ultracheck
السرطان يخطف أرواح السوريين في صمت (ميغازين).

السرطان قاتل محترف يخطف أرواح السوريين بصمت ويعمق من جراحهم الكثيرة

10 يوليو 2025

منتصف حزيران/يونيو الحالي دقّ الدكتور عدنان مقلد، رئيس جمعية أصدقاء مرضى السرطان في السويداء، في رسالة عاجلة لشبكة الراصد الإخبارية، ناقوسَ الخطر عندما صرح بأنه "من أصل 95 صنفًا من الأدوية الكيميائية المخصصة لمعالجة السرطان في مشفى البيروني بدمشق ( المركز الرئيس لمعالجة السرطان في سوريا) لا يتوفر إلا 11 صنفًا وأن هذا النقص مستمر، وأن المشفى الوطني في السويداء لا يحوي سوى صنفين من هذه الأدوية!".

إن هذا التصريح الصادم يعيد تسليط الضوء على ما يمثله السرطان في سوريا من أزمة صحية عامة متنامية، ومع أن جذور الأزمة عميقة وقديمة إلا أنها تفاقمت منذ عام 2011، والعنف الذي دمّر البنية التحتية للرعاية الصحية وعطّل جهود الوقاية والفحص والعلاج. وبينما تُعدّ البيانات الدقيقة محدودة بسبب انهيار نظام الإبلاغ الصحي المركزي، تُشير الدراسات إلى ارتفاع مخيف في عدد حالات الإصابة بالسرطان والوفَيَات الناجمة عنه، حيث تتفاقم هذه الأزمة بين اللاجئين السوريين في الداخل والخارج، إضافة إلى مناطق شرق الفرات، وكان اللافت هو الارتفاع المخيف لعدد الإصابات في محافظات تعتبر ظروفها غير مواتية نظريًّا لانتشار السرطان كالسويداء واللاذقية. ويُعدّ سرطان الثدي والرئة والقولون والمستقيم وعنق الرحم بالإضافة لسرطانات الدم عند الأطفال أكثر أنواع السرطان شيوعًا في سوريا حسب البيانات المنشورة.

فما الواقع الحقيقي لهذا الوباء الصامت في سوريا، وما هي أهم أسبابه، ومناطق انتشاره، وهل يمكن الحد من خطورته الداهمة؟ وكيف؟

الواقع مُفزع

بلغ عدد الإصابات المسجلة سنويًّا في سوريا قبل الحرب حوالي 15,000 حالة سرطان جديدة (منظمة الصحة العالمية). وبعد الحرب قُدر عدد الحالات الجديدة بـ 30,000 إلى 40,000 حالة سنويًّا حسب إحصائيات عام 2023 (الجمعية السورية للسرطان)، وحدث ارتفاع حاد في حالات سرطان الأطفال، التي ازدادت بنسبة تجاوزت 200% في مناطق النزاع (مستشفى سانت جود لأبحاث الأطفال، 2022). كذلك ارتفع معدل الوفيات إلى أكثر من 70% من المرضى، والذين يموتون في غضون 5 سنوات (مقابل حوالي 30% قبل الحرب) بسبب نقص العلاج.

وحسب إحصائيات 2019، بلغت نسبة الإصابة في السويداء ما بين 165 إلى 171 لكل مائة ألف نسمة، أي أن هناك سنويًّا ما يقارب 850 إصابة جديدة.

وفي تقارير قدمها لي طلاب الجامعة الافتراضية السورية عام 2023، كوظيفة لأحد المقررات، بينت الإحصائيات ارتفاعًا كبيرًا لنسبة الإصابة في محافظات حمص واللاذقية وطرطوس والسويداء، بالإضافة لارتفاع مشابه في الرقة ودير الزور والحسكة وفي إدلب وحلب أيضًا. 

وبينت الدراسات أن سرطان الثدي والرئة والقولون والمستقيم وسرطان عنق الرحم وسرطانات الدم عند الأطفال من أكثر أنواع السرطان شيوعًا في هذه المناطق.

وفيما يُكافح السجل الوطني السوري للسرطان (SNCR)، الذي أُنشئ عام 2001، لتوفير بيانات سكانية دقيقة تصف الواقع الحقيقي لانتشار الوباء بسبب الاضطرابات الناجمة عن النزاع، فإن معدلات الإصابة المنخفضة المُبلغ عنها تعكس نقصًا في التشخيص لا انخفاضًا فعليًّا في معدل الانتشار، لا سيما في حالات مثل سرطان البروستاتا، حيث يكاد الفحص يكون معدومًا. 

