هنا، في بلدٍ يمتدُّ على بقعة ما بين الأطلسي والخليج العربي، وفي مستقبلٍ لا نعرف إذا ما كان حتميًّا، وُلدَ طفلٌ على ضفة ما يُقال عنه "نهر". لكنّه لم يتعلّق بخصال شعر أمّه وهي تغسل وجهه بماء الفجر، لم يركض نحو جدولٍ يروي قصّة قريته، ولم يرمِ حجرًا في زُرقة النهر لأجل اللهو. وُلد في خرائط مهشّمة، حيث تُرسم الأنهار بالحبر، وتُذكر فقط في الكتب. أرضه تُزرع بالأسئلة والهموم والعطش. سمعَ عن النّهر هناك، في الذكريات، في المدرسة الجافّة، في الأخبار الحزينة، في المناورات الحربية، في اتفاقيات لا يُفهم منها إلا العجز.
كان جدّه يشير بإصبعه المرتجف إلى خطوط زرقاء على خريطة مهترئة في كتابه المدرسي ويقول: "هنا كان يجري النيل، كان يضيء الأرض". الطفل لم يرَ شيئًا سوى أنابيب نحاسية، وأمّ تُقطّر الماء من مزراب، وتغسل الذاكرة قبل الصحون. هكذا بدأ الحنين إلى إمكانية أن يكون العطش احتمالًا، لا قدرًا.
هنا، لا تجري الأنهار بقدر ما تُدار لتُساوم عليها حياتنا. والماء، تلك البداية الأولى، قد يصبح هو النهاية. تقول الذاكرة إن الحصة السنوية للفرد في مصر من المياه كانت 1972 مترًا مكعبًا في العام 1970، يجيب الحاضر أنها بالكاد تبلغ اليوم 570 مترًا مكعبًا، رقمٌ مخيفٌ كالنّيل الذي يهب مصر 55.5 مليار متر مكعب من المياه بينما تحتاج مصر أكثر من 80 مليار مترٍ مكعبٍ سنويًّا، لا يسد ظمأها ملياران من المياه الجوفية ولا مليار من أمطار سماء خجولة، فالبلاد تشرب ذاكرتها الآن، وكأن الماء باتَ ذاكرة مشروطة وقيدًا في معصم الطفولة. الطفل الذي لم يرَ النهر، يعرفه كمبحثٍ يُناقش لا يُعاش وحلم لم يدركه.
تحت شجرة ميتة تُعاند الغبار بين دجلة والفرات، كان طفلٌ آخر يرى في أغصانها المتيبّسة خيمةً من الحكايا. دجلة، مثل النيل، مجرّد سيرةٍ تُروى في لهجة خشنة، حيث الأرقام تنوب عن الجريان، والسياسات تُكتب على صفحة الماء منذ أنزلَت تركيا مقصلة سدودها على رقبة النهرين.
كان دجلة يقطع العراق بطول 1400 كيلومتر، والفرات بطول 1100 كيلومتر، كلاهما ينبع من شمالٍ بعيد. كانت المعاهدات تُكتب، تُخرق، ثم تُنكر. اتفاقيات حسن الجوار لم تكن كافية لتمنع تركيا من أن تحبس الماء في سدودٍ تخبّئ الضوء خلف الأسمنت. في العام 1966، اكتشف العراق أن سد كيبان الذي قيل إنه سيحمل 9 مليارات متر مكعب، قد تضخّم حتى بلغ 30 مليارًا. وفي صمتٍ مهيب، تناقصت مياه العراق من 29 مليار إلى 4.4 مليار متر مكعب في الفرات، ومن 20.9 مليار إلى 9.7 مليار متر مكعب في دجلة. كان النهر يُسحب من تحت العراق، فلم يرَ الطفل نهَريه.
طفلٌ ثالثٌ، قالت له جدته ذات مساء: "سوريا كانت تشرب من النهر فتزرع القمح وتُخرج الخبز من الأرض كما يخرج الحنين من صدري". لكنه لم يرَ هذا المشهد. ما رآه كان صورة أخرى: صنبور ينقط. أرضٌ تشقّقت حتى بدا فيها التاريخ وكأنه مريضٌ لا يُشفى.
