"العمل الذي لم يترجم، لم ينشر إلا نصف نشر".
إرنست رونان
المعروف أن "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري لم تكن تحظى بأي اهتمام من قبل معاصريه. كانوا يعتبرونها أثرًا من ضمن آثار المعري المتعدّدة كرسالة الملائكة أو رسالة الإغريض. الوحيد الذي أشار إليها هو الذهبي ضمن كتابه "تاريخ الإسلام"، وقال: "إنها احتوت على مزدكة واستخفاف، وفيها أدب كثير"، دون أن يشرح ما يعني بالمزدكة أو ما يقصد بالاستخفاف، كما يقول عبد الفتاح كيليطو في كتابه "أبو العلاء المعري.. أو متاهات القول". لكن الاهتمام الكبير جاء بعد ظهور "الكوميديا الإلهيّة" لدانتي الإليجيري، فتمّ ربطها بدانتي الإليجيري، ومن ثمّ صار الشغف بــ"رسالة الغفران" كبيرًا. فقد كان لعملية التقريب بين العملين مفعول سحري، إذ خرجت الغفران من عزلتها بفضل البريطاني "رينولد نيكلسون"، فربط بينها وبين دانتي، فصارت لها حكاية، فبدأت تُعقد المقارنات بين العملين منذ فعلها المستشرق ميجيل بلاثيوس عام 1919، بتتبّع أثر الإسلام في "الكوميديا الإلهيّة"، وهو الكتاب الذي أحدث هزة عنيفة في حقل الدراسات المقارنة، وأثار ضجة كبيرة بين القبول والرفض، لما تبناه من آراء متعلّقة بتسرب الأفكار الإسلامية عن الحياة ما بعد الموت إلى المعتقدات الشعبية المسيحية الغربية، كما ذكر كارل ناللينو الأستاذ بجامعة روما. لكن الأثر الذي أحدثته "الكوميديا الإلهيّة"، ودراسات آسين بلاثيوس، تجاوز الجغرافية الغربية إلى منبت الكتاب، أقصد الشرق العربي، حيث "رسالة الغفران" التي ألفها أبو العلاء المعري. ومن لحظتها بدأ الاهتمام يضطرد بالغفران وصاحبها، ووضعها في حقل الدراسات المقارنة، على الرغم من تأكيد كثير من الباحثين على نفي اتصال دانتي بالتراث المشرقي.
اكتشاف الليالي
تكرّر الأمر مع كتاب "ألف ليلة وليلة". كان مجرد كتاب لم يلقَ بالًا أو اهتمامًا من قبل العرب، بل ظلّ مهملًا بين أصحابه، يتناقله العامة في ما بينهم طوال قرون، دون أن يرقى إلى مرتبة الأدب، وفقًا للمعايير التي أقرتها مؤسسة الأدب الرسمية، بخلوه من اللغة المعيارية الرفيعة التي يتبناها حُرّاس المعتمد الأدبي، التي تتألف من علماء اللغة العربية ورجال الدين. وكانت حريصة على التمييز بين أدب رفيع جاد، وأدب عابث ذي طابع شعبي، يستخدم اللغة الدارجة، ويهدف إلى التسلية، لا يستحق أن يكون أدبًا، على نحو ما يقول سيد إمام في مقدمة ترجمته لكتاب "الليالي العربية".
