لن تجد حزبًا سياسيًا إلا ويحمل ادعاءً سياسيًا أخلاقيًا يحدّد من خلاله هويتّه، إمّا إيمانًا حقيقيًا من قيادته وأعضائه بما يتضمّنه هذا الادّعاء، وإمّا تعبيرًا عن انتهازية سياسيّة لما يوفره هذا الادعاء من إمكانية استقطاب قبولٍ شعبي.
فبعض الأحزاب تدّعي الدفاع عن العمال والفقراء، وأخرى عن الحريّة من قيود الدولة وضرائبها، ومن الأحزاب من يدّعي نصرة أمّة بحالها، أو طبقة اجتماعية ما، وحتى الدفاع عن الكوكب وإمكانية الحياة البشرية عليه، كما هي الحال مع أحزاب بيئية عديدة.
لا استثناء لبنانيًا فيما يخص الأحزاب وادعاءاتها، غير أن الفرادة اللبنانية تظهر في طبيعة هذه الادعاءات، التي يكاد يغيب فيها، على مستوى الخطاب، الادعاء السياسي الذي يحدّد مصالح فئة اجتماعية بذاتها، على عكس الممارسة التي لا تزال محكومة بلغة الفئة والطائفة والمجوعة.
ويطغى بذلك على شُرَعِ الأحزاب ومواثيقها مجموعة من المواقف العامة الداعمة لكل كلمة أو تعبير له رنّة إيجابية على الأذن. فأحزابنا داعمة للعدالة الاجتماعية والاقتصاد الحرّ، لدولة الرعاية ولتقليص الضرائب، لتحسين خدمات الدولة ولخصخصتها، وللزراعة والصناعة والسياحة والخدمات والوظيفة والريادة والمبادرة الفردية والملكية الخاصة والعامة.
وسيجد من لديه الوقت لتصفح هذه الشُرَع والمواثيق، أنّ القضايا التي تُفرّق بين حزب وآخر في لبنان محدودة جدًا، إلى درجة يبدو فيها أن هذه الأحزاب التي لا تنفك تتصارع على مستوى الممارسة، تتفق إلى حدٍّ كبير ٍّعلى مستوى الخطاب.
وعلى ما في الأمر من مفارقة، فإنه لا يستدعي أيّة حيرة، فسبب النحو باتجاه استبدال الادعاءات السياسية بتلك الأخلاقية العامة مفهوم؛ فكلّ حزب سياسي في لبنان هو تورية عن زعامة طائفية، وكل زعامة طائفية تهدف إلى الاستئثار بقيادة الطائفة التي ورثها الزعيم هويةً بالولادة، وبالتالي، فإن الادعاءات السياسية المباشرة قد تبعد جزءًا من جمهور الطائفة عن الزعيم من دون أيّ مكسب مقابل. فإن جاهر بأولوية الدفاع عن الفقراء، خسر افتراضيًا جزءًا من أثرياء الطائفة من دون أن يكسب فقراء الطوائف الأخرى والعكس بالعكس.
من هنا، تصبح شعارات فضفاضة وغامضة لا تقول شيئًا، هي الشيء الوحيد الممكن قوله، كمكافحة الفساد، ورفض الزبائنية، والدفاع عن السيادة والحرية؛ أي مجموعة من الشعارات المتفق عليها، والتي يصعب لأي أحد فعليًا رفضها أو نقضها.
أحزاب طائفية ضد الطائفية
ولكن إذا كان كلّ هذا مفهومًا، فإن هناك بندًا مشتركًا في ميثاق وشرعة كل حزب في لبنان يطرح علامة استفهام جدية. لماذا يصر كل حزب طائفي في لبنان على أن ينص بيانه السياسي على شكلٍ من أشكال رفض الطائفية والدعوة الى إلغائها؟ ذلك مع العلم، أن طائفية الزعيم والحزب غير متنازعٍ عليها لدى قواعد هذه الأحزاب حتى يضطر تحت ضغط شعبي ما أن يذكر ضرورة تخطي الطائفية.
