يحتل التصوف مكانة خاصة في الهوية الدينية المغربية، وذلك باعتباره مكوّنًا تاريخيًّا واجتماعيًّا أسهم في تشكيل العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، فمنذ قرون لعبت الزوايا والطرق الصوفية دور الوسيط بين السلطان والرعية، عبر نشر قيم الطاعة والولاء وتقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية، مقابل حماية الدولة لها ومنحها امتيازات خاصة.
من بين هذه الزوايا، تبرز الزاوية القادرية البودشيشية، التي ارتبطت نشأتها بقرية "مداغ" قرب "بركان" في شرق المغرب، لتصبح اليوم شبكة روحية ذات إشعاع عالمي. فمن مجالس الذكر والتربية الروحية إلى المهرجانات الصوفية الدولية، ومن حضور محدود في الريف المغربي إلى امتدادات في أوروبا وإفريقيا وأمريكا.
نسجت الزاوية مسارًا مثيرًا للنقاش، غير أنّ هذا المسار لا يمكن فصله عن رعاية الدولة المغربية، التي وجدت في التصوف وسيلة لتأطير الحقل الديني وتعزيز شرعيتها في مواجهة المد السلفي والحركات الجهادية والإسلام السياسي.
من فضاء روحي محلي إلى مؤسسة عالمية
يتأسس التصوف عمومًا على عدة أسس من بينها العزلة وشدة التعبد والتأمل، والزهد في الحياة وملذاتها، والاشتغال بالخالق والانشغال عن الخلق، وتربية المريدين على تطهير النفس للوصول إلى طريق الله، وإيواء المحتاجين وإطعامهم، وتفضيل القيم الروحية على القيم المادية، وتربية المريد على الطاعة "اللامشروطة" لشيخ الزاوية أو الطريقة الصوفية، وتضحيته وجهاده من أجل نشر الإسلام والذود عن الوطن.
ومن الصعب تأصيل ظهور التصوف في المغرب، غير أن باحثين يؤكدون أنه لم يكن منذ بداياته ظاهرة جماعية أو مؤسسية كما هو اليوم، ذلك أنه اتسم حينذاك بطابع فردي صِرف، فكان كل متصوف ينغمس في زهده الخاص، يمارس عباداته بمعزل عن الآخرين وفق قواعد وطقوس شخصية تختلف من شخص إلى آخر.
ومع مرور الزمن، ونتيجة لترسخ الإسلام في المغرب وتأثير التيارات الروحية القادمة من المشرق والأندلس، أخذت هذه التجارب الفردية تتطور وتتقارب. ومع مطلع القرن الثاني عشر الميلادي، انتقل التصوف من حالة العزلة والانفراد إلى طور العمل الجماعي المنظم، فبرزت المدارس والزوايا التي جمعت المُريدين على طرائق موحدة ومؤطرة.
في كتابه "مؤسسة الزوايا بالمغرب" يشير محمد ضريف إلى أن التصوف في المغرب مر بمرحلتين، أولاهما مرحلة التبعية للتصوف في الشرق، والثانية بدأت بمحاولة "مغرَبة التصوف" على يد المتصوف عبد السلام بن مشيش الذي عاش بين عامي 1163 و1228م.
وخلال القرن الثامن عشر ظهرت الطريقة البودشيشية التي تعود أصولها إلى الطريقة القادرية المنسوبة إلى الشيخ أبي صالح محيي الدين عبد القادر الحسني الجيلاني (1077-1166م)، المؤسس الروحي للطريقة القادرية في بغداد أوائل القرن الثاني عشر، ويؤمن أتباع هذه الزاوية بأن شيوخهم يرتبطون بسلسلة روحية متصلة بالجيلاني.
وقد ارتبطت تسميتها بـ "الطريقة البودشيشية" بالشيخ علي بن محمد، الذي عُرف في حياته بـ"سيدي علي بودشيش". ويعود أصل هذا اللقب إلى مبادرته في أوقات الشدة والمجاعات إلى إطعام الناس وجبةً تقليدية بسيطة تُعرف في المغرب باسم "الدشيشة"، فغدا هذا الاسم علامة مميزة ارتبطت بالطريقة من بعده.
