في البيوت المؤقتة أشياء صغيرة تكشف أكثر مما تقوله اللغة، صندوق كتب لم يُفتح بعد الانتقال، ستارة خفيفة لا تستحق جهد التعليق، نباتات لا تُشترى لأن الشرفة قد لا تدوم، وخطط مؤجلة إلى أن تهدأ الأمور. ليست المأساة هنا أن الناس ينتظرون؛ فالانتظار قديم بقدم الحياة نفسها. المأساة هنا أن الانتظار صار عند الكثيرين شكلًا من أشكال العيش، حتى بدا لهم الحاضر ردهة واسعة ويغدو الزمن كله كأنه ما قبل البدايات. هذا النص يفترض صراحةً أن هذه الظاهرة عالمية مع اهتمام خاص بالعالم العربي، لكنه يُقرّ منذ البدء بأن البيانات العربية المباشرة عن هذه الخبرة أقل وفرة من نظيرتها في أوروبا وأميركا الشمالية، ولذلك ينبغي تجنب التعميم على منطقة شديدة الاختلاف في الاقتصاد والسياسة والطبقات والحرب والهجرة.
تاريخيًا، لا يتعلق الأمر بأن الأجيال السابقة كانت تعيش استقرارًا كاملًا فقول هذا غير صحيح ولا عادل، لكنه يتعلق بأن مؤسسات العمل والسكن والأسرة في العقود الماضية، كانت تمنح بدرجات متفاوتة صورةً أقل قابلية للتنبؤ عن الانتقال من الدراسة إلى العمل، إلى السكن وتكوين الأسرة. أما اليوم ففي لغة زيغمونت باومان، يبدو العالم أكثر "‘سيولة‘، أي أقل رسوخًا واستمرارية. وتؤكد المؤشرات الحديثة ذلك من زوايا عدة، في تقرير "Risks That Matter For Young People"، الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2024، وبمنهج مسح مقارن شمل 27 ألف مشارك في 27 دولة، ظهر أن 69% من الشباب قلقون من قدرتهم على دفع النفقات في الأجل القريب، وأن 64% منهم قلقون من العثور على سكن ملائم أو الحفاظ عليه.
وفي مادة إحصائية رسمية بعنوان "Young people - housing conditions"، الصادرة عن "يوروستات" عام 2024، وبالاعتماد على بيانات أوروبية تجميعية حجم عينتها غير محدد في العرض المنشور، بلغ متوسط سن مغادرة منزل الوالدين 26.2 سنة. أما تقرير "يوروفاوند"، بعنوان "Foundational challenges: The housing struggles of Europe’s youth"، الصادر عام 2025، وهو تقرير تحليلي تركيبي بحجم عينة غير محدد، فخلص إلى أن أسعار السكن ارتفعت منذ 2010 بنحو 55.4%، والإيجارات بنحو 26.7% وأن أزمة السكن أصبحت تؤخر التعليم والعمل وتكوين الأسرة.
وفي تقرير منظمة العمل الدولية " Global Employment Trends for Youth 2024"، الصادر عام 2024، وهو تقرير عالمي تجميعي بحجم عينة غير محدد، يظهر أن تحسن بعض مؤشرات البطالة لا يبدد قلق الشباب من فقدان العمل وضعف الاستقلال المالي، وهكذا لا يعود التأجيل صفة نفسية معزولة، إنما يصبح مناخًا اجتماعيًا.
وعلى المستوى النفسي، لا يبدأ هذا المناخ من الكسل ولا من نقص الإرادة، بل من العلاقة باللايقين. في الدراسة "Intolerance of uncertainty and emotion regulation"، الصادرة عام 2023، وهي مراجعة منهجية وتحليل تلوي شملت 91 دراسة و30,239 مشاركًا، تبيّن أن عدم تحمّل عدم اليقين يرتبط باستراتيجيات أقل تكيفًا لتنظيم الانفعال مثل الاجترار والتجنب، ويرتبط سلبًا باستراتيجيات أكثر فاعلية مثل اليقظة والانتباه. والمعنى العملي لهذه النتيجة أن المستقبل حين يبدو غامضًا ومكلفًا لا يُستقبل كأفُق، وأن أثر القلق الاقتصادي يتسرب إلى الطريقة التي يتخيل فيها الإنسان مستقبله.
