في مشهد يختصر ذروة الغطرسة السياسية واستعراض القوة الرمزية، وجّه بنيامين نتنياهو ميكروفونات خطابه في الأمم المتحدة نحو غزة أواخر شهر أيلول/سبتمبر الماضي، ليُسمع صوته للسكان والمقاومين والأسرى على حدّ سواء. لم يكن ذلك مجرد فعل تقني أو استعراضي فحسب، بل أداءً محمّلًا بالرموز والدلالات: فحين يُبَثّ خطاب سياسي من منبر دولي إلى أرض محاصرة ومدمّرة، يصبح الصوت ذاته أداة من أدوات الهيمنة الاستعمارية، وتتحوّل اللغة إلى شكل من أشكال القصف المعنوي. هذا الفعل يعيد إلى الأذهان ممارسات استعمارية قديمة استخدمت "الرسالة" و"النداء" كوسيلة إخضاع قبل السلاح، ويكشف في الوقت نفسه عن بُعد نفسي عميق في الخطاب الإسرائيلي، حيث يسعى نتنياهو إلى تثبيت صورة السيد الذي يُسمِع خصمه ما يشاء، متجاوزًا بذلك حدود السياسة إلى منطقة الهيمنة الرمزية.
في هذا المقال، نحاول تفكيك هذه اللحظة بوصفها حدثًا دلاليًا أكثر من كونها واقعة سياسية، من خلال ثلاثة محاور رئيسية: كيف يُستعمل الصوت كأداة سلطة؟ وأيضًا، ما الذي تكشفه هذه اللحظة عن تطور الخطاب الإسرائيلي من الحرب إلى الإخضاع النفسي؟ وأخيرًا، كيف يمكن قراءة هذا الفعل في ضوء تاريخ الدعاية الاستعمارية التي كانت تعتبر "الوصول إلى أذن العدو" انتصارًا بحد ذاته؟
الميتافيزيقا الصوتية للسلطة: تفكيك الحضور المهيمن
لطالما منح الفكر الغربي، منذ أرسطو وأفلاطون، الأسبقية لسلطة الصوت على سلطة الكتابة، بوصفه الماهية التي تتراءى للوعي، حيث يكون المتكلم واعيًا بكونه حاضرًا فيما يفكر به. هذا الامتياز الصوتي، الذي وصفه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا ضمن نقده لـ"المركزية اللوغوسية"، بأنه يرتبط بـ "الحضور المباشر" و"جوهر الإنسان الحقيقي"، جاعلًا منه قابلًا للنقل والتواصل. إن الإيمان بهذا الحضور المباشر يولد الانشطار الثنائي الشهير بين عالم الحقيقة (العقل/الصوت) وعالم الضلال (الجسد/الكتابة). فحين يختار نتنياهو منبر الأمم المتحدة – الذي هو تقليديًا فضاء "مرئي" يسوده نموذج السيادة القانونية والدبلوماسية – ثم يعيد توجيه صوت هذا المنبر نحو غزة، فإنه يحاول أن يختطف سلطة الحضور المباشر هذه. إنه يحوّل الصراع من فضاء القانون الدولي الوثائقي (المرئي/الكتابي) إلى فضاء القوة المجرّدة والرنين (السمعي/الوجودي).
وفي سياق نظرية الإعلام، يقدم الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان تحليلًا مفصلًا للفضاء الصوتي، الذي يتميز بالرنين والتزامن، على النقيض من الفضاء المرئي الخطي، حيث يرى الفيلسوف ماكلوهان أن الوسيط هو الرسالة، وأن شكل الوسيط يعيد تشكيل الإدراك. ومن ثم، فإن توجيه الصوت بهذه الطريقة هو تطبيق متطرف لمفهوم "السيادة التوافقية"، حيث يصبح الصوت ليس مجرد بيئة محيطة، بل "هندسة للسلطة القضائية" ذاتها. بعبارة أخرى، إذا كانت الدولة تفرض سيادتها العسكرية على الأرض، فإنها تفرض سيادتها الصوتية على الإدراك والوعي عبر الاستماع لصوتها القوي.
إن إجبار الآخر على الاستماع إلى خطاب الخصم في عقر داره، أي الفلسطينيين في غزة، هو محاولة لتجريده من سيادته الوجودية. فالكلام، حسب أستاذ الإنسانيات الفرنسي بول ريكور، هو حضورنا الأعمق، هو أفقنا الذي نُعيد فيه تأسيس ذواتنا كل مرة. وبالتالي، فإن توجيه صوت السلطة الاستعمارية إلى فضاء المتلقي هو محاولة للاستيلاء على هذا الأفق الوجودي، وجعل صوت القوة هو الإطار الوحيد الذي يُسمح للمتلقي بتأسيس ذاته من خلاله. هذا ليس انتهاكًا للفضاء الجغرافي فحسب، بل هو انتهاك للفضاء السمعي للذات، محاولة لإملاء "هندسة أخلاقية" جديدة عبر الصدمة الصوتية.
