*(مُهدًى إلى جهاد بزي)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تسجيل الفيديو الذي رافق إنتاج "هدوء نسبي"، توقف زياد الرحباني عند شرح التفاصيل التقنية المستقاة من الموسيقى الشرقية التي يقدمها في إطار أقرب إلى الجاز الغربي، معتبرًا أنّ من الضروري أن نقولَ ما لدينا للعالم في صورة يفهمها هذا العالم، لا فقط أن يستمر في ما بيننا.
في نفس التسجيل، يتحدث عن لبنان الذي هو، كما قد يرى المرء في الحلم، أشبه بقرص من الهمبرغر بطعم الفلافل، كأنه غربي من الخارج وشرقي من الداخل. غير إنه يُصرُّ أن هذا الإنتاج ليس "موسيقى ملحّمة" أي ملصقة لصقًا بين الشرقي والغربي، بل هي "موسيقى لبنانية"، ربما بهذا التعريف عن البرغر بطعم الفلافل.
يستحق هذا الرأي، الذي قيل من نحو أربعين عامًا، وقفةً. ولا ريب أن زياد الرحباني قد راجعه وقلّبه وربما تراجع عنه. إذ بغض النظر عن مضمون الرأي، فإنه يعكس هاجسًا ملحًّا يُقيم في وعيه، أي ما هو تعريف "الموسيقى اللبنانية"؟
جيل صناعة الهوية
ربما لم تعرف المنطقة أسرةً قامت على أكتافها وحدها تقريبًا الهويةُ الصوتية لبلدٍ كامل كهذه الأسرة. فإنتاج العائلة الرحبانية (الأخوين رحباني وفيروز، وإلياس الرحباني، ثم زياد وأبناء عمومته) يغطي عمليًّا كامل المساحة المتروكة للأذن.
صاغ إلياس الرحباني أغنيات بوب وجيرك وديسكو وفرانكو أراب، وإعلانات تلفزيونية وإذاعية شهيرة، بينما قام غسان الرحباني وسواه من أبناء العمومة بإنتاج وتمثيل وتلحين وغناء فيديوكليبات في زمن انتشارها على التلفزيونات والفضائيات وواصلوا عمل الجيل الأسبق في المسرح الغنائي. أما الثلاثي الأشهر والأهم، عاصي ومنصور وفيروز، فقد أنشأوا مؤسسة كاملة لا نظير لها في المسرح والسينما والصور الإذاعية والبرامج والسهرات التلفزيونية والأغاني والأناشيد المتغزلة بعواصم العرب والتائقة إلى فلسطين، كتابةً وتلحينًا وتوزيعًا وغناءً، مثلما استقطبوا حولهم بعض أهم المواهب مِن وديع الصافي ونصري شمس الدين وصباح وفيلمون وهبي وسعيد عقل وطلال حيدر وبوغوص جلاليان وكثيرين غيرهم، بمن فيهم ابنهم زياد. كما تعاونوا مع كبار الصحافيين، وارتبطوا بصداقة وأعمال مشتركة مع محمد عبد الوهاب، الرائد الأكبر في صناعة الأذن المصرية في القرن العشرين (أيضًا بإسهامه في المسرح والسينما والأغاني والاسكتشات، غير أنه لم يكن شاعرًا ولا موزعًا).
من المفيد دومًا التذكير بأنّ لبنان الذي استقل عام 1943 لم يكن، حتى ذلك العهد، متمايزًا ثقافيًّا عن جواره المباشر تمايزًا حادًّا. كان اللبنانيون والسوريون معًا في بناء أدب المهجر، كما في بناء المسرح والصحافة في مصر. وكان الإنتاج الموسيقي في بلاد الشام عمومًا متقاربًا، فمثلًا لم يكن البيروتي محيي الدين بعيون يغني، من الموشحات والمواويل والطقاطيق والأدوار، غير ما يغنيه أقرانه من أهل بيروت والشام وحلب، ممن جمعت مؤسسة البحث والتوثيق في الموسيقى العربية (أمار) بعض انتاجهم في إصدارها "رواد الطرب في بلاد الشام". وعلى ما يُروى فإنّ تدريبه الأساسي كان على يدي عازف القانون المصري، أحمد البدوي، الذي عاش في طرابلس. وبعد الاستقلال، كانت محاولات أولى، أقرب إلى تبني مزاج بدوي أحيانًا (مثل "حول يا غنام" أو "يا جارحة قلبي")، مع سامي الصيداوي وإيليا المتني ومصطفى كريدية وغيرهم. كذلك نجد هاجس تحديد ما هي "الموسيقى اللبنانية" مثلًا في تساؤلات زكي ناصيف، وهو أيضًا قد تنوعت اهتماماته ما بين موسيقى أقرب إلى الغربية وأخرى أقرب إلى الدبكة!