ما هي أنواع السرطان الأكثر شيوعًا في سوريا؟

تظهر الإحصائيات أن هناك عدة أنواع من السرطان تتصدر قائمة الإصابات في سوريا، تختلف بين الرجال والنساء. وفيما يلي أبرز الأنواع:

1. سرطان الثدي: يُعتبر هذا النوع من السرطان الأكثر شيوعًا بين النساء، حيث تصل نسبته إلى حوالي 44% من إجمالي حالات السرطان المسجلة حتى الآن، وإن كان الإصابات بين الرجال قليلة مقارنة بالنساء، إلا أنها شهدت زيادة واضحة في السنوات الأخيرة.

2. سرطان الرئة: يحتل سرطان الرئة المرتبة الأولى بين الرجال، حيث تصل نسبته إلى 23% من إجمالي الإصابات، وهناك أيضًا زيادة ملحوظة لهذا النوع بين النساء لأسباب أغلبها مرتبط بالصراع الذي أرهق البلد لأكثر من 14 عاماً.

3. سرطان القولون والمستقيم: يُسجل سرطان القولون والمستقيم نسبة تصل إلى 11% بين الرجال و8% بين النساء، مما يجعله من الأنواع الشائعة أيضًا.

4. سرطانات أخرى: تشمل الأنواع الأخرى، سرطان الجهاز التناسلي بنسبة 12% بين النساء. وسرطان الدم وهو من الأنواع الشائعة أيضًا، وخاصة بين الأطفال، حيث تشكل سرطانات الأطفال حوالي 5 إلى 10% من إجمالي الحالات

5. سرطانات الأطفال: وتشمل الأورام الخبيثة الدموية وأورام الدماغ، حيث تُعتبر هذه الأنواع من أكثر السرطانات انتشارًا بين الأطفال في سوريا.

لماذا ارتفعت معدلات الإصابة بالسرطان في سوريا بشكل كبير؟

في حين تحسنت معدلات البقاء على قيد الحياة بشكل ملحوظ لمرضى العديد من أنواع السرطان في غالبية دول العالم حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2024، وذلك بفضل الكشف المبكر، والعلاجات المتقدمة، والتدخلات في نمط الحياة، زادت معدلات الوفاة بسببه في سوريا، بالتوازي مع زيادة معدل الإصابة به في غالبية الجغرافية السورية. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدد من العوامل المتداخلة أبرزها:

الاضطرابات المرتبطة بالنزاع في سوريا: كانهيار نظام الرعاية الصحية، حيث دمرت الحرب المستشفيات، وقللت من إمكانية الوصول إلى خدمات الأورام، وتسببت في نقص أدوات التشخيص والأدوية والأخصائيين المُدربين. وبينما تتركز معظم خدمات رعاية مرضى السرطان في دمشق، تترك المناطق الريفية والمناطق المتضررة من النزاع محرومة من هذه الخدمات. كذلك يُجبر النزاع المرضى على تأجيل طلب الرعاية بسبب انعدام الأمن أو النزوح أو العوائق المالية، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص وكشف المرض وبالتالي زيادة احتمالية الوفاة. 

أضف لذلك أن أكثر من 50% من السوريين اضطروا خلال سنوات الحرب الطويلة إلى النزوح أو اللجوء، وواجهوا فقرًا مدقعًا في أحيان كثيرة، مما حدّ من حصولهم على الرعاية الصحية. وبالمقابل يتعرض هؤلاء لخطر التعرض للمواد المسرطنة بشكل أكبر (الناتج سوء الأحوال المعيشية أو المخاطر المهنية) وانخفاض معدلات الفحص.

التعرض للمواد المسرطنة: تزيد الأضرار البيئية المرتبطة بالحرب، مثل تلوث المياه والهواء والتعرض للمواد السامة (الناتجة عن القصف أو الدمار الصناعي)، من خطر الإصابة بالسرطان. كذلك تسهم العوامل البيئية كالارتفاع في درجة الحرارة والإشعاع الشمسي والغازات الملوثة في زيادة معدل الإصابات، وعَمِلَ الصراع القائم على مفاقمة هذا الأثر.

