ultracheck
القواعد الإسلامية

التاريخ معكوسًا: حين كانت جزر أوروبا قواعد عسكرية للمسلمين

27 يناير 2026

بينما تتنافس القوى الدولية على إقامة قواعد عسكرية لها على الأراضي العربية والإسلامية، تخبرنا صفحات التاريخ بـ"انقلاب الآية"، فالجزر والأراضي الأوروبية كانت يومًا ما قواعد للدول العربية والإسلامية لحماية حدودها وشواطئها، بل ونقاط انطلاق للوثوب على مناطق في الداخل الأوروبي.

اهتمام العرب والمسلمين باتخاذ جزر البحر المتوسط قواعد عسكرية لهم بدأ بتصميم معاوية بن أبي سفيان، عندما كان واليًا للشام، على استخدام الأسطول العربي الناشئ في الاستيلاء على جزيرة قبرص، والتي كانت محور مكاتباته مع الخليفتين عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان، حيث التمس منهما السماح بغزوها، حسبما يروي الدكتور إبراهيم أحمد العدوي، في كتاب "قوات البحرية العربية في مياه البحر المتوسط".

وتستمد جزيرة قبرص أهميتها من موقعها الجغرافي الذي يوحي للناظر أنها أشبه بمدفع يدوي (مسدس)، فوهته مصوبة إلى إقليم الشام، كما تحتل الجزيرة ركنًا ممتازًا في الزاوية الشمالية الشرقية من البحر المتوسط، يتيح لها سهولة التحكم في مياه هذا الشطر من البحر بما يطل عليه من بلاد.

وأدرك معاوية أهمية هذه الجزيرة وضرورة الإسراع بالهجوم عليها بسبب إغارات الروم على الشام، واتخاذهم جزيرة قبرص محطة تموين في الطريق، وملجأً لهم حين تدفعهم الأحداث إلى الانسحاب. لذا أبحر من ميناء عكا على رأس أسطوله سنة 649م ونزل على ساحل قبرص، مُسجلًا أول عبور حققه العرب لمياه البحر المتوسط.

ويذكر العدوي، أن العرب أخبروا أهالي قبرص بأنهم لم يأتوا طمعًا في جزيرتهم، وإنما ليتفقوا معهم على ما فيه سلامة الشواطئ العربية على المياه الشرقية من البحر المتوسط. غير أن سكان الجزيرة أبوا تحت ضغط الروم الدخول في مفاوضات مع العرب واعتصموا بأسوار مدنهم، فتقدمت القوات العربية نحو العاصمة "قنسطنطينا" التي كانت تغص بالسكان، وبها جميع ثروات الجزيرة وذخائرها.

وبعد حصار قصير اقتحم العرب المدينة واستولوا على كنوزها وأخذوا كثيرًا من الأسرى، واضطر حاكم المدينة إلى عقد صلح مع العرب يقضي بدفع أهالي قبرص لمعاوية جزية سنوية قدرها 72 دينارًا، على نحو ما يؤدونه كل عام كذلك لدولة الروم، وتعهدوا أيضًا بألا يساعدوا الروم في إغاراتهم على أراضي الشام، وألا يطلعوهم على أسرار تحركات الأسطول العربي، كما قبلوا بأن يزودوا العرب بأنباء أي حملة يعدّها الروم ضد شواطئ مصر والشام.

لم يمر وقت طويل حتى أخلّ أهل قبرص بشروط الصلح، ففي عام 654م أمدوا الروم بسفن ساعدتهم على مهاجمة الشواطئ العربية بالشام، لذا صمم معاوية على فتح الجزيرة عنوة، وتحقق له ما أراده، وصارت الجزيرة منذ ذلك الوقت قاعدة دائمة للأسطول العربي وقواته في البحر المتوسط، إذ حرص معاوية على وضع قوات نظامية بها تدافع عن الجزيرة وتحمي ظهر الأسطول العربي بها، فكان يقيم في قبرص جيش يتكون من اثني عشر ألف رجل من الجند النظامي، وأجرت لهم الدولة الرواتب.

وأتبع معاوية هذه الخطوة بنقل جماعة من أهل بعلبك إلى قبرص، وأغراهم على البقاء بها بمنحهم الرواتب، حتى يقلل من أخطار الروم في مهاجمة الأسطول العربي فيها. ومن ثم صارت تلك الجزيرة قاعدة تنطلق منها السفن العربية لصد سفن الروم قبل أن تهجم على شواطئ الشام ومصر، وتُجنب الحاميات المقيمة على تلك الشواطئ أخطار الهجمات المفاجئة.