فميثاق حركة أمل، بقيادة نبيه بري، يعتبر "أن نظام الطائفية السياسية في لبنان لم يعط ثماره، وهو الآن يمنع التطوّر السياسي ويجمّد المؤسسات الوطنية ويصنّف المواطنين ويزعزع الوحدة الوطنية".
أمّا ميثاق التيار الوطني الحر فلا يقف عند نفي الطائفية، بل يشير في البند الرابع أن من أهداف التيار التي ينبغي تحقيقها "التربية على المواطنية من أجل تحقيق المساواة بين اللبنانيين، ووضع قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، وفصل الممارسة السياسية عن الدّين، سعيًا الى الدّولة العلمانية،" سبقه الى ذلك بعقود كمال جنبلاط في تحديد ماهية الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسّسه، داعيًا الى "علمنة الدولة واحترام حرية المعتقد في كافة المناطق والأرجاء.'
تيّار المستقبل الذي لمّح رئيسه سعد الحريري بالعودة إلى العمل السياسي مؤخرًا يؤكد أيضًا في رؤيته السياسية ضرورة "إلغاء الطائفية السياسية لأجل وحدة أرض لبنان".
فقط القوات اللبنانية وحزب الله يتمايزان، ليس لجهة احتضانهم للنظام الطائفي والدفاع عنه، وهو ما كان ليكون موقفًا مقدّرًا ليس لمضمونه بالضرورة؛ بل على الأقل لصدقيته ولانسجامه مع واقع أدائهم السياسي من الانتخابات النيابية وصولًا إلى التمثيل الوزاري، بل يقتصر هذا التمايز على تقبّلهم للنظام الطائفي كمرحلة وسيطة بانتظار توفر شروط إلغاء الطائفية.
فحزب الله يقول في وثيقته السياسية "إن المشكلة الأساسية في النظام السياسي اللبناني، والتي تمنع إصلاحه وتطويره وتحديثه بشكل مستمر هي الطائفية السياسية، لذلك فإن الشرط الأساس لتطبيق ديمقراطية حقيقية، هو إلغاء الطائفية السياسية من النظام. وطالما أن النظام السياسي يقوم على أسسٍ طائفية فإن الديمقراطية التوافقية تبقى القاعدة الأساس للحكم في لبنان".
أما شُرعة القوات اللبنانية فتحذر من "التطرق إلى هذا الموضوع (التوزيع الطائفي للسلطة) بمعزل عن أسس الكيان، ولا سيما أنه يعكس الترابط السببي بين التنوع البنيوي للمجتمع والنظام السياسي. إن أي فصل بين الاثنين لا بد من أن يؤدي إلى تغيير، غير مرغوب فيه، في جوهر الكيان وطبيعته. إن تخطي الطائفية السياسية ممكن، ولكن شرطه الضروري المسبق هو تكوّن ثقافة مدنيّة أساسها الإنسان – الفرد بذاته، ومواطنة مدنية تستقي محتواها من مَعين ثقافيٍّ واحد تتقاسمه الجماعات كلّها".
بغض النظر عمّا في هذه التركيبات اللغوية المختلفة من صواب أم مغالطات، نعود إلى السؤال الأساس، لماذا تجتمع الأحزاب الطائفية في لبنان على ذم الطائفية ومدح تخطيها؟ والسؤال هذا يصبح أكثر إلحاحًا مع انتشار عدوى هذا التنافر المعرفي Cognitive Dissonance ليصيب النظام السياسي اللبناني برمّته.
