اعتدنا طويلًا أن نتخيل التاريخ وهو يخرج من خزائن الدول، ومن المراسيم المختومة، ومن دفاتر المحاكم، ومن يوميات السياسة، ومن الشروح التي يسكبها المؤرخون لاحقًا على الوثيقة الباردة كي يمنحوها لحمًا إنسانيًا ومعنى عامًا. كان التاريخ بهذا المعنى ابن الأرشيف السيادي: ما تحفظه الدولة يدخل في الذاكرة، وما تهمله يتآكل في الهامش، وما يدوّنه المؤرخ يُمنح شرعية السرد. غير أن هذا المشهد لم يعد يفسّر حاضرنا بما يكفي؛ فـ"اليونسكو" نفسها اليوم تتحدث عن المنصات الرقمية بوصفها فضاءات تتيح فرصًا غير مسبوقة لحفظ الذاكرة الجماعية ودمقرطتها، وتمكّن الجماعات المهمّشة من المشاركة في تشكيل تراثها وروايته
في مراجعة أكاديمية حديثة لحقل الذاكرة الرقمية، يُشار إلى أن المنصات لا تغيّر فقط طريقة تداول الماضي، بل أيضًا تعيد تشكيل التذكّر والنسيان عبر التنسيق الخوارزمي، وتنتج ممارسات جديدة مثل الإحياء التذكاري عبر الوسوم، والذاكرة الميمية، والنشاط الذاكري الرقمي. وحتى على المستوى النظري الأوسع، بات التحول الرقمي يُقرأ بوصفه انتقالًا من السرد بوصفه الشكل المهيمن للذاكرة إلى قاعدة البيانات بوصفها صورتها الثقافية الجديدة، ومن الإنسان بوصفه الفاعل الوحيد إلى ذاكرة موزعة بين فاعلين بشريين وغير بشريين.
بهذا المعنى أصبحت المسألة لا تقتصر على من يملك الوثيقة، صارت على من يملك البنية التي تجعل الوثيقة مرئية أصلًا؟ من الذي يقرر أن صورةً ما ستستعاد وأن مقطعًا ما سيُدفع إلى ملايين الشاشات وأن شهادةً ما ستبقى قابلةً للعثور عليها، بينما تُدفن شهادات أخرى تحت ركام النسيان الرقمي؟ هنا يتشقق الاحتكار القديم. فالدولة لا تزال تملك جزءًا من الآلة، والمؤرخ لا يزال يملك سلطة التأويل، لكن المنصة باتت تملك لحظة المرور الإجباري: هي الممر الذي تعبر منه الشهادة إلى الجمهور وهي المصفاة التي تحدد أي أثر رقمي يصبح حدثًا عامًا، وأي أثر آخر يظل مجرد ضجيج خاص. لذلك لم يعد التاريخ في زمننا يُكتب فقط بالحبر والقلم والوثيقة، بل أيضًا بالواجهة وبقاعدة البيانات وبترتيب النتائج وباحتمال ظهورها على الشاشة.