وبعد أن ولدت البودشيشية في بني طيب بإقليم الدريوش شمالي شرق المغرب، توطدت في منطقة مداغ بفضل الشيخ علي بن مخلوف. لكن التحول الأبرز جاء مع شخصية الشيخ حمزة القادري البودشيشي (1922-2017م)، الذي أعطى للطريقة نفَسًا جديدًا وفتحها أمام مختلف الفئات الاجتماعية، فشهدت توسعًا غير مسبوق وطنيًّا ودوليًّا، إذ أقام ملتقيات صوفية خارج البلاد مما أدى إلى استقطاب أعداد هائلة من المُريدين من أوروبا وإفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، فتأسست بناء على ذلك فروع في فرنسا وبلجيكا وإيطاليا، حيث جذبت شبانًا من الجاليات الباحثة عن هوية دينية متوازنة.
واليوم تمثل البودشيشية قِبلة لأكثر من مائة ألف مريد من مختلف أنحاء العالم، حيث يسافرون إلى مقر الزاوية لحضور الملتقى السنوي للتصوف، والذي يتزامن سنويًّا مع ذكرى المولد النبوي الشريف.
تداخل الروحاني مع السياسي
يمكن القول إن الزاوية البودشيشية تجسد اليوم نموذجًا حيًّا للتقاطع بين الدين والسياسة في المغرب، حيث لم يعد حضورها مقتصرًا على المجال الروحي كما كان في بداياتها، بل امتد ليصبح مرتبطًا بشكل وثيق بمصالح الدولة واستراتيجياتها. فعلى الرغم من إعلانها المتكرر عن الابتعاد عن الشأن السياسي المباشر، فإنّ الواقع يكشف عن شبكة معقدة من الروابط مع السلطة، تتجلى في الرعاية الرسمية التي تحظى بها، وفي مشاركة شخصيات بارزة من النخبة السياسية في مواسمها وطقوسها الروحية.
هذا التقارب يمكن اختزاله في أن الدولة تستند إلى الشرعية الروحية للزاوية لتقوية خطابها الديني المعتدل ومواجهة المد السلفي والإسلام السياسي، في حين تستفيد الزاوية من هذه العلاقة لتعزيز مكانتها داخل المجتمع ولضمان استمرار امتيازاتها.
وبينما كان المريد في الزوايا التقليدية يقترب من الشيخ طلبًا للصفاء الروحي والتجرد من ملذات الدنيا، أصبح الانتماء اليوم إلى البودشيشية بمثابة بوابة لاكتساب وجاهة اجتماعية ومكانة خاصة، بل أحيانًا اكتساب فُرص عملية قد لا تتوفر في خارجها. لينتقل بذلك المريد من البحث عن التزكية إلى البحث عن موقع ونفوذ.
وعند مقارنة البودشيشية بالزوايا التقليدية في المغرب، يظهر البعد التاريخي للمفارقة، فبينما لعبت بعض الزوايا القديمة أدوارًا في مقاومة السلطة المركزية أو مواجهة الاحتلال، نجد البودشيشية وقد تحولت إلى حليف للدولة وركيزة من ركائزها في ضبط الحقل الديني، حيث انتقلت من فضاءات كانت تُعتبر ملاذًا للمستضعفين ومجالًا للممانعة، إلى فضاء منظم يخدم استراتيجية رسمية أوسع تقوم على تثبيت الشرعية السياسية عبر تسويق نموذج "الإسلام الروحي المعتدل".
لقد ركزت البودشيشية في بدايتها على التربية الروحية، غير أن اتساع شبكتها الاجتماعية والروحية جعلها محط اهتمام الدولة، خصوصًا خلال عقود التوترات السياسية في المغرب ما بين الستينيات والسبعينيات، حين عاشت البلاد على وقع صراعات بين القصر والمعارضة، وصعود الحركات اليسارية. في تلك المرحلة، ظلت الزاوية تميل إلى الحياد، فلا تواجه السلطة ولا تتحالف معها بشكل واضح. لكن مع مرور الوقت، ومع الحاجة المتزايدة للدولة إلى خطاب ديني معتدل يوازن بين المحافظة والحداثة، وجدت البودشيشية نفسها تتحول من موقع المراقب الحذر إلى موقع الحليف الاستراتيجي.
