كنا نسير على الطريق السيارة في رحلة من الرباط إلى طنجة، حين اجتاحتني مشاعر مختلطة من الفرح والخوف، ومن اللهفة والتردد. شعرت كما لو أنني على وشك لقاء حبيبة لم أرها من قبل، وكان كلّ ما قرأته عن تلك المدينة يسبح في الهواء ليشكّل هوسًا لا يترك لي مجالًا للشفاء.
كانت التوقعات تتداخل، بين ما هو ممكن وما هو مستحيل، في لحظة واحدة. وسط خيالاتي وأحلام اليقظة، كما يسمّيها غاستون باشلار، لم ألاحظ أنني كنت أسأل صديقي الشاعر السوري محمد القاطوف - وهو يدير مقود السيارة - عن الوقت المتبقي للوصول إلى طنجة كل ربع ساعة تقريبًا، وكان كلما فاجأته بسؤالي، انتزعته من شروده، هفقد ظلّ عالقًا في مدينة الرباط لسنوات؛ ربما كان يسأل نفسه في لحظات مسيّجة بالجمال: "ماذا يفعل مشرقيّ في المغرب؟".
فجأة، استدارت السيارة نحو الشمال، ووجدنا أنفسنا نرتقي هضبة عالية. وفي لحظة، برز أمامنا الأزرق الفاتن كما لو كان يشعّ من قلب البحر. كما لو كان إلهًا. كانت المدينة لوحة من الألوان الساحرة، ونحن مجرّد خيط عابر في مائها، ما زلت أذكر ذلك الشعور الغريب، وكأن قلبي انتزع من مكانه، كما لو أن روحي كانت تخرج من جسدي وتذوب شيئًا فشيئًا. مصعوقًا بجمالها، بالأزرق اللامتناهي، بالخضرة، وبالامتداد الشاسع، غرقت في صمت يشبه الإيمان.
ها قد وصلت..
مدينة تقاطعت فيها الثقافات
حين لا مسّت قدماي طنجة العالية تذكرت كلمات محمد شكري عن مدينته التي قيل إنه كان يغار من كلّ من يكتب عنها "ستظلّ طنجة مدينتي الأثيرة، رغم أن هناك مدنا أجمل منها". كان شكري يعترف بأنه لو عاش في مدينة أخرى عدا طنجة لما كتب ما كتب: إنها مدينته الأثيرة التي ربّما كان يتمنى ألا يكتب عنها أحد سواه، لأنه قد يكون الكاتب الوحيد الذي امتلك أسرارها.
ولقد ذهب الرجل في حبها أكثر من ذلك، فحين كان يسأل عن الزواج ولماذا ظل عازبا يظل يردّد "لقد تزوجت بطنجة".
بلغ عشقه لها الحدّ الذي كان يَغار فيه من كلّ من يكتب عنها، وأظنني في تلك اللحظة قد فهمت ما يعنيه ذلك الشعور وجدت له ما يبرره، بل وتشاركت معه في تلك الفكرة. لقد اعتبر الكتّاب العالميين الذين عاشوا في هذه المدينة أومروا بها، بالنسبة إليه كانوا يكتبون "بطاقات بريدية" على حدّ وصفه.
وقد عبّر عن ذلك بلغة حادّة في كتابه "بول بولز وعزلة طنجة" إذ يقول: "ما أكثر الذين تكلموا أو كتبوا عن طنجة فقط من خلال أهوائهم وملذاتهم، أو نزواتهم واستجمامهم، أو حاولوا نسيان شقائهم فيها. إذن فطنجة هي لبعضهم ماخور أو شاطئ جميل أو مستوصف مريح".
من الكتّاب العالمين الذي تصادم معهم شكري كان الكاتب بول بولز الذي عاش طويلًا في طنجة، فالكاتب الأميركي "كان يريد أن يبقى المغرب كما شهده في الثلاثينيات والأربعينيات "حيث كلّ شيء يمكن فعله ما دمت تملك ثمنه"، وهذه الفكرة تبدو لشكري "استعمارية محضة".