الكتاب (على ما به من قيمة سوف تكتشف لاحقًا) تمّ تجاهله تمامًا، بل والتقليل من شأنه. فلقد تجاهله المسعودي في "مروج الذهب" بوصفه "سمرًا من النوع الرخيص". وبالمثل، فعل ابن النديم في القرن العاشر في كتاب "الفهرست"، حيث رأى أن الكتاب بتمامه، في عدة مجلدات، "غث بارد الحديث"، على عكس ما رآه سعيد الغانمي بأنه "كتاب يدّعي الشّعبيّة، في حين يتصرف ككتاب رفيع". هذه الأقوال أبعدت النص عن ذائقة الثقافة العربية الرصينة، ولم يلقَ القبول إلا على يد القصاصين الشعبيين للجمهور، غير أن الوضع تغير كليًا بين ليلة وضحاها، بعد عثور أنطوان غالان عام 1701، على مخطوطة عربية تحوي حكايات السندباد، لكن سرعان ما تبيّن أنها جزء من مجموعة أشمل، فقام بترجمتها في سبعة مجلدات، وإذا بالترجمة تلاقي إقبالًا عريضًا في الأوساط الثقافية الأوروبية، ومنها تُرجمت إلى العديد من اللغات. فقد كانت ترجمة غالان بمثابة المصباح الذي أضاء العتمة على الأصل العربي، ومع الالتفات إلى ترجمة الأصل العربي إلى اللغات الأخرى، هكذا يمكن القول: "إن الكتاب انتقل جزئيًّا إلى اللغة العربية عن طريق الترجمة"، كما يقول كيليطو. فاللافت أنه لم تسبق ترجمة غالان، التي صدرت عام 1704، أي نسخ عربية في الطباعة، فأول نسخة تخرج مطبوعة باللغة العربية كانت في كلكتا بالهند عام 1835، ثم توالت الطبعات. إلا أن التحول الخطير لاهتمام المؤسسة الرسمية بنص "ألف ليلة وليلة" بدأ مع ما قامت به سهير القلماوي، بتشجيع أستاذها الدكتور طه حسين عام 1941، بدراسة النص ضمن دراساتها للدكتوراه، وهو ما يعد فتحًا جديدًا بدراسة نص مكتوب باللغة العامية في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة.
يعزو الفضل الأول لاكتشاف قيمة الكتاب إلى أنطوان غالان، الذي حوّل أنظار العالم إلى الكتاب، ومن ثم اكتشفنا بعدها أثرًا مهمًا، وكنزًا من الحكايات التي شكّلت ذائقة الكتاب وأثرت في الكثير منهم، لدرجة أن فولتير صرّح بأنه لم يصبح قاصًا إلا بعد أن قرأ "ألف ليلة وليلة" أربع عشرة مرة، وتمنى أن يُصاب بفقدان الذاكرة، حتى يعيد قراءتها، ويستمتع بها مرة أخرى، ويقرّ الكاتب الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز بدينه لليالي قائلًا: "لولا عثوري مصادفة في مكتبة جدي على كتاب مهمل، أوراقه صفراء، تكاد تتمزق من فرط قدمه بعنوان "ألف ليلة وليلة" ما كان لي أن أصبح أديبًا، إن هذا الكتاب هو ما صنع مني أديبًا بعد أن سحرتني حكاياته". الأغرب أن ماركيز تعلم اللغة العربية من أجل أن يكون قريبًا من النص الملهَم، وهو في سن الخامس والسبعين على يد معلم مصري من الإسكندرية، لعب الكتاب دورًا بالغ الأثر في نقل الثقافة العربية إلى الآخر، وإن كان الاستشراق وظفها لخدمة أغراضه الدنيئة، بالبحث عن النساء وصورة المرأة الشرقية، والحمامات وغيرها. ومن الأشياء الطريفة أن الإعجاب جاء بالكتاب لا بمؤلِّفه، فالكتاب دون سائر الكتب لا يحمل اسم مؤلف بعينه، وإنما يعتبر إن جاز التعبير "مدوّنة كتب" على حد وصف سعيد الغانمي.
فضل الاستشراق
لا يختلف الأمر كثيرًا في سِفر "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي، الذي كان مجرد مخطوطة قابعة في الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية، كما يقول الطاهر مكي في تقديمه لتحقيق الكتاب، حتى هبط المستشرق الهولندي فون ورانر، الذي كان مُحبًا للمخطوطات العربية، نهمًا في البحث عنها وشرائها، وأحيانًا يحتال في العثور عليها إن لم تأته فرصة شرائها أو نسخها. وقد جاءت له الفرصة سانحة عندما مات حاجي خليفة صاحب كتاب "كشف الظنون"، وكان يملك واحدة من كبريات مكتبات الأستانة، فاشترى من مقتنيات مكتبته العديد من المخطوطات، بلغت ألف مخطوطة بين عربي وفارسي وتركي؛ وكان "طوق الحمامة" من بين هذه المخطوطات النادرة. وقد أهدى جامعة ليدن عددًا من المخطوطات. ومن بعده استقرت المخطوطة في مكتبة ليدن قرابة 175 عامًا، إلى أن عهدت الجامعة إلى عدد من المستشرقين بفهرسة المخطوطات العربية التي تمتلكها، وكانت من نصيب المستشرق راينهارت دوزي، وبعدها ألف دوزي كتابًا عن تاريخ مسلمي إسبانيا عام 1861، ونقل عن "طوق الحمامة" قصة حبّ ابن حزم الأولى وترجمها إلى الفرنسية، فذاعت في كل أنحاء أوروبا، وأعطت للكتاب شهرة عريضة.