وعلى الرغم مما تؤكده قياداتها من حياد والتزام بالبعد التربوي الصوفي، فإن ممارساتها العملية تكشف أيضًا عن حضور قوي في الشأن العام، واصطفاف واضح إلى جانب الدولة. ومن بين المحطات البارزة التي أظهرت هذا الارتباط ما حدث خلال الاستفتاء على دستور سنة 2011، حين دعا شيخ الزاوية أتباعه إلى التصويت لصالح الدستور الجديد، وهو ما تُرجم إلى مشاركة مكثفة قدّرتها وسائل الإعلام الرسمية بـ 80 ألفًا من المريدين الذين خرجوا في شوارع الدار البيضاء رافعين شعارات مؤيدة للدستور. هذا الحشد نُظر إليه حينذاك باعتباره إعلان ولاء سياسي، وبرهانًا على قدرة الزاوية على التأثير في توجيه الرأي العام بما يخدم توجهات السلطة.
عدد من الباحثين، مثل محمد ضريف، ذهبوا إلى أن كل الزوايا الصوفية الفاعلة في المغرب، وعلى رأسها البودشيشية، لا يمكن فصلها عن البعد السياسي. فحتى إن لم تمارس عملًا حزبيًّا مباشرًا، فإنها تُسهم في صياغة مواقف عمومية، وتنخرط في قضايا ذات طبيعة سياسية، سواء عبر ندوات فكرية تناقش علاقة التصوف بالحداثة، أو عبر بيانات ومواقف تعكس وجهة نظر السلطة نفسها.
إلى جانب ذلك، تكشف الجريدة الناطقة باسم الزاوية، عن اتجاه واضح نحو الانسجام التام مع اختيارات الدولة. فهي تُفرد مساحات واسعة للحديث عن قضايا سياسية وتعكس في مقالاتها خطابًا مطابقًا تقريبًا للخطاب الرسمي.
هذا التماهي يجعل من هذه الزاوية، في نظر الكثيرين، مؤسسة دينية تابعة وظيفيًّا لاستراتيجية الدولة في إنتاج خطابها الإيديولوجي، بحيث تحولت العلاقة بين الطرفين إلى علاقة طاعة شبه مطلقة، يعبَّر عنها في الأدبيات الصوفية بمفهوم "المريد في يد شيخه"، لتصبح في السياق السياسي "الزاوية في يد الدولة" كما عبّر عن ذلك الباحث رشيد الاركو.
رعاية أم توظيف سياسي؟
بعد وفاة الشيخ جمال الدين القادري البودشيشي، شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، في أغسطس الماضي، عاد الجدل داخل الزاوية، خاصة مع تنافس نجليه منير ومعاذ على خلافته. وقد ربطت وسائل إعلام مغربية ودولية هذا الجدل بـ "تدخل الدولة" في ترجيح كفة الشقيق الأصغر معاذ، باعتباره أكثر انسجامًا مع التوجه الرسمي، وذلك عكس وصية والده الذي أوصى بتولية ابنه الأكبر منير القادري بودشيش المشيخة من بعده.
هذا الخلاف كشف عن هشاشة البنية الداخلية للطريقة، وعن مدى ارتباطها بالمؤسسة السياسية في البلاد، وهو ما أثار نقاش كبيرًا عن الاستقلالية: هل تستطيع الطريقة البودشيشية أن تحافظ على صفائها الروحي وهي مرتبطة بالدولة؟
في دراسته عن الزوايا المغربية في الفترة المعاصرة وعلاقتها بالدولة، حاول الباحث رشيد الاركو الوقوف عند أسباب حضور الزوايا بشكل كبير في الفترة المعاصرة منطلقًا من فرضية مفادها أن الدولة المغربية "أعادت استثمار وتوظيف المقدس الزاوياتي لأنه يخدم إستراتيجيتها الدينية الجديدة"، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر ، وذلك بهدف محاصرة التطرف الديني والحركات الجهادية، وتحجيم "الإسلام السياسي"، ذلك أن البلاد لم تسلم من الهجمات الإرهابية على غرار أحداث 16 أيار/مايو 2003 بالدار البيضاء، وتفجيرات 11 و 14 آذار/مارس 2007 في نفس المدينة وغيرها.