بالمقابل حظي الأخوان رحباني بدعم رسمي وقبول جماهيري ساحق في مشروعهما، من أواسط الخمسينيات. وتركز هذا المشروع على صهر مختلف المؤثرات (الشامية والمصرية والبدوية والأوروبية) الموجودة في الإطار اللبناني، ومن بينها الموشحات والأدوار والطقاطيق والمواويل والزجل الجبلي والإنشاد الكنسي البيزنطي والسرياني والنقد الاجتماعي على طريقة عمر الزعني والمؤثرات الأوروبية حتى في شكل الجملة اللحنية والإيقاعات الحديثة كالتانغو والفالس والرومبا. هكذا كان يمكن لكل فئة من اللبنانيين أن تتقاطع في شكلٍ ما مع انتاج الرحابنة، لا سيما مع تطويرهما بالتعاون مع شعراء آخرين مدرسة لبنانية في الشعر الغنائي، حتى الفصيح، متكئة على شغل أسبق ومعاصر من بين رموزه بالطبع الأدب المهجري وجبران وأمين نخلة والأخطل الصغير وميشال طراد وأسعد السبعلي وسعيد عقل. وقد تقاطع أسلوب هذا الشعر الغنائي ومضمونه مع تطلعات لبنانية معاصرة، تمزج بين الرمزية والرقة والتحديث والحلم بريفٍ كان يبتعد بسرعة عن الواقع تحت وطأة التغييرات السريعة في البلد.
وكان هذا الصهر يقدم تحت عباءة التوزيع الأوركسترالي "العلمي"، على ما كان يقال. والقصد بذلك تطبيق التوجه العربي العام نحو تطبيق "علوم الغرب" على المضامين الشرقية. وبالطبع فإن تقديم هذا التوزيع العلمي الحديث الفخم والمصقول بعناية إنما كان يعني أيضًا تقديم لبنان نفسه كحامل وناقل للمعارف الغربية إلى شرقٍ لم تصله، أو توقف قبل استكمال التوجه نحوها (كما قد يلاحظ في مصر مثلًا مع تغير التوجهات السياسية والتحورات الموسيقية بعد ثورة الضباط الأحرار).
هكذا تناول الرحابنة كل المكونات الموسيقية آنفة الذكر، مخضعين معالجتها إلى توزيع موسيقي يضمن تقديم ناتج صوتي متسق وحديث، في حينه، حتى مع اختلاف المادة التي يعالجها. ولم يتوانوا عن تطويره وتعديله، واستدخال آلات مختلفة، بالتوازي مع المتغيرات العالمية أيضًا.
نمَت على أطراف المشهد الموسيقي الرحباني أسماء كثيرة بالطبع، لكنّ الهوية الصوتية الرسمية للبلد باتت، منذ مطلع الستينيات، تلك التي صاغها الأخوان رحباني، لا سيما بصوت فيروز، وإن لم تكن الوحيدة. ويسعنا أن نلاحظ عودة هذه المكونات إلى الانفكاك عن بعضها منذ أواسط السبعينيات وقبل الحرب الأهلية وخلالها، حيث عادت الى الصدارة أغنيات بدوية (سميرة توفيق) أو فرانكو أراب (سامي كلارك) أو مصرية (وليد توفيق) أو جبلية (آلان مرعب وطوني حنا)، منفصلة عن هيمنة التوحيد الرحباني لها. وفي هذا الوقت بالضبط كانت بدايات زياد الرحباني نفسه.
