في الآونة الأخيرة، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بحادثة تحرّش جماعي تعرّضت لها فتاة مراهقة في البصرة خلال احتفالات ليلة رأس السنة، وقد انقسم الناس في التعاطي مع الحادثة بين من رآها سلوكًا فرديًا شاذًا لمجموعة من الرجال الذين انزلقوا في السعي وراء شهواتهم، وبين من اعتبرها لحظة كاشفة وفاضحة لبنية هيمنة ذكورية أعمق تُسيطر على المجتمعات العربية وتتحكّم في تصرفات الذكور فيها.
في هذا السياق، لا يُمكن النظر إلى الحادثة بالاقتصار عند حدود المدينة العربية التي وقعت فيها، فهي حادثة تتكرر كل فترة بأشكال مختلفة، في المهرجانات والاحتفالات الشعبية والشوارع ومناطق التجمّع في المدن والبلدان العربية، إذ يتحوّل الاكتظاظ إلى غطاء لتبرير الفعل، والفضاء العام إلى منطقة رمادية تتآكل فيها المسؤولية الفردية الأخلاقية.
في كل مرة تتكرّر فيها مثل هذه الحوادث، يُعاد طرح الأسئلة ذاتها: ما الذي يعنيه وجود الجسد الأنثوي في الفضاء العام؟ وكيف يُنظر إليه؟ ولماذا يُعامَل حضوره، في لحظات معيّنة، كدعوة مفتوحة للانتهاك لا كحقّ أصيل في الوجود؟
تفتح هذه الأسئلة بوابات المساءلة للمنطق الذكوري الذي ينظر إلى الجسد الأنثوي كأداة جنسية قابلة للاستباحة، بعيدًا عن حقيقة وجود صاحبته كذات مكتملة، والذي لا يكتفي في حالات التحرّش الجماعي بتبرير الفعل، بل يذوّبه داخل الجماعة ويمنحه شرعية معينة.
تنطلق هذه المقالة من محاولة تفكيك ظاهرة التحرّش الجماعي بالجسد الأنثوي في الفضاء العام، عبر مقاربتها من منطلقات الهيمنة الذكورية، والتفكير الاستلابي الذي يحوّل المرأة إلى جسد فقط، منزوع الإرادة والمعنى، ويجعل من العبث به ممارسة اعتيادية في لحظات يُفترض أنها احتفالية.
التحرش الجنسي.. تعريفه وتاريخ نشوئه وأشكاله
يعود نشوء مصطلح "التحرش الجنسي" إلى سبعينيات القرن الماضي، فرغم أنّ السلوكيات التي تندرج اليوم تحت هذا المصطلح كانت موجودة منذ زمن بعيد، إلا أنّ المصطلح لم يتبلور سوى مع صعود الحركات النسوية المرتبطة بحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة أواخر الستينيات، إذ جرى جمع هذه السلوكيات المتناثرة تحت عنوان واحد، بوصفها نمطًا من أنماط التمييز والعنف ضد النساء.
تُعَدّ الناشطة النسوية لين فارلي أول من أطلقَ المصطلح، فقد تأثّرت بمفهوم "التحرش العرقي"، وقامت بصكّ المصطلح للإشارة إلى ممارسات تمسّ كرامة النساء، لا سيما في أماكن العمل، وتُنتج علاقات قوة غير متكافئة لا يمكن فصلها عن البنى الاجتماعية السائدة.
في هذا السياق، يُقدّم علم الاجتماع عدة تعريفات للمصطلح تُسلّط الضوء على جوهر الفعل، من أبرزها تعريف أنتوني جيدنز، الذي يرى التحرش الجنسي باعتباره محاولة لفرض تقدّم ذي طابع جنسي لا يرغب فيه الطرف الآخر، مع الإصرار على هذا التقدّم رغم وضوح الرفض والمقاومة، ما يضع مسألة عدم الرضا في قلب الظاهرة باعتبارها الحدّ الفاصل بين التفاعل الإنساني والفعل الاعتدائي.
تذهب تعريفات أخرى إلى توصيف "التحرش الجنسي" باعتباره شكلًا من أشكال العنف الجسدي والرمزي ضد المرأة، لما يخلّفه من أضرار تمسّ الكرامة والحرية والسلامة النفسية، فممارسات التحرّش الجنسي تتخذ صيغًا متعددة، تبدأ من التلميحات اللفظية المباشرة كالإطراء والنكات ذات الدلالات الجنسية، مرورًا باللمس، ووصولًا إلى أفعال أكثر عنفًا، كما يشمل التحرّش إشارات ونظرات وإيماءات تحمل معاني جنسية صريحة أو ضمنية، ما يجعل الجسد الأنثوي عُرضةً للتشييء المستمر حتى في غياب أي تواصل لفظي مباشر.