ويشير الاركو، الذي اختار الزاوية البودشيشية نموذجًا لدراسته، أن الدولة المغربية وظّفت "التراث الصوفي ضمن ما يسمى بالسياسة الدينية الرسمية"، معلنة بذلك موقفها من الإسلام الحركي والسلفي. وهو ما يؤكد على أن الطرق الصوفية عامة لها علاقة وطيدة بالدولة وبسياساتها لتأطير الحقل الديني، مما حوّلها من "مؤسسة للتدين الشعبي" إلى مؤسسة رسمية خاضعة لسياسة الدولة في المجال الديني.
ولتفكيك علاقة الزاوية البودشيشية مع الدولة المغربية انطلق الباحث من فرضية أن الزوايا في الفترة المعاصرة "مسيّرة، وتابعة للدولة" مشيرًا إلى أن "أيديولوجيتها هي أيديولوجية الدولة ولا تحيد عنها قيد أنملة"، وبالتالي فإن الزاوية تمثل الدولة.
ومن الملاحظ أن تعيين أحمد التوفيق على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ سنة 2002، وهو أحد المنتسبين للزاوية القادرية البودشيشية يحمل دلالات عديدة، بشأن التوجه إلى توظيفها في السياسة الدينية للمغرب وذلك بالنظر إلى شعبيتها الكبيرة في الداخل والخارج.
وقد ختم رشيد الاركو دراسته بالتأكد على أن "لغة المصالح المشتركة"، هي التي وطدت العلاقة بين الدولة والزواية البودشيشية. مؤكدًا على أن أي تعارض للمصالح بينهما سيعيد هذه الزاوية لا محالة إلى التهميش والرفض. بل إن هذا الرفض -حسب نفس الباحث- "سيكون مسنودًا بالمقدس مرة أخرى، عن طريق آلية الإفتاء التي تعتبر المد الزاوياتي، بدعة وانحرفا عن تعاليم الإسلام".
في المقابل لا يمكن إغفال الرأي القائل بأن الدولة المغربية، ومن خلال حمايتها للزاوية تحمي التصوف من التهميش الذي عرفه في دول أخرى، إذ تمنحه مكانة مؤسساتية ودعمًا معنويًّا. لكن هذا الاندماج من شأنه أن يُفقد التصوف جوهره، ويحوّله إلى أداة سياسية لتجميل صورتها داخليًّا وخارجيًّا.
عموما إن التراث الصوفي، رغم ثرائه وتنوعه، لم يُستثمر في العصر الراهن بما يليق به. فقد تم توظيفه بشكل اختزالي حيث تم تهميش أبعاده المعرفية والاجتماعية التي تشكّل جوهره الأصيل.
ومن خلال إعادة صياغة خطاب الزوايا ليتماشى مع الخطاب الرسمي فإنها لم تعد مؤسسات مستقلة كما في الماضي، وإنما صارت جزءًا من البنية الرسمية للدولة، تتبنى خطابها وتخدم استراتيجياتها في المجال الديني والاجتماعي. ومن ثمّ، فهي تمثل الامتداد الرمزي والسياسي للدولة أكثر مما تعكس استقلالية روحية أو فكرية.
وأخيرًا، وكما خلصت إلى ذلك دراسة الباحث رشيد الاركو فإنّ ما يمنح الزوايا قيمتها الرمزية هو ارتباطها بالمقدس الديني، وهو العامل الأساسي الذي دفع الدولة إلى إحياء دورها وتوظيفها ضمن سياساتها. غير أنّ هذه العلاقة تظل مرهونة بمنطق المصالح المتبادلة، الذي قد يتبدّل في أي لحظة، فإذا تباينت المصالح، فإن الزوايا مرشحة لاستعادة خطاب الرفض والتهميش، بل وربما الاستناد إلى المرجعية الدينية ذاتها في مواجهة الدولة.