "نهب مصر". وبالمثل يحكى التاريخ أن السلطان العثماني عبد العزيز عندما أراد أن يبني قصر "ضلمة بهجة" استدان وأفقر الإمبراطورية، وقد شغل القصر مساحة أكثر من خمسة وأربعين ألف متر مربع، ويضم مئتين وخمسًا وثمانين غرفة، إلى جانب ست وأربعين قاعة، إضافة إلى الحدائق الشاسعة، ويعد الآن من أهم متاحف إسطنبول السياحية.

الشواهد كثيرة لنهايات مفجعة لساكني القصور، وليس هناك أبشع من قصة مقتل الملكة شجرة الدر زوجة الصالح نجم الدين أيوب التي حكمت بعد موته من قلعة الجبل، وجيشت الجيوش، وأعدت الخطط، وحالفها النصر على الفرنجة في معركة المنصورة وأسر قائدها الملك لويس التاسع عشر، لكنها انتهت نهاية مأساوية كما تذكر كتب الحوليات، بأن ضَربتها الجواري بالقباقيب إلى أن ماتَت، وألقوها من سور القلعة إلى الخندقِ، وليس عليها سراويل وقميص، فبَقِيَت في الخندق أيامًا، ثم دفنت بعد أيام - وقد نتنت، وحُمِلَت في قُفة - بتربتها قريب المشهد النفيسي، ومع هذا يدور التاريخ دورته دون أن يتعظ أحد، وكأن مقولة ماركس "التاريخ يعيد نفسه" هي الحقيقة الباقية رغم قسوتها التي تشير إلى عقم العقليات التي تكرر مأساي التاريخ دون أن تأخذ العبرة والدروس ممن سبقوهم، وما وقع من أحداث أودت بممالك وعروش.

فكرة التحصن بالقصور والقلاع قديمة قدم نشأة الحضارات، فالقرآن الكريم يحكي لنا على لسان الهدهد قصة ملكة سبأ "بلقيس بنت شرحبيل"، وقد أوتيت من الثراء وأبهة الملك ما جعلها آية في عصرها، فكان لها قصر عظيم آثار إعجاب الهدهد فأبلغ سيدنا سليمان عنه، كما يقول الله عز وجل: "وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ 20 لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ {21} فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ{22}إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ{23}وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَددون{24}أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ{25}".

وقد كان يحتوي القصر على ثلاثمائة وستين نافذة من مشرقه ومثلها من مغربه، وقد تم تصميمه بحيث تدخل الشمس كل يوم من نافذة من جهة الشرق لا تدخلها باليوم التالي، وتغرب من مقابلتها بالجهة الغربية، فيسجدون للشمس كل يوم صباحًا ومساء. وعندما أمر سيدنا سليمان الجن ببناء قصر مماثل لقصرها قبل قدومها إليه، وكان الله سخر له الجن يعملون له ما يشاء من القصور الشامخة والصور المختلفة من النحاس والزجاج والرخام كما ورد في سورة سبأ (الآية 13)، حيث كانت رغبته أن ترى الملكة بلقيس عظمة ملكه وقوته، وبالفعل تم بناء قصر ضخم جعل صحنه، كما يقول مصطفى المراغي في تفسيره: "من زجاج أبيض شفاف، يجري منه تحته الماء، وألقي فيه دواب مخلوقات البحر من سمك وغيره" (تفسير المراغي، ج/19، ص144). هكذا أراد سيدنا سليمان أن يظهر قوته وعظمته، وأن يفوق بهما ما رآه الهدهد عند بلقيس، وكان له ما أراد، فلقد علمت أن "هذا ملك أعز من ملكها، وسلطان أعز من سلطانها". 