كذلك، يمكن قراءة هذا الفعل، عند الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، كاستجابة عملية لدعوته لانتقاد عمل المؤسسات التي تبدو محايدة ومستقلة، وذلك لكشف العنف السياسي الذي مورس دائمًا بشكل غامض من خلالها. منصة الأمم المتحدة، كرمز للشرعية الدولية، تم استخدامها لإطلاق رسالة عسكرية مباشرة موجهة إلى المدنيين الماكثين تحت الإبادة، فيما بدا أن هذا التحول السريع للمنصة الدبلوماسية والتي أصبحت بوقًا لحرب الإبادة، ومُرتكبها، يكشف بوضوح العنف الكامن وراء واجهة الدبلوماسية. فالصوت، وما يليه من فعل الاستماع، مثّلا موقعًا قويًا لتشابك القوة والهيمنة والمعرفة، حيث يثبت أن السيطرة على الفضاء الصوتي هي في صميم الصراعات العسكرية والسياسية.
صوت الإخضاع: الخطاب الإسرائيلي كعنف رمزي
تُعرّف الحرب النفسية بأنها الاستعمال المخطط للدعاية والأساليب النفسية للتأثير على آراء ومشاعر وسلوكيات العدو، الطرف الآخر، بطريقة تسهل الوصول للأهداف. فالأهداف لا تقتصر على الجنود، بل تشمل الحكومات والمجموعات والأفراد، وتستهدف منظومات القيم والاعتقاد بشكل فردي وجماعي. إن بث خطاب النصر، والوعيد بإبادة "الأعداء"، هو محاولة مباشرة لتدمير معنويات الخصم بحيث يبدأ بالتشكيك في صحة معتقداته وأفعاله، وخصوصًا في ظل ما يعانيه المدنيون في غزة من قتل وتجويع وتدمير مستمر.
هذا النوع من الإكراه الصوتي يتماهى مع الاستخدام التاريخي والمعاصر للصوت كسلاح تعذيب وترهيب. ففي الحروب والسجون، استُخدمت تقنيات "تعذيب الضوضاء" أو "التعذيب الصوتي" (Noise/Sound Torture)، حيث يتم تشغيل الموسيقى الصاخبة أو الضوضاء المستمرة بالتزامن مع الحرمان الحسي، من النوم تحديدًا، كما في حالة أهل غزة. ورغم أن الخطاب السياسي ليس ضوضاء بالمعنى الفني المباشر، إلا أن فرضه قسرًا على جماهير محاصرة ومستهدفة عسكريًا يعمل كـ "إكراه صوتي"، بهدف زعزعة الاستقرار النفسي، على غرار ما لوحظ على السجناء الذين يعانون من فقدان الذاكرة أو عدم القدرة على التحكم بالذات نتيجة التعذيب الصوتي. إن غاية هذا الفعل ليست القتل المادي، بل فرض الردع والإخضاع دون ترك آثار جسدية واضحة، ما يندرج تحت الأسلحة غير المميتة الرامية إلى خفض الوفيات مع فرض السيطرة.
إن جميع العمليات التربوية والفعاليات الرمزية التي تؤدي إلى الإقصاء تعمل على اختراق جدار الوعي والتسلل إلى اللاشعور الجمعي لتأصيل تصورات ثقافية وسيكولوجية بوصفها مشروعة. هنا، الفعل الصوتي هو تجسيد مباشر للعنف الرمزي، الذي يسعى لـ"تطبيع" فكرة أن القوة الإسرائيلية هي حقيقة لا مفر منها، وأن صوتها هو الشرعية الوحيدة المتاحة في فضاء غزة.
الخطاب الإسرائيلي، الذي يركز على "الحاجات الأمنية" بمفهومه الذاتي كمنطلق لأي تسوية سياسية، يطور استراتيجية متطورة للاحتلال تتجاوز السيطرة المادية للأرض إلى السيطرة على العقل والوجدان، أو ما يمكن تسميته الاحتلال الإدراكي (Cognitive Occupation). والهدف من الخطاب ليس مجرد إعلام المتلقي بما سيحدث، بل إعادة تشكيل إدراكه لذاته ولدوره في الصراع، كي يصبح الفلسطيني، الواقع تحت الاحتلال، في ظل هذا الإخضاع مجرد "تقليد لدوره هو كما تطرحه أدوات الهيمنة"، ما يحول حالة الخضوع إلى نوع من الرضى عن النفس أو النرجسية الزائفة، وهي غاية قصوى جدًا للسلطة المهيمنة.
