بعد عام على سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، لا يتمثّل التحدي المركزي لسوريا في إعادة البناء التقني لجيش وطني، بل في المهمة السياسية والبنيوية الأكثر تعقيدًا، المتمثلة في إعادة تكوين احتكار الدولة للعنف المنظّم والشرعي، بما يخدم بناء نموذج موحد للدولة بمفهومها الحديث. ورثت الدولة ما بعد الأسد مشهدًا يكون فيه أكثر الفاعلين المسلحين قدرةً ليسوا مؤسسات خاضعة بالكامل، بل أوامر عسكرية شبه مستقلة تشكّلت خلال سنوات من الحرب، والرعاية الخارجية، والحكم الذاتي المحلي. في هذا السياق، لا ينبغي قراءة الاشتباكات بين الجيش السوري الجديد وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حلب، وكذلك المواجهات مع الفصائل الدرزية والمحلية المسلحة في السويداء، بوصفها حوادث أمنية معزولة، بل هي تعبيرات عن معضلة واحدة غير محلولة، متمثلة بمحاولات فرض السيادة على كامل الأراضي السورية، في ظل حالة من التشظي السياسي والأمني، ووجود رغبة إسرائيلية واضحة بالإبقاء على حالة الانقسام في البلاد.
هدف دمشق بسيط بنيويًا لكنه متفجّر سياسيًا؛ إذ لدينا سلسلة قيادة واحدة، وسلطة شرعية واحدة، وعلم واحد؛ غير أن هذه الرؤية تصطدم بأوامر مسلحة محلية تطالب بضمانات قبل التخلي عن استقلاليتها؛ أي ضمانات تتعلق بالأمن الجسدي، والتمثيل السياسي، والحماية من القوى المنافسة، والإدماج في الحكم المستقبلي. ويزداد تعقيد هذه المعادلة بفعل حقيقة أن الفاعلين الخارجيين المتمثلين في تركيا في الشمال، وإسرائيل وروسيا في الجنوب، والولايات المتحدة في الشمال الشرقي والبادية، لا يتعاملون مع ملفات الاندماج المحلي هذه بوصفها شؤونًا سورية داخلية؛ بل يؤطرونها كمشكلات أمن حدودي رمزي وفعلي، وأمن وجودي، ما يعني أن أي فشل في التكيّف المحلي قد يتحول سريعًا إلى تصعيد إقليمي. في ظل هذه الظروف، تتوقف المهل الزمنية مثل الاندماج بحلول 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 عن كونها محطات إدارية، لتصبح أدوات تفاوض قسرية، تسرّع انعدام الثقة وتزيد احتمالات سوء التقدير مع أي جبهات انفصالية.
عبر الجبهتين الشمالية الشرقية والجنوبية، يواجه الجيش السوري الجديد الهشاشة البنيوية ذاتها المتمثلة بالشرعية في ظل عدم اليقين. فإذا تسامح مع مناطق مسلحة انفصالية، بدا ضعيفًا ودعا إلى مزيد من التفكك؛ وإذا استخدم القوة لفرض التسلسل الهرمي، خاطر بإعادة إنتاج ردود الفعل القسرية لدولة الأمن القديمة واستدعاء سرديات التدخل الخارجي. وعليه، فإن الاشتباكات الناجمة عن هذه المماطلة في أي من الجبهات، ليست إخفاقات تكتيكية فحسب، بل إخفاقات في بناء المؤسسات؛ لا سيما وأن الدولة لم تطوّر بعد آليات غير عنيفة موثوقة، مثل الضمانات القابلة للتنفيذ، والتمثيل الشامل، واتفاقات الشرطة المحلية، وضمانات العدالة الانتقالية، قادرة على استيعاب الفاعلين المسلحين من دون اللجوء إلى القوة.
