إن كان فقيه القانون المدني جون كاربونيي مرجعًا للفرنسيين في القرن العشرين، فالعلّامة عبد الرزاق السنهوري، أو السنهوري باشا كما كان يُنادى في النصف الأول من القرن المُنقضي، عرّاب القانون المدني في عددٍ من الأقطار العربية، وصاحب موسوعة شهيرة في هذا التخصّص، مكوّنة من عشرة أجزاء (1954-1970)، ولازالت تعتبر مرجعًا رئيسيًا لطلبة كليات الحقوق في الوطن العربي.
ولكن هذه الموسوعة، أو مجموعته الأخرى "مصادر الحقّ في الفقه الإسلامي" المكوّنة من ستة أجزاء (1954-1959)، والتي يُعرف بهما اليوم، هما ليسا إلا خاتمة لمسيرة طويلة في الفقه والفكر والسياسة، تأصيلًا وممارسةً، بل لم يكن التفرّغ للكتابة الموسوعية إلا بعد إحالة قسرية على التقاعد من النشاط السياسي بمصر بسبب مواقفه من نظام "الضبّاط الأحرار" بعد ثورة 1952.
والسنهوري باشا، صاحب أطروحتيْ دكتوراه من الجامعة الفرنسية، منارة الأكاديميا القانونية في العالم في بداية القرن الماضي، ليس قامة علمية موسوعية في فرع القانون المدني فقط؛ وهو المبتكر لمصطلحات قانونية في المعجم العربي، وليس أيقونة الموجة الدستورية والتشريعية في البلاد العربية في فترة ما بعد التحرّر الوطني وهو عرّاب القانون المدني بمصر وسوريا والعراق وليبيا ولدستور الكويت، بل أيضًا، وهذا مما يُغفل أحيانًا عند تناول مسيرته، هو عنوان رئيسي في تيار النهضة العربية بعد سقوط الخلافة في إسطنبول وذلك من زاويتين: أولًا التجديد الفكري وتحديدًا التأومة بين أصلانية الشريعية الإسلامية وحداثة القانون الوضعي، وثانيًا رهان الديمقراطية باعتبارها الأداة المثلى للحكم في البلاد العربية.
تجديد في الخلافة والشريعة
أتمّ السنهوري عام 1925 أطروحة الدكتوراه الأولى بعنوان "القيود التعاقدية الواردة على حرية العمل في القضاء الأنجليزي"، والتي اُختيرت أفضل أطروحة بجامعة ليون الفرنسية، سنتها وقد نالت إعجاب القانونيين الفرنسيين لفرادة موضوعها خاصّة وأنها تتعلق بالقضاء الأنجلوسكسوني المختلف عن القضاء اللاتيني المعتمد بفرنسا.
تزامن إتمام مساره الأكاديمي، الذي جاء لاحقًا لعمل لفترة عملية وجيزة في القضاء (معاون في النيابة العامة)، ثم التدريس (مدرسة القضاء الشرعي)، في لحظة حضارية فارقة، وهي سقوط دولة الخلافة الإسلامية في إسطنبول، إذ كان من المنتظر أن يقفل السنهوري عائدًا إلى القاهرة، ولكن قرّر تفاعلًا مع الحدث المذكور أن يعدّ رسالة دكتوراه ثانية في فرنسا بعنوان "الخلافة وتطوّرها لتصبح عصبة أمم شرقية".
عمل السنهوري، في هذا المبحث المتفرّد، على استنباط قواعد نظرية عامة للنظام السياسي في "بلاد الإسلام"، تنطلق من تطوير مفهوم الخلافة بداية من تجاوز لفظ "الخلافة" نفسه باعتباره مسمّى وضعي لا شرعي، والعبرة لديه بخصائص جوهرية والاحتكام لمبادئ تجسدّها "عصبة أمم شرقية"، قوامها وحدة البلاد الإسلامية، والواضح تأثره في التمثل التنظيمي بعصبة الأمم التي تكوّنت بعد نهاية الحرب العالمية الأولى.
ولكن سعيه لتطوير مفهوم الخلافة كمفهومٍ مرنٍ ضمن مسارٍ اجتهاديٍّ لم يكن يعني، بالنهاية، تخلّيه عن المفهوم في ذاته، ولذلك اشتبك مع الأطروحة الشهيرة وقتها لعلي عبد الرازق الذي كان قد أصدر كتابه الشهير "الإسلام وأصول الحكم" عام 1925، أي قبل سنة واحدة من إتمام السنهوري لأطروحته حول تجديد الخلافة.
