لعبت الدراما السورية دورًا محوريًّا في ترسيخ التنميط الطائفي لدى المتابع المحلي أو العربي؛ سواء عن قصد أو من خلال ديناميكيات الإنتاج الثقافي التي تأثرت بالسلطة والمجتمع معًا؛ بدلًا من تفكيكه، منذ نشأتها كجزء من المشروع الثقافي للدولة البعثية، وذلك من خلال تغييب التمثيل الحقيقي للتعدد الطائفي. قدّمت معظم الأعمال الدرامية السورية المجتمع السوري بملامح موحدة أو مبسطة، حيث يظهر الريفي السُّني، أو الدمشقي التقليدي، أو البدوي، فيما بقيت الطوائف الأخرى، مثل الدروز أو العلويين أو المسيحيين، إما غائبة عن الصورة تمامًا، أو حاضرة بشكل مشوَّه يختزلها في صورة فولكلورية أو هامشية. على سبيل المثال، كثيرًا ما جُسّد المسيحي بوصفه شخصًا طيبًا، بسيطًا، أو "آخر" آمن لا يشكل تهديدًا، والعلويون كرجال سلطة ومسؤولين أمنيين من خلال اللهجة الناطقة بحرف القاف المبالغ فيه؛ بينما تم تمثيل الدروز في بعض الأعمال الكوميدية كأهل قرى منعزلين أو سُذّج وسطحيين يمكن الضحك عليهم أو "بَلْفُهم"، ما يعزز التنميط بدلًا من تقديم عمق اجتماعي وثقافي لهم. بالإضافة إلى ذلك، فقد جرى تسطيح الهوية الدينية والطائفية إلى أدوار ثانوية في كثير من المسلسلات الدرامية، إذ كانت الشخصية الطائفية تؤدي وظيفة رمزية محددة، لا شخصية مستقلة. فالدرزي مثلًا ( أو ابن السويداء أو ابن الجبل ) لا يُعرَض كفرد متعدد الأبعاد، بل كجزء من هوية جماعية تَختزل كل تنوعه، ليُستثمر وجوده في إظهار تعايش سوري مصطنع، بينما بقيت البنية العميقة لهذه العلاقات غائبة.
الأهم من هذا هو إعادة إنتاج خطاب السلطة عن الوحدة الوطنية وأسطوانة الأقليات التي تتكرر في الخطابات الإعلامية والثقافية، على اعتبار أن الدراما السورية في العقود السابقة، وخصوصًا قبل 2011، كانت أداة بيد الدولة لتعزيز صورة الوطن الواحد القائم على تهميش الطائفية في العلن، لكنها في العمق أعادت إنتاج التنميط الطائفي عبر تغييب الأبعاد الحقيقية للتعدد. فالمسلسلات التاريخية مثلًا (كأعمال حاتم علي عن الحقبة الأموية أو المملوكية) أو الأعمال التاريخية العسكرية مثل " إخوة التراب" لنجدة أنزور أو "نهاية رجل شجاع" أو حتى دراما البيئة الشامية؛ أعادت صياغة الهوية على أسس "إسلامية-سنية" مركزية، فيما بقيت الطوائف الأخرى على الهامش أو ظهرت في أدوار الشر، أو الغرابة، أو السذاجة، أو الخبث و المكر في محاولة مبطنة لترسيخ الأفكار المجتمعية عن الطوائف.
في سياق التنميط الطائفي، قدمت كثير من الأعمال الكوميدية الساخرة مثل الخربة أو أجزاء من مرايا وبقعة ضوء، صورة نمطية للسوري الدرزي باعتباره فلاحًا بسيطًا أو عنيدًا أو أنه متمسك بأرضه، أو كمثقف ساخر أو ساكن هامشي، أو أشخاص بدائيين؛ وهذه الأعمال وإن ظهرت على شكل فكاهة، أسهمت في ترسيخ صور ذهنية لدى الجمهور، حتى لو قُدّمت في إطار كوميدي.
في مرحلة ما بعد 2011 ومع اندلاع الثورة والحرب، انقسمت الدراما السورية بين خطابين: خطاب السلطة الذي سعى إلى تصوير الصراع بأنه إرهاب سنّي متطرف في مقابل دولة علمانية حامية للأقليات، وخطاب آخر حاول تقديم دراما الحرب بشكل إنساني، لكنه وقع في فخ إظهار بعض الطوائف وكأنهم ضحايا أبديون، مقابل أخرى باعتبارها حاضنة للعنف. وهنا تعزز التنميط الطائفي بشكل أكبر، إذ لم تُقدَّم الطوائف إلا من خلال علاقتها بالصراع.