أيضًا، يُعزَّز هذا الإخضاع من خلال توظيف الخطاب الديني. فعندما يدمج نتنياهو سرديات دينية وجودية (مثل الاستناد إلى النص التوراتي حول أبدية إسرائيل) فإنه يحوّل الصراع إلى مواجهة مقدسة وحتمية، ما يزيد من صعوبة المقاومة النفسية، ويساهم في ترسيخ فكرة النصر المطلق في اللاشعور الجمعي للمستهدف.
الشواهد التاريخية للدعاية الاستعمارية
في التاريخ الاستعماري، خاصة في المستعمرات الأفريقية، كان الراديو يُستخدم بأسلوب "أبوي"، لبرمجة محتوى يقدم للجمهور، فيما يخدم هيمنة النظام الاستعماري، وليس ما يرغب فيه الجمهور فعليًا، إذ كانت الدعاية الاستعمارية تهدف إلى ترويض السكان وإدارة وعيهم للصراع من خلال سردية القوة المسيطرة. يقدم النموذج الجزائري شاهدًا تاريخيًا بارزًا على هذا الصراع الصوتي، إذ كانت فرنسا تدرك تمامًا مدى قوة الإعلام في صناعة الرأي العام، وخصصت ميزانية ضخمة لبث أخبار مغرضة وكاذبة حول الثورة الجزائرية، طيلة سنوات، بهدف تثبيت شرعية الاستعمار ودحض المقاومة.
يختلف فعل نتنياهو عن الدعاية الاستعمارية الكلاسيكية في نقطة جوهرية. فبدلًا من محاولة الإقناع أو الترويض ببطء تحت ستار الرعاية الأبوية، كان توجيه الميكروفونات إعلانًا صريحًا ومباشرًا للإخضاع. إنه تحوّل من الخطاب الاستعماري المغلف، والناعم، إلى الخطاب الاستعلائي المباشر الذي لا يخشى كشف عنفه السياسي. فالدعاية الاستعمارية الكلاسيكية كانت تخشى كشف عنفها الغامض. أما الفعل الحالي، فهو يمثل "إعلان إخضاع" لا يعير اعتبارًا لضرورة الحفاظ على أوهام الدبلوماسية.
يمكن فهم هذا التباين من خلال المقارنة بين الدعاية الاستعمارية الكلاسيكية ولحظة نتنياهو: في الدعاية الكلاسيكية، كان الهدف الرئيسي المعلن هو السيطرة الأبوية وتضليل الرأي العام ببث أخبار كاذبة، ضمن إطار إعلامي واسع وميزانيات ضخمة، وينطلق الخطاب من محطات إذاعية موجهة. في المقابل، هدِفَ فعل نتنياهو إلى إعلان النصر المطلق والإخضاع الوجودي وإنهاء المهمة، ضمن سياق فعل معزول وموجه عسكريًا يتم عبر مكبرات صوت ميدانية (اختراق قسري)، وينطلق الخطاب من منبر دولي مُعاد توجيهه ميدانيًا.
أيضًا، في مقابل الدعاية بهدف فرض الخضوع، يبرز تاريخ المقاومة الصوتية، كما حدث مع الإذاعة السرية الجزائرية والتي تأسست في 16 كانون الأول/ديسمبر 1956. وقد استطاعت "أن تحرك الروح الثورية الكامنة في قلب كل جزائري" وأن تزرع الرعب في نفوس المستعمرين، إذ كان صوتها القوي بمثابة صدى مضاد، يلعب دورًا محوريًا في تفنيد ادعاءات الاستعمار المغرضة، وكانت تنشر البلاغات العسكرية وتلعب دورًا في شحذ الهمم وتقوية الإرادة والعزيمة. هذه المقاومة، وغيرها (ربما قد تكون حدثت كرد فعل مقاوم أهل غزة، فصدحوا بأصوات أذان الصلاة أو الأغاني أو غيرهما، للتشويش على صوت خطاب نتنياهو) من تاريخ الصراع المتباين، يوضح أن الفضاء الصوتي هو ساحة معركة يمكن للمستضعف أن يستعيد سيادته فيها عبر خطابه المستقل، وغير المتأثر، بل والمقاوم لفرض خطاب الاستعلاء الاستعماري.