وبالمثل تحوّلت رباعيات عمر الخيام، من أثر شبه مجهول إلى أثر بالغ الأهمية، ذاعت ترجماته في اللغة العربية وغيرها، وذلك بعد أن جاء إدوارد فيتزجيرالد عام 1859 وقام بترجمتها، فتحقق لها الشيوع والانتشار، ومن ثم تنطبق عليه مقولة بورخيس أنه "يكاد يكون مخترع عمر الخيام".
الدور الإيجابي
الأمثلة كثيرة على الدور الذي لعبته الترجمة والمترجمون في إحياء التراث العربي الأصيل، فالحضارة المصرية القديمة ظلّت مجرد هياكل وتماثيل، حتى جاء الفرنسي جان فرانسوا شامبليون (مؤسس علم المصريات) وفك شفرة اللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية) الموجودة على حجر رشيد عام 1822، فانكشف للعالم سر الحضارة المصرية، وكنوزها، وعقبها بدأت البعثات الأجنبية عملها في التنقيب عن الآثار المصرية، وما زالت الاكتشافات تتوالى، ووفقًا لمجلة "ريدرز دايجست" الأميركية، فإن فك رموز الهيروغليفية حوّل الحضارة المصرية من شيء مجهول لا نعرف عنه شيئًا، إلى كتاب مفتوح استحوذ على خيال العالم.
في عالمنا العربي عاش نجيب محفوظ، تجربة مماثلة من الإهمال والجحود، ولولا نوبل لاستكمل محفوظ حالة السبات التي كان عليها قبل نوبل، وباعترافه نفسه أن النقد لم يلتفت إليه، باستثناء كتابات سيد قطب وأنور المعداوي. فكانت أول مقالة كتبها سيد قطب في مجلة "الرسالة" عام 1944 عن روايته "كفاح طيبة"، ثم كتب عن روايتيه "خان الخليلي" (1945) و"القاهرة الجديدة" (1946)، وبعده كتب أنور المعداوي عنه في مجلة "الرسالة" عام 1950 مقالة بعد صدور روايته "بداية ونهاية"، ثم جاءت نوبل لتقلب الموازين، ويصبح الرجل هدفًا لكورس النقاد، كما عبر لويس عوض عن حالة الاهتمام المفاجئ به وبكتاباته. ويكتب جابر عصفور مقالة عن نقاد محفوظ، يوضح فيها التحول الذي حدث في الالتفات إلى أدب محفوظ بعدما كان مهجورًا. وأشار لويس عوض إلى ما أسماه كورس النقاد الذي ينطلق كلما أصدر نجيب محفوظ عملاً جديدًا. يقول: "ما عرفت كاتبًا من الكتاب ظل مغمورًا مغبونًا مهملًا عامة حياته الأدبية دون سبب معلوم أيضًا، مثل نجيب محفوظ وما عرفت كاتبًا رضى عنه اليمين والوسط واليسار، ورضى عنه القديم والحديث، ومن هم بين بين، مثل نجيب محفوظ، فنجيب محفوظ قد غدا في بلادنا مؤسسة أدبية أو فنية مستقرة، تشبه تلك المؤسسات الكثيرة التي تقرأ عنها".
