إذا كان للتاريخ أن يعلّمنا درسًا حاسمًا، فهو أن مصير كل حرب وصراع -عاجلًا أم آجلًا- هو السلام؛ سلام يأتي عبر النصر أو الهزيمة أو التسوية، لكنه يظل شرطًا لاستمرار التنظيم الاجتماعي وبقائه، في حده الأدنى.
وفي المشهد السوداني، تتواصل الحرب الأهلية في سياق اجتماعي وثقافي يحمل في طياته بنية إثنية معقدة، شكّلت، تاريخيًّا، أحد المحاور الوظيفية بنيويًّا للصراع الداخلي. إذ ارتبطت ولادة الدولة السودانية، في لحظتها التاريخية، ببُنى اجتماعية محددة، امتلكت مقومات أولية تؤهلها للتجاوب مع مسار التحديث، بما يتطلبه من بنى اقتصادية ومفاهيم دولة حديثة.
وعليه، كانت الأقاليم النهرية الأوفر حظًا -جيوسياسيًّا واقتصاديًّا- في السبق، فغدت الثقافة العربية الإسلامية، ممثلة في حاضنتها الاجتماعية التقليدية، لا تمثل فقط مركز القيادة، بل الإطار المتخيّل للدولة السودانية الحديثة.
لم يكن شبح الانفصال طارئًا على المخيال السوداني، بل عكس منذ بدايات التكوين وعيًا مبكرًا بالأزمة، التي تتجاوز حدود السياسة والاقتصاد إلى عمق بنية التكوين الاجتماعي، بما تحمله من تباينات ثقافية وهيكلية. ولعل نبوءة قديمة للمناضل السوداني "أحمد خير" تضيء هذا الأفق حين قال: "حين نبدأ بالانفصال عن مصر، فعلينا أن نستعد لعدد من الحركات الانفصالية في السودان نفسه".
يمكن اعتبار هذه القراءة استشرافية، بالنظر إلى ما جرى لاحقًا، كحادثة انفصال جنوب السودان في تموز/يوليو 2011. وهي كذلك تطرح تساؤلًا بالغ الأهمية: إلى أي مدى تستطيع الدولة السودانية أن تحتوي تناقضات البنية الاجتماعية، في ظل هذا التنوع الإثني الشديد، وبالنظر إلى المعطيات الراهنة للحرب؟
يمكننا، من جهة أخرى، النظر إلى مفهوم الدولة، كما يعرّفها الفيلسوف البنيوي "نيكوس بولانتزاس"، بوصفها البنية التي تحفظ تماسك الوحدة الاجتماعية، وفي الآن ذاته، تشكّل الميدان الذي تتكثف فيه التناقضات بين الطبقات والمصالح والمستويات المختلفة داخل المجتمع.
لقد أفضى استقلال السودان عام 1956 إلى نوع من التسويف الإثني، إذ رُجِّحت الهوية العربية على حساب معالجة المسألة الثقافية التعدّدية، فضلًا عن تجاهل جذور الانقسامات القبلية والطائفية، والأطراف الجغرافية المهمشة من مركز القرار والتخييل الوطني.
وعليه، فإن الثقافة -بوصفها نمطًا للعيش سواء في الحرب والسلم معًا- لا تنفصل عن بنية الأزمة، لكنها، في الوقت ذاته، تنطوي على عناصر حيّة في وسائطها الرمزية المشتركة. هذه العناصر تملك القدرة على إعادة طرح الأسئلة، وإعادة الربط بين المكوّنات المتباعدة، وفتح إمكانيات جديدة للاندماج والتجاوز.
بهذا المعنى، يمكن للثقافة أن تسهم في تعميق المخيال الوطني، وفتح أفق يتجاوز الأطر الطائفية والقبلية، ويحرّر أبناء البيروقراطيات وورثة مشروع "الخريجيين" من البنى السلطوية التي كرّستها تلك الانقسامات عبر العقود.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تسليط الضوء على تلك العناصر الثقافية الكامنة، القادرة على مدّ أفق جديد للتعايش، وخلق أساس بديل للسلام الداخلي، بعد تاريخ طويل من الحروب الأهلية والنزاعات، التي وضعت، في صلبها، سؤال الهوية، لا بوصفه سؤالًا للتمثيل، بل بوصفه سؤالًا نزاعيًا بامتياز.