كما دعا فرعون وزيره هامان لأن يبنى له بناءً عظيمًا، ولكن ليس للاحتماء أو التباهي، بل لتكذيب دعوة موسى عليه السلام، كي ينظر إلى إله موسى بنفسه: "قَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ" (غافر 36). هكذا تغيرت وظيفة البناء /الصرح مع فرعون، وإن كانت لتأمين سلطته بعدما بدأ الناس يؤمنون بإله موسى ودعوته، وكأن بناء الصرح لتأمين ملكه الذي بدأ يتشتت بفعل انصراف أشياعه عنه، وإيمانهم برب موسى. وقد اتخذ فرعون من قصوره مصدر فخر وتجبر، واعتداد بما عنده، وتمرد على دعوة موسى، فكل شيء بين يديه، ومن ثم عندما أرسل الله سيدنا موسى إليه وإلى قومه بحججه القوية على صدقه وأنه مرسل من قبل الله، فإذا بفرعون وقومه يضحكون ويسخرون من هذه الحجج، بل ويتمرد ويتجبر وينادي في زهو وخيلاء قومه: "يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ" (الزخرف: 51) فها هو فرعون يتباهى بامتلاكه مُلْك مصر، وما تحويه من قصور وضياع، وتصرفه في جري الأنهار المنبثقة من نهر النيل تحت قصوره، فالقصور صارت لديه مصدر تباهٍ وتفاخر، ومن ثم يتساءل في استنكار: "أفلا تبصرون قوة أمري، وسعة ملكي وعظم شأني كما يقول الطبري".

 

العمارة في الدولة الإسلامية

ومع نشأة الدولة الإسلامية الأولى بمعناها العصري في عهد الرسول الكريم، عندما أسس أول مسجد له في المدينة، نجد أن الرسول الكريم مع هجرته وتأسيسه لمشروعه الإسلامي، كان أول شيء فكر فيه هو تأسيس مركز السُّلطة ومصدر تشريعاتها، هو المسجد، كما ضرب أروع الأمثلة في المحافظة على الملكليات الخاصة، فالأرض التي أسس عليها المسجد كانت مربدًا (وهو الموضع الذي يجعل فيه الزرع والتمر) ملكًا لسهل وسهيل الداري، وهما غلامان يتيمان من الأنصار، فأرادا أن يمنحاها هبة للرسول، لكنه أبى، واشتراها بعشرة دنانير، وهو درس بليغ أراد من خلاه أن يُرسي مبدأً عامًا يتمثل في ألا تجور الدولة (وأجهزتها) على الأملاك الخاصة، أيًا كان الهدف من وراء التخصيص، وهو الأمر الذي تغير في العهود اللاحقة، إذْ صارت الدولة/السلطة تضع يدها على ما تحتاج إليه من الأملاك العامة والخاصة، بحجة المحافظة على استقرار الدولة وحمايتها، أو تحت المسمى الحديث "المنفعة العامة"، ثم تلا هذا البناء بناء المسكن الخاص، والسوق والمصلى ودور الضياف، وتحصين المدينة، وهذه الأسس التي فرضها الرسول، صارت فيما بعد من أولويات فقه البناء العمراني للدول الإسلامية.

في المدن الإسلامية ارتبط الجامع بقصر الحاكم ودواوينه كما في المدينة الدائرية التي بناها المنصور، ثم انفصل المسجد بعد ذلك عن قصر الحاكم، ولم يعد يمثل مركز الثقل لوسط المدينة، وتضاءل دوره حتى صار عملاً من أعمال التفاخر عند الحاكم كما مارسه المماليك الذين بنوا المساجد في شمال القاهرة، أو كما تصوره محمد علي الذي بنى مسجد الكبير (خالد عزب، "التراث العمراني للمدينة الإسلامية" ص 51) .

بعد عهد الرسول، وحركة التوسعات والفتوحات الإسلامية في الأمصار شرقًا وغربًا، صارت الحاجة إلى بناء المدن ملحة، ومن ثم صار بناء المدن وعمارتها من الأشياء التي يُولي الحكام لها أهمية، فيبدأون في تخطيط المدن، ويختارون لها أفضل الأماكن. وقد هيمنت حالة من البزخ والرفاهية على الحكام وهم يُشيدون مقار حكمهم، فمعاوية بن أبي سفيان بالغ في الإنشاء والتوسع، عندما كان واليا على الشام، فشيد قصر الخضراء (نسبة  إلى القبة الخضراء التي كانت تعلوه) في دمشق، وأنفق طائل الأموال، وقد اتخذه مقرًا لإمارته على بلاد الشام (19 - 41هـ/ 639 - 661م) واستمر في الإقامة فيه بعد توليه الخلافة (41هـ/661م) وحتى وفاته (60هـ/679م).