تعد طنجة واحدة من أكثر المدن جذبًا للكتاب والفنانين العالميين، أصبحت منذ سنوات طويلة مركزًا ثقافيًا هامًا. يعود هذا الاهتمام إلى موقعها الاستراتيجي باعتبارها أقرب نقطة بين أفريقيا وأوروبا، فضلًا عن تاريخها الفريد. شهدت المدينة ازدهارًا كبيرًا في فترة الحماية الفرنسية، ما جعلها مقصدًا للعديد من الأدباء والفنانين من مختلف أنحاء العالم..
من أبرز الأسماء التي ارتبطت بطنجة بجانب بولز، مثل تينيسي ويليامز، جيرترود شتاين، جان جينيه، ووليام بوراوز، وجاك كيرواك، وألن غينسبرغ، وباربارا هوتون، وهنري ماتيس ورامبرانت ودولاكروا وبورخيس والكاتب الفرنسي سامويل بكيت، والشاعر العراقي سعدي يوسف الذي كتب فيها ديوانا شعريًا هو "ديوان طنجة" يقول في قصيدة منه:
"أجلسُ في المقهى
مقهى القدّيسةِ باولا
Cafe' Santa Paola
منذ الصّبحِ الباكرِ أجلسُ في المقهى:
طنجةُ تستيقظُ .
لستُ أنا مَن يُوقِظُ طنجـةَ ...
مَن قالَ: الحلمُ ينام؟
.............
طنجةُ سيّدةُ الأنوارِ السبعةِ
أغنيةُ البَحّار".
صحيح أن عددًا كبيرًا من الفنانين والموسيقيين المشهورين زاروا هذه المدينة، يظل صاحب "الخبز الحافي" أكثر من ساهم في ذيوع شهرة المدينة؛ فقد عاش في طنجة وكتب عنها في سيرته الذاتية، وهو ما جعلها تكتسب بعدًا أدبيًا وثقافيًا عالميًا، إذ أبرز الحياة اليومية في طنجة وجعلها أكثر شهرة بين الأدباء العالميين في أعماله؛ فهي مدينته وهو كاتبها. لذلك كان يقول: "لكلّ كاتب مدينته. كازبلانكا لمحمد زفزاف وطنجة لي وحدي أنا أيضًا وقد وصلت إلى مدينتي أقول طنجة لي وحدي".
مدينة تشبه لوحة فنية مليئة بالألوان والتفاصيل، وكنت أعتقد أن كل زاوية وكل شجرة تحمل قصّة من القصص التي لم تروَ بعد. رأيت في هذه المدينة تجمعًا للثقافات المختلفة التي شكلت هويتها، من الكتابات التي استلهمت منها الأجيال الجديدة إلى التاريخ الذي خلفه الأدباء الذين مروا من هنا. كان البحر هناك، يروي قصصهم، وكانت الأزقة تشهد على اللقاءات الفكرية التي كان ينسجها الكتاب حول المقاهي القديمة.
كل هذا الجمال جعلني أشترك مع شكري في رأيه حول الكتاب الذين لم يرو في المدينة سوى مستنقع للملذّات فيما لم تلامس كتابتهم شوى القشور معتقدين أنها بطاقة بريدية، ها أنا أصعد هضبة مرشان في اتجاه مقهى الحافة لدي موعد مع محمد شكري سنشرب كاس أتاي.
لقاءات مقهى الحافة
هو واحد من أقدم المقاهي التاريخية التي حافظت على طابعها التقليدي منذ تأسيسه قبل أكثر من مائة عام على يد الراحل "با محمد"، ويقع في منطقة مرشان، التي كانت تعد من أرقى المناطق في طنجة خلال فترة الاستعمار، ويتميز المقهى بموقعه الذي يطل على البحر الأبيض المتوسط، ويستقطب الزوار من مختلف الجنسيات، بما في ذلك الكتاب، والشعراء، والطلاب، والعائلات، الذين يزورونه بحثًا عن الهدوء والهواء النقي بعيدًا عن صخب المدينة.