فلسفة المصطلح
التنميط Stereotyping، الذي صاغ والتر ليبمان Walter Lippmann نظريته لأول مرة في كتابه الرأي العام Public Opinion ، هو عملية معرفية ولغوية ونفسية تقوم على صياغة تعميمات عن المجموعات الاجتماعية وإسقاطها على الأفراد، لتعبر عن الصور المتعارف عليها بين أبناء فئة عن فئة أخرى. فهو يظهر في اللغة على شكل جُمَل وملاحظات وسلوكيات عامة لا تتطلب ألفاظًا كمية مثل "بعض" أو "كل"، بل تقدم خصائص أو صفات تُنسب إلى جماعة معينة دون أن تنطبق بالضرورة على جميع أفرادها. لم يقتصر ليبمان على اعتبار التنميط مجرد خطاب، بل وصفه بأنه "صور في رؤوسنا"؛ أي أنه يمتد إلى الذهن حيث يعمل كآلية معرفية أو شبكة من الترابطات المخزّنة في الذاكرة الجمعية للسكان حول هذه الجماعة. هذه الصور الذهنية هي التي توجّه إدراك الأفراد للآخرين وتؤطّر توقعاتهم وسلوكياتهم تجاههم. ومن منظور علم النفس المعرفي، يمكن النظر إلى التنميط بوصفه مخططات ذهنية أو شبكات ترابطية تختزن معلومات وصورًا ومشاعر عن الجماعات، وتؤثر في تفاعلهم معهم حتى من دون وعي مباشر. وبذلك، لا يُعد التنميط مجرد أفكار زائفة أو غير مبررة، بل هو أداة ذهنية أساسية في تشكيل المفاهيم الاجتماعية وتنظيم التواصل، حتى لو كان ذلك على حساب إغفال فرادة الأفراد وتعقيد الواقع الاجتماعي.
للتنميط المتعلق بالدروز في الدراما السورية دور محوري وجريء في المجتمع متعدد الطوائف والأديان، إذ إنه يتجاوز كونه مجرد تصورات ذهنية فنية ودرامية أو تعميمات اجتماعية ليصبح أداة سياسية وأمنية وثقافية استُثمرت في الصراع على السلطة، والاقتصاد، والهوية، والمكان. فتنميط الدروز في سياق الدراما السورية لم يقتصر على الصور النمطية التي يحملها السوريون عنهم من خلال التعاملات التقليدية في السوق، أو الجامعة أو الفضاء العام الواقعي أو الافتراضي، بل تَجَسّد في البنى الخطابية والإعلامية، وفي الممارسات المؤسسية للدولة والأحزاب والميليشيات، بحيث جرى اختزال الطائفة الدرزية في سمات محددة أو أدوار مسبقة، مثل تصويرها كطائفة حيادية أو انعزالية، أو كجماعة يسهل استقطابها عند الحاجة، أو باعتبارها كتلة منغلقة على جبلها وتراثها ويتم تجاهلها.
في الواقع السوري، لعب هذا التنميط الدرامي دورًا في ترسيخ الانقسامات وتعزيز الشكوك المتبادلة بين الدروز وبقية المكوّنات، على اعتبار أن ما قامت به الدراما التي تُقدم شخصيات درزية هو تكريس أفكار مِن قبيل الانغلاق، والسذاجة؛ أو المثقف اليساري، أو المثقف المتحذلق، أو المرأة الدرزية كثيرة الكلام والمتحكمة و الجلفة؛ أو الدرزي المناضل، أو الدرزي الفنان مرهف الإحساس في حال اختلط بأهل المدينة وخرج من قوقعة الجبل والطائفة. كما لعب هذا التنميط دورًا في الحد من إمكانات اندماجهم الكامل في مشروع وطني جامع؛ على أساس أن التمثيل الدرامي كان أداة بيد السلطة التي سعت منذ عقود إلى إنتاج هذه الصورة النمطية عن الدروز، مستثمرة ذلك في سياسات "فرّق تسد"، حيث أبقتهم في موقع وسط ملتبس: لا معارضة كاملة للنظام ولا انخراطًا شاملًا في مؤسساته، مع تغذية هواجسهم التاريخية من المحيط، واستثمارها في ضمان ولاء مشروط أو حياد مفيد.
على الصعيد الاجتماعي والثقافي، أنتج هذا التنميط لغة محمّلة بالتصنيفات، جعلت الانتماء الدرزي معيارًا للحكم على الفرد قبل النظر إلى كفاءته، أو شخصيته، أو أدواره الاجتماعية أو السياسية عبر التاريخ؛ بالاستناد إلى منطق الانغلاق داخل الجماعة. كما حدّ من فرص التفاعل الإيجابي مع بقية المكوّنات من خلال خلق بيئات درامية رمزية تعكس الطبيعة الخاصة والمميّزة للدروز، وأدى في كثير من الأحيان إلى تكريس صورة الدروز كأقلية منعزلة أو كجماعة "غريبة" على النسيج العام، رغم كونهم جزءًا أصيلًا من التاريخ السوري.