ولم يكتف بالبناء والإنساء، وإنما عاش حياة السلاطين والملوك، فكان له موكب، وعندما زاره عمر بن الخطاب في الشام وكان استخدمه واليًا عليها، فرأى موكبه العظيم، فوصفه: "هذا كسرى العرب"، ولما سأله بعد أن علم بوقوف أرباب الحاجات مدة طويلة ببابه: "ولمَ تفعل هذا؟"، كان رده هكذا: "نحن بأرض جواسيس العدو بها كثير، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما نرهبهم به؛ فإن أمرتني فعلت، وإن نهيتني انتهيت". جاء جواب معاوية مكّارًا، وفي الوقت ذاته كشف أن هذه الرفاهية من وجهة نظر البعض، لها أهداف سياسية غير مباشرة، تتمثل في "إرهاب العدو، وإظهار عز وسلطة حاكم المسلمين، حتى لا يستضعفوه" وهي العبارة التي يستغلها شيوخ السلطة لتبرير ما يتم استحداثه من قصور، اتسمت هي الأخرى بالفخامة والمغالاة في الضخامة، فكان دفاعه عن أصحابها: بأنها "سلاح يظهر هيبة وعظمة، وقوة الدولة، وأيضًا سلاح تردع به الأعداء". 

ونظرًا لحالة الثراء التي ظهرت بها القصور أعطى المؤرخون أولوية للعمارة فيوضح القزويني الحاجة إلى المدن وما يحيط بها من منشآت، ومن ثم أخذوا:  "آراء الحكماء في ذلك  (الذين) اختاروا أفضل ناحية في البلاد، وأفضل مكان من السواحل والجبال، ومهب الشمال؛ لأنها تفيد صحة أبدان أهلها وحسن أمزجتها، واحترظزا من الآجام والجزائر وأعماق الأرض؛ فإنها تورث كربًا وهرمًا"، ولتحصين المدينة "اتخذوا للمدن سورًا حصينًا مانعًا، وللسور أبوابًا عدة حتى لا يتزاحم الناس بالدخول والخروج، يل يدخل ويخرج من أقرب باب إليه، واتخذوا لها قهندزا لمكان ملك المدينة، والنادي لاجتماع الناس فيه" (آثار البلاد وأخبار العباد، ص 8)

بقدر ما سعى القزويني لإظهار الحاجة إلى بناء المدن، إلا أنه في الوقت ذاته كشف عن التحولات التي أصابت السلطة، فالسلطة أخذت تبعد عن الرعية، بل وتتحصن منهم عبر أسوار وأبواب تحول دون وصولهم إلا بحجاب، يسمحون لمن يشاؤون بالدخول، ويمنعون من يرون خطرهم عن الوصول إلى الحاكم، وفي العصور الحديثة صارت المدن أشبه بيوتوبيا خاصة معزولة تماما عن الرعية، ومحصنة بالتكنولوجيا، بل ومعزولة في الصحراء، حتى يصعب الوصول إليها، ومقرونة بطرق ودهاليز سرية تُسهل الوصول إلى أماكن العبور أو الهروب، في حالات الخطر والتهديد، وأقرب تصور لهذه القصور ما حكي عن الرئيس السوري الهارب، الذي هرب من نفق تحت قصره، بعدما اقتربت المعارضة من العاصمة دمشق، وكأنه وهو يشيّد قصوره يخطط لمثل هذا اليوم، فانتقل عبر نفق سري أسفل قصره إلى مطار اللاذقية بأحميم حيث فر. هكذا لم تعد تكف الحصون والجنود والمتاريس التي تحصن هذه القصور، فينشون أنفاقًا وسراديب والبعض مطارات سرية لتسهيل عملية الهرب.

 

مدن خلف الأسوار

هل الأدب بمعزل عن هذه الإشكالية؟ بكل تأكيد لا. فبما إن الأدب يُجسد الواقع في كثير منه وإن أمعن مؤلفه في الخيال وكتابة رواية ديستوبية تتجاوز الواقع إلى آفاق المستقبل؛ فإن جذوره تنبع من الواقع بكل إشكالياته. فالمدونة السردية (الغربية والعربية) كشفت العديد من الصور عن جدلية العلاقة بين السلطة والعمارة، وكيف أن الأنظمة الدكتاتورية عادةً ما تقوم بالتحصن خلف الحجر، في اعتقاد بائس بأنه سيحميها من الشعب الذي تحصنت منه.

