انعطف المغرب بمسارهِ السياسي والحقوقي في لحظة مفصلية من تاريخه، عندما باشر عملًا مهمًّا لمعالجة إرثٍ ثقيلٍ من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبطة بـ"سنوات الجمر والرصاص" (فترة امتدت بين ستينات وثمانيات القران الماضي)، في إطار تحقيق تجربةٍ غير مسبوقةٍ إقليميًا للعدالة الانتقالية.
كانت أولى الخصائص التي ميّزت التجربة المغربية تتمثّل في أنه، ولأوّل مرّة ضمن حوالي 40 تجربةً عبر العام، يتمّ إنشاء آلية العدالة الانتقالية في ظلّ استمرار النظام من حيث الطبيعة السياسية؛ خصوصًا أنه سُجّل انبعاث إرادة الانخراط في هذا المسار من داخل النظام نفسه، حيث قرّر إحداث قطائع إيجابية اتجاه التحديث والديمقراطية ووضع حدّ لاستعمال العنف في تدبير الخلافات السياسية.
على هذا الأساس، وفي إطار التوافق مع القوى السياسية والحقوقية المغربية، تأسّست "هيئة الإنصاف والمصالحة" بمقتضى قرار الملك محمد السادس بتاريخ 7 كانون الثاني/يناير 2004. وقد واكبت سيرورة التطوّر الذي عرفه المغرب، منذ بداية التسعينيات، على إثر التحوّلات السياسية التي كانت مطروحة على الدولة ومكوّنات المجتمع السياسية والاجتماعية.
كان مسارًا عسيرًا
يسجل امبارك بودرقة وأحمد شوقي بنيوب، في كتابهما "كذلك كان.. مذكّرات من تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة"، أن التوصية المؤسّسة لـ"هيئة الإنصاف والمصالحة" والمُطلقة لعجلة العدالة الانتقالية بالمغرب، "خرجت ضمن مسار عسير، بمقاربة تسمو بها عن الاختزال في مجرد هاجسٍ للتعويض المادي مقابل طي قسري للملف، أو نزوع للثأر بهاجس المساءلة الجنائية للمسؤولين عن الانتهاكات.
وشددا على أن "المرافعة عن هذه التوصيات، كشف عن تيارين متناقضين؛ تراوحت مواقف الأوّل بين الحذر والدعوة للتريث والتأجيل؛ بل والرفض كما هو موقف المحجوبي أحرضان (رجل سلطة سابق ووزير سابق ومؤسّس حزب الحركة الشعبية توفي عام 2020). وبالمقابل، دافع التيار الثاني عن جدّة التوصية، واعتبرها بداية لمسار المصالحة.
في هذا السياق، الذي يسبق تنصيب العاهل المغربي الملك محمد السادس لأعضاء الهيئة رسميًا في 7 كانون الثاني/يناير 2004 بمدينة أغادير (وسط)، تواصل النقاش في مجموعة من المواضيع؛ ومنها التسمية، وتركيبة الهيئة، ومهامها، وآجال تلقي طلبات الضحايا (شهر واحد) ومسألة الاعتذار.
لهذا، يعتقد المُؤلِّفان، أن "معالجة سؤال الكشف عن الحقيقة، يعد بحثًا أركيولوجيًا في تراب ما جرى في ماضي الانتهاكات"، خصوصًا أن الهيئة خاضت في مرحلة زمنية طويلة، ما بين 1956 و1999؛ وهي مرحلة موسومة بالبتر واللّبس وضعف الأدلة، وغياب كتابات حول التاريخ السياسي للمغرب.
غير أنه، وخلال الإرهاصات الأولى المُمهّدة لطي صفحة الماضي، ظهرت منذ التسعينيات كتابات متنوّعة حول الأحداث الأليمة التي سببتها الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب، في شكل سِيَر ذاتية، أو شهادات، قدّمت معلومات مهمة، وساهمت في إلقاء الضوء على جوانب كانت مجهولة أو مُغفلة.
نصوص الاعتقال السياسي هذه، التي أنجزها أساسًا بعض معتقلي يسار السبعينيات ومعتقلي الانقلابين العسكريين في الفترة نفسها، ظهر في شكل أعمالٍ أدبيةٍ وفنيةٍ، وأظهرت في نسيجها النصّي وروحها العامّة مجمل خصائص آداب الاعتقال السياسي ممثّلة في تشخيص آليات القهر والاستبداد. الأمر الذي ساهم بالدرجة الأولى في كشف عُنف أجهزة نظم الحكم وشراستها.