"خنجر عربي" في شرق البحر المتوسط

ويبدو أن السيطرة على قبرص فتح شهية العرب للاستيلاء على جزر الروم في شرق البحر المتوسط، لما تتمتع به من مراكز استراتيجية مهمة ولشل حركات الروم البحرية. يشرح العدوي، أن هذه الجزر كانت تقسم البحر المتوسط إلى بحار داخلية صغيرة، يتصل بعضها ببعض عن طريق مضايق وفتحات صغيرة تتحكم في مداخلها أطراف تلك الجزر، وغدت هذه المضايق أشبه بعنق الزجاجة، ومن ثم فإن السيطرة عليها يكفل تمام السيادة على ما يليها من بحار داخلية وما يطل على هذه البحار من أراضٍ وبلاد.

وسارت القوات البحرية العربية إزاء تلك الجزر وفق خطوات منظمة مرسومة، تهدف أولًا إلى تأمين الفتوحات العربية من الجزر القريبة والمباشرة لأراضيهم، ثم الاستيلاء على غيرها من الجزر التي تتحكم في أكبر عدد من المضايق البحرية لسد الطريق في وجه أساطيل الروم.

وبحسب العدوي، كانت "أرواد" إحدى أهم هذه الجزر التي تقع بالقرب من ساحل الشام بين مدينتي جبلة وطرابلس، وكان أهلها يحترفون القرصنة، لذا عقد معاوية العزم على الاستيلاء على هذا المعقل الخطير، وهو ما تحقق سنة 650م.

وفي سنة 654م سارت قوات البحرية العربية من موانئ الشام تحت قيادة جنادة بن أمية الأزدي لفتح "رودس"، أهم جزر بحر إيجه وأعلاها مكانة في بحرية الروم بسبب صناعة السفن بها. وكانت هذه الجزيرة أول حلقة في سلسلة أرخبيل بحر إيجه من ناحية الشرق، وتمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي على اثني عشر ميلًا تقريبًا من ساحل آسيا الصغرى، لذا كانت تشكل خطرًا جاثمًا على أطراف الشام الشمالية المتاخمة لحدود الروم بآسيا الصغرى.

واستطاع ابن الأزدي أن يستولي على تلك الجزيرة عنوة. ويذكر العدوي، أن العرب اهتموا بتلك القاعدة البحرية، فبنوا بها حصنًا منيعًا، وجددوا أفراد الحامية بها من حين لآخر حتى تبقى قوتهم وروحهم المعنوية عاليتين.

قواعد ونقاط انطلاق في العصر العباسي

وفي العصر العباسي، سمحت قوة الأسطول الإسلامي شرق البحر المتوسط وقواعده البحرية بمهاجمة قواعد الروم، بل والاستيلاء عليها وتحويلها لنقاط انطلاق عربية. وبحسب الدكتور صابر محمد دياب في كتاب "سياسة الدول الإسلامية في حوض البحر المتوسط من أوائل القرن الثاني الهجري حتى نهاية العصر الفاطمي"، خرجت في سنة 903م حملة عسكرية من مينائي طرطوس وطرابلس، واستولت على جزيرة "لمنوس" في بحر إيجه دون مقاومة من البحرية البيزنطية التي كانت وقتذاك تعاني الاضطراب والفوضى.

وفي هذه السنة أيضًا، انطلقت حملة إسلامية أخرى بقيادة أبو الحارث غلام ظرافة أمير صور – أو رشيق الورداني كما تسميه بعض المصادر – وفتحت جزيرة "تساليا" أو "تسالونيك"، وكانت قاعدة مهمة للأسطول البيزنطي ينطلق منها إلى الشام ومصر. وبالاستيلاء عليها تم تأمين القوى الإسلامية في البحر المتوسط، بل وهاجمت منها – أي القوات الإسلامية – منطقة الدردنيل.