لكن ما ميّز السنهوري ممّن تخالفوا مع عبد الرازق، هو أنّه عمل على طرح بديلٍ تحديثي للسيادة والإدارة، بحكم تشبّعه بمفاهيم الفكر القانوني الغربي، فكان طرحه يجهد نحو الواقعية عبر المزاوجة والترجيح والملائمة، وديدنه إمكانية صياغة حداثة عربية/إسلامية تستفيد من الحداثة الغربية ولا تعاديها.
لا يُمانع السنهوري مثلًا بأن الأمّة هي مصدر السلطات باعتبار أنها لا تشرّع أصالة بل تكشف الأحكام تحت باب الاجتهاد، وهو ليس فقط يرفض توريث الحكم بل يدعم تأقيته، أي ما يُعرف حاليًا بتحديد مدّة العهدة الانتخابية، رئاسية كانت أو تشريعية، ويجنح نحو إطباق مفهوم أهل الحلّ والعقد على انتخاب ممثلي الشعب في السلطة التشريعية في المفهوم السياسي المعاصر مع تعديلات، مع اعتباره الأغلبية النيابية ترتقي لمفهوم الإجماع في التشريع الإسلامي.
وإن "عصبة الأمم الشرقية" التي يقترحها، بالنسبة إليه، ليست إلا إطارًا للشعوب الإسلامية للتعاون والتنسيق لا أكثر بهدف ضمان حدّ أدنى من الوحدة، تشبه واقعًا اليوم منظمة التعاون الإسلامي، لقناعته أن الوحدة الإسلامية بدولة مركزية غير ممكنة اليوم خاصّة مع تصاعد الاتجاهات القومية للشعوب الإسلامية. كان واضحًا أن السنهوري عمل على محايثة إكراهات العالم الجديد خاصة بحكم اطلاعه على الثقافة الأوروبية تأسيسًا وممارسة.
وضمن دائرة التجديد تحديدًا بمناسبة المواءمة بين الأصل الشريعي والخيار التشريعي، اتخذ السنهوري، تحديدًا لدى إعداد القوانين المدنية بعدد من الأقطار العربية، موقفًا يجيز الفوائض على القروض مخالفًا بذلك جل الفقهاء؛ إذ بحث في كتابه "مصادر الحق في الفقه الإسلامي" عن مفهوم الربا لدى المذاهب الأربعة مميزًا بين أصنافه، ومشيرًا بالخصوص إلى ربا القرض الذي أكّد أن علّة تحريمه من باب تحريم الوسائل لا من باب القصائد، على خلاف ربا الجاهلية المُحرّم.
ويتجه بعد بحث تأصيلي مطوّل لإباحة الفائدة على القرض لكن بقيود لضمان عدم الفحش، منها بالخصوص وضع حدّ أقصى لسعر الفائدة لا يجوز مخالفته ومنع الفوائد على الفوائد المتجمدة.
كما أجاز السنهوري عقود الغرر والتي تسمّى أيضًا العقود الاحتمالية، معتبرًا أن الفقهاء القدامى ضيّقوا على الناس بالخلط بين الغرر وبين التعامل في شيء منعدم زمن التعاقد، وينتهي بالخصوص لتشريع عقود التأمين وعقد المرتب على الحياة مؤكدًا ضرورة التأقلم مع الضرورة الاقتصادية أخذًا بعين الاعتبار للتمييز بين الغرر الكبير والغرر اليسير. مرّة أخرى، عمل على ما يمكن اعتباره توطين مستوجبات القانون الحديث في البيئة الشريعية/التشريعية الحاضنة في البلاد العربية.
النضال ضد الاستعمار والاستبداد: الالتزام الشرس
لا غرو أنه يرجع الفضل إلى المسيرة العلمية الأكاديمية والمساهمة التأسيسية في المدونة القانونية الوضعية، في شهرة عبد الرزاق السنهوري في التاريخ المعاصر، ولكن لا يغفلان عن وجه آخر له: المسيرة السياسية النضالية ضد الاستعمار البريطاني ثم ضد نظام 1952، بما يجعله نموذجًا عن تفاعل النخبة السياسية الإصلاحية زمنيْ الحكم الملكي والحكم الجمهوري في آن.