بين الواقعي والشبكي
تاريخيًّا، شكلت السويداء المدينة حلقة وصل حضرية مع دمشق، حيث ارتبطت بوجود مثقفين وفنانين ونُخَب سياسية وفواعل اقتصادية، بينما برزت جرمانا وصحنايا كمثال على المجال الحضري المختلط الذي يجاور فيه الدروز مسلمين ومسيحيين، وتتداخل فيه الشبكات المحلية بالمدنية. وفي موجات التوتر الأخيرة التي طالت الدروز، ظهر أن المرجعيات المدنية في جرمانا والجنوب تعمل على خفض التصعيد والحفاظ على المجال المشترك، على الرغم من الضغوط الأمنية والسياسية، ما يذكّر بأن العلاقة بالمدينة ليست ظرفية، بل نتاج قرن من التنقل للدراسة والعمل وإنتاج النخب الثقافية والتعليمية والفنية في الجامعات والمعاهد . من هنا، يتجلّى الفرق بين صورة الدرزي الحضري وصورة الدرزي القروي في الأعمال الدرامية: الأول وسيط بين الجبل والمدينة، يصنع رأيًا عامًّا حضريًّا ويُعيد توزيع رأس المال الاجتماعي والمعرفي لشبكاته في السويداء ودمشق، بينما الثاني نموذج درامي متخيّل يختزل مجتمعًا معقدًا في شخصيات محدودة، وهذا التوتر بين المدينة والواقع والنص الدرامي يفسّر سهولة شيطنة الدروز في لحظات الاستقطاب، حيث تغلب الاستعارة على الخبرة المباشرة.
على أرض الواقع يبقى أبناء الطائفة الدرزية عمومًا ضمن فضاء المحافظة إلى حين أن تتاح لهم فرصة الخروج إما لدراسة أو لعمل في المدن الكبرى، كدمشق وحمص و حلب، و تبدأ رحلة الانفتاح والتعرف على ثقافات أخرى. لا نجزم هنا أنه ليس للدروز فرص للتعرف على هذه الثقافات أو إتاحة المجال أمام بقية السوريين للتعرف عليهم بفعل منصات التواصل الافتراضية؛ بل نعطي مجالًا للفضاء العام التقليدي بأخذ مبادرة التعرّف والتعريف وصولًا إلى الاندماج والتماهي مع المجتمعات الأوسع. يشكل السكن الجامعي للطلاب الدروز فضاءً اجتماعيًّا حيويًّا، حيث يلتقي طلاب محافظات وهوية ولهجات مختلفة، ويتحول إلى مختبر يومي لتبادل المعرفة والثقافة: لهجة الجبل، عادات الطعام، الأغاني، المرجعيات الثقافية، وحتى المواقف السياسية. هذا التبادل الميكروي Micro Transfer أسهم تاريخيًّا في إبقاء قطاعات واسعة من الطلاب خارج دائرة الاستقطاب الطائفي. لكن مع تصاعد التوتر في المدة بين نيسان/أبريل وتموز/يوليو 2025، انتشرت روايات تحريضية حول إخلاء أو انسحاب طلاب السويداء من السكن الجامعي، بعضها يشير إلى مضايقات وخطاب كراهية، وبعضها الآخر إلى خيار شخصي للعودة طلبًا للأمان والالتفاف حول الطائفة في معقلها، فيما صدرت نَفْيات رسمية وتقارير مضادة، ما كشف هشاشة الأمن المعرفي وقدرة المنصات الإلكترونية على تضخيم الذعر الأخلاقي.
لم تعالج الدراما السورية حالة الدروز بطريقة واقعية ومبنية على أسس متابعة لمجتمعهم، و ربما نَعزو ذلك لعدم القدرة على اختراق التابوهات المرتبطة بالمعرفة عنهم بصفتهم أقلية مغلقة لا يتوافر عنها زخم معلومات دينية أو اجتماعية أو تاريخية تساعد في البناء الدرامي ؛ سواء من ناحية الإخراج أو النص الدرامي أو المقاربة الفعلية؛ ما عدا تمثيلهم باللهجة الجبلية الواصلة من مجتمعهم بحالات الاختلاط التقليدية لا بالتعمق في أصلها و مخارجها. وربما نتيجة لهذا التعامي، والانحسار، لم يكن العمل الدرامي الممثل للدروز، مجرد كوميديا ريفية، بل تحوّل إلى مرجع ثقافي شكّل صورة نمطية عن الدروز في المخيال العام، بين "الذكاء القروي المشاكس" و"الانغلاق على العصبيات". ومع أحداث السويداء في صيف 2025، أعيد استدعاء هذه القوالب عبر السوشيال ميديا والميمز لتغذية خطاب ساخر يتقاطع أحيانًا مع تحريض وكراهية. تمكنت الدراما السورية من لفت انتباه الجمهور بفاعلية أكبر من الخطاب الجاد، إذ اعتمدت على روح مرحة تكسر الحواجز وتولد الضحك، وهو ما يميز أيضًا التفاعلات الاجتماعية اليومية. فالضحك ظاهرة اجتماعية وثقافية؛ منه اليومي الذي يخفف الضغوط، ومنه الفني الذي يعيد تمثيل الحياة في الكوميديا والأدب الساخر والكاريكاتير.