الإستعمار الداخلي: كيف حملت الدولة نبوءة الانفصال على عاتقها؟
في كتابه "السودان: موت الحلم"، يروي "جراهام توماس" الموظف البريطاني السابق في حكومة السودان، حديثه مع الرئيس السوداني "جعفر النميري" في نيسان/أبريل 1972. حيث أخبره "النميري": "أخشى أن مستوانا ينحدر. إن السودان لا يدار بفاعلية وكفاءة مثلما كان أيام كنتم أنتم البريطانيون هنا".
أوجزت عبارة "النميري" تاريخ السودان الحديث برمّته. فإذا كان الاستعمار البريطاني هو "الأب غير الشرعي" لدولة السودان المصطنعة، وأمتها المتخيّلة، فإن "الأبناء"، وإن عادوا إلى إرثٍ يتصوّرونه أصيلًا، فإنهم لم ينجحوا إلا في إعادة إنتاج إخفاقات الأب ذاته، بل إنهم فشلوا حتى في تقليده على نحو ناجع.
في هذا السياق، تشير الأدبيات السياسية إلى مفهوم "الاستعمار الداخلي"، لوصف ما تشهده دول ما بعد الاستعمار من إعادة إنتاج للبنية المهيمنة التي أسّسها المستعمر الخارجي. إذ تتولّى النخب القومية موقع السيطرة على الجماعات الإثنية والمهمَّشة، عبر اختزال الرؤية الوطنية في هوية واحدة مهيمنة، وكأنها تمثّل الوطن كله. وقد عبّر المفكر والسياسي السوداني "منصور خالد" عن هذه الذهنية بقوله: "الحكام الشماليون، أيًا تكن طبيعة وأصل شرعيتهم، لهم الحق في إملاء مصير كل الأمة".
وبينما يمكن فهم فشل البريطانيين في مدّ شبكة "المدنية" و"التحضّر" على كامل الرقعة السودانية في إطار إدارة مصالحهم الاستعمارية المحدودة، فإن استمرار البنية ذاتها، بعد الاستقلال، على يد النخب الوطنية، يكشف عن استعمار داخلي أكثر تعقيدًا؛ إذ يقوم على عوامل بنيوية تضمن إعادة إنتاج الصراع، لا على أسس إثنية وثقافية فقط، بل على قاعدة اقتصاد سياسي للهوية.
في إقليم دارفور مثلًا، لا يزال نظام ملكية الأرض خاضعًا للنمط الرعوي-الأرستقراطي، عبر مبدأ "الحاكورة"، الذي يقسم الأرض بحسب الانتماء القبلي فصاحب الأرض يُعتبر مواطنًا أصيلًا، أما الوافد فـ"مستوطن". هذا التمييز يُكرّس نمطًا من المواطنة المزدوجة، يقف نقيضًا لفكرة المواطنة الحديثة، ويسهم في استمرار النزاع القبلي ضمن بنية سياسية فشلت في إجراء تحديث شامل، وفي ظل سياسات تنموية غير متكافئة، دفعت بتغيرات ديمغرافية كبرى ناجمة عن موجات نزوح وهجرات مرتبطة بالتغيرات المناخية.
وفي هذا الإطار، يُرجع الأنثروبولوجي السوداني "شريف حرير" جذور إشكالية "من هو المواطن الحقيقي؟" إلى تاريخ طويل من التنازع، يعود إلى زمن الدولة المهدية، حين توفي المهدي وتولى الخلافة عبد الله التعايشي، القادم من قبائل "البقارة" الغربية، فثار شريف، أحد أقارب المهدي، مطالبًا بالخلافة، على أساس أن أهل النيل هم "أولاد البلد" الأحق بالسلطة.
ومن هنا، أيضًا، يمكن فهم ظاهرة "الجنجويد" لا كحدث طارئ، بل كنتاج مباشر لصراع مصالح اجتماعية راسخة. فكما يرى المؤرخ "عبد الله علي إبراهيم"، بأن: "نظام تملّك الأرض، القائم على إرث الحاكورة، يمثل أصلًا عميقًا للنزاع الدارفوري بين القبائل العربية والأفريقية، وعليه، فالجنجويد والحاكورة وجهان لعملة واحدة".
لذا عند الحديث -بلسان حرير- عن "المقاربات الإحصائية للمجموعات الاثنية والثقافية بلغة الأقليات والأكثريات، تفتح احتمال هيمنة مجموعات اثنية متفوقة عدديًّا على المجموعات الأدنى عددًا. وهذا يقود إلى استعمار داخلي كما تراه المجموعات المهيمن عليها"، لا عجب إذًا أن تتحول السودان الحديثة، من بلد وُعِد بأن يكون "سلة غذاء العالم"، إلى أحد أبرز مسارح الحروب الأهلية والمجاعات الكارثية في العالم المعاصر.