هل الاعتراض بناء؟
للوهلة الأولى، لا يتبادر إلى الذهن ان زياد الرحباني كان يحمل مشروعًا مماثلًا. فمشروعه الواضح في اعتراضه على العالم الذي أنشأه أبوه وعمه خصوصًا، كان اعتراضًا في الموقف وفي الكتابة الشعرية وفي المصادر الموسيقية أيضًا. فبدلاً من عبد الوهاب، ذهب زياد الرحباني إلى الشيخ إمام وإلى سيد درويش، وبدلًا من الموسيقى الرومنطيقية الأوروبية ذهب إلى الجاز والفانك، وبدلًا من الموشحات ذهب إلى الموسيقى الكردية ورقصاتها. وفي الشعر، كتب زياد الرحباني هازئًا بعالم الضيعة والريف والشجن الحالم والحب الذي لا يتحقق ولا يبدأ، مستمدًّا كلماته وتراكيبه من المدينة ولغتها الخُلّبية والسوقية أحيانًا ومن تعب ما بعد الحب وما بعد الخيبة، ومن تعثر استمرار العلاقات تحت وطأة الزمن والمال والروتين والملل.
غير أن كل هذا كان بعضًا من انتاجه. فهو أيضًا لحّن لفيروز من كلمات جوزيف حرب وطلال حيدر، بل وجبران خليل جبران. وكتب ولحن ووزع عددًا من الأغاني "اللبنانية" (مثل شغله مع مروان محفوظ أو منى مرعشلي) أو "الفيلمونية" (بينها ما هو لفيروز مثل "أنا عندي حنين" أو لسواها مثل شغله مع جوزيف صقر في "راجعة باذن الله" أو حتى في بعض أعمال "بما أنو")، وأخرى مصرية الطابع (مثل "بعثتلك") أو الأقرب إلى الأغاني الشعبية السرية (مثل "الحالة تعبانة") في مناطق حمص وحماة واللاذقية (مثل "والله لاهجم واخاطر" وبعض القدود الشامية الشهيرة، وبعضها سجله مثلًا جورج وسوف شابًّا في جلسات خاصة، وسجله آخرون، وظل الشباب في طرابلس وسائر المدن المذكورة يرددونه في جلساتهم مرتجلين كلمات إضافية حتى زمن قريب). وحين سمع زياد الرحباني شبابًا في حوران يعيدون غناء "ما شاورت حالي"، ويدبكون عليها مع صوت المجوز، وجدَها ربما افضل مما صاغها، ربما لأنها إذ ذاك أقرب إلى المزاج الشعبي، الكردي ربما، الذي استوحاها منه.
إضافة إلى ذلك، كتب زياد الرحباني مقدمات موسيقية لمسرحيات ومسلسلات، وغناء جماعيًّا ودبكات ومحاورات، وقطعًا موسيقية خالصة متفاوتة المستوى أحيانًا بين ما هو فريد وما هو أشبه بالشائع في وقته، وزجلاً وعتابا، وتراتيل كنسية، وموسيقى للإذاعة وأناشيد وموسيقى مصاحبة لشعر حديث بالعامية اللبنانية مثل تعاونه مع عصام العبد الله، مثلما لامست بعض أعماله الجاز والفانك والديسكو والبوسا نوفا والشانسونيه والروك، فضلًا عن إعداد وتوزيع وكتابة كلمات لأغنيات أجنبية شهيرة. كذلك أعاد توزيع عدد كبير من اعمال أهله في "إلى عاصي" وكأنه يشير في الآن عينه إلى تعدد أنماط الأغاني وأنواعها في إنتاجهم، وإلى ضرورة "بَرْوَزَة" ذلك التنوع، وإلى كونه وريثهم، بما في ذلك في مضمار التوزيع وإعادة التوزيع.
