إنها الثالثة فجرًا، بين حافتَي الرغبة والهروب، ثمّة شخص يجلس أمام شاشة هاتفه منذ ساعات يُحلّل رسالةً من ثلاث كلمات قبل أن يحسم أمرَه حول معناها وكيف سيرد عليها، هكذا هي العلاقة الغامضة. لا حبٌّ، ولا صداقةٌ، ولا شيءٌ يمكن تسميته في جملة واحدة. مجرد وضع ما "situation" يمكن أن يعني أي شيء أو كل شيء أو لا شيء.
في اللحظة ذاتها، يتشارك مئات الآلاف من الشباب حول العالم "الوضع" ذاته، يعيشون مع شخصٍ يتحدثون إليه كل يوم، أو أسبوعيًا، أو بلا مناسبة، يقضون معه الليالي، يتشاركون الطعام والضحك والصمت، ويرفضون في الوقت ذاته أن يجيبوا على سؤالٍ واحد بسيط: ما طبيعة هذه العلاقة؟
لكن لماذا يجب أن يكون هنالك "طبيعة للعلاقة"، وما الذي يجبرنا على تأطيرها؟ ولماذا يبدو هذا "الوضع" وكأنه جديدٌ على العلاقات الإنسانية، أو أننا لم نعرفه إلا مع نهايات جيل الألفية وثورة الجيل زد في التواصل والعلاقات؟ وما الفرق بين ما يعيشه هذا الشخص، وما عاشته سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر قبل 80 عامًا من علاقة لا تشبه أي نوع اعتاد البشر عليه واستكانوا لوضعه في نطاق معيّن؟
ليس هنالك ما يدعو أو يفرض أي شيء على شكل العلاقة، لكن ثمّة بُعد خفي يتعلق بالدوافع والثمن والمنطق، هو ما يحتاج إلى فهم قبل أن نختار شكل أو "لا شكل" علاقاتنا، كنقطة انطلاق لفهم هذا التغيير عوضًا عن مقاومته أو إطلاق الأحكام عليه أو نسبه – كاتهام – إلى جيلٍ بأكمله بقراءة سطح القضية على أنها جوهر مشكلة.
الـ"situationship" (العلاقة غير المعرّفة)، ليست ظاهرة عشوائية نبتت فجأةً في منصات "إكس" و"ديسكورد"، هي حالة درسها علماء النفس الاجتماعي بدقة، كما فعل إيلي فينكل، أستاذ علم النفس في جامعة "نورثويسترن"، في كتابه "زواج الكل شيء أو اللاشيء"، إذ يرى أن توقعاتنا من الشريك في العلاقات العاطفية ارتفعت لما هو أكثر من رومانسية ورفيق حياة، متعمّقة في مكانته للآخر في سياق المعنى والهوية وتحقيق الذات.
وبحسب فينكل، حين يرتفع السقف، يصبح الدخول في الالتزام مخيفًا أكثر؛ لأن الخسارة المحتملة باتت أكبر من أي وقتٍ مضى، فصار الجنوح إلى علاقات تحمل مشاعر غامضة وتتجنّب كل تبعات قانونية ونفسية واجتماعية، خيار منطقة رمادية مريحة يسكنها الملايين اليوم، مفضلين البقاء فيها على الاختيار بين خيارَين "الالتزام أو الوحدة"، بينما يبدو كلاهما مرعبًا.
عام 1929، وقف شابٌّ فرنسي أمام فتاةٍ بعينين ثاقبتين وعقلٍ لا يُهادن، واقترح عليها ما لم يقترحه أحدٌ من قبل: حبٌّ مفتوح، بلا زواج، بلا حصرية، بلا "الكذب المُنظّم" الذي يُسمّيه الناس الأمان. كان هذا الشاب هو جان بول سارتر، وكانت تراقب سيمون دي بوفوار كلماته بتحليل عميق لخمسين عامًا كاملة جمعتهما، في علاقة بكل مافيها من تعقيدات ونزوات أو حتى "خيانات" ومواجهات اعترفا بها وناقشاها بشجاعة.
