منذ ثمانية عقود والفلسطيني يواجه سؤالًا واحدًا يُعاد صياغته بألف طريقة: هل لك مكان على هذه الأرض؟
وفي كل مرة يُجاب على السؤال بالدم والتهجير، وبتشييد المخيمات التي صارت بديلًا عن المدن المفقودة. واليوم، مع وصول حرب الإبادة على غزّة إلى ذروتها، يعود السؤال بصياغة أشدّ قسوة: هل تستطيع أن تبقى أصلًا؟ أم أن الطرق ستُغلق في وجهك حتى يصبح الرحيل القدر الوحيد؟
ما يجري عند المعابر، في رفح تحديدًا، ليس مجرد تفاصيل بيروقراطية أو أرقام مسافرين، بل هو مختبر لسياسة أوسع: تحويل الحقّ الطبيعي في الحركة إلى امتياز يُباع ويشترى، وتحويل الخروج من الحصار إلى اختبار لمدى استعداد الفلسطيني أن يدفع ثمن نجاته من حياته نفسها أو من أرضه.
من مقولة "سافر.. فأنت لست شجرة" التي تختصر حقّ الإنسان الطبيعي في الحركة والتنقّل، إلى اقتلاع الأشجار نفسها واقتلاع البشر من أرضهم، عاش الفلسطيني تجربة معكوسة للمعنى، فالسفر عنده لم يكن حريّة، بل تهجيرًا، ولم يكن حركةً نحو الأفق، بل طردًا من الجذور.
وغزة هي المثال الأوضح. فمنذ 2007 حُوّلت إلى مختبر حصار خانق، ثمانية عشر عامًا من التشديد والمراقبة والإنهاك، وحروب متقطعة خرّبت النسيج الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، حتى باتت الحياة نفسها فعل مقاومة يومي. ذروة هذا كلّه كانت حرب الإبادة الجماعية منذ أكتوبر 2023، التي لم تكتفِ بقتل الأجساد، بل سعت إلى تجريف شروط البقاء نفسها.
في هذا السياق لا يمكن النظر إلى "التلويح بالهجرة" كأمر عابر. إنه امتداد عضوي للفكر الإحلالي الصهيوني منذ 1948، الذي جعل التهجير شرطًا لتأسيس الدولة. فمن المذابح الأولى في القرى الفلسطينية، إلى تكريس مبدأ "عدم عودة" اللاجئين بعد 1967، نشأ الشتات الفلسطيني، وظهرت المخيمات كعلامة مادية على مشروع الإقصاء المستمر. وهكذا يصبح منع الحركة، أو تحويلها إلى تهجير قسري، أحد أعمدة النظام الاستعماري نفسه.
أما ما يحدث في هذه الحرب فلا يختلف كثيرًا عمّا سبق، لكنه يكشف عن استراتيجية أوضح وهي محاولة للتخلص من "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين" كمرجع رسمي يوثّق أعداد اللاجئين ومدنهم وبلداتهم الأصلية، وليس باعتبارها إغاثة فحسب. في المقابل، نشهد تدميرًا جزئيًا أو كليًا للمخيمات، وهي ليست مجرد أحياء فقيرة بل رموز لحقّ العودة، يعيش أهلها على أمل استعادة البيوت التي خرج منها الأجداد، محتفظين بالمفاتيح وكواشين الطابو كوثائق ملكية وذاكرة.
وفي هذا السياق، يواجه الفلسطيني في غزة خصوصًا سؤال البقاء أو الهجرة، مع العدوان الأخير الذي جعل الحياة نفسها مهددة. ويصبح معبر رفح أكثر من مجرد بوابة حدودية، إنه ميزان الخيارات القاسية بين التشبث بالأرض والانزلاق إلى منفى جديد.
فتحت إسرائيل معبر رفح، الواقع على الحدود الجنوبية لفلسطين التاريخية مع مصر، بعد معاهدة السلام عام 1979، وظلّ تحت سيطرتها حتى عام 2005، حين نُقلت إدارته إلى مصر والسلطة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي. شكّل ذلك أول تجربة للفلسطينيين في غزّة لممارسة سيطرة جزئية على حدودهم الدولية عام 2006. لكنّ هذه التجربة القصيرة انتهت عام 2007 مع سيطرة حركة حماس على القطاع، إذ انسحب الاتحاد الأوروبي وبدأ الحصار الكامل، الذي خُفف أحيانًا بشكل متقطّع وفق اعتبارات سياسية أو ضغوط إنسانية.
تحوّل السفر عبر المعبر إلى معاناة يومية، فالمغادرة كانت تحتاج إلى سبب قاهر كالدراسة أو لمّ الشمل أو التحويلات الطبية، يرافقها إجراءات تسجيل طويلة وانتظار مُرهق، حتى صار السفر بحد ذاته اختبارًا للصبر وميدانًا آخر من ميادين القمع.