في رواية "1984"، لجورج أورويل، وصف الراوي وزارة الحقيقة أو "وزاحق" بهذه الكلمات: "كانت وزارة الحقيقة - "وزاحق" بحسب اللغة الجديدة - مختلفة اختلافًا صادمًا عما حولها ضمن مرمى النظر. إنها هيكل هرمي ضخم من الإسمنت الأبيض المتلألئ يعلو مرتفعًا، طبقة بعد أخرى، حتى يبلغ ثلاثمئة متر في الجو. ومن حيث يقف ونستون، كان يمكن أن يقرأ المرء شعارات الحزب الثلاثة مكتوبة على صفحة المبنى البيضاء بأحرف بارزة: 

الحرب هي السلام

الحرية هي العبودية 

الجهل هو القوة" (ص 8).

يستمر الراوي في وصف وزارة الحقيقة، فيقول: "كان في وزارة الحقيقة على ما يُقال، ثلاثة آلاف غرفة فوق الأرض، ومثلها تحت الأرض. إن في أنحاء لندن كلها ثلاث عمارات أخرى تماثلها، مظهرًا وحجمًا، وكان وجود هذه العمارات يقزم المباني التي من حولها كلها تقزيمًا تامًا، وكان المرء قادرًا على رؤية العمارات الأربع من فوق سطح مبنى النصر. تقع في تلك المباني مقرات الوزارات الأربع التي يتشكل منها جهاز الدولة كله (...) كانت وزارة الحب [وهي الوزارة التي ترعى القانون والنظام، واسمها وزاحب]  هي الوزارة المرعبة حقًا بين الوزارات كلها. وما كان فيها أي نافذة على الإطلاق، لم يدخل ونستون هذه الوزارة أبدًا؛ بل حتى لم يقترب منها أكثر من نصف كيلومتر".

يتابع الراوي: "كان الدخول إلى هذا المكان مستحيلًا من غير مهمة رسمية، وذلك عبر متاهة من دروب متشابكة محاطة بالأسلاك الشائكة والأبواب الفولاذية، ومكامن الرشاشات. بل إن الشوارع المؤدية إلى حدودها الخارجية، كانت مليئة بحراس كالحي الوجوه، ويرتدون ملابس موحدة سوداء، ويحملون هراوات مطعمة بالحديد" (ص 8-9).

هذه واحدة من الصور التي تجسد قوة السلطة الغاشمة، وكيف راحت تصنع لنفسها هالة ضخمة تُقزم كل ما حولها، وتصيبهم بالرعب والفزع. فمنظر المباني وحده كفيل بأن يصنع مهابة للسلطة حتى ولو كانت هذه السلطة هشة، وآيلة للسقوط. والنموذج على هذا العمارة الستالينية أو الأخوات السبع، تلك الأبنية التي كانت تجسد قوة الاتحاد السوفيتي ما بعد الحرب العالمية الثانية. والمفارقة أن هذه الأبراج العالية كان يعتبرها ستالين رمزًا للدول الرأسمالية. 

اللافت أن السلطة، بكل تنويعاتها، تتخذ من رمزية العمارة أداة لإظهار قوتها. ففي رواية "أولاد حارتنا" (1964) لنجيب محفوظ، يجسد البيت الكبير الذي يسكنه الجبلاوي رمزًا للسلطة المهيمنة على مقاليد الأمور، على الرغم من أن تشييده في الأساس كان بغرض الاحتماء من "الوحشة وقطاع الطرق"، لكن وظيفته تتبدل ويتحول إلى مصدر خوف بسبب قرارات الساكن فيه، فيبدأ الراوي وصف البيت هكذا: "كان مكان حارتنا خلاء. فهو امتداد لصحراء المقطم الذي يربض في الأفق. ولم يكن بالخلاء من قائم إلا بالبيت الكبير الذي شيده الجبلاوي كأنما ليتحدى به الخوف والوحشة وقطاع الطرق. كان سوره العالي يتحلق مساحة واسعة، نصفها الغربي حديقة، والشرقي مسكن مكون من أدوار ثلاثة".