وفي هذا السياق ربطت دراسة أجريت عام 2025 ارتفاع درجات الحرارة في دول الشرق الأوسط، بما فيها سوريا، بزيادة خطر الإصابة بسرطانات النساء (سرطان الثدي والمبيض وعنق الرحم)، وأرجعت الدراسة ذلك إلى الإجهاد الحراري أو التغيرات البيئية. حيث يُسهم الإجهاد الناجم عن الصراع، وسوء التغذية، وقلة النشاط البدني بسبب النزوح، في الإصابة بالسمنة وعوامل خطر أخرى للإصابة بالسرطان، مثل سرطان القولون والمستقيم وسرطان الثدي.

العوامل المُعدية: تُؤدي محدودية الحصول على التطعيمات (مثل لقاح فيروس الورم الحليمي البشري لسرطان عنق الرحم، ولقاح التهاب الكبد الوبائي ب لسرطان الكبد) إلى زيادة حالات السرطان المرتبطة بالعدوى، والتي تُمثل حوالي 15% من الحالات عالميًّا، ومن المُرجح أن تكون نسبتها أكبر في مناطق الصراع كسوريا.

ضعف الوعي العام وغياب برامج الفحص الدوري: تُشير الدراسات إلى أن النساء السوريات وعامة السكان لديهم معرفة محدودة بعوامل خطر الإصابة بالسرطان، وعلامات التحذير، وطرق الوقاية، مما يُؤخر التدخل المُبكر. ويفاقم ذلك غياب برامج الفحص الوطنية للسرطان، وخاصةً سرطانات البروستاتا والثدي وعنق الرحم، مما يؤدي لنقص التشخيص والكشف المُتأخر عن المرض. وتشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية أن ٥٠٪ من المستشفيات قد تم قُصفت، وأن ٧٠٪ من أطباء الأورام في سوريا قد فرّوا خارجها (نقابة الأطباء السورية).

الاستخدام المفرط وغير المراقب للمبيدات الحشرية: ارتبطت العديد من المبيدات الحشرية بزيادة خطر الإصابة بالسرطان نظرًا لخصائصها المسرطنة، غالبًا من خلال آليات مثل الطفرات الجينية، أو اختلال الهرمونات، أو التعرض المزمن. وفي سوريا ولفترة طويلة استخدمت المبيدات الحشرية المهربة وغير الخاضعة لمراقبة وزارة الزراعة لأسباب عدة، منها السعر المنخفض قياسًا بالمنتج الوطني أو المرخص، أو ضعف الثقة العامة بفعالية المنتجات الوطنية.

وحسب المهندس الزراعي إسماعيل أبو فاعور يستخدم المزارعون مبيدات مثل، دي. دي. تي، والكلوردان، والليندين ((DDT, Chlordane, Lindane، وهي أنواع تحتوي على الكلور العضوي، والذي يرتبط بسرطان الثدي وأنواع أخرى من السرطان نظرًا لثباته في البيئة وقدرته على التسبب في طفرات جينية. وقد استخدمت هذه الأنواع على نطاق واسع بين عامي ١٩٤٥ و١٩٨٠ على محاصيل مثل القطن والفواكه والخضراوات كالتفاح، والحمضيات، والخضراوات الورقية، وقد يفسر ذلك ارتفاع معدلات الإصابة في المناطق السورية التي تشتهر بهذه المزروعات كالسويداء وحمص واللاذقية وطرطوس والحسكة.

وأضاف أبو فاعور استُخدمت مادة الـ دي. دي. تي وغيرها من المواد الكلورية العضوية بكثافة عالميًّا، قبل حظرها في العديد من الدول. ورغم حظرها في سوريا، إلا أنها تدخل البلد عن طريق التهريب. كما أن بقاياها قد تبقى في التربة والمياه، مما يؤثر على محاصيل مثل القمح والشعير والزيتون، وهي مواد أساسية في الزراعة السورية. ولا توجد بيانات حديثة تؤكد استخدامها النشط في سوريا بسبب القيود الدولية.

كما يُرجح استخدام مبيد  2,4-D (Herbicide)في سوريا للقمح والشعير، وهما محصولان رئيسيان في المنطقة، على الرغم من محدودية البيانات المحددة حول انتشاره. وتجعله أسعاره المعقولة شائعًا في النظم الزراعية النامية.

كذلك يُستخدم الغليفوسات Glyphosate على نطاق واسع عالميًّا، وفي سوريا يستخدم للقمح والشعير، وربما بساتين الزيتون، نظرًا لتعدد استخداماته وفعاليته من حيث التكلفة. ويستخدم الأترازين للذرة والذرة الرفيعة، وهو يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان (مثل سرطان البروستاتا والثدي) بسبب خلل في الغدد الصماء.