فلسفيًّا، يرى أرسطو أن الكوميديا تكشف نقائص بشرية لا تسبب ألمًا، بل تثير الضحك، فيما يشير لوبروتون إلى أن الكاتب الكوميدي يعيد ترتيب الواقع بطرق مفاجئة تولد الدهشة. وهكذا لا تقتصر الكوميديا على تصوير الواقع، بل تخلق عالمًا نقديًّا يسمح للجمهور بالتفكير في المواقف والشخصيات، بين التفرج والمشاركة.
حياة يومية في تفاعلات حداثية
قدّم مسلسل الخربة، وهو دراما كوميدية اجتماعية عن قرية افتراضية في ريف السويداء كتبه ممدوح حمادة وأخرجه ليث حجو بمشاركة نجوم الصف الأول، صورة فنية مميزة سرعان ما تحولت إلى مرجع شعبي، إذ مزج لهجة جبل العرب مع شخصيات فلكلورية مثل آل بوقعقور وبومالحة، وصاغ نزاعات قرابية طريفة أبرزت الدروز كجماعة قروية ذكية مشاكسة تجيد الحيلة والمثل الشعبي، لكنها محكومة بعصبيات القرابة وبطء التحديث. هذا الإطار الكوميدي خفف من حدّة الطائفية عبر الضحك، لكنه في الوقت نفسه ثبّت صورًا نمطية عن "الدرزي الريفي" لدى جمهور يفتقر إلى معرفة مباشرة بهذه الطائفة في الشمال والشرق، ما جعل الجدل حول المسلسل – بين من اعتبره تنميطًا جارحًا ومن رآه مديحًا ساخطًا لعادات الجبل – مؤشرًا على أنه لم يكن عملًا عابرًا، بل لحظة أساسية في تشكيل الخيال العام حول جماعة غير مرئية خارج الجنوب. ومع تصاعد أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025، أعيد استدعاء قوالب الخربة بكثافة في الميمز والتعليقات على منصات التواصل، حيث جرى توظيف الأسماء والنكات واللهجة لتوصيف جماعة كاملة بسمات الدهاء الريفي أو العناد المرتبط بالعائلة الكبرى، وهو ما تداخل مع موجات من التحريض والكراهية، فخلق تراكُبًا خطرًا جعل من السخرية جسرًا لتطبيع الخطاب التحريضي وتحويل المزج بين الضحك والتحريض إلى سلاح رمزي في معركة الهوية. وتفسَّر فعالية هذا العمل بثلاثة عوامل أساسية: أولها ندرة الاحتكاك المباشر بين السوريين والدروز خارج ريف دمشق والجنوب، ما جعل الصورة السمعية-الدرامية بديلًا معرفيًا لدى جمهور الشمال والشرق؛ ثانيها قابلية لغة الخربة وشخصياته وأمثاله لإعادة تدوير الميمز كعلامات سريعة للتصنيف الاجتماعي؛ وثالثها سهولة تسييل الكوميديا في سياق نزاع حاد، حيث تتحول الاقتباسات الكوميدية إلى أدوات اصطفاف سياسي واجتماعي خاصة حين تقترن بالمعلومات المضللة والمقاطع المفبركة التي تعمّق الانقسامات.