تنبع هيبة القابع في المكان من هيبة المكان ذاته، فالجبلاوي عندما دعا أبناءه إلى مجلسه بالبهو التحتاني المتصل بسلاملك الحديقة: "فأمرهم بالجلوس، فجلسوا على المقاعد من حوله، وراح يفتحصهم هنيهة بعينيه النافذتين كعيني الصقر، ثم قام متجهًا نحو باب السلاملك. ووقف وسط الباب الكبير ينظر إلى الحديقة المترامية التي تزحمها أشجار التوت والجميز والنخيل، وتعترش في جنباتها الحناء والياسمين". أول قرار اتخذه الأب الذي يتسم بأنه "جبار في البيت كما هو جبار في الخلاء"، هو قرار منفرد تجاوز به الابن الأكبر إدريس، إلى الابن الأصغر "أدهم" الذي تنازل له عن إدارة الوقف، وهو القرار الذي قابله الأبناء بالصمت، باستثناء إدريس الذي اعترض وإن كان لم يجدِ الاعتراض سبيلاً، فالأب "يضيق بالمعارضة".

ومع حالة الشد والجذب وعدم اقتناع الأبناء بحجة الأب في اختيار أدهم، لأنه "على دراية بطباع المستأجرين، ويعرف أكثرهم بأسمائهم، ثم إنه على علم بالكتابة والحساب"، إلا أن الجميع في نهاية الأمر يمتثل للأمر، بعد قول الأب "هذه إرادتي، وما عليك إلا السمع والطاعة"، حتى تواردت إليه ردود الأبناء جميعا بالطاعة هكذا: "سمعًا وطاعة (...) أمرك يا أبي (...) على العين والرأس"، باستثناء إدريس الذي أعلن تمرده على سلطة الأب ورفض أن يسمعه "لحن السمع والطاعة"، بل إنه سخر من أدهم وأمه، وهو ما جعل سَوْرَةُ غضب أبيه تصل إلى منتهاها، وأعلن أمام الجميع طرده من البيت "لن تُرى فيه بعد اليوم، وإلى الأبد"، في إشارة إلى أن الخروج عن سلطة الأب يتوازى مع الطرد من مظلة البيت، وهو ما رفضه إدريس "هذا بيتي، ولن أغادره".

حينها، ما كان من الأب إلا أن: "انقض عليه قبل أن يتقيه، وقبض على منكبه بقبضة كالمعصرة، ودفعه أمامه والآخر يتراجع مقهقرًا، فعبرا باب السلاملك، وهبطا السلم وإدريس يتعثر، ثم اخترق به ممرا تكتنفه شجيرات الورد والحناء مفروشًا بالياسمين حتى البوابة الكبيرة فدفعه خارجًا وأغلق الباب، وصاح بصوت سمعه كل من يقيم في البيت: 

  • الهلاك لمن يسمح له بالعودة، أو يعينه عليها..

ورفع رأسه صوب نوافذ الحريم المغلقة وصاح مرة أخرى:

  • وطالقة ثلاثًا من تجترئ على هذا" (ص 16). 

هكذا صار البيت بمعماريته ومكانته الاجتماعية رمزًا لسلطة الأب بكل تجلياته، والطرد منه لكل من تسول له نفسه بالخروج عن سلطة الأب، ورفض قراراته أيًا كانت. فالأب يمثل سلطة مطلقة، واتخذ الطرد من البيت أليته لعقاب من يخالف هذه السلطة (وهو ما سيتكرر لاحقًا مع أدهم وزوجته). ورغم قرارات الأب الجازمة، إلا أن "إدريس" (الابن الأكبر) لم يستسلم. ففي يوم ما، هاجم البيت وصاح بأعلى صوت وهو في حالة سكر: "أنا هنا، في الخلاء يا جبلاوي، ألعن الكل، اللعنة على رؤوسكم نساءً ورجالًا، وأتحدى من لم تعجبه كلماتي، سامعني يا جبلاوي" (ص 22).

وما إن أراد إخوته تهدئة ثورته وإعادته إلى رشده، حتى ازداد غضبه، وراح يهاجم البيت الذي حُرم منه بسبب سلطة الأب وجبروته هكذا: "ملعون البيت الذي لا يطمئن فيه إلا الجبناء، الذين يغمسون اللقمة في ذل الخنوع، ويعبدون مذلهم". وبناءً على ما رآه من تعسف الأب في قراراته، يتخذ قراره الحاسم: "لن أعود إلى بيت أنتَ فيه رئيس، فقل لأبيك (يقصد أدهم) إنني أعيش في الخلاء الذي جاء منه، وإنني عدت قطاع طرق كما كان، وعربيدًا أثيمًا معتويًا كما يكون، وسيشيرون إلي في كل مكان أعبث فيه فسادًا ويقولون: "ابن الجبلاوي"، بذلك أمرغكم في التراب يا مَن تظنون أنفسكم سادة، وأنتم لصوص" (ص 23).