فدستور لبنان مصاب بعدوى نبذ الطائفية وتشريعها، وهو في ذلك سبّاق، وما أحزابُنا إلا مكرِّرة لتركيبة قديمة، إذ أن الدستور اللبناني وضع عام 1926 تحت الانتداب الفرنسي، وعدّل تعديلات كبيرة مرتين، الأولى في أعقاب استقلاله عن الانتداب الفرنسي عام 1943، والثانية مع انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990. وفي النُّسخ الثلاث، وبصورة تصاعدية مع مرور الزمن، تتكرّر تعابير بغض الطائفية وإصرار دستوري على إلغائها، ولكن دائمًا الوقت المناسب ليس الآن، فالآن لا بد من تحمّل مرحلة انتقالية طائفية بغيضة.
ثلاث مواد نص عليها دستور عام 1926 ولم تعدّل من ذلك الوقت، حددت ولا تزال القِبلة. المادة السابعة تؤكد أن "كلّ اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامّة دون ما فرق بينهم".
وحتى لا يظنّ قارئ الدستور أن السّواسية بين اللبنانيين تتعلّق فقط بالموجبات الملقاة عليهم، أتت المادة التاسعة لتضيف أن "حرية الاعتقاد مطلقة. والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على ألا يكون في ذلك إخلالًا في النظام العام وهي تضمن أيضًا للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية."
وحتى لا يثير التعبير الملتبس وغير المفهوم لغويًا لكيفية أداء الدول لفروض الإجلال لله أي إبهام، أتت المادة الثانية عشرة لتوضح عمليًا أن " لكل لبناني الحق في تولّي الوظائف العامة، لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة حسب الشروط التي ينص عليها القانون".
قد يظنّ الواحد منّا أن الممارسة الطائفية لعقود بعد إقرار هذه النصوص الدستورية، وصولًا الى الاقتتال الطائفي في حرب أهلية دامت 15 عامًا أثبطت شيئًا في عزيمة حامل القلم التشريعي الدستوري ورغبته إلغاء الطائفية.
ولكن خاب من ساورته ظنون كهذه، فالمواد هذه أبقيت، بل وأضيف إليها بندان اثنان وليس واحدًا في مقدمة الدستور التي أُدخِلت إليه عام 1990، لتؤكد الأولى على أن "لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة.. والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل،" والثانية تصيب بيت القصيد بالقول بأن "إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية".
أما الهوّة بين النظام الطائفي وممارساته وهذه النصوص الدستورية المستمرّة منذ فجر الجمهورية إلى يومنا هذا ونحن عشيّة الاحتفال بمئويتها، تجسره المادة 95 منه وهي مادة عُدّلت مرتين بعد إقرارها عام 1926 على الشكل التالي "بصورة موقتة وعملًا بالمادة الأولى من صكّ الانتداب والتماسًا للعدل والوفاق، تُمثّل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دون أن يؤول ذلك إلى الإضرار بمصلحة الدولة،" عُدّلت هذه المادة عام 1943 مع الاستقلال بالحفاظ عليها كاملةً باستثناء تعبير "وعملًا بالمادة الأولى من صك الانتداب" الذي شُطب منها.
إذن لبنان، وعلى الرغم من أن البند الأول في دستوره يشير إلى أنه وطن نهائي لجميع أبنائه، يُحيي العام المقبل السنة المائة من المرحلة المؤقتة التي أشارت إليها المادة 95 من دستور عام 1926، والتي أعيد صياغتها عام 1990 لتُقصّر مهلة انتظار انتهاء المرحلة المؤقتة ليقول إنه "على المجلس المُنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية.." المجلس المشار إليه هو ذاك الذي انتُخب عام 1992.