الاندماج واختبار السيادة
علنيًا، يُصوَّر الخلاف بين دمشق وجبهتي "قسد" والسويداء على أنه مسألة دمج نحو 50 ألف مقاتل في القوات المسلحة الوطنية. في الواقع، يذهب الصراع أعمق من ذلك بكثير؛ فالقضية الجوهرية هي ما إذا كانت "قسد" ستبقى كتلة عسكرية متماسكة ومرتكزة إقليميًا تتمتع باستقلال فعلي، أم أن الاندماج سيعمل كآلية لتفكيك قيادتها المستقلة، وإعادة توزيع قواتها، وتحييد نفوذها السياسي والإداري المستقل الذي طورته على مدار 14 عامًا على الأقل. تُفسَّر مقترحات دمشق بإعادة تنظيم مقاتلي "قسد" في فرق خاضعة للقيادة المركزية من قبل "قسد" ليس على أنها إدماج مؤسسي، بل تفكيك تنظيمي؛ بينما في المقابل، تصرّ تركيا على أن الاندماج يجب أن يفكك بنية قيادة "قسد" بالكامل، بدلًا من مجرد إعادة تسميتها داخل مؤسسات الدولة.
يمتد هذا الخلاف عبر عدة خطوط صدع؛ متمثلة بأفكار مثل من يعيّن القادة ويسيطر على الترقيات؛ وما إذا كان يمكن لوحدات الجيش السوري دخول مناطق كانت خاضعة تاريخيًا لسيطرة "قسد"؛ وكيف يُعاد توزيع عائدات النفط والغاز والحدود؛ من يسيطر على مرافق احتجاز تنظيم "داعش"؛ وما إذا كانت "قسد" تحتفظ بأي ضمانات أمنية خارجية، ولا سيما علاقتها بالولايات المتحدة. تمسّ كل واحدة من هذه القضايا صميم السيادة، ما يجعل أي تسوية مكلفة عسكريًا، وأمنيًا، وإداريًا سياسيًا، ورمزيًا.
تحوّل الدول الضامنة هذا النزاع من تفاوض بطيء الإيقاع إلى مواجهة أمنية عالية المخاطر. فمن خلال اتهام "قسد" علنًا بالمماطلة والتشديد على مهلة نهاية العام، تُفعّل أنقرة سلّم تصعيد مألوف؛ يبدأ من مهلة زمنية، ثم توزيع اللوم، ثم إضفاء الشرعية على العمل العسكري العابر للحدود، ما يخلق هيكل حوافز قاسيًا لـ"قسد". فإذا قدّمت تنازلات مفرطة، تخاطر بالتفكك الداخلي، وفقدان الاستقلالية، والتهميش السياسي وفقدان السيطرة الإدارية وحلم تأسيس دولة للأكراد؛ وإذا قدّمت تنازلات محدودة، تخاطر بتدخل عسكري تركي أو بتقارب دمشق – أنقرة يهدف إلى عزلها وإكراهها. في ظل هذه الشروط، يصبح الاندماج أقل كونه عملية لبناء الدولة وأكثر كونه اختبار صمود.
على جبهة السويداء؛ يبدو من الأخطاء التحليلية الشائعة التعامل مع الدروز بوصفهم شريكًا تفاوضيًا موحّدًا. في الواقع، من الأدق فهم السويداء كساحة أمنية تتكوّن من سلطات دينية متنافسة؛ إذ لدينا أربعة شيوخ عقل بأفكار متباينة، وفصائل مسلحة محلية متعددة الولاءات والانتماءات المحلية والخارجية أبرزها تشكيل "الحرس الوطني"، ووجهاء، وشبكات مجتمعية لا تعمل بتنسيق موثوق. يميّز هذا الأمر الملف الدرزي جذريًا عن حالة "قسد"؛ فبينما تمثل "قسد" فاعلًا مؤسسيًا بمرجعية قيادة مركزية، وإقليم، وبنية احتجاز، تعمل السويداء كسوق أمنية تعددية محلية الشبكات. يفسّر هذا التفتت سبب إعلان وقف إطلاق نار ثم انهياره سريعًا؛ فلا توجد سلطة واحدة قادرة على فرض الالتزام عبر الساحة بأكملها.
كشفت أعمال العنف في السويداء خلال تموز/يوليو عام 2025 بنية صراع معقّدة من ثلاث طبقات. في القاعدة، برزت توترات مجتمعية، ولا سيما بين الدروز والبدو، تميّزت بدورات انتقام وعنف محلي وفزعات عشائرية راح ضحيتها آلاف المدنيين في المحافظة. وفوقها جاءت تدخلات الدولة، حيث دخلت القوات الأمنية المحافظة لفرض النظام وإعادة تأكيد السلطة، لكن مع فشل أمني واضح، وهذا ما صرح به وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في حديثه عن أن الدخول على السويداء كان فخًا وورطة أمنية للإدارة السورية الجديدة. أما الطبقة الثالثة فتعلقت بالعسكرة الإقليمية، مع الضربات الإسرائيلية والضغوط المؤطَّرة بلغة حماية الدروز. هذا التراكم بين المحلي والوطني والإقليمي بالغ الأهمية؛ ففي سوريا ما بعد الأسد، تتحول الاشتباكات المحلية سريعًا إلى اختبارات لسلطة الدولة، ويمكن لتلك الاختبارات أن تتصاعد إلى نقاط اشتعال إقليمية.