القصص تتبدل. لم تعد الحقول تنتظر الشتاء، بل تنتظر الأسى. من عام 2020 سقطت السماء في صمت، واختنق التراب من الجفاف. الحرارة ترتفع، والتربة تتقلص، والمزارعون يفرّون من الفأس إلى المقاهي المهجورة، يبحثون عن عملٍ لا يحتاج ماءً ولا موسمًا. فالفرات، الذي كان كالنشيد، صار همسًا بالكاد يُسمع.
كان الفرات يمرّ بسوريا قبل أن يذوب في الخليج كأنّه يريد أن يختفي من الخريطة بهدوء. لكن تدفقه نقص بنسبة 40%. كانت الأرقام تنطق، لكنها لا تروي عطشًا. 244 متر مكعب في الثانية عام 2020، نصف ما اتُّفِق عليه في المعاهدات. فالفرات لم يعد نهرًا، بل جدالاً بين دولتين كلٌّ منهما ترى الماء من شرفتها ولا تُرسله.
الجفاف الذي قيل إنه كان يحدث كل 250 عامًا، بات يحدث كل خمسة أعوام. الحرارة تزداد، والحقول تنام بلا حصاد، والمياه الجوفية تُضَخ أكثر مما تتجدد، كأن الشعب يحفر في جلده ليشرب. خسر السوريون 2.2 مليار متر مكعب من المسطحات المائية، وتقلّصت أحلام القمح حتى وصلت إلى أدنى محصول منذ نصف قرن.
الطفل الذي لم يرَ النهر، كان ينظر إلى صور الأقمار الصناعية فيرى ما تبقى لديه ماء. في المدارس، لم يعد ما يسمّى “الهلال الخصيب”، الخرائط الملوّنة القادمة من الشمال، توقّفت عند سوريا والعراق. بدا البلدان كآثارٍ آشورية.
كان مشروع “جنوب شرق الأناضول” التركي نقطة التحول. واحد وعشرون سدًّا ومئات القنوات والمضخات حجبت مياه الفرات ودجلة كما تُحجب الشمس عن قريةٍ لم تُوقّع على الضوء. كانت المياه تُخزّن وتُصنّف، وتُراقب وتُدار كأنها أسهم في بورصة جيوسياسية. وبدأ العراق يحصي خسائره: من 29 مليار إلى 4.4 في الفرات، ومن 20.93 إلى 9.7 في دجلة. سدود تُبنى فوق التاريخ، وبلادٌ تجفّ من الداخل.
إيران أيضًا، الجارة الشرقية، قرّرت أن تُعيد رسم مجاري الأنهار. الزاب الصغير، ديالى، الكرخة، كارون. أسماء نهرية تحوّلت إلى سجلات في نزاع إقليمي. في خمسينيات القرن الماضي، بدأت إيران بتحويل مجاري المياه، ثم ثبّتت مشروع “المياه الاستوائية” عام 2011، والذي حرّف مسار ديالى وزنكان، أكبر رافدين لدجلة من الشرق.
الطفل الذي لم يرَ النهر لم يكن يعلم أن نهرًا يمكن أن يُختطف. ظنّ أن النهر يحفر طريقه بنفسه، أن الجاذبية كافية لتجعله يصل. لكنه بدأ يفهم أن الماء لم يعد يتبع الانحدار الطبيعي بل الانحدار السياسي.
وكانت النتيجة: مزارعين تركوا محاريثهم، قرى هجرت آبارها، وقمحًا لا يجد ما يكفي من الحياة ليصير رغيفًا. النهر لم يعُد نهرًا، بل قضية. والطفل، كلما قرأ أكثر، اكتشف أن الطفولة في المنطقة لا تبدأ بماء، بل بأسئلة عن الماضي.
كان في سوريا أنهار، وكان فينا عطشٌ للحب أكثر من الماء. لكن الفرات سرقته المواسم ولم تعُد. كانت سوريا تحفر في ذاكرة الطين، تبحث عن جدولٍ يرويها، لكن كل ما وجدته كان تقارير من منظمة الأرصاد، وتحذيرات من مناخٍ تحوّل إلى وحش لا يُروّض. لم يكن الجفاف حدثًا طبيعيًّا فحسب، بل تراكبًا من انعدام الاتفاقات، وتحوّلات سياسية، وبنية تحتية شاخت قبل أوانها.