هل تصبح "العدالة التصالحية" مخرجًا ملائمًا للحالة السودانية؟
يمكن النظر إلى السودان بوصفه نموذجًا مصغّرًا للقارة الأفريقية، لما يتميز به من تنوع جغرافي وثقافي وإثني، مادي ولا مادي. كما تشترك تجربته مع محيطه الإقليمي في سمات عميقة، أبرزها الصراعات الداخلية، وتاريخ الاستعمار، ومآزق دولة ما بعد الاستعمار، وتحديات بناء التعايش والسلام.
بدأت ملامح الأزمة السودانية الحديثة تتبلور قبيل إعلان الاستقلال عام 1956، مع بداية توقيع اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير عام 1953، حين طالب نواب الجنوب بتبني نظام حكم فيدرالي يضمن للجنوب نوعًا من الاستقلال الذاتي ضمن إطار الدولة السودانية. غير أن هذه المطالبة قوبلت بالرفض داخل البرلمان بعد الاستقلال، واعتُبرت نزعة انفصالية وقولًا تخريبًّا، مما أدى إلى طرد السياسي الجنوبي "بياساما" من أول حكومة وطنية، في إشارة مبكرة إلى هشاشة الوحدة الوطنية.
وكما أشرنا سابقًا، فقد تبنت النخبة النهرية رؤية للهوية السودانية باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للعالم العربي والإسلامي، في حين بالغ الجنوبيون في تقديم أنفسهم كنقيض أفريقي، ثقافيًّا وهوياتيًّا. ومع تعمّق التباينات، اتّسع الشرخ الوطني، وانتقلت العدوى إلى أقاليم أخرى، كدارفور، بعد عقود من الحرب الأهلية وفشل مبادرات السلام.
وقد شكّلت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 بارقة أمل واعدة، لكنها لم تصمد طويلًا، إذ قام الرئيس جعفر النميري بإجهاضها في حزيران/يونيو 1983م، من خلال تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم، ثم فرض قوانين الشريعة الإسلامية، مما أعاد إشعال النزاع. وفي ظل الديمقراطية الثالثة، لم تنجح حكومة الصادق المهدي، ذات التركيبة الشمالية، في إحداث اختراق حقيقي في الأزمة. ومع انقلاب 1989م، دخلت البلاد مرحلة عسكرة أيديولوجية بقيادة "الإنقاذ" الإسلامية، حيث أسس البشير قوات الدفاع الشعبي، وفرض مشروع "الأسلمة المؤسسية" عام 1991م، مما عمّق النزاعات، وخصوصًا في دارفور، حيث تم استغلال تناقضات القبلية، ودعم ميليشيات عربية، ما أدى إلى عسكرة الخلافات القبلية، وتحويل السلاح إلى وسيلة لحسم التوترات المحلية.
وفي النهاية، تحوّل الجنوب إلى ساحة مشتعلة من الحروب، لم تهدأ حتى لحظة الانفصال الرسمي في تموز/يوليو 2011، ما مثّل فشلًا ذريعًا في إدارة التعددية الوطنية.
وفي هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن معالم لطريق السلام، دون صياغة للعدالة الانتقالية كإطار لمعالجة إرث الانتهاكات والصراعات، حيث طبّقت عدد من الدول نماذج متعددة، تراوحت بين المساءلة والمصالحة. ففي جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية، اختير مسار "الحقيقة مقابل المسامحة"، عبر اتفاقات سياسية شبه توافقية تنصّ على عدم ملاحقة الجناة مقابل كشف الحقيقة، وتمهيد الطريق لاستقرار سياسي.
وتُعرّف العدالة الانتقالية بأنها: "مجمل العمليات والآليات التي تمكّن المجتمعات من تجاوز ماضي الانتهاكات الواسعة، بغية تحقيق المساءلة والعدل والمصالحة". وتشمل أدواتها: المحاكمات، لجان تقصّي الحقائق، الإصلاحات المؤسسية، التوثيق، وإحياء ذكرى الضحايا.
وتؤكد الأدبيات أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على بعدها القانوني، بل تتطلب إصلاحًا مؤسسيًّا عميقًا يشمل القضاء، والأمن، والتشريعات، لضمان عدم تكرار الانتهاكات. كما أن بناء الذاكرة الجماعية، من خلال أرشيف وطني، يلعب دورًا جوهريًا في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، وتعزيز الوعي الجمعي المقاوم للنسيان.