يتجاوز انخراط إسرائيل في ملف السويداء الغارات الجوية العرضية. فهو يشمل خطاب حماية قويًا يؤطر اضطرابات الدروز كقضية أمن أقليات بدلًا من أزمة حوكمة. سواء قُبل هذا التأطير أم لا، فإن أثره لا يمكن إنكاره. فأي تحرك قاسٍ من دمشق يمكن أن يُروى خارجيًا كتعريض أقلية للخطر، بينما يمكن تأطير أي موقف درزي متشدد داخليًا بوصفه نزعة انفصالية. وهكذا تحمل السويداء آلية تصعيد مدمجة تقيد بشدة هامش حركة الدولة الجديدة.
يتحدد مشهد سوريا ما بعد الأسد بأزمتَي اندماج متوازيتين لكنهما مختلفتان بنيويًا؛ الأولى في الشمال الشرقي، تمثل "قسد" استقلالية مؤسسية وإقليمية بوصفها فاعلًا عسكريًا شبه دولتي يتفاوض على شروط امتصاصه تحت تهديد تركي. والثانية في السويداء، حيث تكون الاستقلالية مجتمعية وشبكية، ومتجذرة في هياكل سلطة محلية مجزأة تعمل تحت ظل التدخل الإسرائيلي. النتيجة المشتركة في الحالتين واحدة، إذ تكافح دمشق لاحتكار القوة؛ غير أن المخاطر تختلف بحدة على اعتبار أن الشمال الشرقي يهدد بتصعيد بين دول تقوده تركيا، بينما تهدد السويداء بدوامة حماية الأقليات وتفكك داخلي.
الاندماج كخفض تصعيد مُدار
قُدِّم اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين دمشق و"قسد" علنًا بوصفه خطوة نحو إعادة التوحيد الوطني، لكنه عمليًا عمل كآلية خفض تصعيد مُدار، لا كحل، بناء على عدة معطيات تبدأ بالمماطلة وعدم الجدية في التعاطي مع اتفاق رسمي، ووجود اشتباكات مدارة ومؤمنة بطريقة تجعل ضبطها سهلًا دون الانجرار إلى حرب أوسع، وعدم وجود نية واضحة للاندماج وتقديم تسهيلات من الطرفين. سمحت ضبابية الاتفاق المتعمدة، لا سيما فيما يتعلق بهياكل القيادة، والوصول الإقليمي، وحوكمة الأمن، والضمانات الخارجية، لكلا الطرفين بالتوقيع من دون التنازل عن خطوطه الحمراء الأساسية؛ وبالتالي فقد اشترت هذه الضبابية وقتًا، لكنها ضمنت أيضًا الهشاشة.
ومع عودة التوترات لا سيما في حلب على جبهة الشيخ مقصود وغيرها، برزت اتهامات متبادلة بسوء النية؛ حيث رأت دمشق امتثال "قسد" رمزيًا، بينما رأت "قسد" مقترحات دمشق مطالب بالاستسلام. كشفت اشتباكات حلب الغاية الحقيقية للاتفاق وهي ليست حلًا لمشكلة الاندماج، بل منع انفجارها إلى حرب شاملة؛ وحوّلت محاولات تركيا للإصرار على مهلة صارمة الاتفاق من إجراء لبناء الثقة إلى أداة قسرية، ما ضيّق الحيز الدبلوماسي وزاد مخاطر التصعيد.
يعكس منطق 10 آذار/مارس مقاربة دمشق في السويداء، حيث لدينا تأجيل الاندماج الحاسم، إدارة العنف عبر ترتيبات مؤقتة، والتفاوض على السيادة بدل فرضها. بعد عام على سقوط الأسد، يقف الاتفاق رمزًا لمفارقة ما بعد السلطوية، أي وحدة مرغوبة، وإكراه مقيَّد، وتفكك مُدار لكنه غير محلول.