تمرد إدريس على سُلطة الأب وطرده يقابله تجبر وعِند، لا خضوع وإذلال كما أراد الأب بقرار طرده من البيت. فالبيت الذي كان بمثابة الحصانة صار مصدرَ تهديدٍ، إذ إن إدريس يأتي ليتهجم على البيت وكأنه يريد أن يتهجم على سلطة الأب الحاكمة للبيت، والمشرِّعة لقوانين متسلطة. بل إذا كان الأب ابتغى تأديب إدريس لعدم امتثاله لقراره بإنابة أخيه أدهم ليتولى شؤون الوقف، فإن إدريس يجعل من العقاب تهديدًا للأب بتشويه السمعة بعودته إلى قطع الطرق، ومن ثم سيحل "العار والفضيحة والجريمة" بهم. فالسلطة التي عاقبوها بها عكسها عليها، وراح يعاقبهم بها. 

تتكرر حالة الطرد من البيت الكبير بعد أن خالف أدهم أوامر أبيه واستجاب لإغواء أخيه إدريس بأن يطلع على الوصية المسجل فيها مستقبل العائلة، فيطرده الأب هو وزوجته أميمة من البيت لأنهما خالفا سلطته، واقتربا من السر المصون، وطالبهما بمغادرة البيت، وها هو البيت الكبير يشهد "خروج أدهم وأميمة مطرودين. خرج أدهم يحمل بقجة ملابس، وتبعته أميمة حاملة بقجة ثانية وأطعمة خفيفة. خرجا ذليلين حزينين باكيين بلا أمل" (ص 50). فعدم الامتثال لسلطة البيت توازي الطرد والنفي من البيت، وهو ما يشير إلى أن السلطة تُعاقب كل من يخالفها، وأشد عقاب لها من وجهة نظرها لما يمثله البيت ورمزيته من أهمية، هو الطرد.

في مقابل هذا الطرد، كان إدريس يسعى بدوره إلى استغلال ما يُمثله البيت من مكانة لكي يُبادل عقاب الأب بعقاب آخر، فسعيه لطرد أدهم من البيت من خلال الفخ الذي نصبه لأدهم، هدفه هو معاقبة الأب والانتقام منه لفعلته به، فها هو يخاطب البيت الكبير في إشارة إلى أن المكان هو الذي فرض سطوته وعكسه على الجبلاوي: "طردتني إكرامًا لأحقر من أنجبت، أرأيت كيف كان سلوكه نحوك، ها أنت ترميه بنفسك إلى التراب، عقاب بعقاب والبادي أظلم، كي تعلم أن إدريس لا يقهر، فلتبق وحدك مع أبنائك العقماء الجبناء، لن يكون لك حفيد إلا من يسعى في التراب ويتقلب في القاذورات، غدا يسرحون بالبطاطة واللب، غدًا يتعرضون لصفعات الفتوات في العطوف وكفر الزغاري، غدًا يمتزج دمك بأحقر الدماء، وتقبع أنت وتعاني وحدة الشيخوخة في الظلام، حتى إذا جاء الأجل فلن تجد عينًا تبكيك" (ص 51). الابتعاد عن البيت بمثابة هلاك، وهو ما أدركه أدهم فيقول لأميمة: "لا يجوز لنا أن نبتعد كثيرًا عن البيت كبيرًا، ولو اضطررنا إلى البقاء غير بعيد عن كوخ إدريس وإلا هلكنا وحدنا في أطراف هذا الخلاء" (ص 52).