مرحلة انتقالية
وهنا نعود الى السؤال مجددًا، لماذا الادّعاء المكرر بضرورة إلغاء الطائفية إذن، وهو لا يقتصر على خطابيات الأحزاب الطائفية أبًا عن جدّ، بل أيضًا في دستور البلاد وعند كل محطّة دستورية يعاد التأكيد عليها؟
لماذا لا يوجد حزبٌ سياسيٌّ يُدافع عن الطائفية كغايةٍ نهائيّةٍ للحياة السياسية في لبنان، من منطلق أنها تؤمّن حقوق الجماعات والعدل فيما بينها، وغيرها من الحجج التي تغمر هذه الأحزاب بها الحياة العامة لعقود، وتاليًا يكون الدستور اللبناني مشابهًا لواقع النظام السياسي حقيقة، وليس ادعاء أننا في مرحلة انتقالية عمرها 99 عامًا وتستمرّ؟
لفهم الهوّة بين الادعاء والأداء لا بدّ من محاولة فهم الوظيفة التي تؤدّيها هوّة مختلقة كالتي نتعرض لها، وأولى الوظائف لا بدّ أن تعود إلى أولى أيام تسييس الهويات الدينية حتى أصبح لنا طوائف بالمعنى السياسي في هذه المنطقة، والأمر يعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن نشوء الطوائف كهويّات سياسية كان تركيبًا سياسيًا محلّيًا للتعامل صيغ الحداثة ومتطلباتها التي دخلت بلادنا في تلك الحقبة.
كتب ودراسات عدّة تطرقت إلى مسألة التكوّن التاريخي للطائفية فيما سيصبح "الجمهورية اللبنانية"؛ أبرزها كتاب المؤرّخ وجيه كوثراني "لبنان من المتصرفية العثمانية إلى دولة لبنان الكبير 1858 – 1920" الصادر عام 1976، وكتاب "ثقافة الطائفية" للمؤرّخ أسامة مقدسي الصادر عام 2000.
دراسات تأريخية كهذه تنزع الصفات الأسطورية التي تسقطها السرديات السياسية على التاريخ وتظهر أن الطائفية كهويّة سياسيّة في لبنان ليست أزليّة، بل تركيبًا سياسيًا نشأ خلال القرن التاسع عشر؛ فالسلطنة العثمانية الساعية إلى تخطّي تخلّفها مقابل القوى الأوروبية الصاعدة، قرّرت التمثّل بالحداثة الأوروبية من خلال مجموعة من الإصلاحات سمّيت بـ "التنظيمات" حاولت من خلالها السلطنة إرساء دولة القانون والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع رعاياها.
هذه الإصلاحات أخلّت بشرعيّة رموز النظام القديم السابق لها، وهو نظام كان قائمًا على تراتبية نخبوية من الأمير سنجق القائم على ولايته إلى مجموعة من المشايخ والبكوات وغيرهم القيّمين على نواحي الولاية. في هذا السياق المحلي، وفي أوج الصراع الأوروبي العثماني وانهيار النظام العثماني القديم، والمحاولة المتخبّطة لركوب قافلة الحداثة، تكوّنت الطوائف في جبل لبنان عبر محاولة بنائها كأمم منفصلة، أو محاولة قوميات لتحاكي الدولة-الأمة الأوروبية.
إذا أخذنا واقع التشكل الطائفي في لبنان كمحاكاة المحلية لموجة الحداثة كما يشير مقدسي، وأكملنا النظر في فشل محاولات الأمم الحديثة هذه، نرى كيف انتهت الطائفية إلى إعادة تدوير السلطات المحلية النخبوية لنفسها في لبوس جديد. وأما "الإدارة الجديدة التي دعت إليها التنظيمات العثمانية كمشروع تحديث، فتحوّلت في الممارسة إلى مواقع سلطة بديلة من مواقع المقاطعجيّة، لكن بالعقليّة والذهنيّة ذاتيهما"، كما يشير كوثراني.
وبالتالي يُمكن فهم أن هذا التنافر المعرفي الذي نعاينه منذ مائة عام في لبنان - أي ذمّ الطائفية والإصرار على ممارستها - قائم بالأساس على أن الطائفية بمعناها السياسي تشكّلت من تناقض، بين سعي للحداثة وبين ما انتهى إليه هذا السعي من تجديد لنظام نخبوي قديم. غير أن هذا النظام القديم لم يتوقف عن ادّعاءاته الحداثية، بل حول ممارستها إلى إسقاطات شكليّة لمفاهيم جاهزة على الواقع الاجتماعي عوض إجراء تعديلات بنيوية في علاقة المواطن بالدولة.