في بداياته، كان المقهى مكانًا بسيطًا يجلس فيه الزوار على حصائر وزرابي، ويتبادلون أطراف الحديث ويستمتعون بالموسيقى المحلية، ومع مرور الوقت، أصبح مقهى الحافة مقصدًا للمبدعين، مثل الروائيين محمد شكري، والطاهر بن جلون، وبول بولز، الذين وجدوا فيه الإلهام والهدوء. يعتبر المقهى أيضًا مكانًا للآمال، خاصة للزوار الذين يتطلعون للهجرة إلى أوروبا، حيث يمكنهم رؤية السواحل الإسبانية عبر البحر.
في عام 2016، صُنّف المقهى ضمن الآثار الوطنية بقرار من وزارة الثقافة، ما يعكس أهميته الثقافية والتاريخية. كان المقهى هادئًا، باستثناء بعض الزبائن الذين يقرأون الصحف أو يتناولون القهوة والشاي وفشعرت بأنني دخلت في عالمٍ بعيد، زمن مختلف. تمنيت لو أنني عشت تلك اللحظات التي كان فيها محمد شكري وجيله يجتمعون حول الطاولات الصغيرة، يناقشون أفكارهم حول الحياة والفن. لكن، في تلك اللحظة، كان المكان أشبه بنسخة مشوهة عن الماضي..
سألت النادل – وكان شابًا في العشرينات -عن المكان الذي كان يجلس فيه شكري، فأشار الى طاولة أصبحت مكتبًا لصاحب المقهى يصفي فيها حساباته.. كدت أن أصرح بأعلى صوتي وانا أقف أعلى مضيق جبل طارق.. إنهم يسرقون المدينة منك يا محمد.
رسائل تباع في الأسواق
الصدفة أيضًا جعلتني ألتقي بشاب مغربي يعمل في الصحافة الاستقصائية، بدأنا الحديث عن الأدب والتاريخ الثقافي للمدينة. بعد لحظات أصبح الموضوع يتعلق بمحمد شكري، وحدثني الشاب عن أمر غريب وصادم ومخيب للآمال –رسائل محمد شكري مع محمود درويش، وأيضًا رسائله مع ياسر عرفات، كانت تُباع في أسواق طنجة بعشرة دراهم.
هكذا قالها: "عشرة الدراهم"، وكان صوته يرن في أذنيّ رنينًا قاسيًا.. في البداية، لم أصدق ما قاله، لكن الشاب أوضح لي أن هذه الرسائل التي كانت تحمل بين طياتها أفكارًا من أرقى العقول، تم تداولها بطريقة غير قانونية. كان حديثه مؤلمًا للغاية، لا سيما عندما أخبرني أن المؤسّسة التي تهتم بتراث محمد شكري لم تقم بحماية هذه الوثائق الثمينة.
كنت أشعر بالدهشة والحزن في آن واحد؛ كيف يمكن أن تُباع رسائل بهذا الحجم الأدبي والإنساني في الأسواق؟ كيف يمكن أن يُفرط في هذه الوثائق التي تعتبر جزءًا من هوية الأدب العربي المعاصر؟ وكان هذا الخبر الذي جمدني من الداخل يشير إلى مسألة أكبر، وهي قضية الحفاظ على التراث الأدبي وحمايته. لم يكن هذا مجرد تسريب لرسائل شخصية، بل كان ضياعًا لجزء من ذاكرة وطنية كان من المفترض أن يتم الحفاظ عليها للأجيال القادمة..
تذكرت وسط اندهاشي مقولة يبدو كانت للناقد الأدبي السوري حسان عباس: "التراث الأدبي العربي في خطر دائم، والمهمة الكبرى هي الحفاظ على هذه الكنوز الثقافية وحمايتها من التبديد والتشويه". وهو ما يعكس أهمية العمل الجاد في الحفاظ على رسائل الأدباء ومذكراتهم التي تعتبر ثروة أدبية تحتاج إلى رعاية خاصة.
أمام هذه الحقائق الموجعة تيقنت أنه لم يسرق المدينة فقط. وحولوها الى مجرد رمز سياحي بل انهم يسرقون التاريخ الشخي هويتها ومعالمها وسيرة أبطالها..