لكن ما يغفله كثيرون، أن هذا الـ"Situation" مختلف عمّا هو شائع اليوم، فذاك كان اختيارًا مبنيًا على موقفٍ فلسفي واضح بأن الالتزام التقليدي شكلٌ من أشكال الوهم الذي يُهدئ الخوف من الحرية، وطرحه سارتر في كتابه "الوجود والعدم" عندما حلّل علاقة الحب كإشكالية وجودية لا كقصة رومانسية: "الآخر تهديدٌ لحريتي لأنه ينظر إليّ ويجعلني موضوعًا، وكل علاقة حب هي صراعٌ بين حريتَين لا تستطيع أيٌّ منهما أن تستريح".
اتساقًا مع هذه النظرة الوجودية، كانت شريكته بوفوار في كتابها "الجنس الثاني" تضيف بعدًا نقديًا جذريًا آخر: "مؤسسة الزواج التقليدية ليست مجرّد عقد اجتماعي، بل آليةٌ لإخضاع المرأة واستيعاب رغبتها في الاستقلال". لدينا هنا مفكران لديهما تحليلهما الوجودي لإشكالية إنسانية في العلاقات، واتخذا نهجًا لم يكن مثاليًا بالضرورة. توثّق هيزل رولي في سيرتهما المشتركة، أن ما بينهما لم يكن سهلًا، لكنه كان مشروعًا واعيًا يدفعان ثمنه كل يوم بخيارات مكلفة وبمعرفةٍ تامة بأنهما يختاران الحرية على اليقين.
وهذا بالضبط جوهر الاختلاف بين علاقات "situationship" في العقد الأخير، وبين العلاقة التي جمعت سارتر وبوفوار، فواحدة رفض طرفاها الالتزام من موقع فلسفي واعي يحاول حلّ إشكالية إنسانية، وأخرى كشكل للهرب من خيارين من موقع خوف يحمل اسمًا براقًا في ظاهره على أنه "situationship".
بين الوحدة من جهة، والالتزام تحت سقف توقعات مرعب من جهة أخرى، تنمو هذه العلاقات الخائفة. فالوحدة، والتي صنفت رسميًا منذ 2023 كأزمة صحية عامة في الولايات المتحدة من قبل فيفيك مورثي، المدير العام للصحة في الولايات المتحدة، ضمن تقريره "Our Epidemic of Loneliness and Isolation"، مُوثّقًا أن جيل زد – الذي يمتلك أكثر أدوات التواصل في تاريخ البشرية – هو الجيل الأعلى في معدلات الوحدة والعزلة المُبلّغ عنها.
ومن جهة أخرى، تعقّبت عالمة النفس جين تويدج، مؤلفة كتاب "iGen"، مستويات انهيار عدد الصداقات العميقة وقت الفراغ لدى المراهقين منذ منتصف العقد الأول من الألفية، وتراجع حضورهم الاجتماعي خارج المنزل بنسبٍ لم تُسجّل في أي جيل سابق. وهو ما أكدته دراسة شيري تاركل، الأستاذة في "معهد ماساشوستس" (MIT)، في كتابها "Alone Together" (وحدنا معًا)، عندما أشارت إلى أن التواصل الرقمي يمنحنا "وهم الحضور الاجتماعي" دون تكلفته الحقيقية، حيث ندردش بدل أن نتحدث، نضع إشارة إعجاب بدل أن نعانق، نتابع حياة الآخرين بدل أن نشاركهم فيها. ثم نعود إلى أسرّتنا وحيدين، مع عشرة آلاف متابع لا يعرف أحدٌ منهم ما الذي يُقلقنا حقًا. وفي هذا المناخ تحديدًا، تكون علاقات "situationship" العَرَض الأكثر صدقًا للوحدة.
عالم النفس باري شوارتز، مؤلف كتاب "The Paradox of Choice" (مفارقة الاختيار)، يصف ما يحدث معنا عند توافر عشرات آلاف الاختيارات على منصات التواصل الاجتماعي والمواعدة، بأنه شلل يصيبنا؛ فكلّما تعدّدت الخيارات ارتفع قلق الندم على ما لم نختره، وانخفض الرضا عما اخترناه، فيصبح في أدمغتنا معادلة صفرية تجعل الاستقرار أمرًا مستحيلًا.