فيتحول الرعايا إلى طائفة، والشيخ إلى زعيم، كمحطة أولى قبل أن يتحول الزعيم إلى رئيس حزب ينشئه ليتحوّل معه أهل الطائفة إلى حزبيين. وبذلك نكون شكليًا قد تقبلنا الحداثة ودخلناها فاتحين، بينما نكون صددنا كل ما تستتبعه من دولة قانون، ومواطنة وحقوق وواجبات.
إن تحوّلات شكلية كهذه تصبح أساسية في دول تخرج من عهد الانتداب باحثة عن قبول واعتماد لها من قبل الدول الكبرى المبشرة بالحداثة وبمسؤوليات الدول الحديثة وأدوارها. ولكن إذا كان استبدال الشروال والطربوش بالجينز والآيفون يوحي شكليًا بركوب موجة الحداثة، كيف يمكن التعامل مع النظام الطائفي الذي يُنظر له في الفهم الحداثي كنظام رجعي قبلي يعيق قيام دولة المواطنة؟ المرحلة الانتقالية هي الإجابة. ادعاء الجميع كره النظام الطائفي والنصّ على ذلك في الدستور ومواثيق الأحزاب وشرعها، أما التطبيق فيحتاج بعضًا من الوقت. ومن يستكثر 99 عامًا فليسأل نفسه ما هي الأعوام الـ99 في حياة الأمم؟
كما يمكن الإشارة إلى وظيفة ثانوية، ظرفيّة، لادعاء بغض الطائفية والنظام الطائفي من قبل الأحزاب والزعامات الطائفية، وهي ما يمكن تسميته بتنظيم الصراع المديني الريفي كما الصراع الجيلي في هذه الأحزاب. فكلما حصل احتجاج شعبي على رداءة الخدمات العامّة وتعطّل الحياة السياسية وتدهور الأحوال الاجتماعية بنتيجة هذا النظام، يأتي الجواب على كلّ ذلك بأن الحل هو في إلغاء الطائفية.
نتيجة ذلك يأخذ الزعيم من جهة صورة حداثية يحاكي من خلالها الأجواء الاعتراضية على الممارسات الطائفية التي غالبًا ما تتركز في المدن ولدى الفئات العمرية الشابّة، ومن جهة أخرى يخرج نفسه من دائرة المسؤولية، فإذا كان لا حل إلا بإلغاء الطائفية حتى تتوفر الكهرباء وترمى النفايات وتصلح الطرقات وتمكّن المواصلات، فلا يجوز إذن تحميل الزعيم هذا القصور، فنحن لا زلنا في نظام طائفي، دائم المقت والبغض.
وحتى لا نلقي باللائمة كلها على زعماء اليوم، فلنعد إلى زعماء البلاد التاريخيين، إذ أنّه عشية الاستقلال شكّل رئيس الجمهورية بشارة الخوري حكومة الاستقلال برئاسة رياض الصلح الذي توجّه إلى مجلس النواب لإلقاء البيان الوزاري عليه وهو عالم أن العهد الذي يدخله عهد دقيق وخطير، فهو عهد الاستقلال وعهد تسلم الدولة كلّ صلاحياتها لتعيد بناء نفسها من دون وصاية.