يقدّم "الخربة" رؤية دقيقة لمصاعب الجيل الثاني من الشباب الدرزي في مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، من خلال شخصيات مثل جميل بو قعقور وملحم بو مالحة. هذان الشابان المثقفان يحاولان تحقيق استقلالية اقتصادية وسياسية، لكنهما يصطدمان بواقع قاسٍ: تضخم، بطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة. تجربتهما في شراء سيارة أجرة كمحاولة للاندماج في الاقتصاد الحضري تنتهي بالفشل، ما يرمز إلى محدودية الفرص المتاحة أمام الشباب المثقف، ويدفعهما إلى العودة إلى القرية حيث الاستقرار النسبي والاعتماد على الاقتصاد التقليدي. إلى جانب البعد الاقتصادي، يتبلور وعي سياسي مبكر لدى الشخصيات، إذ يربطون أزمتهم بالسياسات الإمبريالية العالمية، معتبرين أن هذه السياسات تسعى لإبقاء البروليتاريا تحت السيطرة. لكن هذا الوعي يصطدم مجددًا بسلطة الأسرة والزعامة التقليدية (أبو نايف وأبو نمر) التي ترفض رؤية الشباب للأزمة وتختزل العودة إلى القرية في اعتبارات سلطوية وعاطفية. هكذا يجد الشاب المثقف نفسه في مواجهة مزدوجة: بين ضغوط الاقتصاد العالمي من جهة، وهيمنة البِنَى الأبوية والاجتماعية من جهة أخرى. بوصفه أول عمل سوري كامل يدور في قرية درزية متخيّلة بريف السويداء، جمع "الخربة" بين النقد الاجتماعي والسخرية من بنى السلطة والعلاقات الاقتصادية في المحافظة المهمشة البعيدة عن المركز، وبين تقديم صورة فولكلورية للهُوية المحلية (اللهجة، العمارة البازلتية، الطقوس اليومية، العلاقات بالزعامات). لكنه ظلّ أسير ثنائية ضيقة: ابن السويداء بوصفه شخصية فولكلورية، مرتبطة بالنزاعات العائلية والفخر بالذاكرة الجماعية.
القروي البسيط والمنغلق
شكلت سلسلة مرايا (1982–2013)، أحد أبرز الأعمال الكوميدية السورية التي اعتمدت على اللوحات القصيرة والسخرية الذكية لتقديم مرآة نقدية للمجتمع السوري في أبعاده السياسية والأمنية والاجتماعية والطبقية وحتى الطائفية عبر التنميط والتمايزات المجتمعية للطوائف لا سيما الدروز وتقديم بيئتهم الجبلية الريفية بعدة قوالب. وظّف كُتّاب سلسلة مرايا ، ومعهم ياسر العظمة كبطل رئيس، الفكاهة لنقد النفاق الاجتماعي والطائفية الفجّة والبيروقراطية الفارغة، والتدخل الأمني في الحياة اليومية، والفساد الإداري ، مبرزًا الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي المرتبط بالتعامل مع الدروز وبيئتهم المهمّشة. عدّة سكيتشات تناولت الدروز بوصفهم أبناء بيئة جبلية ريفية مهمشة تفتقر الخدمات الأساسية اليومية، تعاني في تركيبتها الاجتماعية والفجوة بين المركز والهامش. تجلّت هذه الأبعاد بوضوح في حلقة "موت حشرة" التي ظهر بطلها ياسر العظمة بشخصية "أبو مزعل" ابن السويداء/الدرزي، الفلاح البسيط الذي يعيش في قرية رمزية تُدعى "تل الحردون"، كمجسّد للمواطن المهمّش في محافظة محرومة من التنمية والخدمات، إذ يعاني من البيروقراطية والوعود الحكومية الكاذبة، في إسقاط مباشر على واقع السويداء وسائر المناطق الطرفية. فجاءت "الدائرة الزراعية" برئيسها في المسلسل نموذجًا للعجز المؤسساتي والفساد الإداري واستغلال جهل الفلاحين وعدم قدرتهم على الوصول إلى مراكز الشكوى واتخاذ القرار، ما يعكس فقدان الثقة بالمؤسسات، وتراجع النشاط الاقتصادي، وهجرة السكان من الأطراف إلى المركز. وهكذا غدت "تل الحردون" رمزًا لكل محافظة مهمّشة في سوريا، فيما قدّم المسلسل نقدًا ساخرًا وذكيًا لإهمال الدولة والتمييز الطبقي والتنموي، محتفظًا في الوقت ذاته بالبعد الكوميدي الذي يجعل رسائله النقدية مؤثرة ومقبولة لدى الجمهور. وبهذا، لم يكن مرايا مجرد عمل ترفيهي، بل نصًّا دراميًا عميقًا يرصد التناقضات والفجوات بين المواطن والدولة، ويتيح قراءة مبكرة للعلاقة بين المركز والأطراف، بين الرمزية الكوميدية والواقع السياسي والاجتماعي السوري، بما يجعله مرجعًا لفهم السياق ما قبل الثورة وما بعده.
لا تقتصر الكوميديا على الإضحاك، بل تُستخدم لكشف الخفي وإثارة التفكير. في النقد الغربي اتسع مفهومها ليشمل النهايات السعيدة والبساطة، بينما في الثقافة العربية – والسورية خصوصًا – ارتبطت بالسخرية والهزل. فظهور الشخصيات الدرزية عبر لهجات وسلوكيات نمطية، يكرّس صورة الساجة والانغلاق والصرامة والافتخار بالهوية والعلاقة الملتبسة بالسلطة والحكومة والنشاط الإداري، من دون تقديم شخصية درزية مكتملة الأبعاد. ليظلّ ابن السويداء محصورًا بين التكريم الرمزي والفولكلور، مرتبطًا بالقوالب الجاهزة.
