تجلس شابة أمام الكاميرا، في ساعة متأخرة من الليل، وتبثّ قصة بيت مسكون بالجن. لا توجد أشباح، لا تحضر أي أصوات غامضة، كما لا يتوفر أي دليل على ما جرى، ومع ذلك يغدو الخوف واضحًا بين جمهور البثّ، حيث يكتب أحدهم تعليقًا يقول: "لن أستطيع النوم الليلة"، فيما يذهب آخر إلى القول: "حدث لي شيء مشابه". ويطلب العشرات جزءًا ثانيًا من القصة على الرغم من الذعر الذي أصابهم. ليس الخوف هنا أثرًا جانبيًا للمحتوى بمقدار ما هو المحتوى بأكمله.
على امتداد الإنترنت العربي، من قصص البيوت المسكونة إلى جلسات الرقية الشرعية، ومن مشاريع البودكاست التي تناقش السحر والعين والأرواح، إلى مقاطع طرد الجن التي تحصد ملايين المشاهدات؛ نشأت صناعة كاملة تقوم على استثمار المجهول، يلعب الجن فيها دورًا رأسماليًا أساسيًا، فلم تعد الكلمة تدل على كائنات غيبية بمقدار ما صار مادة إعلامية قادرة على جذب الانتباه وتحقيق المشاهدات وبناء الجماهير، من خلال العمل على تحويل القلق الإنساني إلى سوق مفتوحة.
الأسئلة المطروحة هنا: ما الذي يُباع.. هل هو الإيمان بوجود الجن؟ أم الخوف منه؟ أم الحاجة القديمة لدى البشر إلى تفسير ما يعجزون عن فهمه؟ وكيف تحولت قصص كانت تُروى همسًا في البيوت والأحياء الشعبية إلى محتوى رقمي يجمع ملايين المشاهدات ويخلق اقتصادًا قائمًا بذاته؟
ليس موضوع النقاش هنا وجود الجن من عدمه، وهو سؤال ديني لا يناقشه هذا المقال، وإنما الطريقة التي تتحول بها المعتقدات الغيبية إلى صناعة إعلامية واقتصادية. فالإيمان الديني، أيًّا كان مضمونه، يختلف عن استثماره في إنتاج محتوى يبيع الخوف ويحول القلق إلى مورد اقتصادي.
سوق الخوف
الجن في الإسلام جزء من العالم الغيبي. غير أن ما هو متفق عليه في النصوص الدينية ليس بالضرورة محل اتفاق في تفسير أثر الجن في الحياة الإنسانية، فقد تراكمت عبر القرون تصورات شعبية شديدة الاتساع ربطت بينهم وبين المرض والاضطرابات النفسية والحظ والعلاقات العاطفية.
نشأت، في المسافة بين النص الديني والمخيال الشعبي، ممارسات الرقية والعلاج الروحي التي بقيت لزمن طويل محدودة النطاق ومحلية التأثير. غير أن العقود الأخيرة، ومع صعود الإعلام الديني ثم المنصات الرقمية، نقلت هذه الممارسات من المجال الخاص إلى المجال الجماهيري، وحوّلت الخوف من الجن إلى سوق.
تكشف التعليقات على الصفحات المعنية بهذه المسألة عن جمهور يشترك بالخوف، فمن شخص يكتب عن قريب له يعاني اكتئابًا حادًا وعائلته تظن أن سببه حبة البركة المسحورة. إلى آخر يطرح سؤالًا يبدو أنه يسبب له المتاعب: هل يستطيع الجن أن يدخل جسدك ويجعلك تضرب أحدًا؟ تعلن فتاة باسم مستعار أنها تسمع صوتًا في الحمام كل ليلة يقول لها: "تعالي معي".
تشير دراسات النفسية إلى أن نسبة مرتفعة من الحالات التي فُسِّرت على أنها مسّ جني كانت تستوفي في الواقع معايير الفصام. لا تُقاس الفجوة بين التشخيصين بالجهل وحده؛ فقد رفضت مريضة مصابة بالفصام أي علاج دوائي لأنها كانت مقتنعة أن الدواء لن ينفع حيث إن السبب جنّي. ليس الجن في هذه الحالة وهمًا خارج العقل لكنه عقيدة تعيش داخله وتحكم قراراته.
يخاف الإنسان من غياب المعنى ولا يخاف من الفوضى فقط. فحين يمرض طفل، أو يفشل زواج، أو تتكرر الخسارات دون تفسير واضح، يصبح السؤال نفسه جزءًا من المعاناة: لماذا يحدث هذا؟
نادرًا ما تمنح الحياة إجابات بسيطة. تتشكل الأمراض النفسية من عوامل متعددة، والعلاقات تنهار لأسباب متشابكة، والنجاح والفشل كثيرًا ما يخضعان لظروف لا يسيطر عليها الفرد بالكامل. لكن هذا النوع من التفسير لا يريح العقل. فهو يترك مساحة واسعة للصدفة والالتباس والعجز.