من هذا المنطلق، لا تنفصل فاعلية مداخل العدالة الانتقالية، خصوصًا التصالحية منها، عن البنية الثقافية والاجتماعية، فالقوة الرمزية ضرورية في تدعيم المخيال الوطني المشترك، بما يعزز الولاء الوطني الجامع، ويمنع الإقصاء أو التهميش بناءً على هوية ثقافية أو اقتصادية.
الشخصية السودانية: من الغابة والصحراء إلى السودانوية
يصعب الحديث عن "الشخصية السودانية" بوصفها كيانًا كليًا واحدًا، بقدر ما يمكن فهمها كتعددٍ في الصيغ الثقافية الكلية، فرضته بنية التنوع الإثني واللا مركزية التاريخية. فكل صيغة ثقافية تُشكّل نسقًا خاصًا من التكامل الثقافي، وفقًا لمبدأ أنثروبولوجي أساسي: أن الشخصية تتشكل من تفاعل مجموعة من العوامل المحددة، بعضها طبيعي (كالمناخ والجغرافيا والبنية البيولوجية)، وبعضها اجتماعي وثقافي (كالعضوية في الجماعة، والدور الاجتماعي، وأنماط القيم وأساليب النظر إلى الحياة).
وبالاستعانة بمقاربات حقل دراسات الشخصية والثقافة، ولا سيّما أعمال ديفيد ريسمان وآخرين، يمكن النظر إلى تشكّل الشخصية في السودان من خلال العلاقة العضوية بين الديموغرافيا، والنظام الاقتصادي، وبناء الأسرة القبلي. في هذا الإطار، تُعدّ الشخصية متغيّرًا تابعًا يتأثر بالبُنى الاقتصادية بوصفها متغيرًا مستقلًا، فيما تمثّل التنشئة الاجتماعية وسيطًا بنيويًا، تنقل من خلاله الأنظمة الاقتصادية والثقافية تأثيرها إلى بنية الفرد وسلوكه. بهذا المعنى، لا تُنتج الثقافة شخصية واحدة، بل أنماطًا من الشخصيات تتفاعل ضمن شروطها البيئية والاجتماعية المتباينة.
يذهب العديد من النخب السودانية، من سياسيين ومثقفين، إلى توصيف السودان بأنه؛ "قطر قاريّ لم تنصهر مكوناته بعد"، وعلى حدّ تعبير "حسن الترابي" نفسه، الذي أقرّ بأن السودان لا يقوم على قومية واحدة. هذا الإقرار يكشف تهاوي الفرضية التي تم بموجبها تعميم نموذج ثقافي واحد، وتنصيبه كـ"شخصية معيارية"، بغض النظر عن ترعرعها التاريخي في "أمدرمان" وامتدادها عبر سلطة مركزية تبنّت العروبة والإسلام كمرجعية شاملة. هذه الشخصية، التي تبلورت في المدن الكبرى بفعل الاستجابة المبكرة لمقتضيات التحديث الاستعماري، غدت البوتقة الرسمية لتمثيل "السودانية"، وفق شروطها هي، فصار قبول التنوع مشروطًا بالخضوع لهيمنة هذه الهوية المركزية. وبينما تقوم العلاقة بين الثقافة والشخصية على جدلية متغيّرة، فقد تحوّلت الهوية، في السياق السوداني، إلى واحدة من محركات الصراع واستمراره، لا مجرد خلفية رمزية له.
لقد بدا هذا التوتر الهوياتي مبكرًا، منذ البدايات مع نشأة حركة اللواء الأبيض وثورة 1924، أي مع بذرة الوعي الوطني نفسه. ففي عام 1923، وأثناء نشاط لاتحاد السودان، نشب خلاف دلالي بين علي عبد اللطيف وسليمان كشة، حين صدّر الأخير ديوانًا عن مدح النبي بنداء: "أيها الشعب العربي الكريم"، بينما اعترض عبد اللطيف مطالبًا بأن تكون: "أيها الشعب السوداني الكريم". لم يكن الخلاف لغويًّا بقدر ما كان كاشفًا لشرخ مبكر في تخيّل الذات الجمعية: هل السودان جزء من العالم العربي، أم كيان مستقل بهوية تاريخية مغايرة؟
جاءت مدرسة الغابة والصحراء الأدبية لاحقًا كتعبير توفيقي عن هذا التوتر، حيث حاولت المواءمة بين العروبة والأفريقانية في إطار ثقافي جامع، يعترف بالتمازج لا الإقصاء. لكنّ هذا الجهد ظلّ أدبيًا بالأساس، بينما استمر في الواقع نموذج "القومية التقليدية" بمحاولة فرض هوية مركزية مهيمنة، تقمع التعدد وتفرض التجانس. لقد اختزلت الهوية الوطنية في لسان واحد، ودين واحد، وجهة واحدة.