تقدم رواية "يوتوبيا" لأحمد خالد توفيق نموذجًا للمدينة المحصنة والمحمية بأسوار عالية تأخذ من مُسمى مدينة أفلاطون مُسماها، لكنها تأتي على نقيضها في كل شيء، فهي: "المستعمَرة المنعزلة التي كوّنها الأثرياء على الساحل الشمالي ليحموا أنفسهم من بحر الفقر الغاضب بالخارج، والتي صارت تحوي كل شيء يريدونه". من معالمها "البوابات العملاقة.. السلك المكهرب.. دوريات الحراسة التي تقوم بها شركة (سيفكو) التي يتكون أكثر العاملين فيها من (مارينز) متقاعدين.. أحيانًا يحاول أحد الفقراء التسلل للداخل من دون تصريح، فتلاحقه طائرة الهليوكوبتر وتقتله". المدينة متكاملة كنوع من الانفصال التام عما يحيط بها، أو ما أسمتهم الرواية "الأغيار"، فبداخلها: "منطقة المدارس المخصصة لإقناع الآباء أنهم ما زالوا كذلك.. منطقة دور العبادة التي بها أكثر من مسجد وكنيسة ومعبد يهودي.. منطقة المولات .. ثم القصور" (ص 20).

عالم يوتوبيا مخالف لعالم الأغيار (شبرا) ومرجع الانعزال في اليوتوبيا لأنه: "لم يعد في هذا العالم إلا الفقر وإلا الوجوه الشاحبة التي تطل منها عيون جاحظة جوحي متوحشة"، والناس في هذا العالم "يتظاهرون بأنهم أحياء.. يتظاهرون بأنهم يأكلون لحمًا ويتظاهرون أنهم يشربون خمرًا، وبالطبع يتظاهرون بأنهم ثملوا وأنهم نسوا مشاكلهم.. يتظاهرون بأن لهم الحق في الخطيئة والزلل، يتظاهرون بأنهم بشر" (ص 50-51).

في رواية "نحن" ليفجيني زمياتين، يتم بناء "الانعزال"، والذي يعني التكامل وهو أول تكامل إلى الفضاء الكوني. كان الغرض من هذا النظام هو إخضاع الجميع لسلطة الدولة الواحدة.

 

العمارة والرأسمالية

فكرة الجلوس أعلى قمة الهرم، التي تمكّن من الهيمنة الكاملة على الرعية، أيا كانت صيغة هذه الرعية (شعب، مرؤسين، وغيرهما)؛ تتجلى بصورة واضحة في العمارة الرأسمالية الحديثة، وهي ما عزز من فكرة المبنى بوصفه أحد أشكال رأس المال من جهة، وكرست لسلطة الفرد من جهة ثانية.

فأصحاب الأعمال يخصصون مكاتبهم في الطوابق الأخيرة من ناطحات السحاب بحيث يكون جميع الموظفين تحتهم، وهي آلية استحواذية تكشف معنى هيمنة رأس المال وتحكّمه وسيادته. هذه الظاهرة منتشرة في المدن الجديدة، حيث ناطحات السحاب والأبراج الأيقونية متعددة الطوابق، والتي تجسد الهيمنة الاقتصادية والاحتكار من خلال ارتفاعاتها الشاهقة التي تناطح عنان السماء.

وإثر السياسات الاقتصادية والنيوليبرالية، انتشرت أيضًا موضة "الاستبدال الطبقي"، أو ما يُعرف بـ"الاستطباق"، حيث يتم ترحيل شرائح من الطبقات الدنيا من أماكنهم التي يقطنونها وإعادة بنائها من جديد، ومن ثم يحل محلهم طبقة أعلى منهم تستطيع تحمل تكاليف ارتفاع أسعار الإيجارات، بعدما صبغ المكان بصبغة رأسمالية. وهي السياسات التي تتبعها بعض الحكومات الرأسمالية، الأمر الذي نتج عنه استبدال هوية المكان طبوغرافيًا واجتماعيًا، وهو ما وسع الهوة بين طبقات المجتمع.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

من قوارب الهجرة إلى جبهات القتال: عسكرة المهاجرين الأفارقة في اليمن

تمثل ظاهرة تحويل المهاجرين الأفارقة إلى مقاتلين بين اليمن والقرن الإفريقي تحديًا أمنيًا متعدد الأبعاد يتجاوز الأطر التقليدية للهجرة غير النظامية، ويخلق ديناميكيات جديدة للصراع تهدد الاستقرار الإقليمي

2

صورة إفريقيا في كأس العالم وإرث التمثيلات الاستعمارية

يقف الاحتفال بالثقافة الإفريقية في أناشيد كأس العالم في تناقض مع الحقائق الاقتصادية والسياسية للقارة. أين تذهب أموال "فيفا"؟ كم من الإيرادات الناتجة عن هذه الأحداث العالمية يستفيد منها فعليًا تطوير كرة القدم الإفريقية؟

3

في بيت خوسيه ساراماغو الأخير: مخطوطات وذكريات كاتب غزا لشبونة

يفتح خوسيه ساراماغو أبواب ذاكرته في بيته الأخير بلشبونة، حيث تختزن المخطوطات والمقتنيات الشخصية مسيرة كاتب برتغالي شق طريقه من الفقر والعزلة إلى العالمية، تاركًا إرثًا أدبيًا خالدًا.