لا بأس من التذكير، هنا، أن السنهوري طُرد من التدريس بكلية الحقوق سنة 1934 بسبب تأسيسه جمعية الشبان المصريين بحجة أنها جمعية سياسية مقربة من حزب الوفد، ما اضطره لممارسة مهنة المحاماة قبل عودته للطاقم الدراسي لاحقًا، وقد نشط فعلًا في حزب الهيئة السعدية، المنشق عن حزب الوفد، مع صديقه النقراشي باشا، ثم عمل وكيلًا لوزارة المعارف لمدة 3 سنوات (بين 1938 و1941) لكن سرعان ما وقع إبعاده من الحكومة باعتباره من معارضي حزب الوفد، بل أصبح مطاردًا.
هاجر إلى العراق عام 1943، في خضم الحرب العالمية الثانية، لصياغة قانونه المدني، ولكن طلبت الحكومة المصرية طرده مهدّدة بقطع العلاقات مع بغداد، وهو ما يعكس ثقله السياسي ومدى تمثّله كخطر بالنسبة للسلطة الحاكمة في القاهرة. اضطر تبعًا لذلك للسفر إلى دمشق التي تلقت أيضًا تهديدات من القاهرة بقطع العلاقات معها ما اضطر السنهوري للعودة بنفسه إلى مصر عام 1944، وذلك في حراك سياسي متغيّر تولّى بموجبه وزارة المعارف بصفة متقطعة إلى غاية تعيينه رئيسًا لمجلس الدولة عام 1949 وهو المنصب الذي لازمه إلى غاية اندلاع ثورة 1952.
مثلت رئاسة مجلس الدولة، وهو أعلى هيئة للقضاء الإداري، مخبرًا مثاليًا للسنهوري لتطبيق أفكاره ومنها بالخصوص دعم مبادئ الحوكمة والديمقراطية وبالخصوص استقلالية السلطة القضائية ورقابتها على أعمال الحكومة، فضيّق من نطاق أعمال السيادة ملغيًا مقررات إدارية لمصادرة الصحف ومرسيًا لاختصاص القضاء الإداري بالرقابة على دستورية القوانين. كتب الكاتب أحمد بهاء الدين أن السنهوري بات "بطلًا قوميًا لدى كل فئات شعب مصر"، وجرت فعلًا محاولات لإبعاده الحكومة الوفدية ولكن دون جدوى.
حينما أعلن الضباط الأحرار إسقاط النظام الملكي في تموز/يوليو 1952، تصدّر السنهوري صفوف النخبة الداعمة للحراك، بل نشط حثيثًا في إنجاحه، ومنه مثلًا أنه شارك شخصيًا في صياغة وثيقة تنازل الملك فاروق عن العرش، كما أشرف على وضع قانون الإصلاح الزراعي في سبتمبر 1952، وشارك في لجنة وضع الدستور الجديد.
بل ثبت أن قادة الضباط الأحرار اقترحوا اسم عبد الرزاق السنهوري لتولّي رئاسة الحكومة في خريف 1952، ولكن جاء الفيتو من السفير الأميركي الذي اتهم الفقيه المصري بميوله الشيوعية حسب شهادة خالد محي الدين في مذكراته، ومرد هذا الاتهام هو إمضاء السنهوري على "نداء ستوكهولم للسلام" عام 1950، الداعي لعدم استخدام السلاح النووي، مع الإشارة أن السنهوري وصف الشيوعية في مذكراته بأنها "داء وبيل" وأنها رد فعل سيء على نظام سيء هو الرأسمالية، وذلك وفق ما ينقله محمود عبده" في كتابه حول الفقيه "عبد الرزاق السنهوري أبو القانون وابن الشريعة: دراسة في مشروعه الفكري ورؤيته الإسلامية".
لكن ربيع العلاقة بين السنهوري والضباط الأحرار، أو على الأقل التيار الغالب منهم، ما لبث إلا إن ارتدّ لخريف تزامن مع الانشقاق داخل مجلس قيادة الثورة، وتحديدًا بين جمال عبد الناصر من جهة ومحمد نجيب بن جهة أخرى. انحاز السنهوري بثقله السياسي والقانوني صراحة إلى نجيب داعيًا إلى تحييد الجيش وتأسيس نظام جمهوري غير عسكري، وتصاعدت الأزمة بين الفريقين إلى غاية انفجارها عام 1954، فلم يكن السنهوري إلا أحد ضحاياها.