هذه السياسات الثقافية المتحيّزة أدّت إلى تآكل واسع للهويات المحلية؛ إذ اندثرت قرابة مئة لغة ولهجة سودانية، كما تكرّست ثنائيات قاتلة في الخطاب الاجتماعي: شمالي/جنوبي، عربي/أفريقي، مركزي/هامشي. وهي ثنائيات لا تعكس حقيقة التنوع السوداني، بقدر ما تعيد إنتاج أزمة المواطنة المتساوية، وتعمّق الشروخ الاجتماعية.
غير أن الثقافة السودانية، بتعدد روافدها، لم تكن أحادية قط. فقد استوعبت العروبة والإسلام، لكنها احتفظت أيضًا بعمقها المحلي من عادات وتقاليد ومفردات موروثة. هذا التداخل هو ما دفع البعض إلى تطوير مفهوم "السودانوية"، وعلى رأسهم الفنان التشكيلي "أحمد طيب زين العابدين"، الذي رأى فيها تصورًا حضاريًا يتجاوز ثنائية "الغابة والصحراء"، ويؤمن باندماج كل الروافد دون تمييز. فكما يقول: "السودانوية نتاج عروبة تزنجت وتنوبت، ونوبة تعرّبت".
وعلى نفس النهج، طرح السياسي "جون قرنق" مفهوم السودانوية كإطار جامع لمحصّلة التغيرات التاريخية والثقافية، وأداة لتحرير الدولة من ثقل الهويات الأحادية التي كرّست التفاوت السياسي والاجتماعي.
لكن، وعلى الرغم من هذه الدعوات، ما زال مصطلح "سوداني" في المخيال العام مرادفًا لـ"النهري"، بينما تُستخدم توصيفات مثل "الجنوبي" و"الغرباوي" بمعانٍ تنطوي على التحقير. وهو ما يُعزى جزئيًّا إلى إرث الاسترقاق الذي ظل حاضرًا في التمثيلات الاجتماعية، حتى بعد أن اختفى كممارسة. واللافت أن هذه المركزية تعرّضت أيضًا لنقد مضاد، تمثل أحيانًا في "احتقار معكوس"، يستهدف رموزها وشرعيتها الرمزية.
في المحصّلة، تكشف هذه الجدلية عن مأزق عميق: فمشروع الهوية في السودان لم يفشل فقط بسبب تعدده الثقافي، بل بسبب إخفاق النخب في تحويل هذا التعدد إلى أساس للمواطنة، بدلًا من تحويله إلى سلّم للتراتبية والسيطرة. لا يكفي إذًا التوفيق الخطابي بين مكونات المجتمع، بل ينبغي تفكيك البنى الرمزية والاقتصادية التي كرّست التمايز وأعاقت التعايش.
الجودية والقلد في مرآة الأوبونتو: من العرف إلى العدالة التصالحية
في ظل التعقيدات البنيوية التي واجهت مشاريع السلام والعدالة الانتقالية في السودان، تفرض الحاجة فتح ساحة المناقشات أمام المقاربات الثقافية التي تتجاوز الحلول القانونية المجردة. فالسلام، في جوهره، ليس مجرد غياب العنف، بل حالة اجتماعية متخيلة، تستند إلى موارد رمزية وثقافية، تسمح بإعادة ترميم التعايش، رغم استمرار الندوب في الذاكرة الجمعية. وفي هذا السياق، تكتسب العدالة التصالحية معناها الأعمق، خاصة حين تقرأ في ضوء التجارب الأفريقية، كما في "الأوبونتو" بجنوب أفريقيا، و"القاجاجا" في رواندا، و"كبيلي" في ليبيريا، و"بارازا لا وازي" في تنزانيا.