منذ العام 2000، بدأت البلاد تخسر مياهها كما يخسر الشاعر مفرداته. أولًا بالتبخر. ثم الحفر الجائر. ثم الهدر، ثم الحرب. 34 مليون متر مكعب تُسحب سنويًّا من المياه الجوفية، دون قدرة للأرض على تجديدها. والمطر، حين يأتي، لا يعرف أين يسقط. وكأن السماء صارت بلا خريطة.
في العام 2010، وقبل أن ينفجر كل شيء، كان الإنتاج الزراعي قد انخفض بمقدار الثلث. وفي 2021، لم تحصد سوريا سوى مليون طن من القمح، ربع ما كانت تحصده في العقد السابق. الخبز، الذي كان رمزًا للكرامة، أصبح مهددًا مثل كل رموز الكينونة.
حتى المياه التي كانت تصل إلى المدن بنسبة 98%، باتت اليوم لا تتعدى النصف. فالشبكات تحللت، والصرف الصحي اختنق، والأرض صارت لا تميّز بين ما يُروى وما يُهدَر. والزلزال الذي ضربها عام 2023 لم يكن هزة في الصخور فقط، بل رجّة في وجدان المياه. أنابيب مكسورة، آبار جافة، وقرى تشرب من دِلاء الحظّ. والطفل الذي لم يرَ النهر يعرف أن الكارثة تأتي على مراحل، حتى يتعود الإنسان على العطش، كما يتعود على الغياب.
كان الطفل يظن، حين يسمع عن النهر، أنه كائن يُولد وينساب من تلقاء نفسه، فكيف اختُصرَ مجرى الماء في قرارٍ في غرفة اجتماعات أو توقيعٍ جافّ تحت وثيقةٍ لا تعرف ما هو الظمأ؟ مع الوقت، بدأ يدرك أن الماء لا يجري إلا في منطق القوة، حيث العطش ليس فقط معاناة فيزيولوجية، بل مشروع داخلي من الإنهاك المستمر، إذ يُجبر الإنسان على أن يكون "ذاتًا منتجة" في ظروف نقص الحياة ذاتها. والنهر الذي لم يرهُ الطفل تحوّل من يقينٍ ثابت إلى احتمالية هشّة، حيث الحاضر لا يَعِد بمستقبل يمكن التنبؤ به، ليصبح النهر الغائب لا مجرد نقص طبيعي، بل نقطة تقاطع لأنظمة الهيمنة: الاقتصادية والسياسية والمعرفية والرقابية.
في بلادٍ شُقّت من بين الرمال، كان هنالك نظامٌ مائي كالكتف يحمل الصخور. فالأردن، لا يملك من الماء إلا ما تبقى من رجفة السماء. تسعون بالمئة من أراضيه لا تنال سوى مئة ملّيمتر من المطر سنويًّا. وكان الطفل الذي لم يرَ النهر يتردد كظلٍ خافت خلف كلمات مثل «التقنين» و«التصحر» و«الاتفاقيات». لكنه لم يكن يعلم أن الجفاف في الأردن ليس مصيبة طبيعية فحسب، بل نتيجة سياسية.
كان نهره الذي لم يقدّر له رؤيته يجري "بيننا وبينهم"، لم تكن مسافة جغرافية، بل لعنة سياسية. فإسرائيل لم تكتفِ باحتلال الأرض، بل مدت يدها إلى منبع الحياة ذاته. سارقةً من الأردن نصف شريانه المائي، ثم التفتت شمالًا إلى اليرموك ثم الليطاني، وعينها جنوبًا نحو النيل، كما لو أن الماء حقٌّ سماوي لا يستحقه إلا من يؤمن بأنه في الأرض الموعودة. والطفل الذي لم يرَ النهر، بدأ يشكّ إن كان الماء وُجد أصلًا من أجل الإنسان، أم من أجل خرائط "المختارين".
في هذه المنطقة، لم تكن الأنهار وحدها تحت الحصار، بل حتى السماء. فالمطر نادر، والنبوءات قاتمة. بحلول 2100 سيقلّ الهطول في الأردن 30%، وسيتضاعف الجفاف ثلاث مرات. لم تكن تلك نبوءات كهنة البتراء القديمة، بل دراسات تقول إن الحياة في هذه البقعة ستصبح معركةً يومية بين الإنسان والعراء.
وإسرائيل لن تنتظر العام 2100. فمنذ الخمسينيات، كانت تخطّط للاستيلاء على مجرى نهر الأردن. فمشروع “الناقل الوطني” فلسفة توسعية ترى أن من يتحكم بالماء يتحكم بالمستقبل. والمياه حُوّلت من بحيرة طبريا إلى صحراء النقب، لتزهر المستوطنات وتذبل الضواحي العربية.