4

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

5

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

اقرأ/ي أيضًا

نموذج بيلغه

تركيا وسباق الذكاء الاصطناعي: رهان السيادة الرقمية

يسعى هذا المقال إلى تفسير سياق التحوّل في المقاربة التركية للذكاء الاصطناعي من الاستراتيجية الوطنية (2021–2025) إلى خطة العمل الوطنية (2026–2030)، مرورًا بتحليل ركائزها الأربع

رامز صلاح

عالم الشركات
عالم الشركات

معنى السياسة في عالم الشركات: حين يُعامَل البشر بوصفهم أشياء

واحدة من أهم المقولات التي تُجسّد منطلقات عصرنا في ذروة التقدم الرأسمالي هي: السيطرة الشاملة. استعارة الرمز وتفريغ محتواه القيمي والمعرفي وإعادة تحميله برسائل لائقة

أحمد منتصر

الاستيطان الإسرائيلي

خيمة على المليون دونم: كيف دخلت الضفة الغربية مرحلة التوحش الاستيطاني؟

نشأ نموذج المزارع الرعوية استجابة لحاجة الحركة الاستيطانية إلى أداة أسرع وأقل كلفة للهيمنة على الحيز الفلسطيني المفتوح، بعيدًا عن المتطلبات التخطيطية والعمرانية التي تفرضها إقامة مستوطنة رسمية

ياسر مناع

القواعد الأميركية

كيف استعاد المغرب سيادته؟ قصة إنهاء أكبر وجود عسكري أميركي في شمال إفريقيا

بعد استقلال المغرب، ظلت خمس قواعد عسكرية أميركية تواصل عملها فوق تراب المملكة، إلى أن تم الجلاء الكلي للقوات الأميركية من تلك القواعد في سبعينيات القرن الماضي

عبد المومن محو

الميمز

الميمات السياسية.. السلاح الساخر في معركة تشكيل الرأي العام

لم تعد الميمات (Memes) مجرد مادة للضحك، فقد تحولت تدريجيًا إلى أداة تأثير وتعبئة وصناعة للرأي العام، حتى أصبح من الصعب فهم السياسة الرقمية الحديثة من دون فهم الدور الذي تلعبه هذه الصور الساخرة المختصرة

جوليا الخطيب

المزيد من الكاتب

ممدوح النابي

كاتب وناقد

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

مَجْمع الخالدين: قلعة تحرس اللغة العربية

نشأت فكرة "مجمع الخالدين" في بيوت الأثرياء وتحققت بمنافسة ملكية، وتقوقعت في الحي الهادئ

يوميات أورهان باموق.. البحث عن ذات ضائعة

يُعدّ التدوين عند باموق تمرينًا أساسيًا على الكتابة، إذ يُنشّط الذاكرة تارةً، ويتيح تأمّل الكتابات الجديدة مقارنةً بالقديمة تارةً أخرى

رؤوف مسعد.. حكاية لم تخضع للسلطة

رؤوف مسعد جعل من الكتابة فعل مقاومة، فواجه بالحرية والقلم قيود السلطة، والطابوهات، وسجون الجسد والفكر، والرقابة

الترجمة وجهة نظر أخرى: الآخر كمرآة لذواتنا

يتتبع المقال كيف أُهمل التراث العربي، ثم استعاد قيمته عبر الترجمة، من رسالة الغفران وألف ليلة وليلة إلى محفوظ، حين لم نكتشف قيمة كتبنا إلا حين رآها الآخر أولًا

من التنوير إلى زمن السوشيال ميديا.. أفول المعارك الأدبية

معارك التنوير في النصف الأول من القرن العشرين، سياقات مشتعلة ونتائج باقية