خلال السنوات الأخيرة تكررت في الدراسات النفسية والاجتماعية ملاحظة أساسية تكاد تكون ثابتة: كلما ازدادت هشاشة الظروف المعيشية، ازداد معها الشعور بالضيق النفسي وصار التخطيط الطويل أكثر صعوبة. لكن اختزال المسألة بالاكتئاب أو القلق وحدهما قد يكون تبسيطًا ناقصًا؛ لأن الأثر الأعمق للضغط الاقتصادي لا يكمن دائمًا في الانهيار الواضح، لكن أحيانًا في إعادة تشكيل العلاقة بالزمن نفسه. والإنسان الذي يعيش داخل دوامة الفواتير والعمل غير المستقر والديون اليومية، إضافة إلى فقدان شعوره بالأمان، فإنه يفقد أيضًا قدرته التدريجية على تخيل المستقبل، باعتباره مساحة مفتوحة وقابلة للبناء.
حين يصبح الغد مكلفًا يبدأ الحاضر بالانكماش. ولا يصبح التفكير بعد خمس سنوات أمرًا طبيعيًا، ويبدو أحيانًا ترفًا ذهنيًا لا تسمح به الظروف. وهكذا تتحول قرارات يفترض أنها طبيعية: كإكمال الدراسة مثلًا أو تغيير المدينة أو شراء أثاث أو تكوين عائلة، إلى رهانات ثقيلة تحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار النفسي والاقتصادي كي تبدو ممكنة. ومع الوقت، يدخل الفرد في شكل طويل من التأجيل الهادئ حيث تستمر الحياة ظاهريًا، بينما يبقى الإحساس الداخلي بالبداية مؤجلًا دائمًا.
يتعمق هذا الشعور أكثر حين يدخل العمل والسكن إلى المعادلة. فالوظيفة لم تعد بالنسبة لكثيرين مساحة استقرار بقدر ما أصبحت حالة قابلة للانقطاع في أي وقت، عقود قصيرة، أعمال حرة غير مضمونة، ساعات متقلبة أو خوف دائم من الاستبدال. وحتى من يعمل باستمرار قد لا يشعر بأنه مستقر فعلًا، لأن الدخل نفسه قد يكون هشًا أو غير كافٍ لبناء حياة بعيدة المدى. وفي الوقت ذاته يتحول السكن من فكرة "البيت" إلى مساحة انتقالية، شقق مؤقتة، مشاركة مع غرباء، ارتفاع مستمر في الأسعار أو خوف دائم من عدم القدرة على تحمل التكاليف لاحقًا. وحين يصبح البيت والعمل معًا غير مضمونين يبدأ الإنسان بفقدان إحساسه بأنه يقيم فعلًا داخل العالم، وأنه يمرّ عبره فقط.
يمكن رؤية ذلك في تفاصيل صغيرة تكاد تتكرر في كل مكان، شابة تؤجل شراء مكتبة في غرفتها لأنها قد تنتقل قريبًا، رغم أنها تعيش في المكان نفسه منذ سنوات. شاب يحتفظ بملابسه داخل حقائب بدلًا من الخزانة لأنه لا يشعر أن إقامته طويلة بما يكفي. آخر يؤجل تعلّم لغة جديدة أو دخول علاقة جدّية لأنه لا يعرف أين سيكون بعد ستة أشهر. وهذه وغيرها هي أنماط معيشية تنتج تدريجيًا حين تصبح الحياة نفسها غير قابلة للتثبيت، وكأن الإنسان يبدأ بالتعامل مع أيامه بوصفها مرحلة انتقالية مستمرة، حتى لو امتدت لسنوات طويلة.
وفي العالم العربي، تكتسب هذه التجربة أبعادًا إضافية بسبب تشابك الظروف الاقتصادية مع التحولات الاجتماعية والسياسية والهجرة والاعتماد العائلي الممتد لعقود. فكثير من الشباب يعيشون داخل مفارقة معقدة، هم بالغون من حيث العمر والمسؤوليات لكنهم لا يمتلكون دائمًا الشروط الاقتصادية التي تسمح لهم بالشعور الكامل بالاستقلال. لذلك قد يبقى السكن مع العائلة لسنوات طويلة خيارًا اقتصاديًا لا عاطفيًا، وقد يتحول السفر أو الهجرة إلى تصور ذهني دائم، حتى لدى من لا يملكون خطة واضحة للمغادرة. وهنا يصبح الاستقرار حلمًا إداريًا وماليًا ونفسيًا، يحتاج إلى سلسلة طويلة من الشروط كي يتحقق.