من الناحية القانونية، عرّفت المواثيق الدولية التحرش الجنسي باعتباره سلوكًا جنسيًا غير مرغوب فيه، سواء أكان قولًا أم فعلًا، يُلحق أذًى بكرامة المرأة وصحتها وسلامتها، ويُنتج بيئة عدائية أو تمييزية، لا سيما حين يرتبط بعلاقات سلطة أو نفوذ.
تتفق التعريفات السابقة وغيرها على أنّ للتحرش الجنسي أشكالًا متعددة؛ فهو يشمل التحرش اللفظي عبر التعليقات والدعابات ذات الطابع الجنسي، والتحرش غير اللفظي من خلال النظرات الفاحصة والإيماءات الجسدية ذات الدلالات الجنسية، وصولًا إلى التحرش الجسدي الذي يشمل الملامسة المتعمدة والاستعراض الجنسي القسري، ما يكشف اتساع المساحة التي يُمارَس فيها العنف ضد الجسد الأنثوي، إذ يتم تطبيعه في الحياة اليومية، لا سيما داخل الفضاءات العامة.
التحرش الجماعي.. طقس عنف مشترك في الفضاء العام
يُمكن فهم ظاهرة التحرش الجماعي بالنساء في الفضاء العام عبر عدة مقاربات، منها ما يرتبط بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي ترى أنّ العنف ضد النساء يزداد في فترات الانفلات المؤقت للمعايير أو التحولات الكبرى في المجتمع. وهناك أيضًا مقاربات تربطها بالإعلام والحرمان الجنسي، حيث تُسوّق وسائل الإعلام للنساء كسلع، وتنتشر المواقع الإباحية التي تغذّي سلوكيات التحرش.
ورغم أهمية هذه المقاربات جميعها، لكنها لا تفسّر تمامًا الديناميكية العميقة للظاهرة في الواقع العربي، الذي تتشكل فيه أفعال التحرش الجماعي أساسًا من منطلقات الهيمنة الذكورية الحاكمة للبنى الثقافية والاجتماعية في المجتمعات العربية.
في هذا السياق، تُشكّل أفكار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو مدخلًا مهمًا لفهم الظاهرة من هذه المنطلقات، فالجسد الأنثوي، بحسب بورديو، يخضع للبناء الاجتماعي الخاصّ والعام الذي تتحكّم به الهيمنة الذكورية، إذ إنّ تواجده في المجال الخاص لا يختلف كثيرًا عن تواجده في المجال العام، فالمجالان يستمرّان في إفراز أدوات لإعادة إنتاج السلطة والهيمنة الذكورية، وفي حالة التحرّش الجماعي في الفضاء العام، فإنّ النظرات المستمرة، والإيماءات، واللمس، وحتى التحرّش اللفظي، ليست سلوكيات فردية عابرة، بل أدوات لإعادة إنتاج السلطة الذكورية، حيث تُستخدم الجماعة كغطاء لإنتاج الفعل التسلّطي على الجسد الأنثوي وتبريره.
يتقاطع تحليل بورديو مع أفكار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول السلطة والجنس؛ إذ يرى أنّ العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمعات ليست مسألة رغبة جنسية فقط، بل ممارسة للسيطرة، وبناءً عليه، فإنّ التحرّش الجماعي بالنساء في المجتمعات الذكورية أداة لإظهار القوة، وإعادة إنتاج الهيمنة الذكورية على الجسد الأنثوي، سواء عبر النظر أو اللمس أو الإيحاءات الجماعية، فهذا الطقس العنيف يجعل الفضاء العام مسرحًا للسيطرة على النساء، وليس مجرد مكان للتجمع أو الاحتفال.
باختصار، بينما تقدم المقاربات الأخرى مثل التحولات الاجتماعية والإعلام بعض الفهم الظرفي للظاهرة، يظلّ المفتاح في تحليل التحرش الجماعي في الواقع العربي هو الهيمنة الذكورية، فهي التي تحدد كيف يُنظر إلى الجسد الأنثوي، وتمنح الرجال الشرعية الرمزية والجماعية لممارسة العنف، وتحوّل الفضاء العام إلى مسرح للسلطة، تمامًا كما توضح نظريات وأفكار بورديو وفوكو حول الجسد والعنف والهيمنة.