بيد أن هذه الفترة شهدت تطورًا مهما بشأن قبرص. بحسب دياب، كثيرًا ما كانت تخرج هذه الجزيرة عن سياستها الحيادية من الصراع بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية لصالح الأخيرة، والتي حاولت إعادة سيطرتها على الجزيرة عبر تضييق الخناق على تحركات الأسطول الإسلامي شرق البحر المتوسط، لذا انطلقت حملة عام 910م بقيادة حاكم طروس العباسي، وكان اسمه "داميانا"، لإخضاع قبرص، وهو ما تحقق، وبالتالي أصبحت هذه الجزيرة تحت سيطرة المسلمين وقاعدة عسكرية مهمة لهم، ومنطقة تجمع للأساطيل المهاجمة للبلاد الخاضعة للروم.

غير أن البيزنطيين تمكنوا من استعادة سيطرتهم التامة على الجزيرة في عهد الإمبراطور نقفور فوكاس سنة 965م، وألحقوا الهزيمة بالأسطول الإسلامي بعدما انتهزوا فرصة الضعف الذي تعرضت له الدولة الطولونية في أواخر عهدها.

ومن القواعد البحرية المهمة التي سيطر عليها المسلمون في البحر المتوسط جزيرة "إقريطش" أو "كريت". يروي دياب، أن المسلمين شرعوا في الإغارة على هذه الجزيرة في عهد الخليفة هارون الرشيد، لكن السيطرة عليها بشكل كامل لم تتحقق إلا في عهد الخليفة المأمون، وذلك على يد عدد من المهاجرين الأندلسيين الذين دخلوا الجزيرة واستقروا بها سنة 826م، إثر اضطرارهم إلى ترك بلادهم في أعقاب ثورة قاموا بها في قرطبة أيام الأمير الحكم بن هشام.

ويذكر دياب، أن اعتراف حكام كريت المسلمين بالتبعية للعباسيين جعل هذه الجزيرة بمثابة قاعدة بحرية مهمة للأسطول الإسلامي شرق البحر المتوسط، إذ غدت كريت تابعة لولاية مصر إداريًا، وصارت الإمدادات تصلها من مصر والشام، وفي الوقت نفسه عمل مسلمو كريت على تكوين وحدات بحرية خاصة بهم، وساعدهم على ذلك غابات منطقة "إدّا" بالجزيرة التي أمدتهم بحاجتهم من أخشاب السفن.

وخلال السنوات والعقود المتتالية، حاول البيزنطيون استعادة الجزيرة عبر حملات بحرية هائلة وضخمة الجند والعتاد، إلا أن جميعها باء بالفشل، وظلت "إقريطش" خاضعة لسيطرة المسلمين حتى زمن الإمبراطور رومانوس الثاني الذي أرسل قائده نقفور فوكاس على رأس حملة كبيرة، فأعاد الجزيرة إلى الإمبراطورية سنة 961م بعد حصار ضربه عليها لمدة تسعة أشهر متوالية.

وفي غرب المتوسط، لم تقل جزيرة صقلية أهمية عن الجزر الشرقية. ويروي دياب، أن الأغالبة في بلاد المغرب اتجهوا في عام 827م إلى فتح مدن وحصون هذه الجزيرة، ووجهوا أولى حملاتهم تجاهها بقيادة أسد بن الفرات، وعلى مدار عقود طويلة استولوا على مدينة تلو الأخرى إلى أن تحققت لهم السيطرة الكاملة عام 909م.

واتخذ أسطول الأغالبة هذه الجزيرة قاعدة له، ومن خلالها صارت سيادة الحوض الأوسط لهذا البحر في يدهم، وظلوا يعنون بتعزيز قواتهم ويحرصون على تتبع حركات أعدائهم في الدول الأوروبية، إلى أن قامت الخلافة الفاطمية في بلاد المغرب وقضى دعاتها على حكم الأغالبة في إفريقيا، ثم خلفهم الفاطميون في مد سلطانهم إلى جزيرة صقلية.

نقطة وثوب باتجاه السواحل الإيطالية

بيد أن فتح العرب لصقلية سبقه فتح لقاعدة بحرية مهمة مهدت الطريق لكثير من الفتوحات، وهي جزيرة "قوصرة" أو "بونتالاريا". يذكر الدكتور علي علّو، في دراسته "دور صناعة السفن وأثرها في فتح الأندلس وجزر البحر المتوسط" أن المسلمين فتحوا هذه الجزيرة عام 747م على يد القائد العربي عبد الرحمن الفهري، وكان لها أثر كبير في تأمين الدفاع عن سواحل إفريقيا الإسلامية، كما كانت نقطة وثوب باتجاه صقلية والسواحل الإيطالية.