هذا ما يجعل تجربة دخول علاقة معقدة وغير مؤطّرة، بوعي كامل بتكلفة وسبب ونتيجة هذه العلاقة، على غرار تجربة بوفوار وسارتر، مختلف تمامًا عن العلاقات التي نحللها اليوم، والمفروضة على لا وعي الإنسان لأسباب خارجة عن إرادته الحرّة. وقد أثبت مشروع بحثي ميداني واسع، أجراه عالم الاجتماع في جامعة نيويورك إريك كلينبرغ، وجمع مئات المقابلات ومجموعات التركيز من مدن مختلفة حول العالم متتبّعين كيف حوّلت تطبيقات المواعدة تجربة البحث عن شريك إلى تسوّق دائم لا ينتهي.
وقد أثبتت الأبحاث أن أكثر من نصف مستخدمي تطبيقات المواعدة في أميركا يصفون تجربة هذه العلاقات بالمحبطة على الرغم من استمرارهم فيها، ما أوصل ثقافة الاستهلاك إلى جوهر الحب والعلاقات العاطفية، حيث لم يعد الشريك طرفًا حقيقيًا، بقدر ما هو خيارٌ قابلٌ للاستبدال ضمن قائمة طويلة لا تنتهي من الخيارات، وذلك بحسب الأداء والكفاءة والتكلفة على العلاقة. وحين يصبح الطرف الآخر قابلًا للاستهلاك، تصبح العلاقة معه استهلاكية ومؤقتة أيضًا، قابلة للإلغاء دون سبب واضح أو لإشكالية أو لخلل بنيوي، و"situationship" في هذا المنظور هي البيئة الاستهلاكية لهذه المنتجات العاطفية.
ربّما لم يملك أيٌّ من الأجيال السابقة هذا المعجم المتنوّع ضمن إطار العلاقات العاطفية والإنسانية:
التعلق الآمن، تروما، التعلق المرضي، شخصية مُتفادية/متهرّبة "Avoidant Personality"، الانغلاق العاطفي، الحدود العاطفية، وغيرها الكثير من المفردات التي باتت ترافق أي علاقة إنسانية وتصنفها في سياقات مختلفة تحت ذريعة الهروب من التصنيف والالتزام.
الباحثة الأميركية برينيه براون، في كتابها "Daring Greatly" (الجرأة العظيمة)، ترى الأمور من منظور أكثر سوداوية، مشيرة إلى أن الهشاشة في العلاقات أصبحت شرطًا للاتصال الحقيقي، وأننا لم نعد نستطيع أن نحب شخصًا دون منحه القدرة على الأذيّة. وهي نتيجة قد لا تكون بعيدة كثيرًا عن الصحّة، إذا ما قاطعناها مع ما خلصت إليه المعالجة النفسية البريطانية سو جونسون، والتي أطّرت لنظرية التعلق في السلوك التجنّبي "الهروب من الارتباط خوفًا من الخسارة" بأنه لا يُخفّف الألم والخوف إنّما يُديمه.
في الجانب الآخر من معادلة صناعة علاقات "Situationship"، والمتعلّق برفض الالتزام وتنميط العلاقة – مثل تجربة سارتر وبوفوار – والخوف من الالتزام والهروب منه، نجد أيضًا أن الدراسات النفسية كشفت أن أزمة الجيل الحالي ترتبط بالرّفض والهروب معًا، وثمّة فرقٌ كبير بين الرفض – وهو حق مشروع – وبين الهروب من الشخص الذي أتشارك معه العلاقة، وهو ما سيكون جرحًا مغلّفًا بمسميات ترفض تأطير العلاقة.
قد يكون من الإيجابي أن تظهر الدراسات تقدّم "تحقيق النمو الشخصي" على "تحقيق الاستقرار العاطفي" في استطلاعات أجراها موقع "تندر" و"مركز بيو" للأبحاث المستقلة في واشنطن، لكن ما هو مُقلق في هذه الاستطلاعات تقدم نزعة رفض أي تقارب عاطفي حقيقي بذريعة النمو الذاتي، وكأنهما أمران يشتغلان ضد بعضهما البعض.