التحرّش الجماعي كامتداد للاستلاب الجنسي
يُمكن فهم ظاهرة التحرش الجماعي بالنساء في الفضاء العام من منظور "الاستلاب الجنسي" الذي يوضحه مصطفى حجازي في كتابه "التخلّف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، فهذا المنظور يرى أنّ القهر الممارس على المرأة يتركز بشكل أساسي على جسدها، إذ يُختزل إلى مجرد أداة للمتعة، ما يحصر قيمة المرأة في بعدها الجنسي ويجعل حياتها اليومية تدور حول القلق من السيطرة على جسدها وإرضاء الآخرين. في هذا السياق، يشكل التحرش الجماعي امتدادًا لهذا الاختزال، إذ تتحول المساحات العامة إلى ساحة لممارسة الهيمنة على الجسد الأنثوي، بوصفه جسدًا جنسيًا يُحقّ للجميع ملامسته والعبث به.
يُوضح حجازي أنّه في إطار الاستلاب الجنسي، يُنظر إلى الجسد الأنثوي كملكية للرجل أو للمجتمع، فتصبح العلاقة بين الرجل والمرأة حقوقية وقهرية قبل أن تكون عاطفية، ويتم فرض قيود صارمة على جسد المرأة ورغباتها بغرض تحقيق السيطرة على كيانها بشكل مباشر. وهذه السيطرة الفردية تتحول في السياق العمومي إلى ممارسة جماعية، إذ يُمكن أن يصبح التحرش الجماعي في الفضاء العام امتدادًا لهذه الهيمنة، فالأفعال التي تفرض السيطرة على الجسد تتحول إلى طقس جماعي يعيد إنتاج القيم الذكورية ويكرّس الهيمنة على المرأة.
بناءً على ما سبق، يَظهر التحرش الجماعي كامتداد مباشر لمظاهر الاستلاب الجنسي، فهو يقوم على اختزال المرأة إلى جسد جنسي وفرض سيطرة الذكور عليها في مستويات الحياة العامة، بعيدًا عن أي بعد عاطفي أو فردي.
التحرش الجماعي.. الرجال وما وراء الفعل
التحرش الجماعي لا يقتصر على فعل جسدي سطحي، بل يحمل أبعادًا نفسية عميقة عند الرجال الذين يرتكبونه. فالفعل ليس مجرد استجابة لرغبة جنسية، بل وسيلة لإعادة تأكيد السيطرة والهيمنة، عبر وجودهم كمتحكمين في الجسد الأنثوي وفي أشكال تواجده المسموح بها.
ففي ذهن هؤلاء الرجال الذين يختزلون المرأة في أدوار اجتماعية معينة، يصبح معيار تصرفاتهم اتجاه جسدها مبنيًا على تصوراتهم الخاصة بهذه الأدوار، فهذا الاختزال يسمح لهم بتبرير الفعل داخليًا، ويقلل من شعورهم بالذنب، فيتعاملون مع التحرش وكأنه تصرف طبيعي أو مسموح في سياق ما يرونه خروج المرأة عن أدوارها الاجتماعية المحددة لها ووجودها في فضاءات عامة لا تُناسبها أو تتلاءم معها.
إضافة إلى ذلك، تلعب المفاهيم الاجتماعية والدينية دورًا مركزيًا في تبرير التحرش؛ فالأعراف التي تحدد "أماكن تواجد المرأة" أو تحصر حريتها في إطار معين تجعل من الانتهاك تصرفًا متوقعًا أو متساهلًا، وتساهم في تثبيت فكرة أنّ جسد المرأة ملكية للسلطة الذكورية، سواء أكانت سلطة الأب أو الزوج أو المجتمع ككل. هذه الرؤية تتقاطع مع القوانين والعادات لتضفي على الفعل صفة الشرعية الرمزية، وتحوله من تجاوز أخلاقي إلى ممارسة مقبولة ضمن المنظور السائد.
بهذا الشكل، تتكشف العلاقة بين التحرّش الجماعي بالجسد الأنثوي والفكر الذكوري؛ فالفعل ليس نتيجة لحاجة جنسية فحسب، بل انعكاس لقوة اجتماعية وثقافية تشرعن الهيمنة على الجسد الأنثوي، وتحوّل الانتهاك إلى أداة للتحكم، وفي الوقت نفسه إلى ممارسة مبررة نفسيًا واجتماعيًا. من هنا، يظهر أنّ أي معالجة لمشكلة التحرش الجماعي تتطلب مواجهة هذه التصورات المسبقة، من خلال فهم حيثيات تحوّل المفاهيم الثقافية والدينية إلى غطاء يبيح الفعل ويخفف من مسؤوليته الأخلاقية.