ولم يختلف الأمر كذلك بالنسبة لجزر البليار، فقد كان الفتح الإسلامي الأول لها سنة 708م على يد عبدالله بن موسى بن نصير، ولكن لم تستقر أقادم المسلمين في هذه الجزر إذ نازعهم الفرنجة في السيادة عليها، فكانت السيادة الإسلامية على هذه الجزر أحيانًا، ثم تنحسر أحيانا أخرى، إلى أن فُتحت سنة 901م على يد عصام الخولاني في عهد الأمير الأموي في الأندلس عبدالله بن محمد، وقد اختط الخولاني بالبليار مدينة جديدة دعيت باسم "ميورقة" وجعلها عاصمة للجزر، وبُني بها مساجد وفنادق وحمامات.

وبحسب علّو، اتخذ رجال الأسطول الإسلامي من الجزيرة وموانئها البحرية قواعد للهجوم على أهدافهم في الحوض الغربي للبحر المتوسط، وملاجئ يحتمون بها من الأخطار، وكانوا يقيمون فيها كما يشاؤون بين أهليها المعاهدين دون أن يتعرض لهم أحد بسوء.

قواعد لصناعة السفن

ولم يقتصر استخدام المسلمين لجزر ومدن البحر المتوسط كقواعد عسكرية فحسب، إذ كان بعضها من أهم دور صناعة السفن بجانب مهمتها الحربية. يشير علّو إلى أنه في عام 869م فتح الأغالبة جزيرة مالطة، وأنشؤوا بها دارًا لصناعة السفن من أشجار الصنوبر التي تكثر بالجزيرة، وفي الوقت نفسه أصبحت مالطة قاعدة بحرية مهمة استخدمها المسلمون لتأكيد سيادتهم على البحر المتوسط، وتأمين سلامة القواعد البحرية ودور الصناعة في صقلية وشمال إفريقيا.

الأمر كذلك لمدينة المرّية الأندلسية، والتي كان سورها يمتد من ناحية الشرق في داخل البحر المتوسط، ومنها كان يخرج الأسطول الأندلسي للغزو، حسبما يذكر علّو.

وكانت قاعدة "طركونة" البحرية الواقعة في الشمال الشرقي من الأندلس بين برشلونة وطرطوشة، واحدة من أهم قواعد المسلمين البحرية في القرن الثالث الهجري، وكانت الأساطيل تخرج منها لغزو سواحل الفرنجة. أما طرطوشة، فكان بها دار صناعة سفن تعتمد على أشجار الأرز، كما كانت من قواعد الأندلس البحرية، وخرج منها في سنة 829م أسطول إسلامي إلى جزيرة صقلية لمساعدة المسلمين بها، كما كانت منطلقًا لكثير من حملات الأسطول الإسلامي على بلاد الفرنجة، وملجأً آمنًا لهذه الأساطيل.

ولم يختلف الأمر في مدينة "دانية" الواقعة على ساحل الأندلس الشرقي، إذ كانت من دور صناعة السفن المهمة والكبيرة في الأندلس لوجود غابات الصنوبر حولها، وكانت قاعدة بحرية مهمة منذ عهد الأمويين.

ووُجدت أيضًا دار صناعة في "أسكميرة" أو "أشكميوس"، وهي جزيرة تقع في مدخل خليج قرطاجنة الأندلسي في الساحل الجنوبي الشرقي، وبسبب موقعها الاستراتيجي اتخذتها جماعات من مجاهدي البحر المسلمين قاعدة لهم في القرن الثالث الهجري، قبل الانتقال إلى القاعدة الجديدة التي وقع اختيارهم عليها وهي مرية بجانة سنة 844م. وبحسب علّو، تأثر مركز "أسكميرة" بانتقال هذه الجماعات منها وهبط مستواها فيما بعد.