تتويج لإشارات الانفتاح
اعتبرت "هيئة الإنصاف والمصالحة" في كتابها الأول (أو التقرير الختامي)، أنها "ساهمت في تأصيل التجربة المغربية للعدالة الانتقالية"، من خلال منطلقات وأهداف استراتيجية وخطة عمل لتحقيقها. وركزت في ذلك على الكشف عن الحقيقة وإقرارها بصفة عمومية فيما يتعلّق بكل الانتهاكات الجسيمة التي عرفها المغرب خلال فترة طويلة نسبيًا، إذ تمتد من بداية الاستقلال إلى صيف 1999".
ويوضح التقرير ذاته، أن مسلسل طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب، "انطلق بشكلٍ تدريجي ومتنوّع الأشكال والمجالات منذ بداية التسعينات، انصب على الاحتكام إلى قواعد المؤسسات الدستورية، وتُوّج بالتصويت الإيجابي للمعارضة على التعديلات الدستورية لسنة 1996، وتحمّلها للمسؤولية الحكومية".
كان الانتقال السياسي في نهاية التسعينيات قد بلغ ذروته مع "حكومة التناوب التوافقي" التي أوصلت حزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" إلى السلطة عام 1998، بعد نحو أربعة عقود من المعارضة، وما عرفه هذا التاريخ من صراع مع النظام وآلياته في التدبير السياسي.
لهذا، وتتويجًا لإشارات انفتاح إيجابية وجّهها الطرفان معًا، خصوصًا الملك الراحل الحسن الثاني والمعارضة، أُعلن في 4 شبّاط/فبراير 1998 عن تعيين الراحل عبد الرحمان اليوسفي الزعيم الاشتراكي والكاتب الأول لحزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (أقوى أحزاب المعارضة وقتذٍ) وزيرًا أوّل في المملكة المغربية. ما أعطى بوادر واضحة عن تدشين مرحلة مهمة في مجال حقوق الإنسان وتوسيع نطاق الحريات العامة.
مواجهة مقاومة الحلحلة
يقول الراحل عبد الرحمان اليوسفي: "وإن الواجب يفرض عليّ اليوم، أن أؤكد أنه كان قد قرّر (يقصد الملك الراحل الحسن الثاني) بصفة لا رجعة فيها تدشين عهدٍ جديدٍ، بإعطاء التناوب مضمونًا مؤسساتيًا، وتجاوبًا من جلالته مع رغبة الرأي العام الوطني في رؤية بوادر التغيير بشكل ملموس".
يضيف اليوسفي، في مذكراته "أحاديث في ما جرى.. شذرات من سيرتي كما رويتها لبودرقة"، أن "التناوب كما فهمناه وقبلنا تحمل المسؤولية الحكومية في إطاره ومن أجل إنجازه، هو التناوب بين وضعيتين، وضعية الأربعين سنة السابقة له، ووضعية بديلة يتم بناؤها بدعم من الملك ودعم الشعب ومساندة برلمانية كافية، ووضعية دولة الحق والقانون والمؤسسات، في إطار ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية مبنية على أساس التوازن في الحكم والقرار".
اليوسفي، الذي عاش مدّة لا بأس بها في منفاه في فرنسا، والذي وصفه الحسن الثاني بـ"أكبر مهرّبي السلاح"، يُلفت في مذكراته أنه عانى في سبيله لحلحة ملفات حقوق الإنسان في المغرب من "جيوب المقاومة" داخل الحكومة التي ترأسها في ظلّ حكم الملك الراحل؛ خصوصًا من وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، الذي سطع نجمه في سنوات الرصاص، ولُقّبت وزارته في أيامه بـ"أم الوزارات" لهيمنتها على مفاصل الدولة وتسلط أذرعها الأمنية.
يقول الوزير الأول المغربي السابق: "البصري عمل دومًا على عرقلة أيّ مبادرة لإيجاد حل نهائي لملفات حقوق الإنسان بالمغرب. (...). كنت حريصًا من جهتي على إنهاء ملف حقوق الإنسان وضمنه ملف المنفيّين، لما فيه مصلحة صورة بلدنا ومصداقيتها في مختلف جهات العالم، وبالعلاقة مع المؤسّسات الدولية المُؤثّرة في صناعة القرار السياسي والاقتصادي الدولي".