هنا تظهر جاذبية روايات السحر والجن والحسد. فهي لا تقدم تفسيرًا دقيقًا بالضرورة، لكنها تقدم تفسيرًا كاملًا. لا تترك فراغات كثيرة. هناك سبب لما حدث، وهناك جهة تقف خلفه، وهناك طريق للخلاص. وبهذا المعنى لا تعمل قصة الجن بوصفها وصفًا للواقع فقط، بل بوصفها وسيلة نفسية لتنظيم الفوضى وتحويل المعاناة إلى حكاية مفهومة.
لهذا لا يلجأ الناس إلى هذه الروايات دائمًا لأنهم يفتقرون إلى المعلومات، بل لأنهم يبحثون عن معنى. فالألم الذي لا تفسير له أصعب احتمالًا من الألم الذي يحمل اسمًا وسببًا وعدوًا يمكن الإشارة إليه.
الأمر لا يقتصر على "يوتيوب". قبل عام ألفين تقريبًا، لم تكن الرقية معروفة كنشاط تجاري منظم. كانت ممارسات يتداولها الأفراد خارج أي سوق رسمية. ثم تغير كل شيء مع موجة الإسلام السياسي واحترافية الإعلام الديني. اليوم، ثمة تطبيقات للرقية على متجر "غوغل"، وقنوات "يوتيوب" تقدم "دورات تدريبية" على طرد الجن في أجزاء متعددة، ومقاطع يجمع فيها "خبراء" بين الحوسبة الكمومية والجن والفيروسات، ومرشد روحي يظهر بلباس الزي العثماني يحذّر من التكنولوجيا. هذا الاندماج بين القديم والحديث يبدو متناقضًا لكنه منطقي تمامًا: الإنسان الذي كان يخشى البئر يخشى الآن الملف الذي تحمّله من الإنترنت.
ولم يكن هذا التحول ممكنًا لولا طبيعة المنصات الرقمية نفسها. لا تكافئ خوارزميات "يوتيوب" و"تيك توك" و"فيسبوك" صدق المحتوى، بل قدرته على جذب الانتباه وإبقائه أطول وقت ممكن. والخوف من أكثر المشاعر التي تحقق ذلك. فكل تعليق يقول "لن أنام الليلة" أو "حدث معي الأمر نفسه" هو بالنسبة للمنصة إشارة إلى نجاح المحتوى. وهكذا تلتقي قصص الجن مع منطق اقتصاد الانتباه، فكلما زاد الخوف زادت المشاهدة، وكلما زادت المشاهدة زادت الأرباح.
الجن والشر
وإذا كان الجن يؤدي وظيفة تفسير المعاناة، فإنه يؤدي وظيفة أخرى أكثر حساسية، هي تفسير الشر. فليس كل ما يُنسب إلى الجن يتعلق بالأمراض أو الأعراض النفسية، ففي أحيان كثيرة يصبح الغيب وسيلة لإعادة تفسير أفعال البشر أنفسهم. في عام 2019، قتل رجل أردني زوجته وادّعت عائلته لاحقًا أنه كان تحت تأثير مسّ. لم تقبل المحكمة الحجة، لكن جزءًا من المجتمع المحيط بالأسرة قبلها. هذا النوع من الاستخدام هو الوجه الأكثر خطورة في هذا المخيال.
ولا يقتصر دور الجن في المخيال الشعبي على تفسير المرض أو الاضطراب النفسي. ففي كثير من الأحيان يؤدي وظيفة أخرى لا تقل أهمية، هي وظيفة تفسير الشر نفسه. حين يتغير شخص محبوب فجأة، أو تتفكك أسرة، أو تنقلب علاقة طويلة إلى عداوة، يكون من الأسهل أحيانًا ردّ ذلك إلى سحر أو مسّ أو تأثير خارجي من الاعتراف بأن البشر قادرون على إلحاق الأذى ببعضهم بعضًا بإرادتهم الحرة.
يصف علماء النفس هذه النزعة بأنها ميول شائعة للبحث عن أسباب خارجية للأحداث المؤلمة عندما يكون تفسيرها الواقعي أكثر قسوة أو تعقيدًا. ففكرة أن ابنًا أصبح عنيفًا بسبب مسّ، أو أن زوجًا هجر أسرته بسبب سحر، قد تكون أقل إيلامًا من مواجهة احتمالات أخرى تتعلق بالشخص نفسه أو بالعلاقات التي تحكم حياته. فالاعتراف بأن المشكلة نابعة من البشر أنفسهم يفرض أسئلة أصعب عن المسؤولية والفشل والخيبة، بينما يمنح التفسير الغيبي قدرًا من الراحة النفسية لأنه ينقل مصدر الشر إلى قوة خارجية.
ليست المشكلة الأكبر في هذه الروايات أنها تقدم تفسيرات خاطئة، الرواية الغيبية لا تحل المشكلة بقدر ما تمنح شعورًا بالحل، وهذا يكون، في بعض الأحيان، أشد خطرًا من غياب الحل كليًا.