هكذا يتحول الوعي الذاتي إلى جدارٍ لا نافذة، فبحسب ما توثّقه دراسة "The Conversation"، المنشورة عام 2021 حول سلوكيات جيل زد العاطفية، فإن الشباب يقولون صراحةً إنهم يتجنبون الالتزام خوفًا من الأذى، لكنهم يتجنبون أيضًا الاعتراف بهذا الخوف، لأن الاعتراف به يعني الاعتراف بالحاجة إلى الآخر، بينما "situationship" تُسهّل "الانفصال دون الانفصال الفعلي"، أي التلاشي التدريجي من علاقة دون مواجهة، دون محادثة صعبة، دون أن تحتاج أن تقول لأحدٍ إنك كنت قريباً منه أصلًا.
الهروب من المؤسسة يمكن أن يكون شجاعة؛ لكن الهروب من المحادثة الصعبة، من لحظة الضعف، من الاعتراف بأنك تريد شخصًا بعينه، فهذا شيءٌ آخر تمامًا. وهو ما لا تستطيع أي فلسفة أن تُسمّيه حرية، على الرغم من الاعتراف الكامل بأن الصدمات تُعيد تشكيل قدرة الجسم والعقل على الثقة والاقتراب، ما يجعل كثيرًا من السلوكيات التجنّبية مفهومةً تمامًا، لكن لا يجعلها صحيةً بالضرورة، فالمشكلة ليست في الوعي النفسي إنما في توظيفه.
حين يقول أحدٌ "أنا شخص تجنّبي (avoidant) ولا أستطيع الالتزام"، يكون قد حوّل التشخيص إلى هوية، والفهم إلى عذر. والفرق بين الاثنين شاسعٌ كالفرق بين من يعرف أنه يخاف ومن يعتقد أنه محق في الخوف. وهذه ليست – على الإطلاق – دعوة إلى شكل واحد وتقليدي من الالتزام بوصفه فضيلةً أخلاقية، ولا عن مؤسسة الزواج – التي تملك تاريخًا طويلًا من السيطرة والإخضاع – به هي محاولة في طرح سؤال مختلف تمامًا عن علاقات تبدو سطحيًا تقدمية ومغايرة وتحل إشكالية وجودية، لكن في جوهرها الكثير من المسكوت عنه، ولا يمكن أبدًا ربطها بالمنظور نفسه وسياق العلاقات الواعية تمامًا حاولت فعلًا الاشتغال بهذه الإشكاليات الإنسانية.
سارتر وبوفوار اختارا حريةً مكلفة بوعي تام، وكانا مستعدّين لمواجهة ألمها كل يوم، ورفضهما كان إعلان موقف لا تجنّبًا للمشاعر الصعبة. أما ما تتبعناه في هذا المقال من أبحاث ودراسات ومقالات حول شكل علاقة موضوع المقالة، يضعنا في منطقة محايدة تسأل ولا تطلق الأحكام، تقلق ولا تبلغ اليقين، تشرّح العلاقة لتختبر إن كانت واعية ومدركة أم مجرد منطقة رمادية تُختار هربًا من هشاشة الاقتراب الحقيقي.
بالتأكيد يوجد تشابه، كلاهما يرفض الزواج التقليدي والتعريفات الجاهزة والعلاقات المُعلّبة، لكن ما هو مؤكد أكثر أن الاختلاف جذري بين من يرفض من فوق، ومن يهرب من تحت. وهذا الفرق يصنع مسافةً شاسعة في جودة التجربة الإنسانية ذاتها ومدى كونها صحيّة، على اعتبار أن الحرية الحقيقية لا تعني الهروب من الألم وإنما اختياره بعيون مفتوحة ووعي متّقد.
في نهاية المطاف، ليست علاقات "situationship" شرًا مطلقًا ولا خيرًا مطلقًا، ما نحاول قوله إنها تحمل بذاتها عرضًا خطيرًا لمشكلة إنسانية، والأعراض لا تُدرس بالإدانة ولا الشيطنة، تُدرس بالفهم العميق ومحاولة الهدوء في منتصف ثوران رقمي، هذا لا يحتاج محاضرةً عن الالتزام وتنظير في الحب بقدر ما يحتاج سؤالًا واحدًا صادقًا نطرحه على أنفسنا: هل ما نعيشه الآن اختيارٌ نمارسه بحريّة متحمّلين تكلفته، أم هروبٌ غيرُ مكلف؟