تراجع حدود أوروبا

وأسفرت السيطرة العربية والإسلامية على جزر البحر المتوسط واتخاذها قواعد عسكرية عن نتائج عديدة، رصدها الدكتور حسين مؤنس في كتاب "تاريخ المسلمين في البحر المتوسط: الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية". يذكر أن هذا البحر لم يعد في فترة سيادة المسلمين عليه بحيرة داخلة في نطاق العالم الرومانى الأوروبي، بل صار من أوائل القرن الثامن الميلادى إلى منتصف الحادي عشر حدًا لهذا العالم، ومن ثم أصبحت الحدود الجنوبية لأوروبا هى سواحلها الجنوبية، بينما ارتفعت حدود الشرق حتى أصبحت عند جبال البرانس في جنوب غرب أوروبا (بين إسبانيا وفرنسا).

الأكثر من ذلك، أن جزر البحر الأبيض الكبرى والصغرى لم تعد داخلة في نطاق أوروبا، بل في نطاق آسيا وإفريقيا، ودخلت في هذا النطاق الأخير أجزاء كبيرة من "كلابريا" و"أبوليا" في جنوبي إيطاليا، وأصبحت السواحل الجنوبية للبلقان والسواحل الشرقية لإيطاليا والسواحل الجنوبية الأوروبية مناطق مهددة بغارات المسلمين، لذا تراجع السكان منها إلى الداخل، ومن ثم تعطلت الثغور الأوروبية الواقعة على البحر الأبيض طوال هذه الفترة ولم تعد المتاجر تصل إليها.

كما حُرمت الدولة البيزنطية من الجزء الأكبر من سواحلها ومرافئها الآسيوية والإفريقية، واضطرت أساطيلها إلى التراجع إلى مياه بحر إيجه، وحُرمت كذلك من السوريين الذين كانوا يقومون بأكبر نصيب من نشاطها التجاري البحري. وبينما كانت أساطيلها قبل الإسلام تقطع الحوض الشرقي للبحر الأبيض وتتنقل ما بين قرطاجنة والإسكندرية والبرلس وأنطاكية وصيدا وصور والقسطنطينية وسالونيك في حرية تامة، أصبح همها المرابطة في مياه بحر إيجه للحيلولة بين المسلمين وبين اقتحامه، بل جاء وقت اقتصر همها فيه على حراسة الدردنيل لمنع سفن المسلمين من ولوج بحر مرمرة وتهديد القسطنطينية، يقول مؤنس.

"بنود بيزنطية" لمواجهة قواعد المسلمين

وإزاء سيطرة المسلمين على قواعد البحر المتوسط اضطرت الدولة البيزنطية إلى تعميم نظام "البنود" وإدخاله في ولاياتها البحرية المواجهة للمسلمين. ففي القرن الثامن الميلادي تحولت ولاية أبيدوس على مضيق الدردنيل إلى بند بحري عُرف بـ"البند الإيجي"، يحكمه أمير بحر تحت إمرته أسطول يحمي بحر إيجه ومداخل الدردنيل من سفن المسلمين. وظهر كذلك ما يُعرف بـ"بند الكبيرين"، وحمل حاكم كل من البندين لقب "أمير البحر".

وبحسب مؤنس، كُلف حاكم البند الأول بحماية شواطئ آسيا الصغرى ومداخل بحر إيجه من المسلمين، وكان أميرا هذين البندين يقيمان في القسطنطينية ويتبعان الإمبراطور مباشرة، وتحت تصرف كل منهما أسطول كبير اشتمل على سفن صغيرة سريعة تسمى "القرابيز"، وبفضلها استطاع البيزنطيون منع المسلمين من دخول بحر إيجه، بل هددوا سواحلهم وموانيهم.

وخلال القرن التاسع الميلادي أُنشئ بند بحري جديد مركزه جزيرة "ساموس" اليونانية، مهمته مراقبة حركات المسلمين المسيطرين على جزيرة كريت وحماية مداخل البحر الأدرياتي وجنوب إيطاليا من غاراتهم.

وعلى هذا الأساس، لا يأتي استحضار هذا التاريخ بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل كمدخل لفهم التحول العميق في موازين القوة. فالجزر التي شكّلت يومًا خطوط دفاع متقدمة للعرب والمسلمين تحولت مع الزمن إلى ساحات نفوذ لقوى خارجية داخل المجال العربي نفسه. وهو تحول يوضح أن البحر المتوسط ظل، عبر العصور، ساحة صراع تعكس اختلال القوة أو توازنها، بحسب من يمتلك القدرة على السيطرة عليه.