وزياد الرحباني قد يكون من أكثر الموسيقيين في العالم العربي إصرارًا على إجراء توزيعات مختلفة لأعماله، وأعمال غيره، معدًّا إياها على حسب الاحتياجات وتوافر الموسيقيين، ولكن ربما، أيضًا، مكتشفًا الوجوه المختلفة للجملة الموسيقية، وكأنّ مجموع التوزيعات جميعها هو ما يقربنا فعلًا في تراكمه من الملمح الحقيقي للجملة التي لا تستنفد احتمالاتها ولا وجه ثابت ونهائي لها بالتالي.
وأمام هذا الاتساع الهائل لموهبته وانتاجه يصبح من الضروري أن نأخذ على محمل الجد سؤاله عن "الموسيقى اللبنانية". إذ ليس في جيله ولا في من لحقه أي فنان تعامل مع هذا التنوع الكبير في المضامير وفي الأساليب. إذ رغم شيوعيته المعلنة، لم يتخل زياد الرحباني عن إشهار لبنانيته الخاصة بإصرارٍ ودأب، وعلى خلاف أهله لا نرصد له اعمالًا عن البلاد العربية الأخرى ومدنها، ولا عن فلسطين.
عن هوية فردية موسومة بلبنانيتها
لعل زياد الرحباني لم يمتلك، على خلاف أهله، دعمًا من دولة تبحث عن هويتها، ولم يمتلك خطابًا يزعم إمكانية توحيد التنوع الذي عمل عليه، والذي يشمل عمليًّا كل ما هو موجود في لبنان وكذلك ما أحبه زياد الرحباني وأحب ضمه إلى المشهد الصوتي اللبناني. فمزاعم "العلمية" والمعارف الغربية كانت في طور الانتهاء مع انحدار عصر السرديات الكبرى، ومع الموقف الأيديولوجي المعارض أصلًا للبنان جسرًا بين الشرق والغرب. وهذا جعل محاولات الرحباني تفتقد، لحسن الحظ ربما، خطابًا نقديًّا يجمعها في خط واضح ويضع لها مبررات "نظرية".
فإذا ما شئنا أن ننظر من خلال عمل زياد الرحباني، إلى ما يمكن أن يشكل هوية موسيقية للبنان، فإن ملامحه الأبرز ليست الانتظام والصهر، بل التشتت والتشعث ما بين أنواع فنية وموسيقية كثيرة. وليست ما لا يسعه أن يتحقق من حلم ومن ريف، بل هي زحام المدينة وضيق الخلق وتأفف التعب والملل، وليست الجمال المكتمل الناعم بل السخرية الهازئة، نصًّا وموسيقى وتوزيعًا و"هيصة" وضجيجًا يملأ به المستويات المتعددة للسمع، ما بين النغمة والنغمة.
وهي أخيرًا ليست اقتراحًا جمعيًّا بالضرورة، قد يؤخذ على أنه البداهة الناجزة المنطبقة على العصر كأنما هي حتمية متطابقة معه، بل يقترح علينا إشهار الفردية والذائقة الخاصة والعمل المتواصل على التعديل والتغيير وإعادة التوزيع والأداء كمكونات لهوية تظل "قيد الصنع".
بهذا المعنى يكون موقف زياد الرحباني، على الضد تمامًا من محاولات بناء هوية جمعية يتفق عليها اللبنانيون على ما حاول أهله. بل هو موقف الفردية الحرة التي هي، على ما يرى وضاح شرارة في "الموت لعدوكم" (دار الجديد)، سمة لبنان الوطن في إيكاله اللبنانيين إلى حيث "يخاطبون في رشدهم وحريتهم"، رغم عبء هذه الحرية الثقيل على النفس. لذا كان لبنان "الوطن الصعب" بحسب شرارة، يهرب منه كثيرون أو يهذون ويهرفون بـ"العلل التي تزيح عن كاهلنا مثل هذا العبء". أما زياد الرحباني فربما كان لبنان وطنًا صعبًا له بالضبط لأنه اختار أن يقبل فرديته وحريته، بما في ذلك من احتمالات الصواب والخطأ والندم، وفي هذا ربما يقترح علينا صيغة أخرى للهوية اللبنانية.