ومع ذلك ينبغي الحذر من تحويل هذه الخبرة إلى صورة موحدة للجميع، فالفروق بين البلدان والطبقات الاجتماعية والخلفيات العائلية ما تزال كبيرة، وهناك من يجدون في البطء أسلوب حياة مختلفًا لا أزمة بالضرورة. بعض الشباب يختارون تأجيل الزواج أو تغيير المسارات المهنية أو العيش مع العائلة لأسباب تتعلق بالحرية الشخصية أو إعادة تعريف النجاح بعيدًا عن النماذج التقليدية. كما أن الإيقاع الحديث للحياة نفسه تغير؛ فلم تعد مسارات الرشد تسير بالترتيب الصلب ذاته الذي كان متوقعًا قبل عقود. لكن الفرق الجوهري يظهر حين يتحول التأجيل من خيار إلى إكراه، ومن مساحة حرية إلى شعور دائم بالعجز عن البدء.
وهنا يصبح السؤال النفسي أكثر تعقيدًا من مجرد "هل نجح الفرد؟". فالكثير من الناس اليوم لا يشعرون أنهم فشلوا تمامًا، لكنهم أيضًا لا يشعرون أنهم وصلوا إلى شيء واضح يمكن الاتكاء عليه. يعيشون في منطقة وسطى من الحياة المعلقة، وهذا قد يكون أكثر الأشكال إنهاكًا نفسيًا، لأنه لا يمنح الإنسان لحظة حسم، ويبقيه داخل انتظار مفتوح بلا نهاية محددة.
وربما لهذا السبب تبدو فكرة "الانتقال إلى الرشد" اليوم أكثر ارتباكًا مما كانت عليه في أجيال سابقة. ففي الماضي كانت هناك علامات واضحة نسبيًا يشعر الفرد بعدها أنه دخل مرحلة جديدة: وظيفة مستقرة، بيت دائم، زواج، استقلال اقتصادي. أما اليوم، فقد أصبحت هذه العلامات نفسها متحركة أو قابلة للتأجيل إلى أجل غير معروف. ولهذا لم يعد السؤال "متى يصبح الإنسان بالغًا؟" سؤالًا بسيطًا. لأن كثيرين قد يشعرون أنهم يتحملون أعباء البالغين كاملة، من دون أن يحصلوا على الأمان أو الاستقرار الذي كان يرافق تلك المرحلة سابقًا.
وقد التقط الأدب هذه الخبرة قبل أن تسميها الدراسات الاجتماعية بوقت طويل. ففي "انتظار غودو"، لا يكون الانتظار حدثًا عابرًا، فهو يتحول إلى شكل كامل من أشكال الوجود. الشخصيات التي لا تعيش حياتها بقدر ما تعيش ترقبها المستمر لشيء لا يصل. وعند غسان كنفاني، تبدو محاولة العبور نحو مستقبل أفضل محاطة دائمًا بالاختناق والخسارة والقلق من ألا يفتح الطريق أبوابه أصلًا. أما في كثير من الروايات العربية الحديثة، فتظهر المدن نفسها كأماكن مؤقتة يعيش الناس فيها وهُم يخططون للمغادرة أو يحاولون فقط الصمود حتى نهاية الشهر.