عام 1964 عقد العرب مؤتمرًا في القاهرة ليقترحوا تخزين المياه بعيدًا عن يد الاحتلال، ببناء سدود على اليرموك وبانياس والحاصباني. لكن الرد الإسرائيلي كان سريعًا: قصف، وتهديد، وعدوان. في 1966، هاجموا سد خالد بن الوليد. وبعدها بعام، كانت حربٌ، لم تُشنّ فقط على الأرض، بل على الماء.
الطفل الذي لم يرَ النهر، قرأ أن أول قمة عربية كانت من أجل الماء. لم تكن من أجل الشعر أو الفلسفة، بل من أجل الحق في أن تشرب أمة. أدرك أن الماء ليس سائلًا، بل ذاكرة مقاومة. وأن النهر، حين يُسرق، لا يعني فقط نهاية الزراعة، بل بداية النسيان. صار الماء لغةً جديدة في الصراع. وحين نظر الطفل إلى النهر في خياله، لم يره يتلوى كحيةٍ من الفضة، بل كجنديٍ مقيد على بوابة التاريخ.
كان الطفل قد كبر. لم يعد طفلًا. لكنّه ما زال لم يرَ النهر. كبر وهو يجمع تقارير منظمات وحكايا أجداد، صار جسده ظلًّا لذاكرة لم يعشها، وحنينًا يمشي على قدمين. كل جيل فينا له نهرٌ مفقود، لكن جيلًا قادمًا لم يعد له حتى ضفاف يحلم بها.
لم يكن الجفاف في الأرض وحدها، بل في اللغة. فالكلمات التي تصف الماء باتت غامضة: “شُحّ”، “نُدرة”، “تحلية”، “إعادة تدوير”، “الملء الثالث”. لم يعد الطفل يسمع أن نهرًا "يجري"، أو “مصبّ”، أو “روافد”. حتى صوت الماء في الأغاني بات مؤثرًا صوتيًّا مسجلًا، لا ذاكرةً حسية.
أصبح الماء كائنًا بيروقراطيًّا: يُدار، يُقنن، يُصنَّف، يُعاد تدويره، آبارٌ تحفر عميقًا في الصخر دون وعدٍ رطب. وكل دولة تقيم سدودها، تنقح اتفاقياتها، تلوّح بحقوقها السيادية، لكن أحدًا لم يسأل: من سيعلّم الأطفال معنى النهر؟ والماء الذي كان يغسل الوجوه كل صباح، صار يُقاس باللترات، ويُطلب بالحصة. كيف لجماعةٍ أن تبني حضارتها بلا نهر؟ كيف ينمو الخيال إذا جفّ مجراه الأول؟ كيف يدرك الطفل الذي لم يرَ النهر أن الماء بداية كل سرد، كل حُلم، كل طفولة؟
الطفل الذي لم يرَ النهر ليس مجرد ضحية، إنهُ استعارة لكينونة محكومة بالانقطاع بين الأصل والذاكرة، وغياب النهر قد يولّد لديه فعل مقاومة، نداءً إلى الحقيقة، وفاءً جماعيًّا لاسمٍ مفقود هو "الماء". فالعطش يلد جيلًا جديدًا لا يقبل أن تكون طفولته قد ضاعت بلا جدول. والنهر الغائب يعني اختفاء الفضاء الذي يجتمع فيه البشر كجماعة حية، فينكمش العالم ويغدو الناس مجرد أفراد عطشى، أطفالهم يبنون تصوّرًا عن الطبيعة ذا بنيات معرفية مشوّهة، حيث يصبح الماء فكرة مدرسية أو صورة افتراضية، لا تجربة حسية حقيقية.
ربّما تكون المجتمعات قادرة على نقد أخطائها وبناء سياسات تصحيح، إذا اختارت أن ترى الجفاف لا قدرًا بل مسألة علمية وسياسية قابلة للتجريب والمراجعة. فحرمان الشعوب من الماء هو شكل من أشكال صناعة الموت وعلامة على انهيار الدورات الطبيعية والاجتماعية والسياسية، وأيضًا، شرارة ممكنة لحقيقة جديدة، إن استعاد الناس علاقتهم بالعنصر الأول الذي صنع الحضارات.