سوق متوحش
خلال العقود الأخيرة لم تعد الرقية مجرد ممارسة فردية، بل تحولت تدريجيًا إلى قطاع غير منظم يملك كل خصائص السوق الحديثة تقريبًا. هناك جلسات بأسعار محددة، ومواعيد مسبقة، وعيادات مخصصة، ومنتجات تباع تحت أسماء مختلفة من مياه وزيوت وأعشاب "مقروء عليها"، إضافة إلى خدمات متابعة قد تمتد أشهرًا أو سنوات.
في هذا السوق يُقدَّم المريض بوصفه مشروعًا مفتوحًا لا شخصًا يحتاج إلى علاج لمشكلة محددة. ففشل العمل قد يكون بسبب سحر قديم، وتعثر الزواج قد يكون نتيجة حسد متجدد، والاكتئاب قد يكون أثرًا لمسّ لم يخرج بالكامل. وكل تفسير جديد يفتح الباب أمام جلسة جديدة، ومنتج جديد، ومرحلة جديدة من العلاج. وهكذا تصبح المعاناة موردًا اقتصاديًا قابلًا للتجديد باستمرار.
ولا يمكن فهم هذا الاقتصاد بمعزل عن السياق الذي أتاح له النمو. حين تغيب العيادات النفسية أو تصبح باهظة التكلفة، وحين تحمل زيارة الطبيب النفسي وصمة اجتماعية تفوق أحيانًا المرض نفسه، يصبح الراقي ليس بديلًا عن الطب بل بديلًا عن دولة غائبة. المشكلة إذن ليست في الإنسان الذي يلجأ إليه، بل في المنظومة التي تركت له هذا الباب وحده مفتوحًا.
وليس من المصادفة أن تزدهر هذه الأسواق في المجتمعات التي شهدت حروبًا أو انهيارات اقتصادية أو تراجعًا في الثقة بالمؤسسات. فكلما ضعفت قدرة الدولة والتعليم والطب على تفسير ما يعيشه الناس، ازدادت جاذبية الروايات التي تقدم إجابات جاهزة. ولذلك فإن ازدهار هذا السوق يكشف أيضًا حجم الفراغ الذي تركته المؤسسات الحديثة، ولا يعكس قوة المعتقدات وحدها وحسب.
ومع صعود الإنترنت اتسع هذا السوق على نحو غير مسبوق. لم يعد الراقي يعتمد على سمعته داخل الحي أو المدينة، بل على عدد المشاهدات والمتابعين والتفاعلات. مقاطع الصراخ والتشنج، وقصص استخراج السحر من الحدائق، وشهادات المتعافين، والبث المباشر للأسئلة، كلها أصبحت أدوات تسويق لا تختلف كثيرًا عن أدوات أي صناعة رقمية أخرى. الفرق الوحيد أن المنتج هنا ليس هاتفًا أو دورة تدريبية، بل الخوف نفسه. وكلما زاد القلق والالتباس في حياة الناس، ازداد الطلب على من يعدهم بتفسير ما يحدث لهم.
ولم تتغير الحكايات كثيرًا بقدر ما تغيرت طريقة تداولها. فما كان يُروى داخل الأسرة أو الحي، أصبح يُبث أمام ملايين المتابعين، ويُعاد تدويره بلا نهاية عبر الخوارزميات والاقتراحات والمقاطع القصيرة.
لهذا لا يمكن فهم الرقية المعاصرة بوصفها استمرارًا بسيطًا لممارسات شعبية قديمة. فما نشهده اليوم أقرب إلى اقتصاد كامل نشأ عند تقاطع الدين والإعلام الرقمي والقلق الاجتماعي. اقتصاد يبيع للناس أملًا في السيطرة على ما يبدو خارج السيطرة، ويمنحهم تفسيرًا لمعاناتهم في عالم تزداد فيه الأسئلة أكثر من الأجوبة.
عالم عجيب
في النهاية، ما يبيعه هذا السوق ليس الجن. الجن كان دائمًا موجودًا، في النص الديني وفي الموروث الشعبي وفي الخيال الجمعي. ما يبيعه هو شيء أندر وأغلى: قصة تجعل الألم مفهومًا.
إلا أن هذه القصة لا تُباع في كل مكان بالقدر ذاته، فهي تزدهر تحديدًا حيث تتراكم الهزائم، خصوصًا في المجتمعات التي عاشت الحرب والتهجير والانهيار الاقتصادي، حيث لم تعد الدولة ولا المؤسسة ولا العلم قادرة على تقديم إجابة مقنعة عن سؤال بسيط: لماذا حدث هذا لنا؟ وتزدهر حين تسقط الأطر الكبرى التي يفهم بها الناس حياتهم.
وربما لهذا السبب لا ينجح هذا السوق لأنه يثبت وجود الجن، بل لأنه يمنح الناس شيئًا أكثر إلحاحًا، هو الشعور الحقيقي بأن العالم ما زال قابلًا للفهم. وفي زمن تتسع فيه الفوضى أكثر من أي وقت مضى، تصبح القصة الجاهزة سلعة ثمينة، ويغدو الخوف نفسه أحد أكثر المنتجات ربحًا في الاقتصاد الرقمي.