ومن المبيدات المستخدمة في سوريا مادة النيونيكوتينويدات (مثل إيميداكلوبريد Neonicotinoids)، والذي تؤكد البيانات المحدودة استخدامه على الخضراوات والفواكه، مثل البندورة والحمضيات، المزروعة في سوريا. ومبيدات الفطريات (مثل بيريميثانيل، فلوديوكسونيل) منتشرة بكثرة في سوريا، وخاصة في المنطقة الجنوبية على محاصيل الفاكهة، مثل العنب والتفاح، والخضراوات كالبطاطا والبصل. والتي تُعدّ من المحاصيل المهمة في الزراعة بالمنطقة. حيث ترتبط باضطراب الهرمونات واحتمالية حدوث آثار مسرطنة، وإن كانت الأدلة أقل تأكيدًا. وهناك عدد آخر من المبيدات المتجددة سنويًّا تدخل البلاد دون مراقبة ودون تحديد لصلاحيتها أو دراسة مخاطرها المحتملة.

حرق الوقود الأحفوري: استخدمت العديد من المناطق في سوريا خلال سنين الصراع الطويلة، مولدات تعمل على المازوت الرديء، مما أسهم في تلوث الهواء بشكل كبير، وهذه المولدات تطلق أبخرة وغازات ضارة تؤثر على جودة الهواء وصحة السكان. كما أن حراقات النفط التي انتشرت في شمال شرق سوريا، شكلت مصدرًا رئيسيًا للملوثات، حيث تؤدي إلى انبعاثات سامة تؤثر على البيئة وصحة الإنسان، وقد تكون سببًا محتملًا لسرطانات الرئة وغيرها.

هل يمكن الحد من انتشار السرطان في سوريا؟

يتطلب الحد من انتشار السرطان في سوريا معالجة كلٍّ من الوقاية الأولية (الحد من الحالات الجديدة) والوقاية الثانوية (السيطرة على تطور الحالات المُشخَّصة)، بما يتناسب مع الواقع السوري المعقد من كل النواحي. وفيما يلي بعض الاستراتيجيات القائمة على الأدلة:

الوقاية الأولية (الحد من الحالات الجديدة)

تعزيز حملات الصحة العامة: من أجل زيادة الوعي بعوامل خطر الإصابة بالسرطان وأعراضه من خلال التثقيف المجتمعي، واستهداف الفئات السكانية ذات المعرفة المحدودة (مثل النساء بسرطان الثدي).

تشجيع الإقلاع عن التدخين، إذ يُعدّ التدخين سببًا رئيسيًّا لسرطان الرئة وغيره من أنواع السرطان. ويمكن لوحدات الصحة المتنقلة أو برامج مخيمات اللاجئين توزيع مساعدات الإقلاع عن التدخين.

برامج التطعيم: توسيع نطاق الحصول على لقاحات فيروس الورم الحليمي البشري والتهاب الكبد الوبائي ب من خلال المساعدات الإنسانية للوقاية من سرطان عنق الرحم وسرطان الكبد. ويمكن للشراكات مع المنظمات غير الحكومية والوكالات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية تسهيل ذلك. وضمان التثقيف الجنسي الآمن ومكافحة العدوى للحد من انتقال فيروس الورم الحليمي البشري والتهاب الكبد.

التدخلات البيئية ونمط الحياة: تقليل التعرض لعوامل الحرب للحد من المواد المسرطنة من خلال تحسين الظروف المعيشية في مخيمات اللاجئين أو المناطق العشوائية (مثل المياه النظيفة، والحد من تلوث الهواء). وتشجيع اتباع نظام غذائي صحي وممارسة النشاط البدني قدر الإمكان -على الرغم من قيود الموارد- من خلال برامج غذائية مدعومة بالمساعدات.

التكيف مع المناخ: معالجة مخاطر السرطان المرتبطة بالحرارة من خلال تحسين الظروف المعيشية (مثل الملاجئ المظللة، وتوفير الترطيب) في مخيمات اللاجئين والمناطق الحضرية، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تفاقم مخاطر الإصابة بسرطانات النساء.

الوقاية الثانوية (الحد من انتشار الحالات المُشخَّصة)

إعادة بناء رعاية مرضى السرطان وتحقيق اللامركزية فيها: كاستعادة خدمات الأورام خارج دمشق ودعم المشافي ومراكز المعالجة في المحافظات والمناطق، وتطوير العيادات المتنقلة أو مراكز العلاج المؤقتة المدعومة بالمساعدات الإنسانية. بالإضافة لتدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية على التشخيص الأساسي للسرطان والرعاية التلطيفية لمعالجة نقص الأخصائيين.