في كانون الثاني/يناير 2008، وبعد إغلاق شامل للمعابر، لجأ عشرات آلاف الفلسطينيين إلى كسر الحصار فعليًا، فقد فجّر متظاهرون جزءًا من الجدار الحدودي مع مصر، لتتدفّق جموع تقدَّر بأكثر من 300 ألف شخص عبر رفح نحو مدن سيناء، يشترون الوقود والمواد الغذائية والسلع الأساسية قبل أن تعيد مصر إغلاق الحدود. كان ذلك المشهد أقرب إلى انفجار اجتماعي مكتوم: مرضى وطلاب وعائلات عالقة افترشوا شوارع الشيخ زويد والمساجد في انتظار السماح لهم بالمرور.
لكن حتى في هذه اللحظة الاستثنائية ظلّت إسرائيل تمارس سيطرة غير مباشرة على المعبر، عبر تحكّمها في سجل السكان الفلسطينيين الذي يحدد من يُسمح له بالعبور ومن يُعاد قسرًا، ما جعل من الحدود أداة إضافية للرقابة والحصار أكثر من كونها معبرًا سياديًا.
في عام 2011، وبعد سقوط نظام مبارك تحت ضغط ثورة يناير، بدا أن صفحة جديدة ستُفتح، إذ أعلنت مصر عن فتح معبر رفح بشكل دائم، بعد توقيع اتفاق المصالحة بين فتح وحماس في القاهرة. ورغم بقاء بعض القيود على الرجال بين 18 و40 عامًا، فإن رفع معظم القيود سمح بمرور مئات الفلسطينيين يوميًا لأول مرة منذ سنوات. لكن هذا الانفراج لم يدم. فبعد الإطاحة بمحمد مرسي في يوليو/تموز 2013، أعاد الجيش المصري إغلاق المعبر لفترات طويلة، قبل أن يستقرّ الوضع على فتح جزئي لا يتجاوز ساعات محدودة في اليوم، تُقطّعها فترات إغلاق كاملة. ومع الوقت صار فتح المعبر استثناءً، وإغلاقه هو القاعدة.
في 2021، أعادت مصر فتح المعبر لأجل غير مسمى، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لدفع المصالحة الفلسطينية، وظلّ مفتوحًا حتى خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر 11 يومًا في مايو. لكنّ "الانفراج" تحوّل بسرعة إلى باب جديد للابتزاز، إذ ظهرت شركة خاصة تُعرف باسم "هلا"، أنشأها رجل أعمال مصري بالتعاون مع مكاتب سفر في غزة، لبيع تسهيلات المرور. صار على الراغبين في السفر دفع مبالغ مالية تتراوح بين 150 دولارًا للتسجيل المبدئي وآلاف الدولارات عند المعبر، لتجاوز قوائم الانتظار الطويلة أو القفز على شروط وزارة الداخلية.
هكذا تحوّل السفر عبر رفح إلى تجربة مزدوجة، من جهة أداة سيادية تتحكم بها السياسات الإقليمية، ومن جهة أخرى سوق سوداء تُثقل كاهل الفلسطينيين الباحثين عن العلاج أو التعليم أو مجرد مخرج من الحصار.
في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع بداية الحرب الأخيرة، أُغلق معبر رفح من جديد. أُعيد فتحه مؤقتًا لخروج الرعايا الأجانب ثم أُغلق إثر أربع غارات إسرائيلية متتالية على جانبه الفلسطيني، في رسالة واضحة هدفها الترهيب وضبط الحركة. ومنذ ذلك الحين، تحوّل المعبر إلى مرآة للكارثة: الرغبة في النجاة اصطدمت بتكاليف باهظة فرضتها شركة "هلا" وغيرها من الوسطاء، حيث وصلت كلفة الخروج إلى خمسة آلاف دولار للفرد، وقفزت لاحقًا إلى ثمانية آلاف للعائلة الواحدة عبر ما عُرف بـ"كشوفات الخارجية".
في هذه الأجواء القاتلة، هرّب كثير من الرجال عائلاتهم إلى مصر أو أبعد، بينما ظلّوا في غزة بين خيار متابعة الأعمال أو التمسك بالبقاء. الخارجون توزّعوا بين مصر وأوروبا وكندا، مستفيدين من منح أو تأشيرات أو من إجراءات لمّ الشمل. لكن في 7 مايو/أيار 2024، حين سيطر الجيش الإسرائيلي على جانب المعبر، أُغلق رفح تمامًا بعدما رفضت مصر مقترحًا إسرائيليًا لإعادة فتحه من دون سلطة فلسطينية على الجانب الآخر. ومنذ ذلك الحين، لم يبق سوى آلية إجلاء محدودة للمرضى عبر الصليب الأحمر، غالبًا باتجاه دول بعيدة مثل الولايات المتحدة وإسبانيا والمكسيك وقطر والإمارات.
هكذا بدا أن ما يُفرض ليس تهجيرًا فجائيًا عبر شاحنات كما في 1948، بل نزيف بطيء للسكان، عبر الانتظار والعلاج، أو الالتحاق بالأقارب. وهو ما يمكن تسميته بـ"الهجرة الناعمة"، إذ تُستنزف غزة سكانيًا تحت غطاء إنساني، بينما الحرب تواصل تجريف مقومات الحياة.