واجه الفقيه القانوني ورئيس المجلس الأعلى للدولة ما تُعرف بأزمة آذار/ مارس 1954، ومن ضمن أحداثها، اقتحم متظاهرون، يُرجّح أنهم من الأمن السياسي، مقرّ المجلس واعتدوا جسديًا على السنهوري الذي نُقل إلى المستشفى واتهم صراحة عبد الناصر بتدبير هذا الاعتداء. وعزل عبد الناصر لاحقًا السنهوري مع 18 عضوًا، وصدر قانون العزل السياسي للوزراء السابقين قبل 1952 بما يشمل السنهوري الذي وقع تحت العزل بمنزله، مهمشًا وممنوعًا من السفر، وهو ما جعله وقته يتفرّغ لصياغة موسوعتيْه في القانون المدني ومصادر الحقّ، ولم يُمكّن من السفر من وقتها إلا مرة وحيدة بداية الستينيات وذلك إلى الكويت لصياغة دستورها الجديد وذلك بتدخل شخصي من أمير البلاد.
تحدث الصحفي المخضرم محمد حسنين هيكل في برنامجه "مع هيكل" على قناة الجزيرة عام 2006، عن علاقة السنهوري بالنظام الناصري، معتبرًا أن الفقيه المصري غلب طابعه السياسي على القانوني، وأنه سعى لمنع حزب الوفد من العودة إلى السلطة، وعمل على تقوية نفوذ مجلس الدولة على حساب السلطتين التشريعية والتنفيذية وهو ما أدى للصدام مع النظام.
ظلّ السنهوري بعد العزل القسري من الحياة العامّة بمنزله، ثم منحه المجلس الأعلى للدولة للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1970، ويروي رئيس المجلس ثروت عكاشة في مذكراته لاحقًا أن قيادات من الاتحاد الاشتراكي سعت إلى إثنائه عن اختيار السنهوري للجائزة لخصومته مع عبد الناصر، وقد حظر الحزب نشر خبر الجائزة في الصحف. ظلّ السنهوري مغضوبًا عليه إلى غاية وفاته في تموز/يوليو 1971.
العلّامة الذي ترك أثرًا تأسيسيًا
ما يميّز المشروع الحضاري والفكري، وأيضًا القانوني، لعبد الرزاق السنهوري أنه كان توفيقيًا بين ما كانت تظهر أنها متناقضات، فكان عمق ثقافته الفقهية في المدونة الإعلامية، وسعة اطلاعه على الأطروحات الحديثة، بمثابة الجسر الذي أسّس عليه القدرة على النهضة بالاستفادة من الآخر في سياق تبيئة مع المكوّن المحلّي بمختلف تجليّاته، على النحو الذي عكسته إنتاجاته الغزيرة.
كان السنهوري المفكّر، بالخصوص، مؤمنًا بالوحدة العربية دون المبالغة في الشعور القومي، فوحدته المأمولة قائمة على الديمقراطية والاشتراكية "الرشيدة"، وقد وضع، على عادته، خطة تفصيلية لإنشاء اتحاد عربي يبتدأ بخطوات توحيد في المجالين الاقتصادي والثقافي قبل المُضيِّ في التوحيد السياسي، وهذه الوحدة هي حلقة في مشروع وحدوي إسلامي، ولذلك لم يهاجم الحركات القومية داخل المجال الإسلامي بل دفع لإنضاجها ضمن الدائرة الإسلامية الشرقية.
وفي مساهمته الفارقة للمكتبة القانونية العربية، ابتكر السنهوري في كتبه الكثير من المصطلحات القانونية وصارت معتمدة مثل مصطلح الالتزامات (استخدمه بدل التعهدات) وعقود الإذعان (بدلًا من عقود للانضمام)، فالموسوعتان التي ألفهما في القانون المدني هما اليوم المرجع التأسيسي في الكليات العربية. وأيضًا مساهماته النظرية في مبحث تجديد الفكر الإسلامي هي بدورها كرّاسات لا غنى عنها في طرق مبحث الإصلاح والتجديد في الوطن العربي، ليظلّ السنهوري علامة فارقة في الفكر العربي، لازالت أفكاره ومساهماته تاركة أثرًا لليوم الراهن، في الدساتير والقوانين، وأيضًا في المشاريع الراهنة.