حين يصير الأرشيف تدفقًا
كان الأرشيف الكلاسيكي يقوم على الثبات: ملف يدخل الخزانة، فيصير شاهدًا على زمنه. أما الأرشيف الرقمي فليس خزانة بقدر ما هو تيار متواصل من المنشورات والصور والتعليقات والوسوم والمقاطع القصيرة ومشاركة ردود الفعل على أحداث الواقع. ولهذا تؤكد دراسات الذاكرة الرقمية أن وسائل التواصل الاجتماعي تربك التمييز القديم بين الذاكرة الاحتفالية والذاكرة اليومية؛ فما كان يُفترض أنه عابر، كتعليق أو مشاركة أو (ستوري)، صار قابلًا لأن يُستعاد لاحقًا بوصفه أثرًا تاريخيًا. لقد أصبح الماضي يُنتج على مدار الساعة، في كل ضغطة إعجاب، وفي كل هاشتاغ، وفي كل تداول يعيد تثبيت واقعة ما في المجال العام. ومع هذا الفيضان يصبح السؤال: أي نسخة من الحدث نجت من التيار؟ وأيها عُرضت علينا باعتبارها النسخة الأوضح أو الأهم؟
هنا تظهر الخوارزمية بوصفها محررًا زمنيًا جديدًا. فشركة "ميتا" (Meta)تصرّح بأن الـ"feed" يُشخَّص لكل مستخدم عبر أنظمة تعلّم آلي ترتّب المحتوى لأن كمية المنشورات أكبر من أن تُستهلك في جلسة واحدة. و"يوتيوب" يشرح أن توصياته تقارن عادات المشاهدة الفردية بعادات مستخدمين مشابهين، وأن نظامه يتعلم يوميًا من أكثر من 80 مليار إشارة. أما "تيك توك" فيقول صراحة إن صفحة "For You" تتشكل عبر ترتيب الفيديوهات بحسب مجموعة من العوامل، من التفاعلات والوسوم إلى مدة المشاهدة الكاملة، مع إعطاء بعض الإشارات وزنًا أعلى من غيرها. هذا يعني أن الماضي لم يعد يصل إلينا وفق تسلسله الزمني، إنما وفق احتمالات الاهتمام المتوقعة حسابيًا؛ أي ما يرجّح أنك ستكمله أو تشاركه أو تمكث عنده أكثر. وهكذا يتحول الأرشيف من سجل للوقائع إلى تدفق مُدار بالاحتمال، ومن ذاكرة مرتبة بالزمن إلى ذاكرة مرتبة بالتفاعل.
الخوارزمية بوصفها مؤرخًا أعمى
ليست الخوارزمية مؤرخًا بالمعنى الكلاسيكي؛ فهي لا تعرف دلالة الحرب، ولا تميّز بين شهادة ناجٍ وبين إشاعة مُتقنة الصنع، ولا تفهم مأساة أمٍّ فقدت ابنها كما يفهمها الإنسان. لكنها مع ذلك تؤدي وظيفة أخطر من وظيفة المؤرخ، في اللحظة الأولى: إنها تمنح الظهور أكثر من المعنى. ولا تكتب الوقائع من الصفر لكنها تكتب شروط إمكان حضورها في المجال العام. من هنا جاءت أهمية الإشارة الأكاديمية المتزايدة إلى أن المنصات وخوارزمياتها باتت (فاعلين مهيمنين) في حقل الذاكرة، لأنها تحدد ما يراه المستخدم العادي وأيضًا ما يستطيع الباحثون أنفسهم الوصول إليه أو عدم الوصول إليه من بيانات. وإذا كانت السلطة القديمة تحتكر الوثيقة، فإن السلطة الجديدة تحتكر الوصول إلى الوثيقة، وتتحكم في درجة وضوحها، وسرعة انتشارها وقابليتها للعثور عليها، بل وحتى في اللغة التي تُقدّم بها أسباب حذفها أو تقييدها.
ولأن السلطة لم تعد قابلة للاختزال في الرقابة التقليدية وحدها، جاءت محاولات تنظيمية جديدة مثل قانون الخدمات الرقمية الأوروبي لكي يكشف بعض منطقه أمام الجمهور والباحثين. فالقانون يفرض على المنصات تبيين أسباب إزالة المحتوى أو تقييد الوصول إليه في (بيانات أسباب) قابلة للنشر العلني، وقد أطلقت المفوضية الأوروبية بالفعل قاعدة شفافية تتيح الاطلاع على هذه البيانات والبحث فيها وتنزيلها. كما أتاح القانون مسارات لوصول الباحثين إلى بيانات المنصات الكبرى من أجل دراسة المخاطر المنهجية وفحص أثر أنظمة التوصية والتخفيف من أضرارها. إن مجرد الحاجة إلى مثل هذا القانون تكشف أن المسألة أصبحت كيف ستستطيع الخوارزمية أن تشرح لنا، ولو جزئيًا، كيف ستتدخل في صناعة الذاكرة.