تغليب التصالح على المقاضاة
بعد اعتلاء الملك محمد السادس العرش، على إثر وفاة والده الحسن الثاني عام 1999، تعزّزت حاجة المغرب إلى عدالة انتقالية، تُوّجت بتأسيس "هيئة الإنصاف والمصالحة" اعتمدت مبدأ إقرار الحقيقة حول الانتهاكات بشكلٍ علنيٍّ وفي إطار من التناظر الحُرّ والمناقشة الرصينة، بصفة جماعية ومفتوحة داخل المجتمع، كاختيار استراتيجي لترجمة مسؤولية الدولة بدل مسؤولية الأفراد.
يؤكد كمال عبد اللطيف، في كتابه "العدالة الانتقالية والتحولات السياسية في المغرب.. تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة"، أنه "كانت خطوات الهيئة منذ تأسيسها محفوفة بالمخاطر والصعوبات. وكانت في الآن نفسه، تنسج بخيوط من حرير جملة من التدابير المحسوبة بعناية، في باب العدالة الانتقالية الذي يتميز، على الرغم من بعض قواعده المتماثلة، بالحرص على مبدأ ضرورة التجاوب والتفاعل مع المحلّي والخاص، في كل تجربة على حدة، بهدف ولوج أبواب العدالة الانتقالية".
لهذا، "جرى تغليب أفق التصالح التاريخي والسياسي على منطق المقاضاة، بحكم أن الهيئة لم تنجبها ثورة، بل رُتّبت ملامح وجودها في سياق تاريخي انتقالي بين ملكين هما، الحسن الثاني ومحمد السادس"، يردف الكاتب.
البوح وعدم تكرار ما جرى
يرى بعض الدارسين لمجال العدالة الانتقالية، أن حالات الانتقال الديمقراطي التي شهدها العالم مؤخرًا، يمكن تصنيفها في ثلاثة نماذج: التحوّل السياسي، أو الثورة الشعبية، أو الانتقال عبر التفاوض السلمي. وفي الحالة الأولى، الشبيهة بالحالة المغربية، يأخذ النظام على عاتقه الشروع بعملية الانتقال الديمقراطي، ويتولّى قيادة ركب التغيير السياسي المتأني.
لهذا، يعد "معاقبة رموز النظام السابق أمرًا مستبعدًا في حال تنصيب النظام الديمقراطي الجديد بعملية التحول السياسي أو عبر المفاوضات السلمية. إذ يحتفظ هذا النظام بسلطة تكفي لفرض شروطه بالعفو عن جرائمه السابقة مقابل السماح بحدوث انتقال سياسي"، تؤكّد الباحثة الأميركية نويل كالهون، في كتابها "معضلات العدالة الانتقالية في التحول من دول شمولية إلى دول ديمقراطية" (ترجمة: ضفاف شربا).
وكتبت كالهون، في المُؤلَّف نفسه: "تستطيع الدولة اللجوء إلى إجراءات العدالة الترميمية للضحايا السابقين، عوضًا عن السعي لمعاقبة الجناة، كإعادة تأهيل الضحايا وتعويضهم ماديًا عمّا قاسوه من ألم وعذاب. مثل هذه السياسات تتيح للدولة فرصة إصلاح بعض أخطاء النظام السابق على الأقل".
لكن ذلك يتطلب أيضًا، الوقوف على حقيقة ما جرى في الماضي والاعتراف بها، أملًا في استخلاص العبر منه. "فالبوح بالحقيقة يزيح غمامة التكتم والسرّية التي لفّت السياسية في الماضي. إذ يفضح الآليات المؤسّساتية التي أجازت استغلال السلطة بصورة وحشية. ويفسح بذلك في المجال أمام مقدار أكبر من المصارحة والشفافية في السياسة، خاصية يمكن أن تردع وقوع جرائم مماثلة في المستقبل"، تُردف صاحبة كتاب "معضلات العدالة الانتقالية".
في هذا الإطار، أتاحت سبعُ جلسات استماع علنية في البلاد نظمتها "هيئة الإنصاف والمصالحة"، لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك أقرباء الضحايا المباشرون، منبرًا لإسماع أصواتهم، مبادرة طليعية. وكان الغرض من جلسات الاستماع العلنية، إعادة تأهيل الضحايا ومساعدتهم على استرداد كرامتهم والتخفيف من معاناتهم والحفاظ على الذاكرة الجماعية وتربية السلطات والجمهور وأجيال المستقبل.
مأسسة للإفلات من العقاب
يتضح أن التجربة المغربية في العدالة الانتقالية، اقتصرت على نمط العدالة التصالحية، عندما اكتفت بتدابير التحقيقات المستقلّة، وإعادة الحقوق، والترضيات المعنوية، ومنح تعويضات لأسر الضحايا من دون منح حقوق التقاضي أو إدانة مسؤولين ممن غادروا أو من كانوا حينها في مواقع المسؤولية بارتكاب الانتهاكات.