الكلمات المفتاحية

الأكثر قراءة

1

العقل الأعوج.. صعود الصحافة الذاتية

يتناول روبرت مور التحول الجمالي والفكري في الكتابة غير الخيالية الأميركية، من الصحافة الأدبية التقليدية إلى "الصحافة الذاتية". شكل هجين يجمع بين التحقيق الصحفي والسيرة الذاتية والتأمل الفلسفي

2

نور عسلية: الهشاشة كامنة في كل عمل فنيّ

تبدأ نور عسلية مما هو ضئيل وهش وحساس، تثبّته وتجمده في لحظات هي مزيج من الهدوء والقسوة، من التأمل الدافئ إلى الخشونة الحادة

3

الموسيقات الإيرانية وموسيقاتنا.. التقليد بين التحديات والمساءلة

هل يمكن أن نعرّف الموسيقى بالهوية؟ وهل يُمكن أن تكون هناك "موسيقى عربية" أو "إيرانية" أو "فارسية" كما نتحدث عن لغات وأمم؟

4

المذكرات ذاكرةً ثقافية.. جين مقدسي وكتابة التاريخ غير الرسمي

المذكرات بابًا إلى التاريخ غير الرسمي، من خلال كتاب جين سعيد مقدسي: جدتي وأمي وأنا

5

الصوابية السياسية.. الحدود بين العدالة والرقابة

عن مفهوم الصوابية السياسية وجذوره وآثاره على المجتمعات، بين تحقيق العدالة وتقييد الحريات

اقرأ/ي أيضًا

جيفري إبستين

تسريبات جيفري إبستين: بُنى السلطة والمال والجيوبوليتيكس

يقدّم المقال قراءة تحليلية قائمة على ملفات جيفري إبستين، تكشف كيف تُنتج الشبكات المؤسسية المعقّدة فراغًا ممنهجًا في المساءلة، دون افتراض تواطؤ شامل، عبر تداخل المسارات القانونية والمالية والاجتماعية والإعلامية

مهيب الرفاعي

هندسة العتمة
هندسة العتمة

ضوء على المقاس: الكهرباء الإسرائيلية بوصفها هندسةً للعتمة في فلسطين

يتتبع المقال سياسات الإنارة والكهرباء في المناطق العربية الفلسطينية، منذ اللحظة الأولى لدخول التيار الكهربائي إلى البلاد، مرورًا بالنكبة فالنكسة، وما صاحبهما من استثمارٍ إسرائيلي في شبكات البنية التحتية كأدوات ضبط وهندسة

سجود عوايص

ثورة بلا إنترنت

ثورة بلا إنترنت في إيران: من قمع الشارع إلى إدارة الذاكرة

يتناول المقال فكرة قطع الإنترنت خلال الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، منطلقًا من أن الشبكة لم تُطفأ خارج إيران، إذ الدولة التي تتحكم بالجغرافيا لا تتحكم بالزمن العالمي، لتتشكل ظاهرة موازية: ثورة بلا إنترنت في الداخل، وثورة فائضة بالإنترنت في الخارج

حسن زايد

مرثيات وخوارزميات

مرثيات وخوارزميات: ثقافة الموت على منصات التواصل الاجتماعي

يناقش المقال من خلال الأبحاث العلمية وآراء متخصصين في مواقع التواصل الاجتماعي والأدب الرقمي، بعض أبرز التغييرات التي فرضتها مواقع التواصل الاجتماعي على ثقافة الموت

أحمد مستاد

تترقب شعوب القارة السمراء ما ستحمله القمة المقبلة للاتحاد الإفريقي (ميغازين)

تجريم الاستعمار في إفريقيا.. صراع قانوني أم مواجهة سياسية؟

يناقش المقال بحث قمة الاتحاد الإفريقي إصدار قانون يجرّم الاستعمار ويطالب بالتعويض، في خطوة تاريخية لمحاسبة القوى الاستعمارية واستعادة حقوق الشعوب الإفريقية المتضررة من جرائمها التاريخية القديمة

عبد الحفيظ سجال

المزيد من الكاتب

محمد شعبان

كاتب وصحفي مصري

بيعة بالإكراه.. "يمين الطلاق" في خدمة السلطان

لا يتردد الساسة دومًا في تطويع أي شيء يرونه ضروري لحماية عروشهم وتحقيق أهدافهم، لكن أن يتطرق الأمر إلى توظيف "يمين الطلاق" سياسيًا فهذا أمر غريب