هشاشة الذاكرة الرقمية
قد يُخيّل إلينا أن عصر التوثيق الشامل قد حرر الماضي من الفناء، لكن مؤشرات الأرقام تقول عكس هذا؛ فـ"مركز بيو للأبحاث" وجد أن ربع الصفحات التي وُجدت في الفترة ما بين 2013 و2023 لم تعد متاحة بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأن 38% من صفحات 2013 اختفت بعد عقدٍ واحد فقط. وعلى مستوى البنية المرجعية للمعرفة، تبيّن أن 54% من صفحات ويكيبيديا الإنجليزية تحتوي على رابط مرجعي واحد على الأقل لم يعد يعمل، وأن 23% من صفحات الأخبار و21% من صفحات الجهات الحكومية تحتوي على روابط معطّلة.
أما على شبكات التواصل، فقد أظهر تتبّع ما يقارب خمسة ملايين تغريدة جُمعت في الزمن الفعلي أن 18% منها لم تعد مرئية للعامة خلال أشهر قليلة، مع معدلات اختفاء مرتفعة جدًا في التغريدات العربية خصوصًا والتركية. هكذا نكتشف أن الوفرة الرقمية ليست دليلًا على الخلود الرقمي؛ فمن السهل إنتاج الأثر، لكن الأصعب بكثير هو أن يظل قابلًا للوصول، وأن يحافظ على صلته بسياقه، وأن يبقى شاهدًا صالحًا في المستقبل.
لهذا السبب تبدو المؤسسات الأرشيفية الكبرى نفسها في موقف صعب أمام سرعة المنصات. فمكتبة الكونغرس الأميركية أعلنت عام 2017 أنها تحتفظ بمجموعة آمنة من نصوص تغريدات السنوات الاثنتي عشرة الأولى لمنصة "تويتر"، لكنها قررت منذ 2018 الانتقال من الجمع الشامل إلى الجمع الانتقائي، مبررةً ذلك بتغيّر المشهد الاجتماعي والتقني وشروط الاستخدام والاعتبارات المتعلقة بالخصوصية والكلفة والاستدامة.
كما توضّح "مؤسسة سميثسونيان" أن أرشفة الويب ووسائل التواصل هي دائمًا (أفضل محاولة) لا أكثر، لأن الخوادم قد تتعطل، والمحتوى قد يستعصي التقاطه بالكامل. وفي فلاندرز وبروكسل، وصف مشروع "meemoo" الاجتماعي أرشفة وسائل التواصل الاجتماعي بأنها ميدان ما يزال فيه القليل جدًا من المحتوى محفوظًا، وأن المنصات هي من تخلق أحيانًا عوائق تقنية وقانونية تجعل الأرشفة مستحيلة أو شبه مستحيلة. فالرقمنة بهذه الصيغة أعادت تعريف خطر الضياع، فأصبح تعديل الشروط وإغلاق الواجهة البرمجية وإخفاء الروابط وخصخصة الحسابات أفعالًا مميتة للأرشيف كتأثير الأرشيف في الماضي.
انكسار احتكار الدولة للأرشيف
لم يمت دور الدولة في زمن الذاكرة الرقمية، لكنها فقدت احتكارها القديم لكتابة التاريخ. فالأرشيفات الوطنية ما تزال تعمل بوصفها مصانع للذاكرة الرسمية، غير أنها لم تعد تلاحق الماضي في الورق وحده، بل توسعت لتشمل الخوادم والمنصات والشبكات الاجتماعية. والإدارة الوطنية الأميركية للأرشيف والسجلات تؤكد أن سجلات وسائل التواصل يجب أن تُحفظ ضمن أنظمة رسمية، وألا تُحذف إلا وفق جداول إتلاف معتمدة، كما تُجمَّد مواقع البيت الأبيض في نهاية كل إدارة، ويُنقل محتواها، بما فيه المحتوى الرسمي على وسائل التواصل، إلى الأرشيف الوطني بوصفه جزءًا من السجل الرئاسي. وهذا يعني أن الدولة لم تتنازل عن دورها في تثبيت روايتها للماضي، وانتقلت إلى معركة الاستبقاء الرقمي.