المثقف مرهف الإحساس
في الحلقة الخامسة عشرة (عازف اليقطين) من مسلسل ضيعة ضايعة، يدخل إلى فضاء "أم الطنافس" الأستاذ ناجي القادم من السويداء، فيحضر لا شخصيةً عابرة، بل بوابةَ تعريف أولية لأهل الضيعة على "ابن الجبل". ناجي مثقف، مرهف الحس، يحمل وعيًا سياسيًّا واجتماعيًّا مختلفًا عن بساطة وانغلاق أهل الساحل، ويترجم هذا الاختلاف برفض تدخل رئيس المخفر في تفاصيل الحياة اليومية، وباستغرابه اللون الأبيض في الحجر المعماري مقترحًا الحجر الأسود المعروف في السويداء. بهذا، يظهر "ابن السويداء" بوصفه المثقف الناقد والآخر السوري الأكثر وعيًا وانفتاحًا، لكن المسلسل يضع حضوره في إطار فولكلوري أكثر من كونه نقدًا لبنية الهوية أو الطائفية. ويتجلى البعد الاجتماعي حين يعرّف نفسه قائلًا ":الأستاذ ناجي، من عنّا"، بما يعكس ثقافة الانتماء للمكان والهوية المحلية الضيقة، مقابل براءة أهل الضيعة في جهلهم بخلفيته وما تمثله السويداء، وهو انعكاس لعزلة الريف السوري وانغلاقه. أما البعد السياسي فيتجسد في حمله إرث جبل العرب التاريخي في التمرّد والندّية مع السلطة، ما يفسر نقده لرئيس المخفر وتدخله المفرط، في مقابل ثقافة الضيعة الخاضعة. ويضاف إلى ذلك بُعد ثقافي رمزي حين يقارن بين الحجر الأسود البازلتي في عمارة الجبل والحجر الكلسي الأبيض في الساحل، وهي مفارقة جمالية تحمل دلالات على اختلاف الهوية المكانية بين "الجبل العالي" و"السهل الساحلي". وفي بعدها الوجداني، قُدّمت شخصية ناجي كـشاب درزي مرهف الإحساس يتوق لأي بادرة لطف أو تقارب إنساني، لتُضاف صورة جديدة عن "ابن السويداء" خارج إطار الصلابة العسكرية المعتادة. هكذا تصبح الحلقة أكثر من حكاية طريفة عن غريب في قرية نائية، لتغدو جسرًا ثقافيًا بين بيئتين سوريتين متباينتين، ولحظة اختبار لهوية "أم الطنافس" أمام الآخر السوري المختلف.
الأمانة، والصراع على البطولة والتخوين
يقدّم سكيتش "بريء ذمة" ، تأليف ممدوح حمادة، من سلسلة بقعة ضوء صورة معمّقة للعلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الدرزي في السويداء، حيث تبرز المَضافات والمجالس المحلية كفضاء عام لتداول الرأي وصياغة القرارات، إذ تلتقي فيه القيم التقليدية مع الحياة اليومية، وتتداخل فيه شبكة العلاقات بين الأسرة والمجتمع والطائفة.
في هذا السياق، يظهر دور المرأة داخل الأسرة بوصفها نصّاحة وداعمة، تسهم في توجيه الرأي واتخاذ القرار، ما يعكس مكانتها كحاملة للقيم الاجتماعية والضمير الأخلاقي، وإن ظلّت ضمن الإطار التقليدي. هذه الدينامية تمثل نموذجًا للضبط الاجتماعي غير المباشر، حيث التوازن بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة. على مستوى الخطاب، تتناول الحلقة مفهوم الذمة والضمير كقيمة اجتماعية تتجاوز الأخلاق الفردية لتصبح معيارًا يحكم به المجتمع على السلوك المقبول أو المرفوض، وهو خطاب قريب مما يردده شيوخ السويداء عن الوطنية والولاء والهوية. كما تولي الحلقة اهتمامًا بالرموز الثقافية واللباس التقليدي كالشروال والعقال والحطة البيضاء، إذ تُقدَّم لا كزينة جمالية فحسب، بل كأدوات تعريف بالانتماء والمكانة الاجتماعية وترسيخ للهوية الجمعية. وبهذا، ترسم الحلقة ملامح تفاعل اجتماعي تتقاطع فيه الطائفية والهوية والقيم الأخلاقية مع دور المرأة والتقاليد، في إطار تداول ديمقراطي جزئي داخل المجالس المحلية، ما يعكس استمرار حضور الأعراف في صياغة الولاء والانتماء.