في تقرير بعنوان: "الوعد الضائع.. هيئة الإنصاف والمصالحة ومتابعة أعمالها"، سجّلت منظمة العفو الدولية أنه "استثني من عمل الهيئة، لأسف ورغم صيحات الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان، تحديد مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. (...) ومما خيّب الأمل على نحوٍ خاصٍّ، عدم إقدامها حتى على التوصية بأن تتم محاسبة من اقترفوا انتهاكات حقوق الإنسان".
وتنص المادة 6 من النظام الأساسي لـ"هيئة الإنصاف والمصالحة"، على أن "اختصاصات هيئة الإنصاف والمصالحة غير قضائية. ولا تثير المسؤولية الفردية عن الانتهاكات". زيادة على ذلك، يضيف التقرير، أن الهيئة "لم تتمتع بسلطة إجبار موظفي الدولة على التعاون مع التحقيقات. (...) ولم يستتبع رفض التعاون أي تبعات قانونية أو غير ذلك من العقوبات".
هذا الأمر يعترف به التقرير الختامي للهيئة، بعدما واجهت صعوبات في الحصول على المعلومات، ويعترف التقرير الختامي للهيئة نفسها بأنها قد واجهت صعوبات في الحصول على المعلومات، بسبب "الحالة المزرية للأرشيف الوطني وعدم كفاية التعاون من جانب بعض السلطات، حيث أعطى بعض الموظفين الرسميين أجوبةً غير كاملة بشأن الحالات التي سُئلوا عنها، بينما رفض بعض الموظفين السابقين المتقاعدين رفضًا قطعيًا الإسهام في الجهود المبذولة للكشف عن الحقيقة".
يرى الباحث نبيل زكاوي، في مقاله "انحراف مسار ما بعد العدالة الانتقالية وهشاشة الانتقال الديمقراطي في المغرب"، أنه "غلّبت مقاربة الدولة أشكالًا أخرى من الحساب مع ماضي انتهاكات حقوق الإنسان على مقاربة المنظمات غير الحكومية في الدعوة إلى عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب، ما جعل مقاربتها، أيّ الدولة، هي المهيمنة عمليًا في العدالة الانتقالية التي ارتضتها أن تكون تصالحية تاريخية تركّز على الأدوار الإصلاحية للسرد عبر بناء تاريخ بديل من الانتهاكات الماضية".
وتساءل زكاوي: "كيف يُمكن لعفوٍ أن يستقيم، سواءً كان سابقًا أم لاحقًا، من دون حل نهائي لجريمة الاختفاء التي تظلّ مستمرّة حتى يتم العثور على الجثة (ملف المهدي بن بركة نموذجًا الزعيم اليساري المعارض)". ويعد ملف بن بركة من أبرز الملفات التي تتطلع عائلته إلى اليوم، لمعرفة حقيقة اختفائه بباريس في 29 تشرين الأوّل/أكتوبر 1965 ومصير جثمانه.
حول القضية هذه، فتحت فرنسا تحقيقين سابقين في أشهر لغز في تاريخ المغرب الحديث، واتهمت فيه المخابرات المغربية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني والمخابرات الفرنسية والإسرائيلية؛ بينما المغرب لم يفتح أيّ تحقيق حوله، رغم أن رفاق بن بركة السابقين في الاتحاد الاشتراكي تولوا حقيبة وزارة العدل وترأسوا آخر حكومة في عهد الملك الحسن الثاني.
يذهب الباحث زكاوي في مقاله، أن مهندسي التجربة المغربية جعلوا العفو شرطًا مسبقًا للعدالة الانتقالية، بينما ينبغي أن يكون العفو عند نقطة نهاية العدالة. ما يعني أن "فصل الحقيقة عن العدالة في إطار سياسة الصفح والنسيان هو مأسّسة للإفلات من العقاب".
ويخلص الباحث نفسه، أنه بالعودة إلى توجه الدولة حول إحداث "هيئة الإنصاف والمصالحة"، الذي تبين أن عملها انشغل بجبر الضرّر أكثر، "فلا الهيئة امتلكت السلطة لتنفيذ الإصلاحات التي أوصت بها في هذا الشأن، ولا توافرت الإرادة السياسية لدى الدولة لذلك، إلا ما ظهر مع اندلاع الربيع العربي الذي جعل كثيرًا من توصيات الهيئة تُدرج ضمن بنود الدستور الجديد لسنة 2011، لكن مع استمرار إشكالية محدودية التنزيل".