ما تغيّر فعلًا هو سقوط الادعاء بأن الدولة والمؤرخ وحدهما يملكان حق تحويل الحدث إلى تاريخ؛ فقد ظهرت مشاريع مجتمعية وأخلاقية مثل (Documenting the Now)، تسعى إلى حفظ المحتوى العام المنشور على الويب ووسائل التواصل بطريقة تراعي نية المستخدم وحقوقه لا بوصفه مجرد بيانات خام. كما تشير "اليونسكو" إلى أن المنصات التعاونية مثل ويكيبيديا تمنح المجتمعات قدرة أكبر على رواية قصصها بأصواتها الخاصة خارج منطق النشر الهرمي التقليدي. وهنا لا يختفي المؤرخ كما أشرنا آنفًا، لكنه يفقد موقعه القديم كبوابة وحيدة للذاكرة، ويصبح واحدًا من عدة فاعلين يتنافسون على تحديد ما سيبقى من العالم.
في المقابل، لا تعمل المنصات الحديثة بمنطق الأرشيف الصريح، إنما بمنطق الترند: السطوع السريع، الترجيح الخوارزمي، ثم الاختفاء التدريجي. فالترند لا يعكس دائمًا ما هو أهم تاريخيًا، إنه يركز على ما هو أكثر قابلية للاشتعال اللحظي. وتظهر دراسات الذاكرة الرقمية أن المنصات لا تستعيد الماضي ببراءة، لكنها تصنّفه وترتّبه بما قد يرغب المستخدم في رؤيته. لذلك يتحول الماضي إلى مادة جاهزة للعرض، خاضعة للحذف والتأجيل والربط، لا إلى ذاكرة محايدة وحرة.
من هنا يصبح الترند آلة نسيان انتقائي، فما يظهر ليس بالضرورة ما يحتاجه المؤرخ بعد عقود، بل ما تتوقع الخوارزمية أنه سيجذب المشاهدة أو التفاعل أو إعادة النشر أو إبقاء المستخدم لثوانٍ أطول. فـ"ميتا" و"يوتيوب" و"تيك توك" وغيرها من المنصات ترتّب المحتوى بناءً على مؤشرات الاهتمام والتفاعل، وبذلك يكون الخطر في حذف الوقائع، والأهم من هذا في اختزال الذاكرة العامة إلى اقتصاد الانتباه، حيث يبقى ظاهرًا ما كان أكثر قابلية للاستهلاك، لا ما كان أصدق أو أعدل أو أعمق دلالة.
إذن، من يكتب التاريخ اليوم؟ ليس الدولة وحدها، ولا المؤرخ وحده، ولا حتى الخوارزمية وحدها. التاريخ صار يُكتب عبر سلسلة متشابكة: فالشاهد يُنتج الأثر الأول، والمنصة تؤطره، والخوارزمية ترجّح ظهوره أو اختفاءه، فسياسات الإشراف قد تحذفه أو تقيده، وأخيرًا يحاول الأرشيف الرسمي أو المجتمعي إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولاحقًا يأتي المؤرخ ليضع بصمته فيحوّل هذا الركام إلى سردية مفهومة. وهكذا نفهم أن الخوارزمية لا تكتب التاريخ مباشرة، لكنها تعيد تشكيل المادة التي سيعمل عليها المؤرخ.
لذلك علينا التأكيد على أن معركة الذاكرة تدور حول صدق الرواية تارة، وحول بنية الحفظ تارةً أخرى: من يملك الخوادم؟ من يضع قواعد الظهور؟ من يقرر شروط الوصول؟ ومن يمتلك حق أرشفة ما ينتجه الناس جماعيًا؟ والديمقراطية اليوم تحتاج إلى عدالة التذكّر؛ فالتاريخ الذي سيقرؤه المستقبل سيُكتب في الكتب وفي الشيفرة والأرشيفات الرقمية، وما استطاع البقاء مرئيًا.