أما سكيتش "مين فجر الجسر"، تأليف ممدوح حمادة، فنموذج ساخر يضيء على النزاعات المحلية حول الرمزية الوطنية، إذ يظهر أبو صالح وأبو نايف كرمزين لقيادات محلية ضمن مجموعة أربعة زعماء، في إشارة إلى شيوخ العقل كمؤسسة تاريخية تمثل المرجعية في تقرير الشؤون العامة. يتناوب هؤلاء على سرد روايات عن البطولة والشجاعة، بعضها حقيقي وبعضها متخيَّل، بهدف تعزيز شرعيتهم الرمزية وتكريس صورة أجدادهم كحماة للهوية. غير أن ظهور مؤرخ يسأل عن المسؤول عن تفجير الجسر في مواجهة الفرنسيين يفتح الباب أمام صراع على ملكية البطولة، حيث يحاول كل زعيم نسب الإنجاز لنفسه أو لعائلته، فيما يتحول التخوين إلى أداة للنفي والإقصاء. هذا النزاع يكشف عن انحراف البطولة من حدث تاريخي مشترك إلى مجال للتنافس على السلطة الرمزية، حيث تُختصر الوطنية في صورة تحتكرها فئة معينة. وتبرز النساء بدورهن في إشعال هذا الصراع، سواء بالتذكير بالمروءة أو بالسخرية من تقاعس الرجال، مما يعكس موقعهن كعناصر فاعلة في تثبيت الرموز المحلية. في النهاية، تعرض الحلقة الوطنية كصراع على الصور الرمزية للتاريخ أكثر مما هي فعل مشترك، وتُبرز حساسية المجتمع الدرزي تجاه التخوين وحصرية الشرف، فيما يوظف حمادة السرد الكوميدي لإبراز هذا التوتر بين الهوية والتاريخ المحلي كأداة للهيمنة والسلطة بين الزعامات.
المناضل والوطني المشتبك
هذه الصورة واضحة بخجل في الدراما السورية عمومًا. يمكن للمتابع ان يجدها في مسلسل " الخوالي" 2000 للكاتب أحمد حامد، وفيه نجد شخصية "ملحم" الشاب الدرزي المعتقل لدى سجون الحكمدارية برفقة شبان من طوائف أخرى، ليأتي "نصار ابن عريبي" ويحررهم وينضموا بعدها إلى النضال ضد الوجود العثماني في البلاد. ملحم شاب قوي البنية، يجسد ملامح ابن الجبل في بنيته، لباسه، نظراته، ثقته بالقرار الذي يتخذه في المعركة وفي التخطيط لها، ليكون مع أهل الشام منذ بداية القرار باقتحام الحكمدارية وحتى يوم معركة الشاغور بحضور رجال دين من الطائفة الدرزية لمشاهدة إعدام نصار ابن عريبي.
في إحدى حلقات مسلسل باب الحارة يتحدث العكيد أبو شهاب عن ضرورة إدخال السلاح إلى دمشق والغوطة الشرقية لمواجهة الفرنسيين، مشيرًا إلى أن رجال صلخد سيكونون هم من يجلبون السلاح بالتعاون مع رجال درعا، وهو مشهد يحمل أبعادًا رمزية ووحدوية متعددة، إذ إن ربط السلاح بجبل العرب ليس مجرد تفصيل قصصي، بل استدعاء مباشر لذاكرة الثورة السورية الكبرى 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش. كما أن الدمج بين صلخد ذات الغالبية الدرزية ودرعا ذات الغالبية السنية العشائرية في مسار واحد نحو العاصمة يكرّس خطاب “وحدة الجنوب” في خدمة المشروع الوطني السوري، فيما يعكس نزعة نحو شدّ الأطراف إلى المركز بحيث تقدَّم بطولة الأطراف كرافد للعاصمة لا كحركة استقلالية بذاتها، وهو ما يدخل ضمن الصورة النمطية الأوسع لتمثيل الدروز في الدراما السورية حيث غالبًا ما يُستحضرون إما كمقاتلين وحَمَلة سلاح أو كهُوية مندمجة داخل النسيج الوطني بلا إبراز لخصوصيتهم الثقافية والسياسية.