على مستوى آخر، يبرز لدينا الدخول على خط مكافحة الإرهاب، ودخول "قسد" في معترك الحملة على "داعش"، لتظهر نفسها بمظهر الدولة والكيان العسكري القادر على إدارة عمليات أمنية وتنسيق عسكري عالٍ. في عام 2015، خلال معركة كوباني (عين العرب)، قاتلت القوات الكردية تنظيم "داعش" في صراع وجودي تميّز بجبهات واضحة، وتعبئة شاملة، وشرعية شعبية؛ وطبعت حرب الشعب هذه وحدات مشاة خفيفة، وقيادة لامركزية، وتحمّلًا عاليًا للخسائر، واندماج المقاتلات النساء. وقد ثبت أن التدخل الأميركي، وإن جاء متأخرًا، كان حاسمًا عبر إقران المقاومة البرية الكردية بقوة جوية ساحقة. شكّلت كوباني أول هزيمة استراتيجية لـ"داعش" ورسّخت الشراكة الأميركية – الكردية.
بحلول عام 2025، تغيّرت طبيعة القتال جذريًا؛ إذ لم يعد "داعش" يعمل كجيش إقليمي، بل كتمرّد شبكي يستغل فراغات الحوكمة، وسكان السجون، والاحتكاكات بين الجيوش؛ ليتحوّل دور "قسد" من حرب البقاء إلى إدارة الأمن، مع التركيز على حراسة مرافق الاحتجاز، وتنفيذ مداهمات قائمة على الاستخبارات، ومنع عودة التنظيم. يحدث ذلك في وقت تتفاوض فيه "قسد" في الوقت نفسه على اندماجها أو حلّها، ما ينتج مفارقة عميقة؛ فالفاعل الأكثر اعتمادًا عليه لاحتواء "داعش" هو أيضًا الأكثر جدلًا سياسيًا.
في المقابل، انتقلت الولايات المتحدة من خوض الحرب إلى إدارة المخاطر، ساعية إلى كبح "داعش" من دون التورط في صراعات القوة الداخلية في سوريا؛ إذ يمتلك الجيش السوري الجديد شرعية سياسية لكنه يفتقر إلى اختراق استخباراتي عميق، ما يفضي إلى عمليات مضادة لـ"داعش" متقطعة وتفاعلية. لم يعد "داعش" بحاجة إلى أرض ليبقى؛ بل إنه يحتاج إلى فجوات، وتنتج هذه الفجوات عن اندماج غير محسوم، وانعدام ثقة بين الفاعلين المسلحين، وتنافس عقائد أمنية؛ لا سيما في ظل الحديث عن التخوين والتمويل الإسرائيلي والأميركي لجبهتي الشمال والجنوب.
التدويل الصامت
تبقى الروايات التركية بأن "قسد" تنسّق مع إسرائيل صعبة التحقق بشكل مستقل، غير أن أهميتها التحليلية تكمن في موضع آخر. فهذه الروايات تعيد تأطير "قسد" من مشكلة اندماج داخلي إلى تهديد أمني إقليمي، ما يضيّق بشدة هامش التسوية على مستوى الدولة وحركات ما دون الدولة. بالنسبة لدمشق، يرفع هذا التأطير كلفة التكيّف السياسي؛ وبالنسبة لأنقرة، يعزّز مبررات الإكراه؛ وبالنسبة لإسرائيل، يتيح تراكم مكاسب استراتيجية من دون تحمّل مسؤولية رسمية. يعمل الاتهام هنا أقل بوصفه ادعاءً إثباتيًا وأكثر كأداة خطابية في المساومات الإقليمية.