الكشف المبكر والفحص: تنفيذ برامج فحص متنقلة ومنخفضة التكلفة لسرطانات الثدي وعنق الرحم والقولون والمستقيم، كما أكدت عليه اللجنة الوطنية السورية لمكافحة السرطان عام ٢٠٢٣. كذلك دعم استخدام التطبيب عن بُعد للاستشارات والمتابعات عن بُعد، والاستفادة من الدعم الدولي لسد فجوات البنية التحتية المحلية.

تحسين الوصول إلى العلاج: تقديم المساعدة الإنسانية للحد من العواقب المالية السلبية، وضمان قدرة المرضى على تحمل تكاليف العلاج واستكماله. وتسهيل الحصول على الأدوية الأساسية والعلاج الإشعاعي من خلال الشراكات الدولية، ومعالجة النقص الناجم عن العقوبات والنزاعات.

دعم اللاجئين: ينبغي على الدول المضيفة (مثل الأردن وتركيا ولبنان) توسيع نطاق رعاية مرضى السرطان للاجئين السوريين، بما في ذلك التشخيص والعلاج المدعوم، للحد من حالات الإصابة في المراحل المتأخرة، والتنسيق مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدمج رعاية مرضى السرطان في برامج صحة اللاجئين.

تعزيز مكافحة السرطان على المستوى الوطني: دعم اللجنة الوطنية السورية لمكافحة السرطان (NCCC)، التي أُنشئت عام ٢٠١٩، لوضع وتنفيذ إستراتيجية وطنية لمكافحة السرطان تُركز على الكشف المبكر والوصول العادل للخدمات. والتعاون مع الشركاء الإقليميين (مثل السعودية وقطر وتركيا) لتبادل الموارد والخبرات، كما أن إلغاء العقوبات عن سوريا مؤخرًا سيجعل من السهل الاستفادة من الخبرات والدعم الأوربي والأمريكي في هذا المجال.

الاستثمار في البيانات والبحوث: لابد من تحسين السجل الوطني السوري للسرطان لتحسين دقة البيانات، مما يُتيح تتبعًا أفضل لمعدلات الإصابة والنتائج، لأن النتائج المنشورة اليوم بعيدة جدًّا عن واقع الحال المخيف للغاية. ولابد من توفير التمويل للبحوث المتعلقة بمخاطر السرطان المرتبطة بالنزاع (مثل التعرضات البيئية والإجهاد) لتوجيه التدخلات المُستهدفة.

ومن الضروري إعطاء الأولوية للفئات السكانية المحرومة (مثل المناطق الريفية واللاجئين) في الفحص والعلاج للحد من التفاوتات في نتائج الإصابة بالسرطان.

كلمة أخيرة

إن واقع وباء السرطان في سوريا مُزرٍ للغاية، حيث تفاقم بسبب سنوات من الصراع والتحديات البيئية. وتتطلب معالجة هذه الأزمة الصحية العامة نهجًا متعدد الجوانب يشمل تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية، وتطبيق تدابير وقائية، وتعزيز بيئة صحية. ومن خلال تضافر جهود السلطات المحلية والشركاء الدوليين، يُمكن الحد من انتشار السرطان وتحسينه. إن الحكومة الانتقالية التي ورثت تركة ثقيلة من المشاكل والتعقيدات في مختلف مناحي الحياة في سوريا يمكنها بتضافر جهود وزارات الصحة والإعلام والتربية والتعليم العالي، بالإضافة إلى التعاون مع مؤسسات المجتمع، خلق إستراتيجية فعالة ومبنية على بيانات حقيقية لواقع السرطان، بحيث يمكن الحد من انتشاره المخيف بالقضاء على أسبابه، وتوفير الرعاية الصحية المطلوبة للمصابين والعمل على إنقاذ حياتهم. وينبغي خلق شراكة مع المنظمات الصحية مثل منظمة الصحة العالمية (WHO) والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) بغية الحصول على الدعم الفني والمالي في تطوير برامج الكشف المبكر، وتأمين الأدوية الضرورية بالكميات التي تكفي لمعالجة المصابين وإنقاذ حياتهم قبل فوات الأوان.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

فلسطين تُجرّد كرة القدم من حياديتها

في الحقيقة تمثل كرة القدم ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد وربما عصية على الفهم بسهولة، ومعاملتها وفق كليشيهات مُكررة يوقع البحث والباحث في الكثير من المغالطات والأوصاف المغايرة لما هو واقع اللعبة وديناميتها