تطور الخطاب: من الأمن كـ"ضرورة" إلى الإخضاع كـ"إرادة"
أيضًا، مثل توجيه الخطاب ذروة تطور الخطاب الإسرائيلي في عهد نتنياهو، الذي انتقل من المطالبة بـ"الأمن الضروري" إلى ممارسة القوة والإخضاع الرمزي كـ"إرادة سيادية". في الوقت الحالي، يُبنى فكر نتنياهو السياسي على مبدأ "رعاية قوة إسرائيل"، والإصرار على أن أي تسوية للصراع يجب أن تستند بالأساس إلى تلبية "حاجات إسرائيل الأمنية" بموجب مفهومها الحالي، من بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، لهذه الحاجات. هذا المفهوم لا يقتصر على الحاجة المادية لردع الهجمات، بل يمتد إلى الحاجة الرمزية لفرض السيطرة المطلقة على الفضاء الإدراكي للخصم، فيما عكس توجيه الخطاب المباشر المفهوم الأقصى للأمن، حيث لا يكفي السيطرة المادية على الأرض، بل يجب المطالبة بـ"التأكيد الصوتي" على هذه السيطرة في قلب تجمعات "العدو" في عين نتنياهو.
كذلك، يعتمد الخطاب السياسي الإسرائيلي على نظرية "تطبيع الحرب". هنا، الفعل الصوتي هو محاولة لتطبيع فكرة أن صوت القوة الإسرائيلية هو الصوت الشرعي الوحيد والمسيطر في غزة. وأيضًا، يأتي هذا الفعل مقترنًا بتأطير حرب الإبادة ضمن حرب عالمية ضد قوى إقليمية، حيث استخدم نتنياهو منصة الأمم المتحدة للتحذير من "محور الإرهاب الإيراني" ووصفه بأنه يشد "حبل المشنقة حول أعناقنا". هذا الربط يخدم غرضًا استراتيجيًا مزدوجًا: أولًا، ينزع الشرعية عن المقاومة المحلية من خلال اعتبارها في الخطاب مجرد "أداة" إيرانية، وليست حركة تحرر وطني. وكذلك، يستحضر سردية "الأمن القومي الغربي"، وبالأخص الأمريكية/البريطانية التي تأسست بعد أحداث أيلول/سبتمبر عام 2001، لتبرير أفعال السيطرة الصوتية القسرية كجزء لا يتجزأ من الدفاع عن النفس ضد تهديد عالمي ضد قوى الشر (حماس، القاعدة، حزب الله، إيران)، حسب خطاب نتنياهو، عبر توظيف سرديات الأمن الكبرى، يتم تبرير العنف السياسي الجزئي وتجاوز نقد المؤسسات الدولية، ما يجعل فعل الإخضاع الصوتي يبدو وكأنه ضرورة تاريخية ووجودية يتقبلها النظام العالمي.
في النهاية، مثّل توجيه نتنياهو ميكروفونات خطابه نحو غزة لحظة دلالية عميقة في تاريخ الصراع الحديث، حيث تلاقت فيها الفلسفة والسياسة والحرب النفسية. إن هذا الفعل ليس مجرد أداة دعائية، بل هو مطالبة قسرية بـالسيادة السمعية الكاملة، فلم تعد الحدود الجغرافية كافية لتحديد السيادة دون السيطرة على الفضاء الصوتي للآخر. إنها محاولة، متكررة، للتحول من الاحتلال المادي إلى الاحتلال الإدراكي، من خلال فرض الحضور الوجودي لصوت السلطة في قلب وعي الآخر، وكذلك لاوعيه الجمعي. وأيضًا، من المهم، في هذه اللحظة التاريخية، تركيز النقد ليس دراسة الخطاب المكتوب فحسب، بل ومعه الصوت والوسيط الصوتي (Medium/Voice) كأداة سلطة، والتعامل مع الأفعال الصوتية الرمزية باعتبارها عنفًا سياسياً مباشرًا يتطلب فحصاً قانونيًا ونفسيًا وفكريًا، فيما يبدو أن الصراع الراهن هو صراع على الفضاء الوجودي، وأن المقاومة الفعالة ليست فقط رد فعل على القوة المادية، بل تشمل القدرة على توليد السرديات المقاومة عبر الصوت، والكتابة، للحفاظ على الوعي الذاتي المناهض للهيمنة الاستعمارية، على غرار، وبشكل مُتجدد، ما فعلته أدوات تاريخية مقاومة.