في بيانه الوزاري، أول ما جاء عليه رئيس الحكومة رياض الصلح، بعد الكلام عن خطورة المرحلة وولوج العهد الاستقلالي، أتى تحت عنوان "معالجة الطائفية والإقليمية"، ليقول إنه: "ومن أسس الإصلاح التي تقتضيها مصلحة لبنان العليا، معالجة الطائفية والقضاء على مساوئها. فإن هذه القاعدة تقيّد التقدم الوطني من جهة وتشوّه سمعة لبنان من جهة أخرى، فضلًا عن أنها تسمم روح العلاقات بين الجماعات الروحيّة المتعددة التي يتألف منها الشعب اللبناني. وقد شهدنا كيف أن الطائفية كانت في معظم الأحيان أداة لكفالة المنافع الخاصة كما كانت الأداة لإيهان الحياة الوطنية في لبنان إيهانًا يستفيد منه الأغيار (...) وسنعمل جميعًا بالتعاون تمهيدًا وإعدادًا حتى لا تبقى نفس إلا تطمئن كل الاطمئنان إلى تحقيق هذا الإصلاح القومي الخطير".
لم يكن عمر الحكومة طويلًا، فاستقالت بعد 9 أشهر عقب وفاة وزير خارجيتها سليم تقلا، فأعيد تكليف رياض الصلح من جديد وشكل حكومته ليتوجه ببيانها الوزاري من جديد إلى مجلس النواب. ينطلق البيان الوزاري الثاني بكلام شديد التنميق عن حجم ازدياد "الاستقلال مناعة والسيادة رسوخًا" ليلي ذلك تعداد سريع لفوائد السيادة، قبل الدخول في مواضيع البيان الوزاري. وكما في البيان السابق، كانت أولى الأولويات إلغاء الطائفية، ولكن في هذه المرة بدت اللغة مختلفة.
استهل الصلح كلامه باعتذار مسبق، "فالحكومة وجّهت في المرحلة الأولى معظم جهدها إلى الناحية الخارجية،" مطالبًا المواطنين بتقدير النتائج التي تم الوصول إليها وأن يقدّروا كذلك صعوبة العمل في الحقلين معًا" (الخارجي والداخلي).
وهنا شرع البيان في الكلام في "الناحية الداخلية" بكلام مألوف: "هناك قيود داخلية تعوق لبنان عن السير إلى الأمام بالسرعة التي يستطيعها. ولعل أثقل هذه القيود النظام الطائفي. وقد زادتنا تجارب الحكم في الأشهر التسعة الأولى معرفة بثقل هذا القيد". ونحن بعد 81 عامًا نؤكد على معارف السيد رئيس الحكومة الصلح المستجدة بعد أشهره التسعة الأولى.
غير أن البيان لو اكتفى بذلك لكنّا تفهمنا صعوبة المسار وثقل الحمل وخصوصًا أن ولاية حكومته لم تنعقد سوى لأشهر قليلة، ولكن الصلح لم يكتف بل أضاف قائلًا: "لذلك ستكون الطائفية أول ما نعالجه في أوضاعنا، ولن نكتفي في معالجتها في الحقل القانوني بل سيكون علاجنا لها أعمق إذ نعمل على استئصالها من النفوس".
ومع هذه الحماسة المفرطة لدولة الرئيس، دخلنا في نفق خطابي لا يزال الضوء في آخره مفقودًا، وهذا النفق مدخله أحجية أن نبدأ بتحرير النصوص أولًا أم النفوس. وطول النفق يحتم بعض النفاق، فإن كان ضوء تغيير النصوص القانونية غير مرغوب في نهاية النفق، فلا بد من إشعال ضوء تغيير النفوس فيه ولو نفاقًا.
فعندما ينطلق الحديث في النفوس وما فيها نتحول من بيان وزاري وحكومة تحكم وتقرر إلى نقاش في الحكمة والفلسفة وخلاص النفوس البشرية من موبقاتها لترى النور الأبدي. وإذا لم تكن الأشهر التسعة كافية لمعالجة الطائفية في النصوص القانونية والمؤسسات، وهو تأخر بمدة معقولة، فإن نشر الأخلاق الفاضلة وتنقية النفوس مهمّة بدأتها البشرية منذ آلاف السنين ولم تنته حتى يومنا هذا.