ما تريده تل أبيب أن تبقى سوريا الجديدة في حالة تقسيم وضعف، ولا يمكن أن تقبل بتوحيد أو دمج المكونات السورية مع بعضها تحت أي ذريعة؛ ولهذا فإن أي اشتباكات سواء على جبهة حلب أو جبهة السويداء تصب في صالح الرغبة الإسرائيلية بإبقاء فتيل النزاعات الداخلية مشتعلًا، بما يضمن تحكم أكبر بالمجالات السياسية والعسكرية في البلاد. تكتسب الاشتباكات في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب أهميتها ليس بسبب محدودية نطاقها العسكري، بل لأنها تكشف سرعة انزلاق نزاع الاندماج إلى مناطق تماس حضرية كثيفة. تولّد مثل هذه المواجهات أذىً مدنيًا، وتآكلًا في الشرعية لدى جميع الأطراف، وتدعو سلوك المعرقلين من الفصائل ضعيفة الارتباط، وتطلق إشارات إقليمية فورية من تركيا والولايات المتحدة وروسيا. تُظهر حلب أن ملف "قسد" غير محصور جغرافيًا؛ بل هو خط صدع وطني.
تشير تقارير صحفية غربية، من بينها تحقيق لصحيفة "واشنطن بوست"، إلى وجود أنماط متداخلة من الدعم المالي والأمني والرمزي الموجّه نحو فصائل محلية مرتبطة بالشيخ الدرزي حكمت الهجري، ما يعكس انتقال ملف السويداء من كونه أزمة حوكمة داخلية إلى ساحة نفوذ إقليمي منخفض الكلفة. ووفق هذه التقارير، لم يقتصر الدور الإسرائيلي على الضربات الجوية أو الخطاب السياسي المتعلق بحماية الدروز، بل امتد إلى أدوات أكثر هدوءًا ومرونة، شملت دعمًا ماليًا مباشرًا يُقدَّر برواتب شهرية تتراوح بين 100 و200 دولار لآلاف العناصر، إلى جانب تزويد هذه التشكيلات بأسلحة صودرت سابقًا من "حزب الله" و"حماس" ومن القطع العسكرية التي كان يديرها جيش الأسد، فيما يشبه إعادة تدوير الصراع الإقليمي داخل المجال السوري.
يتكامل هذا البعد الصلب مع مقاربة القوة الناعمة، عبر تقديم مساعدات إنسانية محدودة للسويداء والمطالبة بفتح ممرات إنسانية وآمنة في ظل الانهيار الاقتصادي السوري وعدم دخول مساعدات إلى المحافظة، والسماح بزيارات رمزية لعشرات الدروز السوريين إلى إسرائيل خلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل 2025، في خطوة تهدف إلى إعادة تشكيل السردية من صراع سيادي إلى علاقة حماية ورعاية عابرة للحدود. هذا التراكم لا ينتج ولاءً مستقرًا بقدر ما يخلق اعتمادًا هشًا، ويُدخل الفاعلين المحليين في شبكة التزامات خارجية يصعب الفكاك منها.
في موازاة ذلك، تكشف المعلومات عن تداخل غير مباشر بين ملف السويداء وملف "قسد"، سواء عبر تحويلات مالية قُدّرت بنحو نصف مليون دولار، أو عبر برامج تدريب لعناصر درزية في شمال شرق سوريا، إضافة إلى تزويد بعض الفصائل بأسلحة نوعية، بينها صواريخ مضادة للدبابات. هذا التشابك بين فاعلين محليين يفترض أنهم في ملفات منفصلة يعكس منطق تدوير الفاعلين في سوريا ما بعد الأسد، حيث تتحول الجغرافيا إلى مورد قابل للمقايضة، وتُعاد صياغة الولاءات خارج إطار الدولة.
الأخطر في هذا السياق ليس حجم الدعم بحد ذاته، بل الدلالة السياسية المصاحبة له؛ فالتقارير تتحدث عن إعداد خرائط لكيان درزي عابر للحدود، يمتد نظريًا نحو العراق، ويتصل بالأكراد شمالًا، ما يضع خطاب الحماية في تماس مباشر مع خيال سياسي انفصالي، حتى لو لم يكن قابلًا للتحقق. وهنا تحديدًا تقع الدولة السورية الجديدة في فخ مزدوج؛ إذ إن أي تحرك أمني حازم يمكن تأطيره خارجيًا كقمع لأقلية، وأي تهاون يُفسَّر داخليًا كعجز عن احتكار السيادة. بذلك، لا تعود الحسكة والرقة ودير الزور والسويداء مجرد محافظات مضطربة، بل تصبح نموذجًا لكيفية تحويل الهشاشة المحلية إلى رافعة إقليمية، تُدار بالأموال، والسلاح، والسرديات، لا بالجيوش وحدها.