تُجسّد فلسفة "الأوبونتو- Ubuntu" تصورًا أفريقيًّا أصيلًا للعلاقات الإنسانية، يقوم على مبدأ: "الإنسان لا يكتمل إلا بالآخرين"، كما يعبّر عنها المثل الشعبي: "أنا لأننا، ومنذ كنا، كنت أنا". فهي ثقافة تعلي من شأن الجماعة، وتُعيد تعريف العدل بوصفه إدماجًا أجدى نفعًا من حدود القصاص. وقد تأسست لجان الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا على هذه الرؤية، حيث مثّل الاعتراف العلني بالذنب والتوبة والتعويض، مدخلًا لمسامحة الجناة وبناء سلام اجتماعي مستدام.
تزداد وجاهة هذه المقاربة في الحالة السودانية، بتعقيداتها التاريخية وتعدد سرديات المظلومية. فيجعل الربط بين الأوبونتو والجودية والقلد في السودان أكثر من مجرد مقارنة شكلية، بل محاولة لفهم وظيفة هذه الآليات بوصفها موارد ثقافية فعّالة. فـ"الجودية"، كآلية محلية عرفية، يتولاها "الأجاويد" (الوسطاء)، تقوم على التفاوض والتعويض والعفو، دون الركون إلى الانتقام أو العدالة العقابية. وفي الشرق، تبرز ثقافة "القلد" بين قبائل البجة كآلية لإيقاف القتال مؤقتًا وتهيئة المجال للتسوية.
غير أن هذه الآليات، رغم قوتها الرمزية في الاحترام والاعتراف القبلي، تراجعت فعاليتها نتيجة تسييس القبيلة، وانقسام الولاءات بين المركز والهامش، والدولة والمليشيا. ففي ظل عسكرة المجال الاجتماعي، تحوّلت الجودية في بعض السياقات إلى أداة للترضية والمحاصصة، بدلًا من كونها إطارًا لإعادة بناء الثقة.
يتجلى هذا التحول بوضوح في تجربة "قوات الدعم السريع" (المعروفة سابقًا بالجنجويد)، التي أعادت إنتاج البُنى التقليدية في سياق مختلف. فكما شكّلت "الجلابة" تاريخيًا طبقة مركزية نيلية من التجار، ارتبط بعضهم بأنشطة مثل تجارة الرقيق، وجسّد "الهمباتة" نمطًا من الغزو القبلي والنهب المغلّف بشرعية عرفية؛ فقد نشأت داخل "الدعم السريع" فئات مثل "الغنّامة" و"الكسّابة" بوصفها امتدادات جديدة لهذه البنى، لكن بصيغة مرتزقة قبلية، تشكّل نواة طبقية داخل اقتصاد حرب ومليشياوية هجينة. وهي بنية تأسست على أنقاض الدولة، في ظل فشل مشروعها التحديثي في معالجة قضايا الأرض و"الحاكورة". لذا فالجودية العرفية محدودة وسط تشرذم الولاء القبلي في الحرب الأهلية. لكنها تظل مكونًا ثقافيًّا فاعلًا وصالحًا للتواصل، بدلًا من أن تتحلل لصالح العنف العشوائي غير تامدرب عسكريًّا وقيميًا، كما يحدث -وفقًا لمصادر ميدانية- في تدخل العديد من المليشيات، في الضبط والقضاء الاجتماعي؛ كـ"البراء بن مالك" و"درع السودان" بخلاف ما يندرج تحت قوات المقاومة الشعبية.
في هذا الإطار، يرى الباحث "عطا البطاحني" أن إبراء الجراح السودانية لا يمكن أن يتم عبر مؤسسات القانون وحدها، بل يتطلب تعبئة الموارد الثقافية لترميم النسيج الاجتماعي، واستعادة الذاكرة الجمعية، ومداواة خطاب المظلومية المتبادل بين الهويات المتنافرة: المحلي والمركزي، العربي والأفريقي، المديني والريفي.
وعليه، فإن الجودية والقلد لا ينبغي النظر إليهما بوصفهما أدوات عرفية تقليدية فقط، بل كبذور لعدالة تصالحية يمكن تهيئتها ضمن مشروع وطني أوسع للعدالة الانتقالية شاملًا إعادة إحياء منظور التعددية الثقافية للشخصيات السودانية في إطار مفهوم "السودانوية". مشروع يتصدى لقضايا الأرض والهوية والانتماء، وينبني من أسفل إلى أعلى، في توفر القيادات التاريخية، على قاعدة الاعتراف المتبادل لا الإقصاء، مستندًا إلى ثقافة المجتمع، براغماتيًّا، لا مفروضًا عليها من فوق.