وليس ببعيد ما حدث مع الروائية العمانية جوخة الحارثي وروايتها "سيدات القمر"، فقد مرت دون أن يلتفت إليها أحد، مرت مرور الكرام، رغم أنها تتحدث عن بقعة مكانية تكاد مجهولة بتاريخها وثقافتها وعاداتها في الأدبيات العربية، والأغرب أن معظم الجوائز العربية تجاوزتها، لكن ما إن حصلت الترجمة الإنكليزية على جائزة "البوكر مان"، حتى بدأ العرب يكتشفون جوخة الحارثي فصارت نجمة العرب، وقرأت روايتها، وتناوب النقاد على الكتابة عنها، بل خصصت بعض المجلات ملفات كاملة عن الروائية والرواية.
هكذا على مرّ التاريخ افتقدنا الثقة بأنفسنا، ولم نلتفت إلى أنفسنا إلا بعد أن منحنا الآخر جواز المرور، وكأن الترجمة ليست جسرًا لعبور الثقافات وفقط، بل هي التي تعطي مشروعية واعترافًا للكتاب في لغته الأصلية، ثم سائر اللغات. بعد كتابة"كليلة ودمنة"، أمر دبشيلم الملك أن يوضع في خزانته، ولا يطلع عليه أحد من العامة (لاحظ يوم استدعى بيدبا بعد أن خلص من كتابة الكتاب ليقرأه، استثنى العامة من الدعوة)، شهرة الكتاب جاءت بعدما دفع الفضول كسرى أنوشروان أن يقرأ الكتاب بعدما سمع عنه، فأرسل الطبيب برزويه فنقله عنه بالحيلة، ثم نقله ابن المقفع إلى العربية، فذاعت شهرته.
خلاصة القول إن الترجمة مؤخرًا في عالمنا العربي مجرد اختيار عشوائي (سداح مداح)، فلا توجد مؤسسة بعينها تعني بالترجمة وترشح الأعمال المهمّة، لا مجرد كتابات البيست سيلر، أو كتابات التنمية البشرية، التي ربما لا تتناسب مع ثقافتنا، فالأمر كما يقول رائد وحش في مقالته صار "ورطة ثقافية"، فدور النشر "لا تبدو مهتمة بشكل حقيقي في اكتشاف الأعمال الأدبية الجديدة في العالم بطريقة منهجية"، فما كان من قبل غير متحقق في المترجمين ودور النشر؛ من قبل تم ترجمة دوستويفسكي وديكنز، والأعمال التي تعتبر ضمن المعتمد الغربي كـ"الإلياذة" و"الإنيادة" و"الأوديسة"، وروائع الأعمال، أما الآن فحدث ولا حرج، فلا يوجد مشروع، ولا رؤية، حتى إعادة الأعمال الكلاسيكية التي سبق ترجمتها، لم تكن في صالح مترجميها، فلم يأتوا بجديد، أو أضافوا شيئًا يحسب لهم.
طبعًا حُلم الترجمة، هو حُلم مشروع - لا جدال في ذلك - لكلّ الكُتاب بلا استثناء، ولا يجب مصادرته، لكن أيّ هذه الأعمال تُقدّمنا للغرب؟ هذا هو السؤال الأول الذي يكون على مائدة البحث والدراسة؟ السؤال الثاني أين العدالة فيما يترجم؟ فلا بد أن يكون هناك ميزان متكافئ، فلو أحصينا ما يتمّ ترجمته يوميًا عن الغرب بكافة لغاته - لدرجة أن بعض دور النشر تقتصر على الترجمة فقط - لوجدنا أنه حجمه يفوق التصوّر والخيال، في مقابل نُدرة - تصلّ إلى حدّ الشّح - لما يترجم من أعمال كتابنا الفكرية والأدبية للآخر الذي ننشده ونتطلع إلى معرفتنا. على العكس قديمًا، كان هناك شغف باكتشافنا من الغرب، وهو ما تمّ عبر وسيط الترجمة. الآن يبدو الأمر وكأن حركة الترجمة تسير في اتجاه واحد، بدلًا من السير في اتجاهين مِن وإلى، وهو ما سبب كسادًا لمنتج الثقافة العربية، وما يصلّ إلى الغرب - في أقرب التصورات - يكون سببه الفوز بجائزة، والتي لا يأتي الاتفاق على كون العمل هو الأهم، أو نموذج لكتابة العرب.