2

إسرائيل والاغتيالات.. هل من استراتيجية؟

يرجح أن أول عملية اغتيال نفذتها إسرائيل عام 1956، عندما أرسلت الوحدة 154، طردًا متفجرًا وقتلت العقيد مصطفى حافظ، ضابط المخابرات المصري

3

النفط في قبضة الخزانة الأميركية: فنزويلا نموذجًا وإيران احتمالًا

يستعرض المقال آليات السيطرة الأميركية على عائدات النفط عبر القانون والمال، مستعرضًا فنزويلا والعراق وإيران، وكيف تُفرغ السيادة من مضمونها لصالح النفوذ الدولي المعاصر

4

المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

يستعرض المقال أرشيفات تكشف خلافات داخل "النسوية السوداء" (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن

5

تشريع الظلم: القانون الدولي كأداةٍ للاستعمار والهيمنة

ينطلق المقال من أطروحة أنتوني آنغي حول القانون كأداة لترسيخ الهيمنة، ليُظهر امتداد هذا المنطق من الاستعمار الدولي إلى البنى القانونية المعاصرة محليًا وعالميًا، داعيًا لإعادة تعريف وظيفته

اقرأ/ي أيضًا

الآثار السورية

بين الترميم والتزوير: معضلة إعادة بناء الآثار في سوريا بعد الحرب

في سوريا اليوم، الترميم ليس مجرد تقنية، بل هو ساحة معركة ثقافية. كل قرار بإعادة بناء موقع أو تركه على حاله يحمل رسالة: إما "نحن أقوى من التدمير" أو "نحن لا نخاف من أن نرى ندوبنا"

عبد اللطيف الأحمر

هيرمان هسه
هيرمان هسه

هيرمان هسه في الذكرى 149 لميلاده.. العيش في قلب العالم

في الثاني من تموز/يوليو الجاري، حلّت الذكرى 149 لميلاد الكاتب الألماني هيرمان هسه (1877–1962)، أحد أكثر الأدباء الذين اقترنت أعمالهم بالبحث الدائم عن الإنسان، وعن الطريق الذي يقوده إلى معرفة ذاته ومعنى وجوده

علي صلاح بلداوي

واشنطن وطهران

اتفاق واشنطن وطهران: إدارة أزمة أم إعادة هندسة توازنات الشرق الأوسط؟

لا يبدو أن ما يجري حاليًا يهدف إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 بصيغته السابقة، وإنما يعكس توجهًا نحو بناء تفاهم مرحلي محدود يركز على احتواء التوترات الأمنية، وضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية

ميرنا محمد

الأدب والكسل

بين الرذيلة والحكمة: كيف أعاد الأدباء والمفكرون التفكير في الكسل؟

تجرأ الأدباء والمفكّرين على مساءلة النظرة السائدة عن الكسل، مقدّمين رؤى مغايرة ترى فيه أو في الفراغ مساحة خصبة للتأمل والإبداع وشكلًا من أشكال المقاومة ضد ضغوط الحياة الحديثة

يونس أوعلي

الجن

الجنّ.. تجارة الرعب المقدّس

لم تعد كلمة الجن تدل على كائنات غيبية بمقدار ما صار مادة إعلامية قادرة على جذب الانتباه وتحقيق المشاهدات وبناء الجماهير، من خلال العمل على تحويل القلق الإنساني إلى سوق مفتوحة.

سناء عون

المزيد من الكاتب

سامر سيف الدين

كاتب سوري

من الأنقاض إلى الخوارزميات.. سوريا تعيد بناء ذاتها رقميًا

تمثل البيانات الضخمة فرصة، إذا واتتها الظروف التقنية واللوجستية المناسبة، لإنجاز كثير من المهام الكبرى في مرحلة إعادة إعمار سوريا، وإزالة آثار عقد ونصف من الحرب والشتات

من الملك فيصل إلى أحمد الشرع.. كيف تعامل حكام سوريا مع المواطنة؟

من قانون الجنسية الفرنسي عام 1924 إلى إحصاء 1962 الذي همّش الأكراد.. كيف تعامل حكّام سوريا مع المواطنة؟

لماذا غاب المثقفون المعتدلون عن المشهد السوري منذ عام 2011؟

غياب المثقفين المعتدلين عن المشهد السوري منذ 2011 فاقم الاستقطاب والتطرف، وأضعف الخطاب الفكري والمصالحة بعد سقوط النظام