تقييم فني درامي
تبدو صورة الدروز اليوم مجزوءة ومختزلة، إذ جرى تكريس حضورهم في الدراما السورية في إطار الثقافة البسيطة والسياسة التي تكونت نتيجة الاندماج بالمدينة، والبطولة الشعبية المحلية والدور الوطني التقليدي، من دون أن يُعطَوا مساحة كافية لإظهار تعقيداتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية. غير أن أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025 قلبت هذه المعادلة، بعدما شهدت مواجهات عنيفة بين القوى الفصائل المحلية والأمن العام وهجوم العشائر، وأنتجت خطابًا سياسيًا واجتماعيًا جديدًا حول الهوية والحقوق والدور الوطني. فقد أعادت هذه الأحداث طرح التناقض بين ما تقدّمه الدراما وبين ما يعيشه الواقع: ففي حين يظهر الدروز في أعمال درامية كرافد دائم للوحدة الوطنية والمقاومة، برزوا على الأرض كمكوّن يفاوض على شروط هذه الوحدة ويرفض أن يكون مجرد تابع بلا صوت مستقل. اليوم بيّنت السويداء أن الجبل ليس مجرد “ممر للسلاح” نحو العاصمة، وليس مجرد درزي ريفي ساذج يمكن أن يقنعه المركز أنه هامش وسيبقى هامشًا، بل مركز فاعل بحد ذاته، وأن الهوية الدرزية لم تعد تختزل في صورة المقاتل أو “الرجل الصلب”، بل باتت ترتكز أيضًا على حراك مدني وحقوقي واسع يطالب بالخدمات الأساسية والتمثيل العادل. وهكذا تحوّل الجنوب من مجرد خلفية للدراما الشامية إلى ساحة لصراع سرديات متنافسة حول تعريف الوطنية السورية.
التقارير الإنسانية التي رصدت نزوحًا واسعًا وانهيارًا في الخدمات الأساسية وتدهورًا في الأوضاع الطبية والأمنية، أكدت أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للجبل أكثر مأساوية وتعقيدًا من أي تمثيل درامي سابق. وهذا بدوره يفرض إعادة مقاربة الدروز في الدراما والسياسة معًا، فلم يعد ممكنًا الاكتفاء باستدعاء أسطورة 1925 أو إعادة إنتاج خطاب الدولة المركزي الذي يذيب الأطراف في العاصمة، بل باتت الحاجة ملحّة لسرديات جديدة تتناول هشاشة العقد الاجتماعي، تعدّد الفاعلين المحليين، كلفة المدنيين، وتشابك الاقتصاد مع الأمن في الجنوب السوري.
من هنا، فإن أي معالجة فنية أو درامية أو سياسية لاحقة لن تكون ذات معنى إن لم تعترف بالدروز شركاءَ كاملي الأهلية في صناعة مستقبل الدولة، لا مجرد “رجال سلاح” أو "فلاح ساذج بسيط" أو "عازف موسيقى" أو " رسام مرهف" في ذاكرة وطنية قديمة. إن الانتقال إلى هذا النمط من التمثيل ومن تصوير الأطراف كهوامش للمدن الكبرى إلى إدراك أن الجبل مركز قائم بذاته يفاوض ويتألم ويدفع أثمانًا إنسانية واقتصادية وسياسية باهظة، هو المدخل الوحيد لتقييم واقعي ومتوازن لصورتهم بين السياسة والدراما والواقع. الحلّ ليس في شيطنة صورة الدرزي في العمل الدرامي أو تمجيدها، بل في إعادة قراءتها كمنتَج ثقافي ساهم في تعريف جمهور واسع باللهجة الجبلية وحساسيتها عبر إدخال بعض الشخصيات. لكن هذه الدراما رسخت أيضًا استعارات قادرة على الانزلاق إلى التنميط عند إعادة ضخّها في فضاءات رقمية مشحونة لا سيما في حال توافق النصوص الدرامية التلفزيونية مع أحداث سياسية؛ خصوصًا في كتابات ممدوح حمادة ومازن طه وشادي كيوان؛ وبما أن الدروز غير مرئيين بما يكفي في شمال وشرق البلاد، تصبح مهمة الفضاء الواقعي مضاعفة: لتعويض نقص المعرفة بالمعايشة المباشرة. وعندما يعمل هذا الثالوث جيدًا (الواقع، التلفزيون، الحياة الالكترونية)، تتراجع سطوة النص الدرامي لصالح التجربة المباشرة؛ وعندما يختل بفعل التحريض، تعود الأعمال الدرامية بصورة الدرزي المتخيلة، مع أرشيف طويل من النكات والمشاهد، لتصبح المعجم السريع لإنتاج أحكام مسبقة وصور نمطية عن المجتمع الدرزي.
إحالات:
- Lippmann, W. (2017). Public opinion. Routledge.
- دافيد لوبروتون، الضحك أنثربولوجيا الإنسان الضاحك، ترجمة فريد الزاهي، دار المعنى للنشر والتوزيع 2021.
- أرسطوطاليس، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمن بدوي، القاهرة: دار النهضة العربية، 1953.
- ملفن هيلتر ز، أسرار كتابة الكوميديا، ترجمة صبري محمد حسن ، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2010.