ليست هذه الأعمال براهين عملية، لكنها تمنح التجربة لغتها الإنسانية: كيف شعر الإنسان حين يتحول عمره كله إلى مساحة انتظار طويلة؟
ولعل أخطر ما في الحياة المؤجلة أنها لا تبدو دائمًا مأساوية بما يكفي لكي يلاحظها الإنسان، فهي تأتي غالبًا على شكل تآكل بطيء للأحلام الصغيرة: الرغبات، المشاريع، الحب، أو نسخة من الذات كان يفترض أن تظهر لاحقًا. ومع مرور الوقت، قد يعتاد الإنسان هذا التأجيل إلى درجة يصبح معها غير قادر حتى على تخيل شكل الحياة التي كان يريدها أصلًا. وكأن المؤقت يتحول تدريجيًا إلى طريقة دائمة للعيش. لهذا لا تكمن خطورة الضغط الاقتصادي أو انعدام الاستقرار فقط في تأثيرهما المباشر على الصحة النفسية، بل في قدرتهما على تحويل المستقبل إلى شيء ضبابي وغير قابل للإمساك. وحين يفقد الإنسان علاقته الواضحة بالغد، يصبح من الصعب عليه أن يشعر بالرسوخ داخل يومه الحالي أيضًا.
وعلى مستوى الاستجابة، تبدو السياسات العامة أكثر حسمًا من الوصفات الأخلاقية. فإذا كانت تقارير "يوروفاوند" ومنظمة العمل الدولية توضح أن السكن والعمل هما بوابتان معطوبتان في انتقال الشباب إلى الاستقلال، فالأولوية تصبح لتوسيع السكن الميسور، وتحسين حماية المستأجرين، وتخفيف هشاشة البدايات المهنية، وبناء مسارات أوضح من التدريبات إلى العمل المستقر. وإذا كانت منظمة الصحة العالمية تشير إلى الوحدة بوصفها مشكلة صحة عامة، فذلك يعني أن "الصحة الاجتماعية" هي جزء كبير من القدرة على تخيل المستقبل. وعلى المستوى الفردي، يبدو الحل في التمييز بين ما عُلِّق بالعادة أو بالخوف: قرار علاجي، مهارة جديدة، شبكة دعم صغيرة، ترتيب مالي ضروري، أو خطوة تؤثث المكان المؤقت قليلًا كي لا يلتهم قسوته كلها. وهنا المطلوب منع البنية من ابتلاع الحاضر كله.
ومع ذلك، يلزم اعتراض أخير حتى يبقى الوصف عادلًا. ليس كل تأخر خسارة، وليس كل خروج متأخر من بيت الأسرة علامة فشل، وليس كل تأجيل للزواج أو الإنجاب أو السكن المستقل دليل عطب. بعض البطء حكمة، وبعضه تحرر من جداول اجتماعية قديمة، وبعضه الآخر يتيح موارد أو علاقات أفضل. لهذا لا ينبغي أن تتحول "الحياة المؤجلة" إلى مرثية محافظة لزمنٍ ماضٍ أو إلى عذر أخلاقي من أشكال عيش جديدة. لكنها في الوقت نفسه لا ينبغي أن تُختزل إلى حرية خالصة، لأن الحرية الحقيقية تفترض بدائل قابل للعيش، لا مجرد احتمالات هشّة. وتصلح هنا العبارة التالية لتكثيف المأزق: "ليست المشكلة في أن تؤجل شيئًا؛ المشكلة أن يتحول التأجيل إلى هوية".
في الخلاصة، الحياة المؤجلة ليست اسمًا آخر للكسل ولا تعبيرًا شاعريًا عن ضيق عابر؛ إنها خبرة زمنية تولد عندما ترتفع كلفة البداية، وتضعف قابلية المسارات للتنبؤ، ويُطلب من الأفراد أن يديروا مخاطر العمل والسكن والعلاقات، كما لو كانت شؤونهم الخاصة وحدهم. وهي ظاهرة عالمية بالفعل، لكن قراءتها عربيًا تقتضي مزيدًا من التحفظ لأن البيانات الطولية المباشرة أقل وفرة والفروق بين البلدان كبيرة. لذلك فإن الدقة تقتضي جملتين معًا: ليس كل بطء مرضًا، لكن جزءًا متزايدًا من البطء لم يعد اختيارًا حرًا؛ وليس كل تأجيل فشلًا، لكن المؤقتية حين تصبح مناخًا دائمًا تسلب الحاضر حقه في أن يكون حياة كاملة. وربما يكفي هذا لتفسير شعور واسع الانتشار اليوم: أن الناس لا يفتقرون إلى الرغبة في العيش، بل إلى العالم الذي يسمح لتلك الرغبة أن تستقر.