ورغم التصريحات الإسرائيلية عن "البحث عن دول تستوعب مئات الآلاف"، ورغم أوهام ترامب عن تحويل غزة إلى "ريفيرا"، فإن ما يُسرب من أسماء مثل ليبيا وأثيوبيا إندونيسيا ظلّ مجرّد فقاعات إعلامية، أقرب إلى جسّ نبض المزاج الدولي وتهيئة الرأي العام، منه إلى مشاريع واقعية. أما ما يُلاحظ حدوثه في هذا الخصوص، فهو إجلاء بعض العائلات التي جرى التنسيق لها عبر أقارب من الدرجة الأولى في دول أوروبية مثل بلجيكا، وتمّ ذلك من خلال معبر كرم أبو سالم التجاري الخاضع للسيطرة الإسرائيلية. كما شاع الحديث عن إجلاءات محدودة عبر مطار "رامون"، لكن لم ترد تأكيدات رسمية بهذا الشأن.
ومن بين الحالات اللافتة، إجلاء بعض الطلبة والمثقفين، وبينهم شعراء، عبر ترتيبات نسّقتها السفارات الأوروبية، مثل السفارة الفرنسية، بالتعاون مع الجامعات أو المؤسسات المعنية والمنظمات الإنسانية العاملة في غزة. وقد تمّت العملية بالمرور من كرم أبو سالم إلى الأردن، ثم إلى فرنسا.
وحين توسّع الجدل حول أن هذه الإجلاءات تهدف إلى "تفريغ القطاع من فئاته المميزة"، خرجت الشاعرة ضحى الكحلوت، وهي إحدى المغادرات، بفيديو توضح فيه أنها حصلت على منحة منذ بداية الحرب، ولم توقّع على أي التزامات تمنعها من العودة. وأكدت أنها ما زالت تحتفظ ببطاقتها الشخصية وأن نيتها هي العودة بعد انتهاء المنحة وتوقف الحرب، نافية ما يُشاع عن "تهجير النخبة" من غزة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا ينتظر الفلسطينيين، وبالأخص في غزّة، في ظل هذا الضغط العسكري والإنساني الهائل؟ ضغوطٌ تدفع أعدادًا متزايدة إلى البحث عن الخلاص، ورفض الاستمرار في مواجهة واقعٍ لم يترك لهم مقومات الحياة الأساسية.
جرى تحطيم شبه كامل للبنية التعليمية والطبية والاقتصادية والزراعية، أي تفكيك هيكل المجتمع نفسه، بما كان ينظم سُبل العيش وحتى طرائق الموت. وزاد الأمر قتامةً مع الحرمان من الغذاء لخمسة أشهر متواصلة مؤخرًا، وهو ما فتح الباب لمجاعة قاسية حصدت أرواح الأطفال والكبار معًا. وظهرت تبعات ذلك في انتشار فقر الدم وسوء التغذية وضعف المناعة، حيث غدت أجساد الناس عاجزة عن مقاومة أبسط الأمراض، فصارت الالتهابات والهزال العام الوجه اليومي للمعاناة.
لا يمر الفلسطينيون من المعابر بجوازات سفر بل بذاكرة كاملة. في عيون من ينتظرون، تتحول الحدود إلى استعارة عن المنفى الدائم: أمّ تفقد طفلها أمام بوابة مغلقة، مريض يعلّق حياته على توقيع موظف، وشاب ينظر إلى الأفق كمن يبحث عن مدينة لم يعد يعرف إن كانت له. في هذه التفاصيل الصغيرة يتقاطع المحلي مع الكوني، فالفلسطيني يذكّر العالم بأنّ الأسوار لم تُبنَ له وحده، بل هي صورة عن نظام عالمي يزداد استعدادًا لتطبيع التهجير وتبرير الإبادة باسم الأمن أو الإنسانية.
مع انسداد الأفق أمام وقف الحرب، وإغلاق المعابر، وتراجع كل إمكانيات السفر أو الهجرة، يبقى الفلسطينيون في غزّة عالقين بين خيارين قاسيين؛ النجاة الفردية التي تُفرغ الجماعة من معناها، أو التشبث الجماعي الذي يواجه الفناء اليومي. وفي حين تتضح النوايا الإسرائيلية أكثر من أي وقت مضى، بين تهجير قسري وإبادة ممنهجة، يقف العالم صامتًا مكتفيًا بترديد شعارات لا توقف جنون القصف ولا تمنع استمرار الجوع.
ما يجري في غزّة ليس مجرد مأساة إنسانية وحسب، بل هو استمرار لمشروع استعماري يسعى إلى تفريغ الأرض من أهلها وتجريف شروط بقائهم. غير أنّ الفلسطيني، في كل مرة، يحوّل البقاء نفسه إلى فعل مقاومة، وثمة من يرى ذلك عبئًا ولعنة جغرافية، فيما يراه آخرون قدرًا لا يُمكن التنازل عنه.
وبين هذين الحدّين، تتواصل الحكاية التي لم تُغلق بعد، والتي لن تُحسم إلا بمواجهة جذر المشروع الذي أنشأها.