إرث محمد شكري
طنجة كانت أيضًا تذكيرًا لي بأن الأدب ليس مجرد كلمات تُكتب، بل هو قوة حية تُغير حياة البشر. كان صاحب " السوق الداخلي يريد أن يكتب تاريخه الفردي في طنجة، نكاية بكل "تاريخ رسمي مأجور" ". فكلّ تجربة عاشها الإنسان تستحق أن تكتب وتقرأ في نظره.يكتب عن الحياة كما هي، بكل تفاصيلها المظلمة والمضيئة. لم يكن يهرب من أخطائه ومغامراته بل كان يرويها بكل جمالها ومرارتها دون خجل او اعتبارات أخلاقية. هكذا عشقته طنجة كما عشقها..
في كتابه "الخبز الحافي"، يقول محمد شكري: "كانت يدي مغسولة بالقهر، ولكن فكري كان يسبح في بحر من الحرية"، هذه الكلمات تعكس الصراع الداخلي الذي خاضه شكري في حياته، وهو صراع كان يراه من خلال قلمه، ويكشف عن المدى الذي يمكن أن يصل إليه الأدب في تحرير الإنسان من القيود.
كانت روايته "الخبز الحافي" أكثر من مجرد رواية، كانت بمثابة شهادة على الحياة التي عاشها محمد شكري، وشهادة على شجاعة الأدب في مواجهة التحديات، كانت كلماته كأنها صرخات من أعماق الحياة اليومية، يواجه فيها قسوة الواقع بكلمات لا تعرف الخوف. لم يكن شكري مجرد كاتب، بل كان رائدًا في تقديم صورة حقيقية للإنسان المغربي والعربي.
مدينة لا تُنسى
وفي ختام رحلتي إلى طنجة، أدركت أن المدينة ليست مجرد مكان للزيارة، بل هي حالة من الوجود. لم تكن طنجة بالنسبة لي مجرد وجهة سياحية ولا بطاقة بريدية كانت مصدرًا للإلهام، ومرآة لثقافة وأدب عريق لا يزال ينبض في شوارعها وأزقتها، كانت المدينة تحتفظ في طياتها بحكايات كثيرة، من بينها حكاية محمد شكري، الذي ترك فيها جزءًا من روحه، لا يزال حيًا في كل كلمة كتبها، وفي كل ذكرى تركها وراءه. هذا ما شعرت به في أعماقي وأنا أصعد ضبط وأنزل شارعا والتقي الأزرق العظيم.
طنجة، بالنسبة لي، كانت أكثر من مجرد مدينة، كانت مدينة تروي الحكايات، وتحتفظ بالأدب في كل زاوية، وفي كل شارع. كان هناك دائمًا شيء غير مرئي، شيء لا يُمسك، لكنك تشعر به في الهواء، في الرياح التي تعبر فوق البحر، وفي الأرصفة التي مر بها كل أولئك الذين صنعوا الأدب والحياة في تلك المدينة. قلت لنفسي فيما صديقي السوري يدير محرك السيارة لمغادرة الجنة. إنهم مهما حاولوا تشويه طنجة وتحويلها الى مجرّد رمز سياحي فانهم لن يسرقوا روح كتابها، إنهم باقون في الوجدان الجماعي للناس أو أظنه كذلك.
يتحدث شكري في كتابه "بول بوولز وعزلة طنجة"، هذه الطنجة التي أعيت المؤرخين والباحثين عبثًا عن أصل من بناها هي-حسب الأسطورة الطنجاوية- وليدة الطوفان، فقد عادت الحمامة وصاح نوح، "طين جا" فإذا فلكه ترسو قرب هضبة الشرف يتقاطع في طنجة الأسطورة والتاريخ غير أنها لا تبوح بسرها الخالد فهي تعيش في ديمومة ذاكرة صمتها – اللغز والصمت والحكمة- غير أن ميلان كونديرا يبرر هذا الطرح اللغزوي في قوله "صراع الانسان في الحياة هو صراع الذاكرة ضد النسيان".












